إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (21)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان فريق من المنافقين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصفه بما هو بريء منه، ويختارون لذلك عبارات غير واضحة الدلالة والمقصد، ثم يحلفون للذين آمنوا بأنهم ما سخروا منه صلى الله عليه وسلم ولا عابوه، وقد فضح الله أمرهم وبين أن رسول الله أذن خير للمؤمنين، ورحمة لعباد الله الصالحين، لا كما يزعم المنافقون من كونه أذن شر، ثم حذرهم سبحانه من عاقبة محادة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن...)

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن ما زلنا مع سورة التوبة المدنية -تاب الله علينا وعلى كل مؤمن ومؤمنة-، ومع هذه الآيات الثلاث فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم بعد ذلك نتدارسها، والله يفتح علينا وينفعنا بما يعلمنا.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ [التوبة:61-63].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم أن هذه الآيات نزلت في المنافقين، وهم الذين يخفون الكفر ويبطنونه في باطن نفوسهم، ويعلنون الإسلام بألسنتهم وبعض جوارحهم كأن يصلوا مع المسلمين، فقلوبهم ما آمنت بالله رباً وإلهاً، ولا بمحمد نبياً ورسولاً، ولا بالإسلام ديناً وشرعاً، ولا بلقاء الله والجزاء على العمل في هذه الحياة، فهم كافرون، ولكن ألجأتهم الضرورة إلى إعلان إسلامهم بألسنتهم، ومن هنا لمرض قلوبهم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالأمس عابوه ولمزوه: كيف يعطي فلان وفلان ويمنعنا من الصدقة؟! وهذا اللمز وهذا الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر صريح، واليوم يقول تعالى عنهم: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ [التوبة:61] صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: يؤذون محمد بن عبد الله، بل قال: (يُؤْذُونَ النَّبِيَّ)، فالذي نبأه هو الله عز وجل، يؤذون نبي الله عز وجل، والذي يؤذي نبي الله كيف يرحمه الله؟! وكيف ينجو من عذاب الله؟! يؤذون النبي بالألفاظ البشعة كالتي سبقت.

    معنى قوله تعالى: (ويقولون هو أذن)

    قال تعالى: وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التوبة:61] هذا عيب آخر عابوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: محمد أذن، ومعنى (أذن): أي: يسمع كل من يقول له قول، ولا يفرق بين هذا وذاك، يقولون فيما بينهم في مجالسهم الخاصة في بيوتهم قولوا له ما شئتم، فإنه يسمع؛ لأنه أذن، وهذه الكلمة تخرج صاحبها من الملة، والله! لن يكون مسلماً، فالذي يعيب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا العيب ويطعن هذا الطعن ويقول: هو أذن يسمع كل شيء، قولوا له واحلفوا له يصدقكم.

    وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ [التوبة:61] (ومنهم) أي: المنافقين، وعلى رأسهم نبتل بن الحارث والذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث )، وكان -والعياذ بالله تعالى- مكاراً خبيثاً مشوه الخلقة، وغيره ممن كانوا يطعنون بألسنتهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ [التوبة:61] أي: قل يا رسولنا لهم: أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ [التوبة:61]، ليس أذن شر، بل أذن خير، يسمع كلامكم ويعالج أحوالكم، ويساعدكم على كروبكم وآلامكم، فهو أذن خير وليس بأذن باطل.

    هم يعنون أن بعض الرؤساء والملوك يسمعون كل من يقول لهم، وبذلك يفتنون، ولا يبقى لهم مكان ولا منزل بين الناس، تفسد عليهم حالهم بقبولهم لكلام فلان وفلان، هذا يعيب وهذا يشتم، هذا يمدح .. هذا يثني، فيفسدون عليهم حياتهم، فهم يريدون أن يفعلوا هذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد الله تعالى باطلهم بقوله: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ [التوبة:61] الأُذْن والأُذُن لغتان: أُذْن خير، وأُذُن خير لكم.

    معنى قوله تعالى: (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين)

    قال تعالى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة:61] رسول الله الذي هو أذن خير يؤمن بالله رباً وإلهاً، ويصدقه فيما يوحي إليه ويأمر به، ويعلمه بإبلاغه.

    وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة:61] أي: يسمع لهم ويصدقهم فيما يقولون، أما المنافقون فلا يؤمن لهم، آمن به: صدقه، وآمن له: صدقه فيما يخبر به ويقوله له، لكن غير المؤمنين لا يصدقهم في أخبارهم وإن كان لا يردهم لكماله ولعلو منزلته ورأفته ورحمته، ولا يقول: أنت كاذب أو دجال، يسمع منه فقط ويسكت ولا ينفذ ما قال، أما المؤمنون بحق يسمع لهم ويؤمن ويصدقهم فيما يقولون، ويصدر الحكم بحسب قولهم.

    أما أقوال المنافقين الكاذبين لا قيمة لها عند الله، فلهذا هو لا يؤمن للمنافقين ولا يصدقهم فيما يقولون، نعم يسمع؛ لكمال مروءته ورحمته فلا يرد ويقول: امش أنت كاذب، يسمع ولكن ما يطبق ما يقول الكاذب؛ لعلمه، أما المؤمن إذا أخبره يصدقه فيما يقول ويفعل بموجب ما قال أو أخبر.

    فقوله تعالى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [التوبة:61] أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن بالله رباً وإلهاً وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة:61] أي: يصدقهم فيما يقولون له، أما المنافقون لا يصدقهم، دعهم يكذبون ويقولون ما شاءوا فلن ينفع إلى الرسول قولهم ولا يعمل بعملهم قط؛ لأنهم كذبة منافقون، أما المؤمنين إذا قالوا له صدقهم، وقد يعمل بمقتضى ما أخبره به.

    كونه صلى الله عليه وسلم رحمة للمؤمنين .. دعوة للإيمان به

    وقال تعالى: وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ [التوبة:61] رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للمؤمنين، والله! لرحمة للمؤمنين، فخالق الرحمة وواهبها أطلق عليه لفظ الرحمة، وهذه رحمة خاصة، وهناك رحمة عامة للعالمين، فدعوته إلى الله؛ لإنقاذ البشرية من النار في الآخرة، وإنقاذها من الظلم والخبث والفساد في الدنيا أكبر رحمة قام بها صلى الله عليه وسلم، ورحمة خاصة بالمؤمنين يرحمهم ويشفق عليهم ويحسن إليهم، أما الكافرون فلا، ورحمة عامة هي رحمته صلى الله عليه وسلم في هداية الخلق، فهو رحمة للعالمين؛ إذ قال تعالى له: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] وهناك رحمة خاصة في قوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] بالمؤمنين خاصة.

    فلهذا قال تعالى: وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ [التوبة:61] أي: يا معشر المستمعين؛ إذ كانوا مؤمنين ومنافقين.

    توعد الله تعالى من يؤذي رسوله بالعذاب الأليم دليل على كفره

    وقال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ [التوبة:61] هذا خبر عظيم وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ [التوبة:61] أي: يؤذونه في عرضه، في نسائه، في أولاده، في دينه، في ملته، في وحيه، في رسالته ما بعد هذا الأذى أذى، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:61].

    وهنا الأذية إذا كانت فيما يتعلق بالوحي والرسالة والشريعة فصاحبها كافر خارج من الملة، ومن كانت أذيته تتعلق بأخلاق أو بصفات بشرية عادية كالذين يجلسون في بيته وآذوه ما يريدون أن يخرجوا من البيت، وهو يريد أن يدخل على أهله يؤذونه بهذا الأذى، فهذا الأذى محرم وذنب عظيم، ولكن لا يكون كفراً إلا إذا كان يتعلق بالذات المحمدية والرسالة والنبوة التي جاء بها.

    فالذين يؤذونه في دينه، في ملته، في أسرته، في أهله.. وعدهم الله بهذا العذاب الأليم، ولهذا يحرم علينا أن نؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة، فأية كلمة من شأنها تؤذي رسول الله وتنزل من قدره أو شرفه أو مكانته، أو تصرف القلوب عنه أو تنزل من نفوس الناس تلك المحبة، فهي كفر والعياذ بالله تعالى.

    وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:61] وهو عذاب يوم القيامة الكثير الألم والإيجاع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يحلفون بالله لكم ليرضوكم...)

    ثم قال تعالى عن المنافقين: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ [التوبة:62] أي: يا معشر المؤمنين! يحلف هؤلاء المنافقون لكم بالله ليرضوكم حتى لا ترفعوا أمرهم إلى رسول الله، فيكذب ويكذب ويقول: والله ما قلت، وهذا ما هو قولي، وأنا لم أقل هذا؛ لأنهم قد يسمع بعض المؤمنين كلامهم فيحاول أن يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأتونه في بيته ويحلفون له بالأيمان على أنهم ما أرادوا هذا ولا قالوه ولا.. ولا...

    وقال تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [التوبة:62] ما نرضي الناس، إن كنت حقاً تؤمن بالله ارض الله عز وجل بفعل ما يحب وترك ما يكره، أما أن ترضي المؤمنين وتسخط رب العالمين فأي عقل لك؟

    هكذا يقول تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة:62] أي: والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه، أما غير الله والرسول ما فائدة إرضائهم، بالكذب والحلف والأيمان الكاذبة؟!

    وإرضاء الله يكون بالإيمان به وبلقائه وبعبادته وطاعته، وإرضاء الرسول يكون كذلك، فإرضاء الرسول إرضاء الله عز وجل، ولهذا اكتفى برضا الرسول؛ لأن من أطاع الرسول أطاع الله، من أرضى الرسول والله! أرضى الله عز وجل، ومن أسخط الرسول أسخط الله.

    هكذا يقول تعالى مخبراً عن حالهم: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ [التوبة:62] يا معشر المؤمنين؛ لِيُرْضُوكُمْ [التوبة:62] عنهم حتى لا ترفعوا أمرهم إلى الرسول ولا تقتلوهم.

    وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة:62] أحق أن يرضوه من فلان وفلان إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [التوبة:62] أما إذا كانوا كافرين فهذا كلام لا يقبلونه ولا يدخل في قلوبهم، الله ورسوله أحق أن يرضوا إن كانوا مؤمنين، أما أن ترضوا من لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع، فأي قيمة في إرضائه؟!

    إذا كنت تخاف العذاب والشقاء والبلاء ارض الله ورسوله، فهم أحق بأن ترضيهما، وذلك بطاعتهما في الفعل والترك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالداً فيها...)

    ثم قال تعالى لهم: أَلَمْ يَعْلَمُوا [التوبة:63] وهذا الاستفهام للتوبيخ والتقريع، أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:63] ومحادة الله معاداته، وقف في حد وهذا في حد، هذا في عدوة وهذا في عدوة، فلا ولاء ولا موالاة ولا طاعة ولا حب ولا تلاقي.

    من يحادد الله ورسوله ويقف بعيداً عنهما ولا إيمان ولا طاعة ولا متابعة، فهؤلاء لهم نار جهنم خالدين فيها فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ [التوبة:63] لا خزي أعظم من أن يلقى المرء نفسه في عالم الشقاء لا يخرج منه أبداً، ولا يرى أماً ولا أباً ولا يعرف أحداً، ويصرخ ويعذب ملايين السنين بلا نهاية، فهذا هو الخزي العظيم، فليس الخزي في الدنيا، كأن يقول كلمة سوء يعاقب عليها أو يعاتب عليها.

    هكذا ينزل الله كلامه في كتابه للرسول والمؤمنين ليعلمهم ويحذرهم، وليكشف الستار عن أعدائهم علهم يؤمنون، وقد آمن كثير منهم بسبب هذه الآيات القرآنية.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    ولنسمعكم الآيات في التفسير.

    معنى الآيات

    [ معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في هتك أستار المنافقين، وبيان فضائحهم قال تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ [التوبة:61] أي: من المنافقين أفراد يؤذون النبي بالطعن فيه وعيبه بما هو براء منه، ويبين تعالى بعض ذلك الأذى فيقول: وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التوبة:61] أي: يسمع كل ما يقال له، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يقر سماع الباطل أو الشر أو الفساد، وإنما يسمع ما كان خيراً ولو كان من منافق يكذب ويحسن القول.

    وأمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم بقوله: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ [التوبة:61] يسمع ما فيه خير لكم، ولا يسمع ما هو شر لكم. إنه لما كان لا يواجههم بسوء صنيعهم، وقبح أعمالهم حملهم هذا الجميل والإحسان على أن قالوا: هُوَ أُذُنٌ [التوبة:61] طعناً فيه صلى الله عليه وسلم وعيباً له.

    وقوله تعالى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة:61] هذا من جملة ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول للمنافقين رداً على باطلهم، أنه صلى الله عليه وسلم يؤمن بالله رباً وإلهاً، وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة:61] أي: بصدقهم فيما يقولون وهذا من خيريّته صلى الله عليه وسلم، وقوله: وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ [التوبة:61] أيضاً من خيريته فهو صلى الله عليه وسلم رحمة لمن آمن به واتبع النور الذي جاء به، فكمل عليه وسعد به في حياتيه.

    وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ [التوبة:61] أي: بأي نوع من الأذى قل أو كثر توعدهم الله تعالى بقوله: لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:61] وهو لا محالة نازل بهم، وهم ذائقوه حتماً، هذا ما دلت عليه الآية الأولى.

    أما الآية الثانية فقد أخبر تعالى عن المنافقين أنهم يحلفون للمؤمنين بأنهم ما طعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلم ولا قالوا فيه شيئاً؛ يريدون بذلك إرضاء المؤمنين حتى لا يبطشوا بهم؛ انتقاماً لكرامة نبيهم صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [التوبة:62] أي: فبدل أن يرضوا المؤمنين كان الواجب أن يرضوا الله تعالى بالتوبة إليه، ويرضوا الرسول بالإيمان ومتابعته إن كانوا كما يزعمون أنهم مؤمنون.

    وقوله تعالى في الآية الثالثة: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:63] أي: يشاقهما ويعاديهما فإن له جزاء عدائه ومحاربته نار جهنم خالداً فيها ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ [التوبة:63] أي: كونه في نار جهنم خالداً فيها لا يخرج منها هو الخزي العظيم ] أعاذنا الله وإياكم من عذاب النار.

    هداية الآيات

    هذه الآيات الثلاث لها هدايات أيضاً، فهيا بنا نتناول هذه الهدايات:

    [ أولاً: حرمة أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي وجه من الوجوه ] ولو ببعض كلمة، وقد قلت لكم: إن كانت أذيته تتعلق بدينه وملته وما جاء به فهو الكفر، وإن كانت تتعلق ببعض أهله مثلاً فهو إثم عظيم.

    [ ثانياً: كون النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للمؤمنين دعوة للإيمان والإسلام ] كونه رحمة، هذه دعوة للإيمان به والإسلام لله تعالى.

    [ ثالثاً: توعد الله تعالى من يؤذي رسوله بالعذاب الأليم دليل على كفر من يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    رابعاً: بيان كذب المنافقين وجبنهم حيث يحلفون للمؤمنين أنهم ما طعنوا في الرسول وقد طعنوا بالفعل، وإنما حلفهم الكاذب يدفعون به غضب المؤمنين والانتقام منه.

    خامساً: وجوب طلب رضا الله تعالى بفعل محابه وترك مساخطه.

    سادساً: توعد من يحادد الله ورسوله بالعذاب الأليم ] أعاذنا الله وإياكم من عذاب الدنيا والآخرة.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966331917

    عدد مرات الحفظ

    711505784