إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (24)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه الآيات تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي نفس الوقت فيها تهديد ووعيد للمنافقين والكافرين، حيث يذكر الله حال الأمم السابقة وما كانوا عليه من القوة والشدة، إلا أنهم حين خاضوا في الشر والباطل والنفاق أحبط الله أعمالهم في الدنيا، وأعد لهم يوم القيامة عذاباً أليماً، وفي هذا إشارة إلى ما ينتظر أهل النفاق والكفر من الخزي والعذاب.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة التوبة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة التوبة المدنية المباركة الميمونة -جعلنا الله وإياكم من أهلها- فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوة الآيات مجودة مرتلة، ثم نتدارسها معاً إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ * كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [التوبة:67-70].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ [التوبة:67]، بالأمس في مثل هذا الوقت عرفنا حقيقة النفاق.

    علامات النفاق واشتراك المنافقين والمنافقات فيها

    فالنفاق: هو إبطان وإخفاء الكفر بالله ولقائه.. بالله ورسوله.. بالله وشرعه، وإظهار إسلامهم باللسان، فيصلون مع المصلين، وقد يخرجون مجاهدين مع المجاهدين، وفي نفس الوقت هم ما آمنوا بالله ولا بلقائه، وهؤلاء هم المنافقون، فالذي يبطن ويستر ويخفي الكفر ولا يقول أبداً بلسانه هو كافر، وإنما يبطنه في قلبه ويعمل الأعمال الدالة على الإسلام؛ ليستر حاله حتى لا يفضح بين الناس، أو يطرد من حي المسلمين أو يقتل، فهؤلاء المنافقون خطرهم عظيم، وفيهم نزلت هذه الآيات البينات، وكانت سبب هداية الكثيرين منهم، فالله ما أنزل هذه الآيات إلا ليهديهم إلى الصراط المستقيم، ومن أصر وعاند وجاحد وكابر ونسي الله تركه الله عز وجل ولم يهده ولم يصلحه، وعاقبته والعياذ بالله العذاب المقيم.

    ونبهنا بالأمس إلى أن المنافقين إذا كانوا بين المسلمين فهناك علامات تدل عليهم، وبين هذه العلامات رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان )، فلو جربت فرداً من أفراد الناس.. في مدينة.. في قرية.. في الشرق أو الغرب، ووجدته كلما حدث كذب، وكلما واعد أخلف، وكلما اؤتمن خان احلف بالله إنه لمنافق ولا تشك، ولن يتم هذا إلا لمنافق، كلما يحدث يكذب للمؤمنين، كلما يعد يخلف تعمداً لأذية المؤمنين، كلما يؤتمن على أمانة يخونها.

    إذاً: والله ما هو بمؤمن، ووالله إنه لمنافق.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: ( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه خصلة منهن؛ كانت فيه خصلة من النفاق )، الثلاث الأولى والرابعة: ( وإذا خاصم فجر )، فهذا الذي لا يؤمن بلقاء الله، ولا بالجزاء في الدار الآخرة على أعمال الدنيا إذا خاصم يخرج عن العدل والحق ويكذب ويقول الباطل، وهذه علامة من علامات النفاق، عافانا الله وإياكم منه.

    أخبر تعالى عن المنافقين بقوله: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة:67]، كأنهم ولد امرأة واحدة ولا فرق بينهما، فالمرأة كالذكر؛ لأن اتحادهم في القلب على الكفر وعداوة الإسلام جمع بينهم، فهم صورة واحدة.

    من علامات النفاق الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف

    قال تعالى: يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ [التوبة:67]، وهذه علامة بارزة على النفاق، فالمعروف الأمر بالمعروف وليس بالمنكر، وهؤلاء يأمرون بالمنكر الذي أنكره الشرع، ولم يقره ولم يقبله وتوعد عليه، ووضع حدوداً لذلك، وهذا المنكر هو الذي يأمرون به.

    وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ [التوبة:97] والمعروف الذي هو الخير وما ينفع البشرية، وما يهدي إلى طريق الله ينهون عنه، على عكس المؤمنين، فالمؤمنون الصادقون: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104].

    من علامات النفاق عدم الإنفاق في سبيل الله

    ثالثاً: وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ [التوبة:67]، أي: عن الإنفاق في سبيل الله، فلا يبسط أحدهم يده؛ ليخرج ديناراً أو درهماً في سبيل الله، فلو كان في سبيل الشيطان ينفقون، لكن من أجل الإسلام ونصرة دين الله، أو إطعام فقراء المسلمين ومساكينهم لا يخرجون درهماً ولا ديناراً، وإن فعلوا فلكسب السمعة أو لدفع المضرة عليهم أو الوهن.

    من علامات النفاق نسيان ذكر الله ونسيانه سبحانه وتعالى لهم

    رابعاً: نَسُوا اللَّهَ [التوبة:67] أي: لم يذكروه؛ لأنهم ما آمنوا به ولا بالرسول ولا بلقائه، نسوه فما ذكروه، فإذا لم يذكروا الله كيف يعبدوه؟ وإذا نسوا الله نسوا شرعه من باب أولى، لا يقومون بواجب أبداً ولا ينتهون عن محرم؛ وذلك لنسيانهم، وهذا النسيان معناه إعراض بالكل فلا يلتفتون إلى ما جاء عن الله.

    فَنَسِيَهُمْ [التوبة:67] أي: نسيهم الله، أي: تركهم في خوضهم يعمهون ويتخبطون، فمن تاب تاب الله عليه، ومن لم يتب هو في جملة أهل الوعيد الشديد.

    فسق المنافقين

    وقوله بعد ذلك: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [التوبة:67]، والحمد لله، فلم يقل: (الفاسقون هم المنافقون)، فالصحابة كانوا فرحوا بمثل هذه الآية، فالحمد لله ما قال: (والفاسقون هم المنافقون) فيدخل كل فاسق.

    والفسق معناه: الخروج عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ بترك الواجبات أو بفعل المحرمات، وهذا قد لا يسلم منه إلا من عصمه الله عز وجل، فما كل من زنى كفر، ولا كل من سرق كفر، ولا كل من قال باطلاً خرج من الملة وأصبح كافراً. بل عليه أن يتوب فقط وباب الله مفتوح، وإسلامه في قلبه وإيمانه في نفسه، لكن المنافق فاسق، فلا يوجد منافقاً غير فاسق، ويوجد المؤمن الذي لا يفسق، ولكن لا يوجد منافق غير فاسق، مادام كفر بالله ولقائه، وبمحمد صلى الله عليه وسلم ورسالته فكيف سيعبد الله؟ وكيف يحل ما أحل الله، ويحرم ما أحل الله؟

    فهذا التسجيل عليهم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [التوبة:67].

    وعيد الله للمنافقين بعذاب النار والخلود فيها

    ثم قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ [التوبة:68]، أي: وعدهم حتى إذا سمعوا: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ [التوبة:68] يفرحون؛ لأن الوعيد غير الإيعاد.

    وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ [التوبة:68]، أي: هذا جزاؤهم، وهذا مصيرهم، وهذه نهاية كدحهم وعملهم؛ أن يخلدوا في جهنم.

    وأخيراً: وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ [التوبة:68]، ومن لعنه الله معناه طرده وأبعده من رحمته كما لعن الله إبليس، أي: أبلسه وأيأسه من رحمة الله، وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ [التوبة:68] أي: أبعدهم من ساحة الخير والفضائل والكمالات في الدنيا، ومن الجنة دار النعيم في الدار الآخرة، فهم ملعونون مطرودون.

    وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [التوبة:68]، أي: لا يزول ولا يحول ولا يرحل ولا ينزل، بل قائم دائماً وأبداً ألا وهو عذاب يوم القيامة، ألا وهو الخلود في عالم الشقاء؛ في النار والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة...)

    ثم قال الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: قل لهم حالكم أيها المنافقون كالذين من قبلكم، وفي نفس الوقت تسلية للرسول وتعزية له؛ لأن منافقي المدينة ليسوا بخلاف المنافقين الأولين، فقد سبقهم منافقون بالآلاف، فقال تعالى: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا [التوبة:69]، أي: المنافقون الذين كانوا مع الأنبياء والرسل السابقين، كانوا أكثر من منافقي المدينة أموالاً وأولاداً.

    فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ [التوبة:69]، أي: بما كتب الله لهم وأعطاهم من حظوظ في هذه الدنيا، وما قضى به في كتاب المقادير، (فاستمتعوا بخلاقهم) أي: بنصيبهم في هذه الحياة.

    فَاسْتَمْتَعْتُمْ [التوبة:69] أنتم بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا [التوبة:69]، أي: خضتم في الشر والباطل والنفاق والكفر، كالذي خاضه من قبلكم سواء بسواء، فهم هلكوا، إذاً: فسيهلك هؤلاء.

    أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [التوبة:69]، أي: أولئك البعداء الذين ينسون الله ولا يذكرونه ويعصونه ولا يطيعونه، ويقفون موقف العداء للإسلام وأهله؛ هؤلاء وهم يلبسون لباس المسلمين ويدعون أنهم مسلمون، وهؤلاء حالهم كحال أمم سبقت أيضاً وأهلكهم الله أجمعين، فسوف يلحق هؤلاء بأولئك، لهذا قال تعالى: حالكم كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا [التوبة:69] أي: في هذه الأيام بِخَلاقِهِمْ [التوبة:69] أي: بنصيبهم من الدنيا، فَاسْتَمْتَعْتُمْ [التوبة:69] أيضاً: بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ [التوبة:69] في الباطل والشر والكفر والنفاق كما خاضوا، كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ [التوبة:69] المذكورون البعداء حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا [التوبة:69]، فأين آثارها؟

    هلكوا، وفي الآخرة: وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [التوبة:69]، والخسران في الدار الآخرة: هو حرمان العبد من الجنة دار السلام، ثم استقراره في النار دار الشقاء والبلاء والعذاب، ولولا خسرانه لكان في الجنة، فلما أخرج منها وأبعد ودخل النار خسر الجنة وفقدها، وخسر قصور الجنة.

    وهذا هو الخسران المبين، فليس خسران دينار أو درهم أو شاة أو بعيراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم...)

    ثم قال تعالى: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [التوبة:70]، هؤلاء المنافقون الكافرون الفاسقون، ألم يأتهم خبر من أخبار الأمم السابقة مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ [التوبة:70]، فقوم نوح ظل يدعوهم إلى الله ألف سنة، وفي النهاية كانت عاقبتهم الطوفان والغرق الكامل؛ لكفرهم وعنادهم ككفر هؤلاء وعنادهم.

    قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ [التوبة:70]، فعاد كانت أقوى الأمم على سطح الأرض، أهلكهم الله بريح عاصفة سبع ليالٍ وثمانية أيام فأين هم؟

    وثمود في الشمال كانت أمة ذات مال وذات سلطان ودولة، ما هي إلا صيحة واحدة خرجت قلوبهم فماتوا.

    وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ [التوبة:70]، فالبابليون أهلكهم الله، والنمرود أهلكه الله بذبابة، فأصابهم من البلاء والشقاء والعذاب الأليم.

    وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ [التوبة:70]، وهؤلاء أهلكهم الله بالرجفة.

    وَالْمُؤْتَفِكَاتِ [التوبة:70] وهم قوم لوط، والمؤتفكات ثلاث مدن: سمود وعمورة وأرمة، وهذه البلاد الثلاث هي عواصم، نزلت عليهم أمطار لا نظير لها فدمرتهم، ثم رفعت تلك البلاد من أسفل وقلبت على فوق فأتفكت فهي مؤتفكة، وأماكنها موجودة الآن وهي البحر الميت في الأردن وفلسطين.

    أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [التوبة:70]، أي: تلك الأمم التي غبرت ودمرها الله وأهلكها، لم يظلمهم الله وحاشاه، فقد أطعمهم وسقاهم وأوجدهم، وأرسل رسله إليهم وأنزل كتبه عليهم ودعوهم إلى أن يستقيموا فأبوا إلا الاعوجاج، دعوهم إلى أن يطهروا وأبوا إلا الخبث وأصروا على ذلك فانتقم الله وهذا جزاؤهم.

    ولهذا قال تعالى: فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [التوبة:70]، فالهلاك الذي أصاب تلك الأمم ما كان من الله ظلماً مطلقاً، ولكن كان عدلاً وحقاً.

    والذين يصرون أيضاً على هذا الخبث والشر والفساد فمصيرهم واحد.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    أذكركم بهداية هذه الآيات تأملوها:

    [أولاً: إن المنافقين لما كان مرضهم واحداً -لا يختلف-، وهو الكفر الباطني كان سلوكهم متشابهاً]؛ دل على هذا قوله تعالى: بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة:67].

    [ ثانياً: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف علامة النفاق، وظاهرة الكفر وانتكاس الفطرة ].

    يا عبد الله! يا أمة الله! اعلم أن الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف علامة النفاق، وظاهرة الكفر وانتكاس الفطرة البشرية، فالمفروض أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، فإذا انتكسنا وأصبحنا نأمر بالمنكر وننهى عن المعروف يكون مسخ كامل للفطرة؛ لقوله تعالى: يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ [التوبة:67].

    [ ثالثاً: الاغترار بالمال والولد من عوامل عدم قبول الحق والإذعان له والتسليم به ]، فمن اغتر بماله وأولاده؛ هذا الاغترار من عوامل عدم قبول الحق، لما لم يقبل الحق ولم يذعن له ولم يسلم به مغرور بماله وأولاده، وإياك أن تغتر يا عبد الله! بمالك أو ولدك، وعليك لزوم بابه سبحانه وتعالى.

    [رابعاً: تشابه حال البشر، واتباع بعضهم لبعض في الباطل والفساد والشر]. والله العظيم! تشابه حال البشر قديماً وحديثاً، واتباع بعضهم لبعض في الباطل والفساد والشر، فالمنافقون في المدينة والكفار في مكة وقبلهم أمم جنس واحد، وإلى الآن الكفر والنفاق جنس واحد؛ لقوله تعالى: فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا [التوبة:69]، أي: خضتم في الباطل والشر كالذي خاضوا فيه هم.

    [خامساً: حبوط الأعمال وبطلانها.. حبوط الأعمال بالباطل وهلاك أهلها أمر مقضي به لا يتخلف ] حكم الله.

    حبوط الأعمال: أي: بطلانها.

    الأعمال: أي: أعمال الباطل للباطل.. حبوطها وهلاك أهلها أمر قضى به الله ولا يتخلف؛ لقوله تعالى: أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [التوبة:69].

    [سادساً: وجوب الاعتبار بأحوال السابقين والاتعاظ بما لاقاه أهل الكفر منهم من عذاب].

    وجوب الاعتبار بالنسبة إلينا.. يجب علينا أن نعتبر بأحوال السابقين والاتعاظ بما لاقاه أهل الكفر من خزي وعذاب.

    والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966301395

    عدد مرات الحفظ

    711249749