إسلام ويب

تفسير سورة النساء (89)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حوت سورة النساء الكثير من الأحكام الشرعية والهدايات الربانية، حيث ذكر الله فيها لعباده وسائل تزكية النفس والارتقاء بها، وذكر أحكام النساء وما يتعلق بذلك من نكاح ونفقات وغيره، وأحكام اليتيم وكفالته، كما قرر فيها سبحانه مبدأ التوارث، وبين أحكام التركة وكيفية تقسيمها، كما بين المحرمات من النساء وأسباب التحريم وما يترتب على ذلك من أحكام.

    1.   

    بعض ما حوته سورة النساء من الهدايات والأحكام الشرعية

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن قد فرغنا بالأمس من دراسة سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، وظننت أننا اليوم سندرس العقيدة من كتاب عقيدة المؤمن، وقد تبين لي خطئي، وها نحن الآن نريد أن نستحضر بعض الذي حوته سورة النساء من الهدايات والأحكام الشرعية.

    مناداة الله للخلق جميعاً بأن يتقوه

    إن هذه السورة المباركة الميمونة قد دعت البشرية كلها أبيضها وأصفرها إلى أن يتقوا ربهم؛ لأنهم لا يسعدون ولا يكملون إلا على تقوى ربهم، إذ قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1]، ولو عرفوا عظمته وجلاله وكبرياءه وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته لما خرج عن طاعته واحد منهم، وحسبهم أن يعرفوا أنهم مقهورون ومملوكون ومحكومون ومدبرون، وأن مالكهم ومدبرهم وحاكمهم هو الله سبحانه وتعالى، فإن أرادوا السعادة فليعبدوه، وإن أرادوا الشقاء فلهم دار البوار والعياذ بالله، والعجيب أنه من يريد الشقاء؟ ولكن الذي يعرض عن طاعة سيده فقد أراد الشقاء أحب أم كره، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء:1]، فأعلم البشرية بأصل خلقتها.

    فيا ابن آدم! أنت مخلوق مم؟ ما هي مادة خلقك؟ إنها الطين اللازب، إنها الحمأ المسنون، إنه الصلصال كالفخار، فهذا هو أبوك آدم، وأنت أصل وجودك هو الطين، فهل تتكبر يا ابن الطين؟ كيف ترفع رأسك وتستأنف أن تسجد لمولاك وتطرح بين يديه؟ وأما والدتك وجدتك حواء، فقد أخبر العليم الحكيم على أنه خلقها من آدم، وذلك من ضلعه الأيسر، فعلم البشرية أصل خلقتها ومبدأ وجودها.

    وجوب صلة الأرحام وحرمة قطعها

    ثم أمرنا الله أن نتقيه وأن نصل أرحمانا، فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، ورقيب بمعنى: مراقب، وبالتالي كيف نستطيع أن نقول كلمة سوء وهو يسمعنا؟! وكيف نمد أيدينا أو نمشي بأرجلنا إلى شيء يكرهه وهو معنا يعلم حركاتنا وسكناتنا؟ إن هذه تربي في الإنسان المؤمن ملكة مراقبة الله عز وجل، فيصبح دائماً بين يدي الله، فلا يقوى ولا يقدر على حركة يعلم أنها تتنافى مع رضا الله جل جلاله وعظم سلطانه.

    جواز نكاح أكثر من واحدة إلى أربع مع الأمن من الحيف والجور

    ثم ذكر الله لنا حكماً عظيماً وهو: أن من أراد أن يزوج يتيمة في حجره فلا يبخسها حقها في مهرها وصداقها، وذلك لكونه وليها أو الوكيل عنها، وكذلك لا ينبغي لمؤمن أن يتزوجها ويبخسها مهرها، إذ إن هذا لا ينبغي أن يأتي من مؤمن يؤمن بالله ولقائه، وله أن يتزوج غيرها إذا خاف ألا يعدل معها أو أن يبخسها حقها ، وذلك أن الله تعالى قد فتح له هذا الباب، وبالتالي فله أن ينكح واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، قال تعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3]، فهذا هو إذنه سبحانه وتعالى، ثم أليس هو المالك للنساء والرجال؟ بلى، فلو منع ما يمنع، ولكن أذن لعباده، فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى [النساء:3]، أي: اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، ولعلمه وحكمته وعظيم رحمته، يقول: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا [النساء:3]، بين الاثنتين أو الثلاث أو الأربع، فماذا تصنعون؟ فَوَاحِدَةً [النساء:3]، ولا تزيدوا على ذلك، أي: إذا ما قدرت على العدل، أو عرفت أنك لا تقوى عليه، فلا تزد على امرأتك أخرى.

    وجوب إعطاء النساء مهورهن وحرمة الأكل منها بغير طيب نفس صاحبة المهر

    ثم علمنا ما يجب لاستحلال الفرج، ألا وهو المهر أو الصداق، وبالتالي فلابد لمن أراد أن يتزوج امرأة بيضاء أو صفراء أن يعطيها مهراً، وله أن يؤجله بعلمها ورضاءها، وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء:4]، وأركان النكاح أربع، وبدون هذه الأركان فالنكاح فاسد وباطل، بل وهو زنا وعهر، ومن بين هذه الأركان الأربعة: المهر، وأما باقي هذه الأركان فهي: الشهود، فلابد وأن تشهد اثنين من عدول المؤمنين على أنك تتزوج فلانة، ومن هذه الأركان أيضاً: الصيغة، كأن تقول: فلان زوجني ابنتك أو وليتك، فإذا قال: زوجتكها على مهر كذا وكذا، فتقول: رضيت بها، وقبلتها زوجاً لنفسي.

    كذلك من الأركان: وجود الولي، إذ هو الركن الأعظم من أركان النكاح، ولذا فلابد للمرأة أن يكون لها ولي يتولى عقد نكاحها، فإن لم يوجد لها أب ولا أخ ولا جد ولا عم، فالقاضي ولي من لا ولي لها، فإن انعدم القضاء في الصحراء أو في القرى، فـعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: فليتولى عقد نكاحها ذو الرأي من عشيرتها من أهل البلاد، أي: صاحب الحصافة العقلية، والرأي السديد، والوفاء والكمال.

    النهي عن إعطاء المال للسفهاء الذين لا يحسنون التصرف فيه

    ومن هذه الأحكام الإلهية التي تسعدنا وتكملنا لو آمنا بها وعرفناها وطبقناها في حياتنا: يقول تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:5]، فالآن الدنيا كلها قائمة على المال، إذ المال قوام الأعمال، والمال قد كفر الناس من أجله، وارتدوا من أجله، وباعوا دينهم من أجله، وباعوا أعراضهم من أجله، وحاربوا وقتلوا وسفكوا من أجله، والقرآن الكريم قد وضع قواعده للدنيا بما فيها، فأموالكم التي جعلها الله لكم قياماً، ماذا تصنعون بها؟ قال: لا تعطوه السفهاء، كالمرأة التي لا تحسن التصرف، وكالولد أو الرجل الذي لا يحسن التصرف، ولو نعمل بهذه فقط ما افتقرنا، فمن هو إذاً هذا السفيه؟ سفيه العقل هو الذي لا يحسن التصرف، والآن تستطيع أن تقول: كل المبذرين والمسرفين في المال هم ممن نهى الله عباده أن يعطوهم أموالهم، وقد جاء الحجر عليهم.

    وحسبنا أن نذكر أن هذه السورة العظيمة حوت سلالم الرقي والكمال والسعادة البشرية، وهي من مائة وأربعة عشرة سورة، وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:5].

    أمر الله للأولياء أن يختبروا اليتيم إذا بلغ سن الرشد

    كما أمرنا بابتلاء اليتيم إذا بلغ سن الرشد، وذلك إذا أردت أن تعطيه أمواله التي ورثها من أبيه أو من أخيه، فامتحنه أولاً ثم أعطه إياه، كأن تعطيه دراهم أو دنانير وتقول له: اشتر لنا كذا وكذا، وبع لنا كذا وكذا، وأنت تراقب سلوكه، فإن وجدته حاذقاً حصيف الرأي لبيباً، فأعطه ماله وأشهد عليه، وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2].

    وقد عاش المسلمون في عصر جهالاتهم إلى اليوم، ولذلك تجد الولي يكون عنده مال اليتيم، فيأخذ من مال يتيمه ويترك ماله، وذلك كأن أراد شاة فيأخذ من غنم يتيمه ويترك غنمه ولا يأخذ منها شيئاً، ويقول: هذا ما زالت حياته مستقبلة، وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2].

    تقرير مبدأ التوارث في الإسلام

    كذلك من الهدايات في هذه السورة: تقرير مبدأ التوارث الذي كان مجهولاً بين العرب، فقد كانت المرأة لا حق لها في الإرث، وكذلك الولد الصغير قبل البلوغ لا حق له في الإرث والمال، إذ المال فقط للرجال الأبطال الذين يدافعون عن القبيلة، ويقاتلون دون شرفهم، فقررت هذه الآية أن لهم جميعاً نصيباً من الإرث، فقال تعالى: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ [النساء:7]، فقد كان العرب لا يورثون النساء، وذلك بحجة أنهن لا يدافعن ولا يحمين القبيلة، فالمال يرثه الذكر دون الأنثى، والصغار قالوا: يأكل ما تيسر، فيورثون الرجال فقط، فجاءت سورة النساء تحمل هذا الهدى: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء:7].

    استحباب إعطاء من حضر قسمة التركة من قريب أو يتيم أو مسكين

    ثم جاءت الرحمات الإلهية، ونحن أصحاب القرى نعرف هذا، وذلك أننا لما نجز التمر أو نحضر الشعير أو البر لنقسمه على الورثة، يأتي الفقراء والأقارب يتطلعون، فإن كان صاحب المال حي قلبه وحي الضمير، فإنه يضرب لهم شيئاً فشيئاً قبل أن يقسم، فيصرفهم بما يعطيهم، وإن كان صاحب المال شحيحاً فلا يلتفت إليهم، قال ابن عباس: هذه الآية ما عمل بها الناس، وهي قوله تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:8]، أي: أعطه حفنة من البر أو الشعير وقل له: سامحني، هذا الذي تيسر لي، أما أن يرجعوا بلا شيء وهم يشاهدون إخوانهم يقسمون المال بين ورثتهم، فلا ينبغي هذا للمؤمنين.

    بيان ما جاء في التركة وقسمتها

    ثم جاء بيان التركة وقسمتها، فقال تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، مع أن العرب ما كانوا يحلمون بهذا، ولا كان الجن ولا الإنس يعرفون هذا قبل هذه الآية المباركة الكريمة، يُوصِيكُمُ [النساء:11]، والوصية لها شأنها عند العقلاء والأحرار، وليست كالأمر فقط، يُوصِيكُمُ [النساء:11]، من؟ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11]، بماذا؟ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، فلهذا لو قال قائل: كيف أسوي بين ابنتي وولدي؟! لو قال هكذا فمعناه: أنه خان الله في وصيته والعياذ بالله، يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11].

    ثم بين كيف تقسم التركة مع الأولاد، وذلك إذا توفي الوالد وترك الأولاد، ثم بين إرث المرأة من زوجها، كم ترث منه؟ وكم يرث الزوج من امرأته؟ وما هي الكلالة؟ فبين ذلك غاية البيان، ثم قال: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ [الأنعام:151].

    نسخ حكم المكث في البيت حتى الموت بالنسبة لمرتكبي فاحشة الزنا

    وبعد ذلك جاء حكمٌ منسوخ بحسب العلم الإلهي والرحمة الربانية، فقد كان الرجل أو المرأة إذا زنا في بداية الأمر يسجنان فقط، قال تعالى: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:16]، وما هي إلا فترة من الزمان حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب الزاني جلد مائة والرجم بالحجارة )، فنسخ الله الحكم السابق حين تهيأت النفوس لقبول الحكم الثاني، فقال تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء:15]، ثم فجأة نزلت: ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالاً من الله والله عزيز حكيم )، وقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2]، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً ).

    بيان ضرورة التعجيل بالتوبة

    وتتوالى الأحكام وبيانها في سورة النساء المباركة الميمونة، فقد جاء بيان التوبة فيها، فيا عباد الله! عجلوا بالتوبة، فالذي يباشر المعصية ويتعاطاها هو في أخطر الظروف والأحوال، إذ قد يموت على الفور فلا ينجو أبداً ولا يسعد، والتوبة في صالح المجتمع، وليست في صالح الفرد فقط، يقول تعالى وقوله الحق: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:17]، فالتوبة هي الرجوع من مقارفة الشر وموطن الفساد إلى مكان الطهر والصفاء، والتوبة هي ترك المعصية التي يباشرها عبد الله أو أمته، سواءً كانت رباً أو زناً أو سرقة أو خيانة أو غشاً أو خداعاً أو ترك واجباً من الواجبات أو غشيان محرم من المحرمات، والتوبة هي العودة إلى الطريق السوي، إلى ساحة الطهر والصفاء ورضا الله عز وجل، فانفض يديك يا عبد الله وأعلنها: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، وكلك عزم على ألا تعود إلى هذا الذنب أبداً ما حييت، ولو تاب أهل المدينة الآن لتغير الوضع في صورة عجيبة، إذ التوبة إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع بكامله؛ لأن هذه الذنوب أصابت الآخرين، فإذا زنيت فأنت قد أصبت ذاك الذي زنيت بامرأته أو ابنته.

    يقول تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ [النساء:17]، الحق الصحيحة المنجية المزكية المطهرة، ما هي؟ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17]، وما قال: يعملون الزنا، أو الربا، أو يقتلون النفس، وإنما قال: السُّوءَ [النساء:17]، فما هو السُّوءَ؟ اذهب إلى الطبيب الجسماني يعلمك السوء في بعوضة تلسعك، أو عقرب تلدغك، أو ريح شديدة حارة تؤذيك، أو برد كذلك، أو شبع يقعد بك، أو جوع يحطمك، فيعلمك السوء في بدنك، وهذه الآية تعلمك السوء في روحك الذي هو مركز حياتك، أو المحطة التي بها وجودك وحياتك.

    إذاً: السوء هو ما يسيء إلى النفس البشرية فيقع عليها كالعفن أو النتن، فهو أذى يؤذيها ويحجبها نور الله عز وجل، ولهذا كل إثم هو سوء، وكل ذنب هو سوء، وكل معصية هو سوء؛ لأن أي مخالفة لتعاليم الله وأوامره وقوانينه يفعلها العبد عامداً عالماً إلا أصابت نفسه بالأذى والسوء.

    خطر إتيان العبد للذنوب والمعاصي بعلم وإصرار

    ثم قال تعالى: يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17]، أما الذي يعمل السوء وهو يتحدى الله ورسوله، والإسلام وأهله، ويسخر ويضحك من المؤمنين، فهذا لن يتوب، بل ولا تقبل له توبة، لكن الذي يعملها بجهالة، كأن غم الجهل على نفسه فأتى المعصية، فهذا قد يتوب الله عليه، لا أن يتحدى فيقول: لا أؤمن بأن هذا حرام أو هذا حلال، إذ إن الذين تحدوا الله قد ماتوا بين أيدينا على غير الإسلام، فتأملوا قول مولانا: يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17]، لا بعلم.

    والجهالة لها أنواع، وقد عرفنا منها: أن يقول: لو كان هذا حراماً ما فعله الشيخ الفلاني، فيسهل عليه أن يفعل الجريمة، أو لو كان هذا يغضب الله فلماذا لم ينزل فيه قرآن؟ أو لو كان هذا حراماً فلمَ فعل فلان كذا وكذا؟ أو يقول: إن شاء الله لما أحصل على وظيفة نترك هذا! أو لما يأتيني كذا نترك بيع كذا وكذا! فهذه كلها أنواع من الجهالات التي تجعل العبد يفعل تلك المعصية لا متعمداً متحدياً، أما الذي يأتيها على علم فيتحدى الله في شرعه وقوانينه ويخرج عن طاعته، فهذا لن يتوب، ولن تكون له توبة، إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17]، أي: يتوبون من قرب لا من بعد، والقرب والبعد نسبي فقط.

