إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بالوفاء بعهودهم ومواثيقهم حتى مع المشركين إذا هم التزموا ببنود هذه المواثيق، وخاصة فيما يتعلق بإشعار المشركين بالخروج من حرم الله، فإذا انتهت المدة المعطاة لهم فللمسلمين أخذ من بقي منهم وقتله إلا أن يتوب ويدخل في دين الإسلام، لأنه لا ينبغي بقاء المشركين في مكة بعد أن فتحها الله على نبيه، ولا هم أهل لأن يوثق بهم بعد ذلك لسابق عداوتهم لله ولرسوله ولعباده المؤمنين، ولأنهم إنما يرضونهم بأفواههم ويطوون قلوبهم على بغضهم وكراهيتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم...)

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده). اللهم حقق لنا هذا الخير إنك على كل شيء قدير.

    وها نحن مع سورة التوبة -تاب الله علينا وعلى كل مؤمن ومؤمنة- وهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات الأربع مجودة مرتلة، ثم بعد ذلك نتدارسها سوياً، والله نسأل أن يفتح علينا وعليكم إنه قدير.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ * كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:5-8].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم أنه قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أنزل الله تبارك وتعالى براءته؛ لتلقى على مسامع الناس في يوم الحج الأكبر، وقد عرفنا منها أن الله تبرأ ورسوله من المشركين، فقال: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة:1]، وأمرهم أن يسيحوا في الأرض شرقاً وغرباً شمالاً أو جنوباً، إذا رغبوا عن الإسلام، وأبوا أن يدخلوا في رحمة الله، وأصروا على كفرهم وشركهم وحربهم لرسول الله والمؤمنين، أعلمهم بأن لهم فسحة وهي أربعة أشهر، لهم أن يذهبوا شمالاً إلى المجوس، أو شمالاً إلى الروم، شرقاً إلى المجوس، جنوباً إلى الأحباش، ومن يتخلف منهم غير مسلم فجزاه القتل.

    أراد الله أن يطهر هذه الأرض من الشرك والكفر؛ لتكون قبة الإسلام وبيضته، وقال: ( لا يجتمع دينان في الجزيرة )، والمدة قربت والأيام توالت وقصرت، فلا بد من هذا الإعلان، فأعطاهم مدة أربعة أشهر يفكرون فيها ويتأملون، فإن رأوا الدخول في الإسلام فذلك خير لهم، وإن رأوا الهرب من الإسلام وأهله ودياره فليهربوا، ومن ثم بعد الأربعة الأشهر من من المسلمين لقي مشركاً جاز له قتله، إلا أن يعلن عن إسلامه ويدخل في رحمة الله.

    المراد بالأشهر الحرم التي أمهل الله فيها المشركين

    قال تعالى: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5]، فما المراد بالأشهر الحرم؟ هي الأشهر التي أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس المراد منها القعدة والحجة ومحرم ثم رجب، تلك أشهر حرم، وهذه أشهر حرم الله بقاء المشركين فيها، وأوجب قتالهم على الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فالأشهر الحرم هي التي جعلها الله حرمة للمشركين يفكرون فيها ويتأملون، إما أن يدخلوا في الإسلام أو يخرجوا من ديار الإسلام، فإذا انسلخ الأشهر الأربعة -الحرم- وجب على رسول الله والمؤمنين قتل المشركين؛ لقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ حتى ولو كان في داخل الحرم. وإن أبى أبو حنيفة هذا، فقد قال: (من لاذ بالحرم لا يقتل)، والصحيح ما عليه جمهور الأمة والأصحاب، حتى لو تعلق بأستار الكعبة.

    كيفية تعامل المسلمين مع المشركين بعد انقضاء أشهر الإمهال وعدم قبولهم للحق

    قال تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ [التوبة:5] والأخذ باليد بمعنى (الأسر)، ثم بعد الأسر إما الفداء وإما القتل، وإما الدخول في الإسلام، وَاحْصُرُوهُمْ [التوبة:5] سدوا الطرق عليهم والمنافذ وضيقوا عليهم السبل؛ علهم يرجعون إلى رشدهم وصوابهم ويدخلون في الإسلام، ولا يصرون على الشرك والكفر والعناد.

    قال تعالى: وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة:5] والمرصد: مكان الرصد، الذي ينتظر فيه الإنسان أخاه أو عدوه.

    ومعنى المراصد: أي: الأماكن التي ترصدونهم فيها، والطرق التي يسلكونها، اجلسوا فيها وارصدوهم فيها، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ؛ تضييقاً عليهم حتى يسلموا، أو يخرجوا من الديار.

    فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ أي: الأشهر الأربعة التي أُمهلوا فيها المشركين، وليست هي الأشهر الحرم المعروفة في القرآن، بل هذه التي جعلها الله مدة لهم، فمن كان له عهد بلا حد كانت الأربعة الأشهر كافية له، ومن كان له أقل من أربعة أشهر كانت الأربعة الأشهر كافية أيضاً، إلا من كان له وعد أكثر من أربعة أشهر ومحدد، فهذا نوف له بعهده، أما الذين عهودهم أو معاهدتهم دون الأربعة أشهر أو أكثر، ولكن ليست محددة بسنة أو بشهر معين، فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5]، فالله جل جلاله هو الآمر وهو الناهي، هو المشرع وهو المعلم، والرسول والمؤمنون ينفذون، فالله يخاطب رسوله والمؤمنين بهذه المهمة التي ألزمهم بها.

    إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع كلمة التوحيد دليل على ظاهر الإيمان

    قال تعالى: فَإِنْ تَابُوا أي: عن الشرك والكفر، وحرب الإسلام وأهله وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ أي: اتركوهم في ديارهم وأموالهم.

    وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بمعنى أنهما من الإيمان والإسلام، فمن لم يصل ولم يزك فليس بمؤمن، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله )، وأبو بكر قال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة)، فليس هناك من يفرق بين الصلاة والزكاة، فجاء ذكر الصلاة والزكاة مرتبطًا في آي القرآن كله، فمن ترك إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أو ترك أحدهما فقد كفر، وقوله تعالى: فَإِنْ تَابُوا شاهد واضح عن الشرك والكفر، فإن دخلوا في الإسلام أولاً بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم بعد ذلك أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، حينئذٍ اتركوهم أحراراً في بلادهم. وهذا يدل على عظم شأن الصلاة والزكاة.

    ولهذا الإمام مالك رحمه الله والشافعي وأحمد على أن تارك الصلاة يؤخر فقط إلى قدر ما يصلي ركعة قبل غروب الشمس، فإن صلى وإلا أعدم، يؤخذ تارك الصلاة إلى السجن فإذا جاء وقت الظهر، وأُمر أن يصلي ولم يصل، ثم جاء وقت العصر وأمر أن يصلي ولم يصل، فيترك لمدة ربع ساعة على غروب الشمس بحيث يتوضأ ويصلي ركعة قبل غروب الشمس ثم يعدم على هذه المذاهب الثلاثة، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يسجن حتى الموت.

    إذاً: ما الفائدة من سجنه؟ هل عبد الله حتى يسجن؟ فلا حق له في الهواء يتنفسه، ولا في الطعام يأكله ولا في الشراب يشربه، إذ ما يأكل ولا يشرب إلا من أجل أن يعبد الله، فإذا رفض عبادة الله لا حق له في الحياة، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] هذه العبادة أظهرها وأعظمها الصلاة؛ لأنها لقاء مع الله خمس مرات في الأربعة والعشرين ساعة، فلا توجد عبادة مثلها قط، فمن تركها كفر بالله، وأبى أن يلاقيه، وأبى أن يجلس بين يديه، وأبى أن يتحدث معه، كافر.. كافر.. كافر، لا حق له في الحياة أبداً.

    آمن وعرف الطريق وبعد ذلك يكفر ويترك الصلاة!!

    فالصلاة لا تكلف المصلي شيئًا، فقط يتصل بربه ويقف بين يديه يدعوه ويسأله، فمن يرفض هذا فليس بمؤمن.

    والآية شاهدة عند أهل العلم، فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5] أي: اتركوهم.

    من مظاهر رحمة الله ومغفرته بعباده العاصين

    ثم ختم تعالى هذه الآية بقوله: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة:5]، ومن مظاهر رحمته ومغفرته أنه لما تابوا محا عنهم ذنوب الكفر والشرك، والباطل والحرب والأذى الذي فعلوه كاملاً، فما إن رجعوا إلى الله فآمنوا وأسلموا إلا ومحا الله كل ذنوبهم؛ لأنه غفور رحيم لم يؤاخذهم أبداً بذنب ارتكبوه قبل إيمانهم وتوبتهم، فلو يخرج عن المغفرة ما كان هناك فائدة في هذه التوبة، ولو كان لا رحمة له، ولا يعرف الرحمة، وليست من صفاته قد يغفر الذنب ولكن يؤاخذ، لكن جمع بين صفتي الكمال: المغفرة والرحمة، يغفر الذنوب لا يؤاخذ بها ولا يسأل عنها، يمحها محواً يغطيها تغطية ويرحمهم، سبحانه لا إله إلا هو.

    هذه الآية الأولى: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ يا عباد الله! يا رسول الله والمؤمنين! فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ حتى ولو كانوا في داخل الكعبة، فاللفظ عام، حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ في مكة، في الحرم، في البيت، في المسجد حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ أسرى وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ، سدوا الطرق عنهم حتى ما يهربوا؛ لأنا أعطيناهم فرصة الهرب أربعة أشهر، لو أرادوا أن يهربوا من المملكة لهربوا، لكن إذا أبوا اقطعوا عنهم الطرق، وهذا الحصار كله من أجل أن يتوبوا، ويأتوا جماعات يعلنون إسلامهم، وكذلك حصل، فقد كانت السنة التاسعة من الهجرة كلها وفود، عرفوا أن لا طريق إلا الإسلام، فجاءوا ووفدوا على الرسول صلى الله عليه وسلم وأسلموا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره...)

    وقال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ [التوبة:6] أي: أَجِره يا رسول الله، وإن استجارك أحد من الناس سواء كان أبيض أو أسود من المشركين وطلب جوارك، وطلب تأمينك؛ ليسمع عنك أو ليشاهد هذه العبادات أيامًا أو ساعات رده إلى مأمنه.

    فَأَجِرْهُ إلى متى؟ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6] قد يقول: دعوني أصل إلى الرسول وأسمع منه، لعل ما قاله الناس ليس بحق، فيفسح له المجال ويجلس مع رسول الله والمؤمنين في المدينة أياماً حتى يقتنع، فيدخل في الإسلام، وإذا كان من أهل النار والشقاوة يرجعونه إلى المكان الذي يأمن فيه، ثم يفعل ما يشاء، يذهب حيث يشاء، فلا بقاء له في الجزيرة.

    حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6] أي: خذ بيده ووكل به رجلاً من رجالك يصل به إلى الحدود، وهذا الباب مفتوح إلى اليوم، أيما كافر سواء كان عربياً أو أعجمياً يريد أن يدخل بلدًا إسلاميًا ليعرف الإسلام يجب أن يفسحوا له المجال، وأن يؤمنوه ويدخل حتى يسمع، ثم بعد ذلك إن أسلم فبها ونعمت وإلا يجب رده إلى بلده.

    واختلف في المرأة، فقد قيل: ما تؤمن، فإذا امرأة قالت: ما يسمح لها أن تأتي وحدها، أما الرجال فأيما كافر يدخل بلد إسلامي يقول: نريد أن ندخل ونبقى أسبوع أو أسبوعين..؛ لنعرف عن الإسلام يجب أن يقبل ويفتح له الباب.

    وبهذه الآية الكريمة: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6] يومين.. ثلاثة.. أسبوع.. يريد -مثلاً- أن يجلس مع الرسول، مع المؤمنين، مع العلماء ويفهم، وبعد ذلك إما أن يدخل في الإسلام أو نرده من حيث جاء، ونؤمنه ما يدري أحداً من المواطنين.

    ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ [التوبة:6] فهذا تعليل عجيب، فلو كانوا يعلمون ما ترددوا في الإيمان والدخول في الإسلام، ولكن الجهل غالب عليهم، عاشوا وعاش آباؤهم وأجدادهم في جهالة وظلام، فلا لوم عليهم إذاً ولا عجب من حالهم ولا من كفرهم.

    فإذا أحد الناس سواء كان أبيض أو أسود أراد أن يعرف عن الإسلام وطلب من أية دولة أو إقليم يجب عليهم أن يقبلوه ويفسحوا له المجال، ويدخل ويعلمونه ويسمع، وبعد ذلك إن أسلم فبها ونعمت، وإذا لم يسلم يردونه من حيث جاء آمناً لا يتعرض للقتل ولا للضرب في بلادنا، أمانة الله علينا.

    ما سبب جهلهم؟

    الجواب: أنهم لا يعلمون هذا السبب الذي جعلهم يقفون بعيدين عن الحق منتصرين للباطل محاربين لأهل الحق وأولياء الله، فهل هذه تدل على أن المشكلة هي الجهل أم لا؟ إي والله العظيم.

    اسمعوا: لا يوجد فسق، ولا فجور، ولا ظلم، ولا كفر، ولا شرك، ولا خبث، ولا.. إلا وعلته الجهل، فهل من عرف الله وانشرح صدره لنوره يعصي ويخرج عن طاعته؟ مستحيل.

    على سبيل المثال: ففي أي مدينة أو قرية أعلمهم بالله أتقاهم له، وأجهلهم بالله أفسقهم وأفجرهم، لا يشك في هذا ذو عقل، شتان بين من علم ومن لم يعلم، فهذا تعليل رباني ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ [التوبة:6]، فلهذا نفسح المجال لهم ليدخلوا ويسمعوا ويتعلموا، فإن دخلوا في رحمة الله وعلموا فبها ونعمت، وإلا رددناهم إلى جحورهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله...)

    قال تعالى يحمل الرسول والمؤمنين على التعجب: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ [التوبة:7] يا للعجب! لا تثقوا في عهودهم ولا تطمئنوا إليها، ولا تسكنوا إليها بحال من الأحوال؛ فإنهم خونة، كفرة مجرمون، كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله؟

    اللهم إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [التوبة:7] قبيلة بني بكر عاهدهم الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة عام حجة الوداع، وعاهدهم في الحرم، واستثناهم تعالى فقال: إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [التوبة:7] هؤلاء فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ [التوبة:7] فإن اعوجوا وانحرفوا اضربوهم، استقيموا لهم على العهد والميثاق ما استقاموا، فإن ظهرت خيانات أو ظهرت اتصالات بالأعداء أو كذا فانقطع الحبل واضربوهم كغيرهم.

    فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:7] هذا تبيين عجيب (إن الله يحب المتقين) ومن أحبه الله نجا وسعد، فالمتقون هم الذين لا يعصون الله ولا رسوله، ومن تقوى الله الوفاء بالعهود، فمن عاهد مؤمناً أو كافراً، سواء كان براً أو فاجراً يجب أن يفي بعهده، فإن خان العهد ما اتقى الله عز وجل؛ لأن الله حرم الخيانة، ومن وفى يحب الله الموفون بعهودهم.

    قال تعالى: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ [التوبة:7]، فمن أين لهم وقلوبهم مظلمة منتنة عفنة! ما عرفوا الله عز وجل؟!

    ثم استثنى الذين عاهدهم الرسول من بني بكر في الحرم، هؤلاء أعطوهم الفترة التي عاهدتموهم عليها عام.. عامين.. ثلاثة، إلى مدتها.

    فإن هم خانوا فاضربوهم، فإن استقاموا فاستقيموا أنتم لهم بالوفاء الكامل لا حرب ولا قتال ولا مناهزة ولا مضاربة. ‏

    شمولية معنى التقوى

    ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:7]، إذا عاهدت يهودياً أو نصرانياً، مشركاً، كافراً، فاسقاً.. أي شخص عاهدته يجب أن توفي بعهدك، وليس من حق المؤمن أن يخون أبداً ولو كان المعاهد من شر الخلق، كهؤلاء.

    إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:7]، تكرر لفظ المتقون. فالمتقون هم الذين عرفوا محاب الله في الاعتقاد والقول والعمل والصفة والذات، عرفوا محاب الله وفعلوها له، وعرفوا مكاره الله -أي: ما يكره الله تعالى من الاعتقادات والأقوال والأعمال والصفات- فتركوها وكرهوها.. أولئك -والله- هم المتقون، أولئك هم المتقون الذين اتقوا سخط الله وعذابه، فنجوا منه وما بعد ذلك إلا الجوار الكريم في مواكب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

    فلو تدخل بغداد أو القاهرة المعزية أو دمشق أو مراكش أو قلب الأندلس وتقول لمن تلقاه في أول مرة في الطريق: يا أخي! أنا جئت لأزور ولياً من أولياء الله في هذه البلاد، فدلني على ولي من أولياء الله، -والله- ما يقوده إلا إلى ضريح، ولا يعرف أن ولياً بين الناس يمشي، ما يقوده إلا إلى ضريح عليه قبة وعليه التابوت والأزر الحريرية.

    كذلك لو تدخل مدينة القاهرة وتلقى أول رجل في الشارع تقول: أنا جئت من بلاد بعيدة أريد أن أزور ولياً من أولياء هذه البلاد، ما يفهم أن ولياً في السوق ولا في المسجد ولا في بيته، إلا قبر يقودك إليه.

    فسبحان الله! من حصر الولاية في الأموات؟! الكافرون فعلوا هذه الفعلة بين المسلمين، حصروا الولاية في الأموات وتركوا الأحياء بدون ولاية -أي: شياطين-، ومن ذلك يزني المسلم بامرأة المسلم، -والله- إنهم يزنون! ويسرق المسلم مال المسلم، ويقتل المسلم أخاه المسلم، فلو كان يعرف أنه ولي الله ما يفتح عينيه فيه، ولا يسبه بسبة ولا يشتمه بشتمة، فسلبوا الولاية الحقة ووضعوها في الأموات، وتركوا الأمة كلها أعداء يفجر بعضهم ببعض ويقتل بعضهم بعضاً؛ لأننا عرفنا أنك ما تفكر تسب ولياً من الأولياء.

    فقد سمعت بأذني من يقول: فلان كان إذا زنى ما يمر بالطريق الفلاني؛ لأن فيه قبر ولي الله فلان يستحي أن يمر بقبر ولي وهو زانٍ، وهو يزني بامرأة مؤمن.

    فحصروا الولاية في الأموات من أجل أن يأكل الناس بعضهم بعضاً، الزنا، الفجور، السرقة، الخيانة، الكذب، خلف الوعد، إلا القلائل الذين حفظهم الله عز وجل، ما عرفوا أنهم بأولياء الله، فلهذا قال تعال: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] من هم يا ربِّ؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63] إيمان وتقوى فقط، إيمان وعلم؛ إذ ما اتقوا حتى علموا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] أولاً العلم، فإذا ما علمت محاب الله وأحببتها ومكاره الله وكرهتها، تحققت لك ولاية الله، وأصبحت ولي الله لو سألته عن جبل يزيله لأزاله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة...)

    قال تعالى: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً [التوبة:8] كيف ترضون بالكافرين؟ كيف تسمحون لهم بأن ينصحوكم ويبينوا لكم؟ فقد يقول قائل: هذه حال المسلمين اليوم منذ قرون، الكفار هم الذين يوجهوننا ويرشدوننا، فالله عز وجل يقول: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ وينتصرا عليكم لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا لا قرابة وَلا ذِمَّةً ولا عهدًا يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:8]، فكل كافر فاسق، إلا أن بعض الكفار أكثر فسقاً، فهم يتعاطون المناكير والأباطيل والوقاحة والقبح الشديد، وإلا كل كافر فاسق عن طاعة الله.

    تأملوا هذه الآية يا أيها المؤمنون! كيف تأمنونهم؟ كيف تثقون بهم؟ كيف تطمئن نفوسكم إلى أقوالهم؟ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ وينتصروا لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً لا الله ولا عهده ولا ميثاقه، ولا ذمة ولا قرابة يُرْضُونَكُمْ فقط بِأَفْوَاهِهِمْ ما معنى الإرضاء بالفم؟ يقولون: نحن معكم، ونود لكم، ونحب لكم، وننصح لكم.. وهكذا.

    يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ قلوبهم لا تريد أن ترى مسلماً على الأرض، لا تريد أن ترى مؤمناً طاهراً يعيش في الأرض، يريدون أن تكون الدنيا كلها على حالهم من الكفر والشر والفساد وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ وقلَّ من لم يجاهر منهم بالفسق والظلم والشر والفساد.

    فهذا كلام الله سبحانه وتعالى، والمسلمون هم المسئولون عن فهم هذا الكلام وقراءته ودراسته دون غيرهم، فلماذا لا يجتمعون عليه ويتدارسونه فيما بينهم؟!

    1.   

    الالتزام بالكتاب والسنة سبب لعزة الأمة ورفعتها

    وختام القول: لن نعود إلى سيادتنا وقيادتنا، وكمالنا وطهرنا وصفائنا وإلى تحقيق ولاية ربنا لنا إلا إذا عدنا إلى الكتاب والسنة، قال الله وقال رسوله، والطريق الوحيد الذي كررناه ونعيده ما حيينا: أهل القرية سواء كانوا عرباً أو عجماً يجتمعون بعد صلاة المغرب، النساء وراء الستارة، والأطفال صفوف كالملائكة، والفحول أمامهم بعد صلاة المغرب يجلس لهم عالم بالكتاب والسنة، ليلة آية من كتاب الله، وليلة سنة من سنن رسول الله، ويصلون العشاء وينصرفون، وهكذا كل ليلة طوال العام، أسألكم بالله! هل سيبقى بينهم جاهل أو جاهلة؟ لا والله. كلهم عرفوا وعلموا، وإذا عرفوا وعلموا فهل سيبقى فيهم من يزني بنسائهم؟ من يفجر بأولادهم؟ من يأكل أموالهم؟ من يلعنهم ويشتمهم؟ من يسطو على أموالهم؟ والله ما يبقى.

    أما قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]؟

    فبعض المدن فيها عشرون منطقة أو عشر مناطق أو سبع مناطق، أهل كل منطقة في المدينة يوسعون مسجدهم وجامعهم؛ ليتسع لأولادهم ونسائهم ويجتمعون بعد صلاة المغرب، فإذا كانت الساعة السادسة وقف العمل، وأقبلوا على ربهم يبكون بين يديه يصلون المغرب ثم يجلسون جلوسنا هذا، ليلة آية من كتاب الله، وليلة حديثاً من أحاديث رسول الله، والعام بكامله، فهل سيبقى هناك جهل؟ لا جهل، وإذا انتفى الجهل انتفى الظلم والفسق والفجور، وجاءت العزة وكثر المال، -والله- ليكثرن المال فلا يجدون من يأخذه.

    فما المانع من أن نعود إلى الله عز وجل؟!

    فقد كنا تحت الاحتلال من قبل بعض دول الغرب كفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، والآن -والحمد لله- تحررنا واستقللنا، مع أن الذين نقتدي بهم الآن هم الكفار، فإذا صارت الساعة السادسة -مثلاً- وقف العمل، وذهبوا إلى دور السينما والملاهي والملاعب، ونحن لا نستطيع أن نذهب إلى بيوت الرب!! وندعي أننا مؤمنون! ونبقى على جهلنا وفسقنا وفجورنا! وظلمنا وشرنا! فيا للعجب!

    والله يتولى أمر المؤمنين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.