إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (13)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما كان عام العسرة وكان الناس في ضيق وشدة، بلغ أسماع المسلمين خروج الروم لاجتثاث دولة الإسلام الوليدة، عندها أعلن النبي صلى الله عليه وسلم النفير العام، والتعبئة الشاملة، ولم يأذن لأحد ممن يستطيع القتال أن يتخلف عن هذه الغزاة، وبسبب ما صاحب هذه الغزوة من حر شديد وحاجة عند كثير من المسلمين تثاقل عن الخروج من تثاقل، فأنزل الله عز وجل توبيخه لهم وتهديدهم بالعذاب الشديد والإتيان بأقوام آخرين بدلاً منهم يقاتلون في سبيل الله، وينصرون رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات في أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله، فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون.. ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة التوبة المدنية، والله تعالى نسأل أن يتوب علينا وعلى كل مؤمن ومؤمنة. وهانحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوتها، ثم بعد ذلك نتدارسها، والله نسأل أن يعلمنا وأن ينفعنا بما يعلمنا.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:38-40].

    خصوصية مناداة الله عز وجل للمؤمنين بـ(يا أيها الذين آمنوا)

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [التوبة:38] نعيد إلى أذهانكم تقريراً لما علمنا أن نداء الله تعالى للمؤمنين دال على أن المؤمنين أحياء يسمعون النداء ويجيبون، فغير المؤمنين يعتبرون أمواتاً.

    وعلمنا أن الله لا ينادينا إلا ليأمرنا بما فيه خيرنا وسعادتنا، أو لينهانا عما فيه شقاؤنا وخسراننا؛ لأنه ولينا، أو ينادينا ليعلمنا ما نحن في حاجة إليه، أو ليبشرنا بما يزيد في أعمالنا الصالحة أو يحذرنا وينذرنا حتى نكف عن الأعمال السيئة الباطلة، فحاشاه أن ينادينا لا لشيء -تعالى الله عن اللهو واللعب-.

    وجوب الخروج إلى الجهاد إذا دعا إمام المسلمين إلى ذلك

    هاهو الله عز وجل ينادينا بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:38] هذا لوم وعتاب.

    إذاً: اذكروا أن غزوة تبوك كانت في السنة التاسعة في شهر شوال من الهجرة النبوية، وسببها: أن الروم تجمعوا وعزموا على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنهاء الإسلام، وجمعوا جموعهم وهيئوا جيوشهم وعزموا على أن يغزوا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي الإلهي، فما كان منه إلا أن أعلن التعبئة العامة -النفير العام-، لا يتخلف عن غزوة تبوك أو غزو الروم: إلا امرأة أو من كان مريضاً أو ممرضاً، أو من لم يجد ما يركب عليه ويتزود به.

    فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ [التوبة:38]؛ لأن السنة التاسعة كانت سنة جدب وقحط، وكانت سنة احتياج وفقر، فتثاقل من تثاقل.

    ومعنى (تثاقل) تباطأ عن الخروج كالذي يحمل حملاً ثقيلاً لا يقوى على حمله والمشي به، وهذا موجه إلى من حدث منهم هذا، ولكن من باب الستر على العموم يكون اللفظ عاماً، والله أعلم بمن لم يتثاقلوا.

    مَا لَكُمْ [التوبة:38] أي: ما الذي يمنعكم ويجعلكم تتثاقلون، وهذا الاستفهام للعتاب والتقريع.

    اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ [التوبة:38] لتسكنوا إليها وتبقوا فيها، وإلى شهواتها وما فيها من متع ولذائذ.

    بيان حقارة الدنيا وضآلتها أمام الآخرة

    قال تعالى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ [التوبة:38] أي: هل استبدلتم بالآخرة الحياة الدنيا، فرضيتم بالبقاء للأكل والشرب؟

    ثم قال تعالى: فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38] فنسبة هذه القلة كالذي يغمس أصبعه في البحر ثم يخرجها، ويزن كمية البلل فتأتي ذلك مثل الآخرة والدنيا، قلة لا حد لها.

    قال العلماء: وهذا حديث صحيح بمعناه: ( مثل الآخرة إلى الدنيا كالذي يغمس أصبعه في البحر ثم يخرجه ) كم كمية الماء عقلت بإصبعه بالنسبة إلى ماء البحر؟!

    فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38] والمتاع ما يتمتع به من الأكل والشرب والنكاح واللباس وما إلى ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً...)

    قال الله تعالى: إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [التوبة:39]؛ لأن الأمر كان تعبئة عامة؛ لأنها التصفية للإسلام.

    إِلَّا تَنفِرُوا [التوبة:39] الجزء: يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [التوبة:39] بالذل والهون، بالفقر، يسلط عليكم الكفار يدوسونكم بنعالهم، ويذلونكم بجيوشهم ورجالهم كما فعلوا عندما هبطت الأمة.

    يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ [التوبة:39] (ويستبدل قوماً غيركم) أي: يفتح الله عليهم قلوبهم بالإيمان ويؤمنون ويسلمون، ويحملون راية لا إله إلا الله، وينصرهم الله، وأنتم إلى جهنم.

    وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا [التوبة:39] أي: لا تظنوا أنكم تضرون الله أو رسوله بقعودكم عن الجهاد، وترككم رسول الله يمشي مع مجموعة من المؤمنين وأنتم ماكثون في بيوتكم، من أجل لذائذها ومتعها، فلن تضروه شيئاً.

    وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة:39]، فما أراد الله شيئاً إلا كان كما أراده، يحيي ويميت، يعز ويذل، يعطي ويمنع، ينصر ويهزم؛ لأنه ذو الصفة العامة والقدرة الكاملة التامة، وهذا كله تربية وتعليم لأولئك المؤمنين الذين حصل منهم بعض التباطؤ أو التثاقل، والآية عامة، فلو يأمر إمام المسلمين بالتعبئة العامة، أو النفير العام تطبق الآية على الموجودين يومئذ وإلى يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ...)

    معنى قوله تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله)

    ثم قال تعالى: إِلَّا تَنصُرُوهُ [التوبة:40] أي: رسولنا محمداً صلى الله عليه وسلم في حربه مع الروم في غزوة تبوك، فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [التوبة:40] أي: قد نصره الله من قبل، متى؟ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ [التوبة:40] يشير إلى الهجرة المحمدية، تذكرون أن حكماً صدر من قريش برئاسة أبي سفيان رضي الله عنه بإعدام محمد صلى الله عليه وسلم، فقد عقدوا مؤتمرهم في ناديهم وتبادلوا الرأي وصدر الأمر بقتل محمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نفيه لا يجدي ولا ينفع، وحبسه وسجنه كذلك، فلا خلاص من هذه الفكرة أو الدعوة أو هذا التيار الذي هاجمنا إلا بقتل محمد صلى الله عليه وسلم، وما إن صدر الحكم عليه صلى الله عليه وسلم حتى هيأ الله له الهجرة، ومنها أنه اتفق مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه على أن يعد له راحلة على حسابه صلى الله عليه وسلم، أي: جملاً بعيراً للركوب، ودليلاً يعرف الطرق وسبلها، أي: جغرافي.

    ثم طوق بيته صلى الله عليه وسلم أربعون رجلاً، وكل رجل يمثل قبيلة من قبائل قريش حتى يمزقوا دمه ويفرقوه بين القبائل، فلم يبق لبني هاشم مطلب، فقط يطلبون الدية وكفى، وترك علياً في فراشه رضي الله عنه، وخرج وحول البيت أربعون رجلاً بسيوفهم، فأخذ تراباً بكفه وقال: ( شاهت الوجوه )، فتركهم يمسحون في التراب وخرج وما عرفوا من خرج، وظنوا أنه ما زال على فراشه، فقد كان ينظرون من شقوق الباب فيرون علياً رضي الله عنه في الفراش ويظنونه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام علي من الفراش فعرفوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ذهب، وخرج صلى الله عليه وسلم وأعد أبو بكر الزاد، وما ننسى ذات النطاقين أسماء ؛ إذ شقت نطاق حزامها وربطت بنصفه الزاد المحمدي، وسميت بـذات النطاقين رضي الله عنها.

    وخرج صلى الله عليه وسلم وكفار مكة قائمون وقاعدون يبحثون عنه صلى الله عليه وسلم، فاضطر إلى أن يدخل غار في جبل ثور وهو من جبال مكة، وقد يظن بالغار أنه غار حراء، فحراء كان للتعبد والانقطاع إلى الله عز وجل، فيأتيه الوحي صلى الله عليه وسلم فيه.

    إذاً: وجاءت قريش تقلب الأرض قلباً، حتى قال الصديق للرسول صلى الله عليه وسلم: ( لو أن أحدهم رفع قدمه لرآنا، فقال له صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ! ما ظنك باثنين الله ثالثهما! )، وهذا معنى قوله: إِلَّا تَنصُرُوهُ [التوبة:40] في هذه المعركة، فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [التوبة:40] متى؟ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [التوبة:40] أي: المشركين. ثَانِيَ اثْنَيْنِ [التوبة:40] الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثاني أبو بكر رضي الله عنه.

    شرف أبي بكر الصديق وبيان فضله

    قال تعالى: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:40]، الغار هو الثغرة في الجبل، والجبل معروف إلى اليوم وهو جبل ثور، إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، قال صلى الله عليه وسلم: ( ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) لما قال له أبي بكر الصديق: لو يرفع أحدهم رجله لرآنا، من شدة بحثهم وتقليبهم الحجارة.

    فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [التوبة:40] أي: على رسوله الطمأنينة، وأبو بكر اضطرب ثم هدأ وسكن، ( ما ظنك باثنين الله ثالثهما )، كانت سكينة وطمأنينة عجب، ما أصبحا يفكران في من يطلبهما أو يبحث عنهما، وأصدرت قريش أيضاً حكماً بأن من يأتيها بمحمد مقطوع الرأس فله مائة بعير، أي: مائة ناقة مقابل إتيانه برأس النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال تعالى: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا [التوبة:40]، فهذه الجنود قلبت قلوب المشركين وهزمتهم وعادوا أذلاء راجعين عن البحث.

    الإسلام يعلو ولا يعلى عليه

    ثم قال تعالى: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا [التوبة:40]، كلمة الله هي دينه وشرعه وهي العليا.

    ومن اللطائف التي يفتح الله بها على عباده، فقد تتبعت التفسير فلم أجد هذه اللطيفة، وهي: لم نسمع قط كلمة الكفر في المآذن بأعلى الأصوات، ونسمع كلمة (أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله) تدوي في السماء، فلا توجد كلمة ارتفعت هذا الارتفاع، والله! ما كان لا في العرب ولا في العجم، فسبحان الله العظيم!

    الآن في البلاد الإسلامية حتى في البلاد الكافرة نسمع النداء: (أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله)، كلمته عز وجل هي العليا، ما يقولوا: أشهد أن المسيح ولا عبد القادر ولا فلان، ما في إلا كلمة الله، وصدق الله العظيم.

    وكلمة الله هي الشهادتان، كلمة الله الأزلية.. كلمة العلم وتقديره كل ذلك صالح لكلام الله، لكن هنا قلنا: الشهادتان، وهم قالوا: الآلهة متعددة وقالوا: محمد ما هو بنبي ولا رسول، ساحر وكاذب، هذه كلماتهم سفلت، وعلت فوقها كلمة الحق: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.

    وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ.. [التوبة:40] هذا استئناف، وإن قرئ: (وكلمةَ الله) بالنصب لكان قراءة شاذة، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا [التوبة:40] (العليا) تأنيث الأعلى، فلما كان الرسول صلى الله عليه وسلم في جبل أحد في المساء بعد نهاية المعركة وهزيمة المؤمنين؛ لمعصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف ينتصر المسلمون وهم عصاة لرسول الله بالجملة؟ كيف نطمع أن نطرد اليهود من فلسطين؟ فهذه معصية واحدة، ولنا معاصي لا حد لها، فلهذا احمدوا الله أن آمنكم تعبدوا ربكم.

    لما كان على الجبل جاء أبو سفيان على فرسه: اعل هبل، اعل هبل. أي: أراد أن تكون كلمته هي العليا: اعل هبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أجيبوه وأبو بكر وعمر وعثمان من حوله، فقالوا: ماذا نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل ) فأسكتوه.

    جاء يفتخر: اعل هبل. هبل هذا إلههم المعبود عندهم، يعني: انتصرنا، اعل هبل. وتمت كلمة ربك العليا، وكلمة المشركين انتهت وانمحت، وما سفلت فقط.

    وَاللَّهُ عَزِيزٌ [التوبة:40] أي: غالب لا يغالب حَكِيمٌ [التوبة:40] أي: يضع كل شيء في موضعه، فينصر من هو أهل للنصر ويهزم من هو أهل للهزيمة، فلما كان رسول الله والمؤمنون على الحق نصرهم وأيدهم، وجعل كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    شرح الآيات في الكتاب.

    معنى الآيات

    قال: [معنى الآيات:

    هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك، فقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن هرقل ملك الروم قد جمع جموعه لحرب الرسول صلى الله عليه وسلم، فأعلن النبي صلى الله عليه وسلم التعبئة العامة، وكان الزمن صيفاً حاراً، وبالبلاد جدب ومجاعة، وكان ذلك في شوال من سنة تسع، وسميت هذه الغزوة بغزوة العسرة]، فهذه غزوة العسرة التي جهز فيها عثمان ألف بعير.

    قال: [ فاستحثَّ الرب تبارك وتعالى المؤمنين؛ ليخرجوا مع نبيهم لقتال أعدائه الذين عزموا على غزوه في عقر داره، فأنزل تعالى قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:38]، والقائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:38] أي: اخرجوا للجهاد. فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:38] أي: لأجل رضاه سبحانه وتعالى وما عنده من النعيم المقيم ] في دار السلام.

    [ وقوله: مَا لَكُمْ [التوبة:38] أي: أي شيء يجعلكم لا تنفرون؟ وأنتم المؤمنون طلاب الكمال والإسعاد في الدارين.

    وقوله: اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ [التوبة:38] أي: تباطأتم عن الخروج، راضين ببقائكم في دوركم وبلادكم.

    أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ [التوبة:38]، ينكر تعالى على من هذه حالهم منهم، ثم يقول لهم: فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [التوبة:38] أي: ما كل ما يوجد فيها من متع على اختلافها بالنسبة إلى ما في الآخرة من نعيم مقيم في جوار رب العالمين؛ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38] تافه لا قيمة له؛ فكيف تؤثرون القليل على الكثير والفاني على الباقي.

    ثم قال لهم: إِلَّا تَنفِرُوا [التوبة:39] أي: إن تخليتم عن نصرته صلى الله عليه وسلم وتركتموه يخرج إلى قتال الروم وحده؛ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة:39]، وفي هذا الخبر وعيد شديد اهتزت له قلوب المؤمنين ] في ذلك اليوم.

    [وقوله تعالى: إِلَّا تَنصُرُوهُ [التوبة:40] أي: إن خذلتموه ولم تخرجوا معه في هذا الظرف الصعب فقد نصره الله تعالى في ظرف أصعب منه، نصره في الوقت الذي أخرجه الذين كفروا ثَانِيَ اثْنَيْنِ [التوبة:40] أي: هو وأبو بكر لا غير.

    إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:40] أي: غار ثور.

    إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ [التوبة:40] لما قال: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا يا رسول الله. قال له: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [التوبة:40] فسكنت نفسه واطمأن وذهب الخوف من قلبه.

    وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا [التوبة:40]، وهي دعوتهم إلى الشرك جعلها السُّفْلَى [التوبة:40] مغلوبة هابطة، وَكَلِمَةُ اللَّهِ [التوبة:40] كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله هِيَ الْعُلْيَا [التوبة:40] الغالبة الظاهرة ] فكلمة (أشهد أن لا إله إلا الله) لم تسمع في العالم إلا عالية، آمنا بالله.

    [الغالبة الظاهرة، وَاللَّهُ عَزِيزٌ [التوبة:40] غالب لا يغالب، حَكِيمٌ [التوبة:40] في تصرفه وتدبيره، ينصر من أراد نصره بلا ممانع، ويهزم من أراد هزيمته بلا مغالب].

    هداية الآيات

    إذ كل آية فيها هداية، فكل آية تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، بين لنا ذلك يا هذا؟

    الجواب: هذه الآية مثلاً: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [التوبة:40] قالها وأنزلها وتكلم بها الله عز وجل، إذاً الله موجود، ونزلت هذه الآية على محمد بن عبد الله، إذاً هل هو غير رسول وينزل عليه القرآن؟ والله ما كان إلا رسولاً، فكل آية تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    قال: [من هداية الآيات:

    أولاً: وجوب الخروج إلى الجهاد إذا دعا الإمام بالدعوة العامة وهو ما يعرف -الآن- بالتعبئة العامة أو النفير العام.

    ثانياً: يجب أن يكون النفير في سبيل الله لا في سبيلٍ غير سبيله تعالى ] لا في الطين والتراب والحكم والسلطان، ولكن من أجل أن يعبد الله عز وجل وينصر أولياءه.

    [ ثالثاً: بيان حقارة الدنيا وضآلتها أمام الآخرة ] ألم يقل تعالى: إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38]؟

    [ رابعاً: وجوب نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في دينه، في أمته، في سنته ] الآن يجب أن ننصر رسول الله، في أمته حتى لا تنهزم وتنكسر أو تضل وتتحطم، وفي سنته ألا تترك وتهمل، كل واحد واجب عليه أن ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    [ خامساً: شرف أبي بكر الصديق وبيان فضله ].

    أنبه إلى أن الروافض يأخذون من هذه الحادثة بالذات يعكسونها عكساً عجباً، فيجعلون أبا بكر من أخس الناس حتى تفهموا هذا في تفاسيرهم وفي كتبهم، يحرفونها ويؤولونها بأعجب العجب، والخوارج في علي لما جعله الرسول في فراشه وقال: اجلس بدلي، يتخذون منها كذلك ما كفروا به من ذمه واحتقاره، فقد نبهت إلى هذا، وهو موجود في تفسير المنار بالتفصيل.

    [ سادساً: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ] فإلى الآن هل علت المسيحية؟ فأصحابها مجرمون كفرة فجار، يأكلون أموال الناس بالباطل.

    وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.