    والمراد من هذا يا عبد الله! إذا قلت كلمة سوء فالآن قل: استغفر الله، ولا تقل: غداً سأتوب، أو وقعت في زلة أو في سقطة، قم فانفض الغبار عن يديك واجلس وأنت تصرخ: أتوب إلى الله وأستغفره، أما أن تواصل الإثم والجريمة عاماً بعد عام حتى تصل الثلاثين السنة من عمرك، فقد تبلغ مستوى لن تتوب فيه أبداً ولا تقبل التوبة، وهذا ملاحظ ومجرب، فالذي باشر معصية فقط وتاب منها سهل عليه التوبة، والذي عاش خمسين سنة يشرب الحشيش كيف يرجع؟ والذي تعوَّد من صباه للسب والشتم والغيبة والنميمة حتى بلغ أربعين سنة، كيف يتوب من ذلك؟ قد تأصلت فيه تلك المعصية وأصبحت من طباعه، وكذلك الذين لازموا التدخين سنين طويلة يقول لك: ما نستطيع أن نتركه، أما لو دخن اليوم وبعد أسبوع وقيل: يل عبد الله! هذا ضرر بك، هذا حرام مغضب الله عليك، فإنه يتركه بسهولة، بخلاف إذا تضلع فيه وتمكن منه، وحسبنا أن يقول العليم الحكيم: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:17].

    حرمة عضل النساء وإبطال قانون الجاهلية القائم على أن ابن الزوج يرث امرأة أبيه

    أيضاً من هدايات سورة النساء: بيان عادة جاهلية مسحها من ديوان أهل الجهل، وهي أنه كان الرجل إذا تزوج أبوه ومات عن امرأته فالولد يرثها، فإن شاء تزوجها أو زوجها وأخذ المهر، فأنزل الله قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء:19]، فأبطل الله هذه العادة نهائياً، فإذا مات أخوك فللمرأة بعد انتهاء عدتها أن تتزوج من تشاء، ومهرها لها فقط، وكذلك امرأة أبيك، فإن مات أبوك عن امرأة فلاحق لك في أن تزوجها وتأخذ مهرها، أو تعضلها وتمسكها في البيت حتى تموت، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء:19].

    حرمة نكاح ما نكح الآباء من النساء

    ثم جاء التعليم الإلهي في تصحيح قاعدة الأسرة، فبين تعالى محرمات النكاح، فبدأ بامرأة الأب فقال: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22]، فامرأة أبيك حرام عليك وإن لم ترضعك، وإن لم تتربى في حجرها، ما دام أنه قد وطئها والدك فهي كأمك، سواء كانت شرقية أو غربية، وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22]، ومضى، فالله غفر لكم ما كان في جاهليتكم.

    بيان المحرمات من النسب والرضاعة

    كما بين سبحانه وتعالى في هذه السورة المحرمات من المناكح ومن الرضاعة، وذلك تبييناً شافياً، واسمعوا هذه الآية الكريمة، يقول تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23]، وقال الرسول الكريم: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )، أي: يحرم بالرضاع ما يحرم من النسب، فأخذ المجتمع يطهر يوماً بعد يوم؛ لأن هذا القرآن الكريم ما نزل في يوم واحد، وإنما نزل على مبدأ التربية والترقي، وذلك يوماً بعد يوم، فسبحان الله! ما أعظم سورة النساء!

    بيان دعائم المجتمع الإسلامي

    كما جاء في هذه السورة أيضاً: دعائم المجتمع الإسلامي ، فقال تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، ثم قال: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34]، وبين إذا حصل نزاع أو صراع -كما يقولون- أو خلاف بين الزوج وامرأته، أو بين الرجل والمرأة، فقد عالج الله ذلك الموقف: فأولاً: يعظها، وثانياً: يهجرها في الفراش، وثالثاً: يصفعها، ثم إذا لم يتم شيء فالحكمان يصلحان بينهما، فهل كانت العرب تعرف هذا؟ لا والله، وهل الصين واليابان والأمريكان وكل بلاد الكفر يعرفون هذه الهداية الإلهية؟ من أين لهم وهم محرومون من نور الله؟ ونحن ما حمدنا الله، ولا أثنينا عليه ولا شكرناه؛ لأننا نعيش في غفلة وفي ظلمة وجهل.

    بيان الحقوق العشرة في سورة النساء

    ومن الهدايات في هذه السورة العظيمة: العشرة الحقوق، قال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:36]، فهذه عشر حقوق سجلها الله في كتابه، وأمر عباده مؤمنين ومؤمنات على أدائها لأصحابها، وإلا فهم ظلمة خارجون عن النظام متعرضون للغضب والعذاب والنكال، وأعظم هذه الحقوق: حق الله تعالى، وإن قلت: وهل لله حق علي؟ أنسيت أنك مخلوق؟ من خلقك؟ من فتح عينيك؟ من أنطقك فنطقت؟ من أقدرك على أن تمشي فمشيت؟ من أوجد لك الدار والسماء والأرض؟ إن الذي يعطيك عصا فقط له حق عليك، وبالتالي حق الله مقابل خلقه ورزقه لك وتدبيره لحياتك، فإياك أن تهضم الله حقه، فإن قيل: كيف أهضم حق ربي؟ تعصيه ولا تعبده وتعبد عدوه، فأي بشاعة أو قبح أعظم من هذا؟ أي: أن خالقي ورازقي ومدبري المفتقر إليه في كل لحظة من لحظات حياتي، أعرض عنه ولا أذكره ولا ألتفت إليه، وأطيع عدوه إبليس الذي يسوقني كالنعام لمجازر البشر ومفاسد الحياة!

    وثاني هذه الحقوق: حق الوالدين، فأنت من نطفة ماء أبيك، وأمك قد حملتك في بطنها تسعة أشهر، وتحول دمها إلى لبن حلو أبيض تشربه، فكيف تنسى هذا الحق وتسبها وتشتمها وتفضل امرأتك عليها، بل ويضربون أمهاتهم وآباؤهم والعياذ بالله؟! ما عرفوا الله عز وجل.

    بيان عدل الله ورحمته في المجازاة

    يقول تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40]، ضع هذا النور في قلبك، فالله لا يظلم عبده مثقال ذرة، وإن تك لك حسنة واحدة يضاعفها إلى عشرة إلى سبعمائة ضعف، فأي كرم أعظم من هذا؟ وأي فضل أعظم من هذا؟ وأي إحسان أعظم من هذا؟ ثم تستحي أن تقول: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، والله لو تقلها طول النهار في الشارع ما وفيت الله حقه.

    لكن البشر كالبهائم يأكل الزبدة ولا يقولون: الحمد لله، أو يشربون العسل ولا يعرفون الحمد لله، أو يأكلون ألذ الطعام، أو يلبسون أحسن الثياب ولا يعرفون الحمد لله، فمن سقاك؟ ومن كساك؟ ومن آواك؟ ومن أطعمك؟ فاذكر هذه الآلاء وهذه النعم يا هذا، واحمد المنعم سبحانه وتعالى، واخرج من دائرة البهيمة فأنت آدمي.

    وقد ذكرت لكم قصة وهي: أننا حضرنا غداء عند أستاذ في بريدة، ولهذا الأستاذ شيخ كبير مثلي، فوالله ما إن وضعت السفرة وأخذنا نأكل الطعام إلا وهذا الشيخ: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، حتى فرغ الآكلون من أكلهم، فمن هم الحمَّادون؟ نحن والحمد لله أمة الحمد، وهذه نعوتها في التوراة والإنجيل.

    تأثر النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن

    وآية عجيبة أخرى، وقد تأثر بها النبي صلى الله عليه وسلم حتى بكى، ففي يوم من الأيام قال لـعبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله عنه: ( يا ابن أم عبد -هذه كنيته- اقرأ علي شيئاً من القرآن ) فعجب عبد الله بن مسعود وقال: عليك أنزل وعليك أقرأ يا رسول الله؟! قال: ( إني أحب أن أسمعه من غيري )، فأتحداكم معشر الحاضرين نساءً ورجالاً من هو الذي قال في يوم من الأيام لأحد إخوانه: تعال من فضلك اقرأ عليَّ شيئاً من القرآن؟ أنت وإياه؟ الحمد لله، بيننا سعد السعود والمسلمين لا اليهود.

    وتذكرون الطيب العقبي أيها الجزائريون! يا من حاربتموه وقلتم: إنه وهابي، إن الطيب العقبي خريج هذا المسجد النبوي، يقول عن نفسه: كنا نخرج من المسجد النبوي بعد العصر إلى أحد، ونأتي بسبعين ثمانين بيتاً من الشعر ننظمها كأجود ما تكون، هذا العقبي الذي لم تكتحل عين الوجود بأعلم من هذا الرجل ولا أبر ولا أتقى ولا أصلح، وهو مؤسس جريدة القبلة وبعدها أم القرى الموجودة الآن، وقد عاش في هذه الديار، وجاء من بلاده بلاد عقبة بن نافع الفاتح لإفريقيا، فقد جاء رضيعاً مع أسرته آل العقبي، فلما كانت الحرب الأولى وخافت الدولة العثمانية من المجاعة رحلت أهل المدينة والحجاز إلى الشام وإلى تركيا وإلى حيث شاءوا خوف المجاعة عليهم، فسافر الشيخ رحمه الله تعالى.

    والشاهد عندنا: هو الذي ذكر هذا الحديث: ( يا ابن أم عبد! اقرأ علي شيئاً من القرآن )، فحضر للدرس عامل في الميناء، وهو عامي لا يقرأ ولا يكتب، فأخذها وكان يأتي إلى قرانا الصحراوية أيام العطلة عنده، فكان يجلسني بين يديه وأنا غلام في الثامنة أو التاسعة، ويتربع في جلسته ويقول: يا أبا بكر! أسمعني شيئاً من القرآن، وأقرأ عليه القرآن وهو والله ما يقرأ ولا يكتب، وإنما فقط فهم هذه وقررها الشيخ الطيب في نادي الترقي، وأخذها هذا العامي وطبقها فيَّ، وذلك في المسجد، فيثني ركبتيه ويقول: اقرأ علي شيئاً من القرآن.

    فهل فهمتم هذه؟ أنتم تقرءون القرآن على الموتى، فمن إندونيسيا إلى موريتانيا إذا سمعت القرآن في منزل فاعلم أن هناك جنازة، فيا من يقرءون القرآن على الموتى، تعالوا فبينوا لنا هذا الطريق؟ هل أنت توبخ هذا الميت فيقوم ويتوب؟ أو لما تأمره أو تنهاه يستجيب؟ مات، وهل قرأ الرسول على الأموات؟ أعوذ بالله، فكيف إذاً تقرأ على ميت؟! بين لي؟ ما يفهمون! والله يقول في سورة يس: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:70]، لينذر من كان ميتاً أو من كان حياً؟ حياً، قال تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا [يس:69-70]، وما قال: من كان ميتاً، فلا إله إلا الله!

    ثم قرأ عبد الله بن مسعود: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1]، حتى انتهى إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء:41-42]، قال: وإذا بعيني رسول الله تذرفان الدموع، ويقول: ( حسبك، حسبك )، فكيف تنسى هذه الآية العظيمة؟! فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ [النساء:41]، أي: أمتك، شَهِيدًا [النساء:41]، كادت نفس الرسول أن تطير.

    كما جاء في هذه السورة بيان للوضوء والغسل والتيمم، وذلك قبل أن تعرف الأمة الوضوء أو الغسل أو التيمم.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه.