إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (14)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله عز وجل عباده المؤمنين الصادقين بالخروج للجهاد في سبيله على أي حال من القوة أو الضعف، ثم بين لنبيه صلى الله عليه وسلم حال المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معه، وأنه لو كان الخروج إلى مكان قريب أو مغنم وفير لخرجوا لا لله وإنما طلباً للدنيا، أما حين يكون الخروج للقاء عدو غير معروف في مكان بعيد فإنهم ينتحلون الأعذار للتخلف وعدم الخروج، ويحلفون للنبي ليصدقهم، وهم بهذا إنما يهلكون أنفسهم وهم لا يشعرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن ما زلنا مع سورة التوبة المدنية -تاب الله علينا، وعلى كل مؤمن ومؤمنة-، فمع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم بعد ذلك نأخذ في تدارسها وشرح معانيها، والله المستعان وعليه التكلان.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة:41-43].

    معنى قوله تعالى: (انفروا خفافاً وثقالاً)

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا [التوبة:41].. الآية. نعيد إلى أذهانكم أن هذه الآيات نزلت في أحداث غزوة تبوك، وقد تقدم الأمر بالنفير العام، والتعبئة العامة في الآيات السابقة، وهاهو الله تعالى يقول للمؤمنين: انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا [التوبة:41]، أي: اخرجوا من المدينة حاملين أسلحتكم؛ لقتال الروم الذين عزموا على قتالكم.

    قال تعالى: انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا [التوبة:41]، الخفيف: هو الذي لا يتحمل مسئوليات ولا تبعات، والثقيل هو الذي له زوجات وأولاد وزراعة وأعمال، فالأمر عام لكل المؤمنين سواء منهم الخفيف أو الثقيل، الواجد المال وغير الواجد له، الواجد للطعام وغير الواجد له، أي: انفروا حال كونكم خفافاً وثقالاً.

    الجهاد كما يكون بالنفس يكون بالمال

    قال تعالى: وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:41]، الجهاد هنا -كما علمنا- أي: قتال الروم، والخروج إلى ديارهم بالشام؛ لقتالهم، والجهاد بذل الجهد والطاقة وما عند العبد من سعة بالمال أولاً والنفس ثانياً، ولكن الغاية والهدف من الجهاد هو أن يكون في سبيل الله، أي: من أجل أن يعبد الله عز وجل وحده في الأرض، فلا شرك ولا كفر، ويتبع ذلك ما ينتشر من العدل والرحمة والآداب والأخلاق بين الناس، فسبيل الله الطريق الموصل إلى رضاه، وإذا وصلت إلى رضا الله كنت في الجنة دار السلام.

    فهذا أمر الله عز وجل بالتعبئة العامة، إذ قال تعالى: انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا [التوبة:41] أي: لا أن تخرجوا ثم تتخلون عن الجهاد وتفرون.

    قال تعالى: وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ [التوبة:41] أي: ذلكم الذي علمتم، خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [التوبة:41] أي: جهادكم العام بأموالكم وأنفسكم خير لكم في الدنيا والآخرة؛ في الدنيا تنتصرون وتسودون وتحكمون، وتطيبون وتطهرون، وفي الآخرة تنزلون منازل الأبرار والشهداء، وهذا خير لكم إن كنتم تعلمون ذلك، فأمر الله عز وجل المؤمنين وحثهم ورغبهم على الجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.

    ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ [التوبة:41]، أي: خيرٌ لكم في الدنيا والآخرة، وخير لكم من ترك الجهاد، فإذا تركتموه ما عُبد الله ولا انتشرت دعوته، ولا أمكنكم حتى أن تعبدوا الله إذا تسلط الكفار عليكم وحكموا وسادوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً ...)

    ثم قال تعالى: لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ [التوبة:42] أي: لو كانت الغنائم قريبة، أو كان السفر أيضاً قصيراً وقاصداً معتدلاً ليس فيه صعود للجبال، ولا نزول للوهاد، ولا ركوب البحار، لاتبعوك يا رسول الله وخرجوا معك.

    ولكن -أولاً- ليس هناك عرَض لأموال وأمتعة الدنيا، ولا حتى غنائم لا في الطريق ولا عند الروم؛ حتى يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثانياً: الطريق ليس قصيراً ولا معتدلاً، بل سفراً بعيداً فهو سفر من المدينة إلى بلاد الشام، في الجبال والأودية.

    وهكذا يخبر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وهم يسمعون: لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ [التوبة:42].

    ثم قال تعالى: وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ [التوبة:42] الشقة: الطريق الذي يشق ويتعب سلوكه ألا وهو البعيد، أي: الطريق الذي فيه مشقة؛ لبعده والتواءاته، ولما فيه من الموانع.

    الأيمان الكاذبة توجب سخط الله تعالى وعذابه

    قال تعالى: وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ [التوبة:42] أي: نوع من المنافقين وضعفة الإيمان، فلا يتصور أن أبا بكر أو عمر يكونا من هذا النوع، ولا يتصور أن يكون الأنصار أيضاً من هذا النوع، لكن المنافقون وضعفة الإيمان.

    يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ [التوبة:42]، إذاً: سيحلفون المنافقون بالله ويقولون: والله! لو استطعنا لخرجنا، ولكن عجزنا.. أولادنا، فقرنا.. ضعفنا.. ما عندنا حتى الطعام الذي نأكله في السفر، يتحججون حتى يؤذن لهم بالبقاء.

    قال تعالى: يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ [التوبة:42]، أولاً: بالكذب المخالف للواقع.

    ثانياً: بالنفاق.

    ثالثاً: بترك رسول الله والمؤمنين وحدهم.

    وهذه كلها مهلكات للمنافقين، فانتصار الرسول صلى الله عليه وسلم خير لهم من هزيمته وانتصاره، فما اعتذر معتذر وهو صادق، وكل ما يعتذرون به فهو كذب، فلا يريدون أن ينتصر الإسلام، ولا يريدون أن ينتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يريدون أن يفارقوا أزواجهم وأولادهم من أجل محمد صلى الله عليه وسلم.

    وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة:42] أي: كاذبون فيما ادعوه وقالوه من الاعتذارات الباطلة، وهذا -كما قلت- ليس من خيار الصحابة وأمثالهم، بل طائفة من ضعفة الإيمان، ومنافقون مندسون بين المؤمنين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر في نفوسهم، فجاءت هذه الحادثة وفضحتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم...)

    مشروعية العتاب

    ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ [التوبة:43] (عفا الله عنك): جملة دُعائية. عفا الله عنك يا فلان! لِمَ تأخرت؟ -مثلاً-، وتكون هنا للعتاب واللوم، لكن من رحمة الله برسوله صلى الله عليه وسلم وإكرامه له لم يقل له: (لِمَ أذنت لهم عفا الله عنك)، فلو قال ذلك لأحزن قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وأخافه، فمن رحمة الله ولطفه بأوليائه قدم العفو أولاً، فقال: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ [التوبة:43]، فليس من حقك أن تسمح لهم بالبقاء، إذ جاءوا يعتذرون فيقول لهم: اجلس.. ما دمت تعتذر قبلنا عذرك.

    جواز مخالفة الأولى على النبي صلى الله عليه وسلم لعدم علمه ما لم يعلمه الله تعالى

    وهنا قاعدة: وهي أن الرسل عامة إذا اجتهدوا في أمور الدنيا قد يخطئون.. يجتهد الرسول سواء كان نوحاً أو إبراهيم أو محمد صلى الله عليه وسلم في أمور هذه الحياة لا في أمور الدين، وقد يخطئ ويسامحه الله ويصوبه ولا يقره على خطأ بالصورة العامة، فعصمتهم فيما يقولونه عن الله عز وجل، فلا يخطئون مطلقاً فيما يخبرون به عن الله وما عند الله وما هو شرع الله، خلاف ذلك من أمور دنياهم، ولو في الحرب كهذه قد يجتهد ولا يصيب ويعاتبه ربه عز وجل، كان المفروض ألا يأذن لأحدٍ بالبقاء، فالنفير عام، ثَمَّ يتبين أن هؤلاء المعتذرون يقولون: والله! ما نخرج، وينفضحون فضيحة كاملة.

    لكن ما داموا أنهم استأذنوا فأذن لهم يكون سترهم، فلو كان قال: لا، أمركم الله بالنفير العام، انفروا خفافاً وثقالاً، ولا يتخلف أحد ولا آذن لأحد؛ لأعلن أكثرهم عن عدم إسلامه ولن يخرجون، فتكون الفضيحة فيظهر الكافر من المؤمن والمنافق من المؤمن، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لكماله ورقة قلبه ورحمته وإحسانه لم يأذن لهم، فما دام يجيء الرجل ويعتذر: يا سيدي! أنا كذا وكذا، يقول له: اجلس.

    قال تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة:43]، أي: لو كان ما أذن لهم لانكشفت عورتهم، وعرف المنافق من ضعيف الإيمان، لكن سترهم الله عز وجل برأفة رسوله صلى الله عليه وسلم وإحسانه، وإلا كان المفروض أن لا يتنازل ولا يأذن لأحد.

    ومن هنا أعيد القول: فذات مرة رأى الرسول صلى الله عليه وسلم أهل المدينة يؤبرون النخل، فقال: ( ما يصنع هؤلاء؟ قالوا: يؤبرون النخل، قال: لو تركوه لصلح، فتركوه فشاص، فذكروا ذلك له صلى الله عليه وسلم: فقال: هذه أمور دنياكم أنتم أعلم بها )، أي: أن هذا من شئون الدنيا لا يعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن الآن أبروا نخيلكم وقوموا بخدمته.

    فأمور الدنيا هذه قد يخطئ فيها النبي صلى الله عليه وسلم باجتهاد منه، ثم لا يقره الله على خطئه ويبين له، وهذه كرامة النبي صلى الله عليه وسلم في أن الله عز وجل قال له: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة:43]، وقد يحصل هذا أيضاً.. فقد يقوم بهذا الواجب شخص من أشخاص المؤمنين مع جيشه، ومع أتباعه، ومع تلامذته، في أحداث كهذه الأحداث.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    وهكذا يقول تعالى: انفِرُوا [التوبة:41]، والنفور: أي: دفعة واحدة، خِفَافًا وَثِقَالًا [التوبة:41]، الخفيف الذي ليس عنده ما يتحمل من أتعاب ولا مسئوليات. والمثقل الذي عنده أثقال، أو الماشي والراكب على حد سواء.

    وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ [التوبة:41]، وهذه في القرآن الكريم دائماً المال يقدم على النفس؛ لأن الجهاد يحتاج إلى المال أولاً؛ لشراء الطعام الذي يأكله المجاهدون، وشراء اللباس الذي يلبسونه، وشراء السلاح الذي يتسلحون به، فأولاً المال ثم النفس.

    فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:41] وهذا القيد لا ننساه، فأيما قتال لا يراد به أن يعبد الله وحده فهو باطل، ولا يقال عنه جهاد.

    ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ [التوبة:41] أي: خروجكم في سبيل الله مجاهدين ولا يتخلف منكم أحد خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [التوبة:41].

    ثم قال تعالى: لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ [التوبة:42]، فهذا مما يخفف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألمه وأتعابه معهم.

    نعم! لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا [التوبة:42] العرَض من الدنيا، المال كالغنائم وغيرها، أو كان السفر قاصداً ومعتدلاً وقريباً؛ لكانوا خرجوا معك ولن يتخلف أحد، لكن ما دام أنه ليس هناك أموالاً ولا غنائم، والطريق شاق وبعيد فلهذا اعتذروا وتخلفوا.

    ثانياً: قوله تعالى: وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ [التوبة:42]، أي: يحلفون بالله: ما نستطيع أن نخرج، ثم إذا رجعتم إليهم أيضاً سيحلفون بالله: لو استطعنا لخرجنا معكم، وبالفعل فما إن عاد الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من تبوك جاءوا يحلفون ويعتذرون، ومنهم من لم يجئ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يطلعه على حاله.

    ثالثاً: قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة:42]، أي: الله سبحانه وتعالى خالقهم وغارز غرائزهم وطابع طباعهم يعلم إنهم لكاذبون.

    ثم قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة:43]، (عفا الله عنك): مصلحة دفاعية تخفف آلام الرسول صلى الله عليه وسلم لو فعل، فلو قال: لا أقبل عذر أحد لأنفضحوا، فلان وفلان وفلان ما خرجوا، فيعرفهم المؤمنون وأنهم منافقون أو كافرون.

    عَفَا اللَّهُ عَنْكَ [التوبة:43] فهذه اللطيفة لا ننساها، بل نستعملها فيما بيننا، فإذا أردت أن تقول لأخيك: لِمَ تأخرت، قل له: عفا الله عنك لِمَ تأخرت؟ لاسيما إذا كان يخافك، إذا قلت: لِمَ تأخرت؟ يفزع ويقول: سيسلبني رأس مالي أو راتبي، فلهذا يؤتسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا.

    (عفا الله عنك لم أذنت لهم) إلى أن يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين.

    ثم هنا قال: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا [التوبة:43] بخلاف: وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة:43]. فالذين صدقوا هم أشراف المؤمنين وساداتهم، ولكن الكاذبين -والعياذ بالله- هم شرهم وأخسهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    يقول: [ما زال السياق في الحث على الخروج إلى قتال الروم بالشام، ففي هذه الآيات يأمر تعالى المؤمنين بالخروج إلى الجهاد على أي حال كان الخروج من قوة وضعف، فليخرج الشاب القوي كالكبير العاجز الضعيف، والغني كالفقير -الكل يخرجون- فقال تعالى: انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ [التوبة:41] جاهدوا أعداء الله الكافرين به وبرسوله؛ حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية ويقبلوا أحكام الإسلام ]، وهذا تقرر عندنا: نغزو الكفار، نبدأ أولاً بعرض الإسلام، ما قبلوه نطالب بأن يخضعوا لحكمنا وندخل بلادهم، فإذا رفضوا فالقتال، فالقصد من الجهاد إدخالهم في رحمة الله، فإن أبوا فليسمحوا لنا أن نعلم أفرادهم ونساءهم ورجالهم الإسلام على أن يعطوا الجزية رمز على أنهم راضون بحكمنا، ونحكمهم بالعدل والرحمة.

    ولهذا قال: [ جاهدوا أعداء الله الكافرين به وبرسوله؛ حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية، ويقبلوا أحكام الإسلام بينهم.

    ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [التوبة:41] أي: نفوركم -خروجكم- للجهاد وقتالكم الكافرين إلى الانتهاء بهم إلى إحدى الغايتين ] الغايتين: الإسلام أو إعطاء الجزية والدخول في حكم الله.

    [ إلى إحدى الغايتين خير لكم من الخلود إلى الأرض والرضا بالحياة الدنيا وهي متاع قليل، إن كنتم تعلمون ذلك.

    وقوله تعالى: لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ [التوبة:42]، يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: لو كان أولئك المتخلفون عن الجهاد من المنافقين، ومن ضعفة الإيمان قد دعوتهم إلى عرض قريب، أي غنيمة حاضرة، أو إلى سفر سهل قاصد معتدل لاتبعوك وخرجوا معك، ولكن دعوتهم إلى تبوك وفي زمن الحر والحاجة، فبعدت عليهم الشقة، فانتحلوا الأعذار إليك وتخلفوا.

    وقوله تعالى: وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ [التوبة:42] أي لكم قائلين: لو استطعنا أي الخروج لخرجنا معكم.

    قال تعالى: يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ [التوبة:42] حيث يجلبون لها سخط الله وعقابه، والعياذ بالله.

    وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة:42] في كل ما اعتذروا به.

    هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية.

    وأما الآية الثالثة، فقد تضمنت عتاب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، حيث أذن لمن طلب منه التخلف عن النفور والنهوض إلى تبوك، وكان من السياسة الرشيدة عدم الإذن لأحد حتى يتميز بذلك الصادق من الكاذب ].

    عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ... [التوبة:43] الآية.

    [ الصادق من الكاذب، قال تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ [التوبة:43] أي: تجاوز عنك ولم يؤاخذك، وقدم هذا اللفظ على العتاب الذي تضمنه الاستفهام: لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ [التوبة:43] -لِمَ قدمه- تعجيلاً للمسرة -والفرح- للنبي صلى الله عليه وسلم إذ لو أخر عن جملة العتاب لأوجد خوفاً وحزناً ] في قلب النبي صلى الله عليه وسلم.

    [ وقوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة:43] علة للعتاب على الإذن للمنافقين بالتخلف عن الخروج إلى تبوك ].

    هداية الآيات

    هداية الآيات:

    قال: [أولاً: إذا أعلن الإمام -الحاكم- التعبئة العامة يحرم التخلف عن الجهاد ولا يقعد أحد]؛ لأن هذا أصبح فرض عين.

    [ ولا يقعد أحد إلا بإذن؛ لأجل علة قامت به فاستأذن فأذن له ] نعم ذلك، كما أذن الرسول صلى الله عليه وسلم لمن تخلف، وإذا كان الإمام في وسط منافقين، كما كان يوجد منافقون وضعفة إيمان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأراد أن يمتحنهم لا يأذن لأحد؛ حتى يعرف من هم الذين كانوا يكرهون ولا يقاتلون معه.

    [ ثانياً: الجهاد كما يكون بالنفس يكون بالمال، وهو خير -أي: المال- من تركه حالاً أو مآلاً ] إنفاقه في سبيل الله خير من تركه وسوف يذهب حالاً أو مآلاً.

    [ ثالثاً: الأيمان الكاذبة لإبطال حق أو إحقاق باطل توجب سخط الله تعالى وعذابه ]، يحلفون بالله إنهم لصادقون وهم كاذبون.

    [ رابعاً: مشروعية العتاب للمحب ]، مأذون لك ومشروع أن تعاتب من تحب، فالله عاتب رسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا استعملت أسلوب الله عز وجل في العتاب يكون أفضل، (عفا الله عنكم لماذا فعلتم كذا).

    [ خامساً: جواز مخالفة الأولى على النبي صلى الله عليه وسلم لعدم علمه ما لم يعلمه الله تعالى ]، جوزنا أنه يجتهد في أمور غير الدين، وقد يصيب وقد يخطئ، وإذا أخطأ معذور؛ لأنه بذل جهده في أن ينصر الحق، لكن ما أصاب معفو عنه، وهذا يحصل بيننا أيضاً، فإذا علمت أن الشخص مجتهد وأنه يريد الخير ثم أخطأ ما تشدد عليه، قل: عفا الله عنك لم فعلت كذا؛ لأنه مجتهد، أما النبي صلى الله عليه وسلم في أمور الدين فلا يخطئ، وإن فرضنا أخطأ لا يقره الله، ينزل القرآن ببيان الحق، أما في أمور الدنيا قد يصيب وقد يخطئ كما بينا في قضية تأبير النخل، قال: ( ما الفائدة من وضع هذا في هذا؟ دعوه لله، فتركوه فشاص، ثم قال: إذا أمرتكم بأمر ديني فافعلوا، وإذا كان أمر دنياكم أنتم أعلم بدنياكم ).

    هذا والله تعالى أسأل: أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع.