إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (18)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإنفاق في سبيل الله باب عظيم من أبواب الخير التي فتحها الله لهذه الأمة، والله عز وجل يقبل من عباده المخلصين الصادقين النفقة مهما كانت صغيرة، فيربيها عنده حتى تكون كالجبل، ولكن من الناس من لا يقبل الله نفقاتهم، وذلك بسبب نفاقهم وكفرهم بالله وبرسوله، وطي قلوبهم على الضغينة والحقد للمسلمين، وتكاسلهم عن عبادة الله، وإخراجهم للنفقة رياء وسمعة وهم كارهون لذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده ).

    ها نحن مع سورة التوبة المدنية المباركة الميمونة -تاب الله علينا وعلى كل مؤمن ومؤمنة- ومع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ونحن نتدبر ونتفكر، ثم نتدارسها والله نسأل أن يفتح علينا، وينفعنا بما يعلمنا.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ * فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:53-55].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ما زال السياق في أحداث غزوة تبوك، وما جرى فيها قبل الدخول فيها وعند العودة منها.

    قول ربنا جل ذكره: قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا [التوبة:53] الآمر الله جل جلاله، والمأمور رسوله صلى الله عليه وسلم، فكل آية تدل على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، والمأمورون بأن ينفقوا طوعاً أو كرهاً هم المنافقون مرضى القلوب، وعلى رأسهم الجد بن قيس ، إذ قال للرسول صلى الله عليه وسلم: اتركني. لا أذهب إلى بلاد الروم؛ خشية.. وهذا مالي بين يديك، تصرف فيه وأنفقه، وقال هذا القول غيره أيضاً من المنافقين، المال مستعدون أن نعطيك ونقدم لك يا محمد! ولكن الذهاب إلى تبوك ما لنا طاقة عليه ولا رغبة فيه.

    فهذه الجملة ظاهرها أنها أمر وباطنها أنها خبر، قُلْ [التوبة:53] أي: قل لهم يا رسولنا: أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا [التوبة:53] أي: أنفقوا وأنتم مطيعين لذلك باختياركم زكاة أو نفقة للجهاد، أو أنفقوا وأنتم كارهون تتألمون تتحسرون وأخذت منكم بالقوة كالزكاة وما ألزمهم الرسول صلى الله عليه وسلم من نفقات الجهاد، على كلا الحالين لن يتقبل منكم، أي: لن يتقبل الله ذلك منكم، وعليه فلا ثواب ولا أجر ولا جزاء، فهم محرومون من الدار الآخرة حرماناً كاملاً.

    أي: قل لهم يا رسولنا: أنفقوا أيها المنافقون! في الجهاد وغير الجهاد طوعاً بطواعية من أنفسكم، وإن كنتم لا تريدون ذلك، لكن النفاق يتطلب أن ينفقوا؛ حتى يستروا عن عوراتهم ولا يعرفون بأنهم كفار، أو أكرهتم على الإنفاق فأخذ منكم، فكلا الحالين لا تثابون عليه ولا تجزون به، وهذا معلوم عند المؤمنين أن نفقات الكفار لن تغني عنهم من الله شيئاً، فيبنون المدارس ويبنون المشافي، ويتبرعون بكذا وكذا وهم كفار، فلن يقبل منهم؛ لأنهم أعرضوا عن الله ودينه وكفروا به وبرسوله، ثم ينفقون من أجل أهواء وأطماع وأغراض فاسدة، وليس لوجه الله تعالى خوفاً منه أو حباً فيه، بل لمصالح دنيوية.

    إطلاق الفسق على الكفر

    قال تعالى: قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ [التوبة:53] لماذا؟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ [التوبة:53] هذه هي العلة، فسقوا هنا: أي خرجوا عن دائرة الإيمان والإسلام.

    الفاسق: الذي خرج عن الطريق.

    والفويسق: الفأرة تخرج من الغار.

    إذاً: من خرج من الإسلام فسق بكله، ففسقوا بكفرهم بالله ورسوله ولقائه عز وجل، أضف إلى ذلك: فسقوا في ترك أكثر الواجبات، وفعل أكثر المحرمات.

    والشاهد عندنا: الفسق هنا بمعنى: الكفر، أي: إنكم كنتم قوماً كافرين، أي: فاسقين عن دائرة الإسلام بخروجهم منها، فهم يكرهون الرسول ويحاربون أولياءه، ولا يقبلون شرعاً ولا ديناً، فأي فسق أعظم من هذا؟

    أما فسق المؤمن بأن يترك واجباً أو يغشى محرماً، فالفسق هنا كخروج عن طاعة بترك واجب أو فعل محرم، ولا يكفر صاحبه إلا إذا كان مستحلاً لترك ذلك الواجب، أو لفعل ذلك المحرم، ولهذا نقول: كل كافر فاسق، وليس كل فاسق كافر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم ...)

    ثم قال تعالى لرسوله: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة:54] أولاً، وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى [التوبة:54] ثانياً، وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:54] ثالثاً، هذه ثلاث عظائم، فإذا قائل: ما المانع من عدم قبول نفقات المنافقين؟

    نقول: بين ذلك تعالى بنفسه:

    أولاً: لأنهم كفروا بالله وبرسوله، فما آمنوا بأن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فهم يؤمنون بوجود الله كشأن غيرهم من المشركين، ولكن ما آمنوا بالله حق الإيمان بأسمائه وصفاته وجلاله وكماله.

    ثم ما صدقوا فيما أخبر به ولم يؤامنوا به، بل كفروا بالله وبرسوله، وهذا الذي قلنا: خروجهم عن الإسلام، من كفر بالله ورسوله خرج من دائرة الإسلام، فسق كل الفسق، وبعد كل البعد.

    من صفات المنافقين التكاسل في أداء الصلاة

    ثانياً: وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى [التوبة:54] أي: يأتون الصلاة لأنهم يدعون أنهم مؤمنون مسلمون، فلو تركوها أقيم عليهم الحد وقتلوا، أو كُفروا وقتلوا، لا يبقون مع رسول الله في مدينته.

    إذاً: يأتونها وهم كسالى، وهذه صفة لازمة لهم ولا تفارقهم؛ ولهذا أثقل ما يكون عليهم صلاة الصبح وصلاة العشاء؛ لأنه لا توجد أنوار كما هي الآن، يخرجون في الظلام والطين والمطر، فلا يخرجون إلا وهم كارهون، حتى صلاة الظهر وصلاة العصر لا يأتونها إلا وهم كسالى، فلا يكادون يتحركون، وسبب ذلك: ما آمنوا بالله ولقائه ولا بالإسلام وشرائعه، ولا عرفوا أن الصلاة تزكي نفوسهم، وتطهرها ليقبلها الله عز وجل، ليتأهلوا إلى جواره، والنزول بدار السلام مع الأبرار، ما آمنوا هذا الإيمان، فهم يصلون من أجل الخوف، حتى لا يقال: ما صلوا فهم كافرون: وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى [التوبة:54]، وفي آية النساء: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142].

    فلهذا أحببت أن ألفت النظر: يا أبناء الإسلام! يجب أن ننشط للصلاة، ولا نقوم لها متكاسلين، اطردوا هذا من نفوسكم، وإلا سنتشبه بالمنافقين، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا سمع المؤذن فزع، فإذا سمعت: الله أكبر.. انشط، لا تقم وأنت تتباطأ كأنك ما أنت راضٍ، فهذه الصفة نرجو الله ألا نتصف بها، بل النشاط للذهاب إلى الصلاة.

    وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142] يركع ولا يقول: سبحان رب العظيم! لا مرة ولا ثلاثة ولا عشرة، بل يسجد ولا يقول شيئاً؛ لأن الذكر هنا أي: في الصلاة، ما يذكرون الله فيها، بل يركعون ويسجدون ليراهم المؤمنون أنهم راكعون ساجدون، وهذه الصفة أيضاً يجب أن نتحاشاها، فعلى الأقل تقول: سبحان ربِّ العظيم! ثلاث مرات في ركوعك، سبحان ربِّ الأعلى على الأقل ثلاث مرات في سجودك، لا تكن فقط راكعاً ساجداً، فتتشبه إذاً بهؤلاء المنافقين.

    وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142] في الصلاة وخارج الصلاة، لو تعد ذكرهم لله نادراً ما يذكرون الله، إلا في مناسبة ويقولون: قال الله أو كذا، أما أن يتقربوا إلى الله بذكره سواءٌ بـ: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أو بـ: لا إله إلا الله، أو لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، أو بأي نوع من أنواع الذكر ما يذكرون إلا نادراً؛ وعلة ذلك كفرهم وفسوقهم.

    وجوب رضا النفس بما ينفق العبد في سبيل الله

    ثالثاً: وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:54] أي: لا ينفقون في الجهاد كما دعا الرسول إلى غزوة تبوك أو غيرها، ولا ينفقون أيضاً إخراج الزكاة، فلا يخرجون الزكاة وهم راضين بذلك مطمئنين، بل ساخطين كارهين، فالنفقة على الفقراء والمساكين إذا دعوا إليها لا ينفقون إلا وهم كارهون؛ لأنهم لا يؤمنون بالجزاء في الدار الآخرة.

    هنا هذه الصفة أيضاً يجب أن نتحصن منها، فلا ننفق نفقة ونحن ساخطون وكارهون، سواء كانت الزكاة أو غيرها، بل ننفق النفقة وصدرونا منشرحة، وقلوبنا مطمئنة، ونحن فرحون مسرورون بتلك النفقة، لا حزينون كربون لأننا أخرجنا مالنا، وإلا وقعنا في هذه الصفات.

    ولا ينفقون إلا والحال أنهم كارهون، فالمؤمنون ينفقون وهم فرحون مسرورون، غير ساخطين وكارهين، بل راضون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم...)

    كراهية استحسان المسلم لما عند أهل الفسق والنفاق من أموال

    ثم قال تعالى مخاطباً رسوله والمؤمنين: فَلا تُعْجِبْكَ [التوبة:55] يا رسولنا! أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ [التوبة:55] ونحن كذلك، يجب ألا تعجبنا أموال الكفار وأولادهم وما هم عليه، فهؤلاء ما لهم قيمة بالنسبة إلى كفار اليوم، ومع هذا يقول الله لرسوله: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ [التوبة:55]، فتسر بها أو تفرح.

    ومن هنا على كل مؤمن ألا يعجب بمال الفساق والفجار، والكفار وآكلي الحرام وما إلى ذلك، فيحاول أن يقتدي بهم أو يأتسي أو يتمثل حياتهم، فلا قيمة لأموالهم ولا لأولادهم.

    فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ [التوبة:55] فأولادهم سوف يكونون وبالاً عليهم، وبالفعل عبد الله بن أبي ابن سلول ولده عبد الله من خيرة الأصحاب، فكان يكرب ويحزن إذا رأى ولده يتوضأ أو يصلي.

    فلهذا قال تعالى: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [التوبة:55] يعذبهم بأموالهم أي: بإنفاقها بالكره وهو أشد عذاب، فأخذ المال منك وأنت كاره عذاب، يخرجون الزكاة وجوباً وهم متألمون.

    أولادهم -كما قلنا-: دخلوا في الإسلام ويتوضئون ويصلون ويقرءون القرآن، وآبائهم المنافقين كربون حزينون، ولا يستطيعون أن يقولوا لأولادهم: لا تفعلوا هذا؛ لأنهم لابسي لباس الإسلام.

    فأولادهم كربوا بهم وحزنوا أشد حزن، فمثلاً: أنت على دين وولدك يخرج من دينك ويتدين بالدين الآخر وأنت مضطر إلى أن تسكت، وهذا من أعظم الكروب والأحزان.

    فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ [التوبة:55] أي: بهذه الأموال والأولاد لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [التوبة:55]، أي: يعذبهم بالكرب والهم والحزن وغيره.

    وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55] وهذه أعظم مصيبة، تزهق أنفسهم وتخرج -والعياذ بالله تعالى- زاهقة، والحال أنهم كافرون فإلى جهنم، فالله يوجه الرسول والمؤمنين ألا يحفلوا بهذا المال الذي عند المنافقين والأولاد ويعتبرونه شيئاً، إنما هي فقط محنة من الله وابتلاء لهم؛ ليعذبهم أولاً في الدنيا وفي الآخرة لا تسأل؛ لأنهم كافرون فإلى جهنم وإلى الخلود فيها.

    اسمعوا الآيات مرة ثانية: قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ * فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ [التوبة:53-55] إذاً وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا [التوبة:55] أي: في المال فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ [التوبة:55] عند الموت وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55] إلى جهنم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير مبدأ أن الرياء مبطل للعمل كالشرك محبط للعمل ].

    الرياء: أن يعمل المرء عملاً يريه الناس، يريد أن يروه إما ليثنوا عليه ويشكروه، وإما ليدفع عن نفسه الملامة والذم وما إلى ذلك، يقوم يصلي .. يصوم .. يجاهد .. يعطي المال، وهمه فقط أن يمدح ويثنى عليه ويطرى عليه، أو يدفع عنه الذم واللوم والعتاب، ووصف: بخيل أو ما أنفق، فهذا هو الرياء، وهو الشرك الأصغر -والعياذ بالله-، فلا بد لفائدة العبادة أن تخلصها لله، ولا تلتفت إلى غيره، فإن أديتها كما شرعها الله وبينها رسوله وأخلصت فيها لله، لم تلتفت يميناً ولا شمالاً لأحد، بل أدها لله، وهذه التي تزكي نفسك، وتطيبها وتطهرها، وبذلك تتأهل لدار السلام الجنة؛ لما صدر من حكم الله عز وجل أيها المستمعون والمستمعات! قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] كن ابن من شئت، وأباً لمن شئت، وفي أي عصر شئت، إذا لم تزك نفسك بهذه العبادات فأنت من الخائبين الخاسرين: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، وتزكى النفس بالإيمان والعمل الصالح.. بركعتين خالصتين لله، مقبل فيهما على الله، ينقلب ذلك نوراً إلى قلبك يملأ نفسك طهارة، واستفدنا الهداية من قوله تعالى: قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ [التوبة:53]، (لن يتقبل منكم)؛ لأنهم فاسقون لا يؤمنون ولا ينفقون لوجه الله تعالى، وإرادة الجزاء الأخروي.

    [ ثانياً: إطلاق الفسق على الكفر، فكل كافر فاسق على الإطلاق ]؛ لقوله تعالى: إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ [التوبة:53] فكل كافر فاسق، ووجه فسقهم: خروجهم عن الإسلام ودائرته بإيمانه وإسلامه.

    [ ثالثاً: حرمة التكاسل في الصلاة، وأن ذلك من صفات المنافقين ]؛ لقوله تعالى: وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى [التوبة:54]، إلا في حال التباطؤ والتثاقل وعدم الرضا، ما استطاعوا أن يتركوها؛ خوفاً من الحاكم فقط.

    إذاً: يجب أن ننشط للصلاة، سواء من النوم أو من الجلوس أو من العمل، ما نأتيها ونحن كسالى؛ حتى لا نتشبه بالمنافقين.

    [ رابعاً: وجوب رضا النفس بما ينفق العبد في سبيل الله زكاة أو غيرها ]، يجب أن ترضى نفسك بنفقتك في سبيل الله، وألا تجد كرباً ولا حزناً ولا غماً ولا هماً، وإلا ما آمنت.

    (وجوب رضا النفس) نحمل أنفسنا على أن ترضى بما ننفقه في سبيل الله من زكاة أو غير الزكاة، فلا تخرج الزكاة وأنت ساخط، غضبان غير راضٍ، ولا أن تتصدق بصدقة وأنت في كرب وهم، بل يجب أن نجاهد أنفسنا؛ حتى ننفق النفقة وكلنا رضا وطمأنينة؛ لقوله تعالى: وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:54]والعياذ بالله، صغرت النفقة أو كبرت زكاة كانت أو غير زكاة، لا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة:54]؛ لأنهم لا يؤمنون بالجزاء في الدار الآخرة، لأنهم غير مؤمنين، ولا يعرفون إن هذه الزكاة تزكي أنفسهم وتطهرها؛ لجهلهم وكفرهم.

    [ خامساً: كراهية استحسان المسلم لما عند أهل الفسق والنفاق من مال ومتاع ]، قد بينت لكم أنه لا ينبغي أن نستحسن أموال الأغنياء ولا نفرح بها، ولا ننظر إليها، ولا نجل ونعظم أهلها؛ لأن لهم أموالاً وهم فسقة فجرة منافقون، بل يجب ألا نبالي بأموالهم ولا نحفل بها، ولا ننظر إليها مهما كانت حتى ولو كانت كالجبال؛ لأنهم ليسوا منا ولسنا منهم، فهم كفرة وفسقة وفجرة، كيف نسر بأموالهم ونفرح بها؟!

    (كراهية استحسان المسلم لما عند أهل الفسق والنفاق من مال ومتاع) كالعمارات والسيارات والطائرات وما إلى ذلك.

    هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع.