إسلام ويب

تفسير سورة النساء (88)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين الله عز وجل في أوائل هذه السورة حكم من مات وخلف مالاً، وليس له آباء ولا أبناء ولا زوج وله إخوة من الأم فإنهم يرثونه، فإن كان واحداً فله السدس، وإن كانوا أكثر من واحد فهم شركاء في الثلث، أما في هذه الآية وهي آخر آية في السورة فقد بين نصيب الإخوة الأشقاء أو من أب، فالأخت الواحدة لها من أخيها نصف ما ترك، والأختان لهما الثلثان، والأخ يرث مال أخته كاملاً، والإخوة مع الأخوات يرثون الأخ أو الأخت فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم... ) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم حقق لنا هذا الفضل واجعلنا من أهله يا ذا الفضل العظيم.

    وها نحن مع آخر آية من سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، سورة الأحكام الشرعية، هذه الآية هي آية الكلالة، وقبل الشروع فيها أذكر نفسي والمستمعين والمستمعات بما اشتملت عليه الآيتان اللتان درسناهما بالأمس، وذلك بعد قراءتهما تذكيراً للناسين: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:174-175].

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية هاتين الآيتين الكريمتين: أولاً: الدعوة الإسلامية دعوة عامة، فهي للأبيض والأصفر على حد سواء ]، وأخذنا هذا من قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [النساء:174]، فلفظ (الناس) عام في البشر كلهم، لا فرق بين العرب والعجم، ولا بين الأبيض والأصفر، وإنما دعوة الإسلام دعوة عامة، وينبغي أن تنشر في العالم بأسره، وليست خاصة بجيل من الأجيال ولا بقبيلة من القبائل، وإنما هي دعوة الله للبشرية جمعاء من أجل أن تطهر وتكمل وتسعد في حياتها الدنيوية، ثم تسعد في الحياة الخالدة الباقية في العالم الأعلى.

    فقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [النساء:174]، أخذنا منه أن الدعوة الإسلامية دعوة عامة، فهي للأبيض والأصفر على حد سواء.

    قال: [ ثانياً: إطلاق لفظ البرهان على النبي صلى الله عليه وسلم ]، فنبينا اسمه محمد وأحمد، وقد سماه الله برهاناً، قال تعالى: قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ [النساء:174]، والبرهان هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ قال: [ لأنه بأميته وكماله الذي لا مطمع لبشري أن يساميه فيه، برهان على وجود الله وعلمه ورحمته ]، أي: أن محمداً صلى الله عليه وسلم برهان على أنه نبي الله ورسوله، فلا يحتاج إلى حجج أخرى تقوى أو تضعف، فهو أمي لم يقرأ ولم يكتب، فيخرج على البشرية بعلوم ومعارف ما كانت تعلمها ولا تحلم بها، فكيف لا يكون رسول الله؟!

    قال: [ ثالثاً: القرآن نور ]، إي والله فالقرآن نور، والنور يستفاد منه في الظلام، والحياة كلها ظلام، فلا شمس تغني ولا القمر، ولكن النور الذي به النجاة هو القرآن العظيم، فمن آمن به وقرأه وعرف ما يحمله من الهدى والنور، وأخذ يعمل به فقد نجا، واهتدى إلى دار الكمال والسعادة، ومن رماه وراء ظهره ولم يؤمن به ولم يقرأ ما فيه ولم يتعرف إلى ما يحمله من الشرع والهداية الإلهية، فهو والعياذ بالله في عداد الخاسرين.

    قال: [ ثالثاً: القرآن نور من أجل ما يحصل به من الاهتداء إلى سبل النجاة وطرق السعادة والكمال ]؛ لأن الله تعالى قال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ ماذا؟ ما قال: قرآناً، وإنما قال: نُورًا مُبِينًا [النساء:174]، وفي آية أخرى قال: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:8]، فهيا نبلغ البشرية أنها إذا لم تؤمن بالقرآن وتعمل بما فيه فهي والله لفي الظلام، ولا يمكنها أن تهتدي لسعادتها وكمالها في الدارين إلا بهذا النور، والواقع شاهد على ذلك، فانظر إلى الشرق والغرب، وانظر إلى البشرية في عصور رقيها وحضارتها، هل تجاوزت موضع شبر البهائم؟ هل خلت من الخبث ومن الظلم ومن الشر ومن الفساد؟ والله لم تخلو منه ولن تخلو.

    قال: [ رابعاً: ثمن السعادة ودخول الجنة الإيمان بالله ورسوله ولقائه والعمل الصالح، وهو التمسك بالكتاب والسنة المعبر عنه بالاعتصام ]، إذ قال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ [النساء:175]، ألا وهي الجنة دار السلام، وَفَضْلٍ [النساء:175]، أي: ويزيدهم من فضله من أنواع الإنعامات والإفضالات، ومن النظر إلى وجهه الكريم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة...)

    والآن مع آخر آية من سورة النساء، وتلاوة هذه الآية الكريمة بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النساء:176].

    سبب نزول الآية

    تسمى هذه الآية بآية الصيف، وقد ذكر أهل العلم أن سبب نزول هذه الآية الكريمة: أن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه وعن والده مرض كما يمرض الناس -ووالده هو عبد الله بن حرام، وقد استشهد في غزوة أحد- فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: زاره في مرضه، وزيارة المريض سنة، وتسمى بعيادة المريض، ولذلك إذا مرض أخوك ومضى على مرضه ثلاثة أيام فإنه يسن لك أن تزوره، إذ إن هذه الزيارة من حقه عليك، وعلى كل عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر، وأبو بكر هو خليل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، فأغمي على جابر بن عبد الله من شدة المرض، والإغماء ينتاب المريض ساعة وساعة، وذلك أن المريض قد يفقد شعوره من شدة الألم، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صب عليه من فضل وضوئه، أي: توضأ في إناء وبقي في الإناء شيء من الماء فأخذ منه وصبه على جابر رضي الله عنه، فأفاق فقال: يا رسول الله! اقض في مالي، أي: احكم يا سول الله! في مالي، وكان له تسع أخوات، فلم يرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزلت هذه الآية الكريمة.

    ميراث الكلالة

    قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ [النساء:176]، أي: يستفتونك يا رسولنا! من الذي يستفتيه؟ جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء:176]، أي: الله هو الذي يفتيكم فيها، والكلالة قد تقدم نوع منها في أول السورة مع آيات الفرائض، وهذه الآية أيضاً في الكلالة.

    فالكلالة: أن يموت إنسان ولم يترك ولداً، ولا ولد ولد، ولا أباً، ولا جداً، فيرثه إخوته الذين يحوطون به كالإكليل، فإن كان إخوته من أمه فالأخ له السدس، وإن كانوا اثنين فأكثر فلهما الثلث، وإن كان الإخوة من أب وأم، أو من أب كهذه الآية، إِنْ امْرُؤٌ [النساء:176]، إنسان ذكر أو أنثى، هَلَكَ [النساء:176]، يقال: هلك يهلك إذا مات، فكل من مات فقد هلك، لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:176]، أي: ما له ولد، وليس له والد، إذ لو كان له والد فإن الوالد يرث ولده، ولا يرث معه أخ، لا ولد ولا والد ولا ولد ولد؛ لأن ولد الولد يقوم مقام الولد مباشرة، وَلَهُ أُخْتٌ [النساء:176]، أي: من أبيه أو شقيقة، فما لها من تركة أخيها الذي توفي وما خلف ولداً ولا ولد ولد ولا أباً؟ فلها النصف فرضاً خاصاً بها، والنصف الباقي للعصبة، قال تعالى: فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176] ولا ولد ولد، أيضاً أخوها يرث مالها كله إذا لم تترك ولداً ولا ولد ولد، وهو يرثها بشرط إن لم يكن لها ولد، وهذه هي الأخت.

    وإن فرضنا أنهما أختان، فقد قال تعالى: فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ [النساء:176]، كأن مات إنسان وترك أختين له من أبيه وأمه أو من أبيه فقط، ولم تترك الأختان ولداً ولا ولد ولد، فقد قال تعالى: فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ [النساء:176]، والثلث الآخر للعصبة كالأعمام وأبناء الأعمام أو لبيت المال.

    وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً [النساء:176]، إخوة: بنت وولد، أو بنتان وولدان، أي: خليط من الرجال والنساء، من الذكران والإناث، فهنا قال تعالى: فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:176]، فالذكر يأخذ اثنين، والأنثى تأخذ واحداً.

    ثم قال تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ [النساء:176]، أي: هذا الذي يبين، أَنْ تَضِلُّوا [النساء:176]، أي: لئلا تضلوا أو خشية أن تضلوا، إذ الضلال هو أن توزعوا المال على غير الوجه الذي يرضي الله عز وجل، أو تعطوا المال لمن لا يستحقه فيكون هذا من الضلال قطعاً وعدم الهداية، فكراهة أن تضلوا أنزل الله هذه الآيات وبين هذا الحكم.

    يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء:176]، أي: كراهة أن تضلوا، أو لئلا تضلوا، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النساء:176]، فلا يخفى عليه شيء، فاقبلوا إذاً بيانه وحكمه، وقسمته وارضوا بها، فإن الله عليم بأحكامه وقضائه.

    الآية مرة أخرى: يَسْتَفْتُونَكَ [النساء:176]، هذا الخبر من جاء به؟ الله عز وجل، يَسْتَفْتُونَكَ [النساء:176]، أي: يسألونك، فمن هو الذي يُسأل ويُستفتى؟ إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذاً الله يكلم الرسول مباشرة؟ إي نعم، إذ كيف لا يكون رسول الله إذاً؟ أين يُذهب بعقول اليهود والنصارى والمجوس؟ أيكلمه مباشرة وتقول: ما هو برسول الله؟ والله ما نفوا رسالته ولا جحدوها ولا أنكروها ولا كذبوا بها إلا لجهلهم ومصالح دنياهم، إذ هل تشك في رجل يكلمه الله ويحدثه في مئات المواطن وتقول: ما هو برسول؟!

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا [النساء:174-175]، أي: بهذا الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء هم أهل الجنة ودار السلام، وأهل الإنعام الذي لا حد له في الملكوت الأعلى، ومن كفر وكذب وعاش على الشهوات والأهواء فمصيره معلوم، ألا وهو الخسران الأبدي في دار البوار والشقاء.

    يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء:176]، أي: أعلمهم يا رسولنا! بأن الله هو الذي يفتيكم؛ لأن الرسول ما عنده علم قبل أن يوحى إليه، قال: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:176]، ولا والد، ولا ولد ولد؛ لأنه يورث كلالة، وهو من الإكليل الذي يوضع على الرأس، فالذي يرثه إخوته يكونون قد أحاطوا به، إذ ما هم أسفل فيكونون أولاداً، ولا هم فوق فيكونون آباءً وأجداداً.

    إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ [النساء:176]، فما نصيب هذه الأخت من أخيها الشقيق أو لأب؟ ترث نصف ماله، وإن ماتت هي فأخوها يرث كل مالها، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، فما دام أنها ورثت النصف عند موت أخيها، فهو يأخذ نصفين، والنصفان هو كل المال.

    فَإِنْ كَانَتَا [النساء:176]، أي: الأختان، اثْنَتَيْنِ [النساء:176]، أو أكثر، فما القسمة؟ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ [النساء:176]، لا زيادة، مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً [النساء:176]، كأن هلك هالك وترك إخوة له خليطاً من النساء والرجال، أو من البنين والبنات، فكيف يقتسمون تركة أخيهم؟ للذكر مثل حظ الأنثيين.

    لماذا للذكر مثل حظ الأنثيين؟ تمشدق وتمنطق وتكلم الملاحدة والزنادقة والهابطون إلى الحضيض، ولو استحوا وخجلوا، بل لو كان لهم عقل لعلموا أن واهب المال يعطي ويمنع من شاء من ماله، فكيف يعترضون عليه فيقولون: لم تعط فلاناً كذا وكذا؟ إن هذا ليس مالك، بل هو مال الله تعالى، ثم هل يعقل أن رب الجلال والكمال الرحمن الرحيم يجور في قسمته ولا يعدل؟! من يخطر هذا بباله فهو كافر، ومع هذا فقد بين لهم أولو العلم والنهى، وعرفوا أن المرأة ما كانت ترث لا في الجاهلية ولا في الصين ولا في اليابان ولا في الروس وفي الأمريكان، بل ولا في العالم نهائياً، فجاء الإسلام فورثها وأعطاها نصيبها بحسب حالها، فالمرأة قد ضمن الله لها عيشها، فما دامت طفلة في حجر أبيها فيجب على أبيها أن ينفق عليها، حتى وإن جاع لتشبع هي، وإذا بلغت سن التكليف وتزوجت فيجب على زوجها أن ينفق عليها حتى وإن جاع وهي تشبع، وإن أصبحت أم أولاد ومات الوالد -أي: الزوج- فعلى أولادها أن ينفقوا عليها وجوباً وإن ماتوا جوعاً.

    إذاً: ضمن الله قوتها، وما كلفها أن تحمل المسحاة أبداً وتصبح فلاحة، ولا أن تحمل القدوم وتصبح نجاراً، ولا أن تحمل الدنانير وتصبح تاجرة جوالة في الأسواق، بل أراحها الله تعالى، ثم بعد هذا يقولون: لمَ يعطيها الثلث فقط؟ لم ما يسويها بأخيها؟ إن أخاها عليه تكاليف ينهض بها، ومنها أنه ينفق على أبويه وعلى امرأته وأولاده، وهي كذلك يُنفق عليها، فكيف تعطى ما يعطى الرجل الذكر؟! ولكن: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، وما هناك عمى إلا الحسد فقط، فقد حسدوا هذه الأمة على أنوار الله التي تغمرها في حياتها، فلم تسموا بهذا الكمال وتعز وتسود وهم يعيشون كالحيوانات؟

    يَسْتَفْتُونَكَ [النساء:176]، يا رسول الله! قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء:176]، والكلالة هي أن يورث الرجل من قِبل إخوانه وأخواته، فأبوه غير موجود، وأولاده وأولاد أولاده غير موجودين كذلك، فالذي يرثه هم الذي يحوطون به كالإكليل، فإن كانوا إخوة لأم فالواحد له السدس، وإن كانوا اثنين فأكثر فلهم الثلث، وإن كانوا إخوة لأب أو أشقاء فقد بين تعالى ذلك، إذ قال تعالى: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:176]، ولكن له أخت، وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا [النساء:176]، في كل مالها، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176]، وإلا ليس هو إكليل، فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ [النساء:176]، فأكثر، فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:176]، فالذي يقول: لم ما سوى الله بين البنين والبنات فأولاً: والله ما عرف الله ولا آمن به، وثانياً: لو فهم فقط فهم البادية أن الله هو رب هذا المال يعطيه من يشاء، فأي وجه له أن يعترض؟ إن هذا ماله يعطيه من أراد.

    وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ [النساء:176]، قولوا: الحمد لله، إذ الله جل جلاله، والغني عنا وعن وجودنا يتولى البيان لنا ولا نحمده؟! يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ [النساء:176]، كراهة، أَنْ تَضِلُّوا [النساء:176]، فتهلكوا، إذ ما يريد ضلالكم أبداً، بل يريد سموكم وكمالكم وعزكم؛ لأنه وليكم وأنتم أولياؤه.

    ذكر ما تنال به ولاية الله تعالى

    بم ثبتت هذه الولاية؟ بالقبلية المعروفة؟! بالشيك والدينار والدرهم؟!

    يا زائري المسجد النبوي! مرحباً بكم في مسجد نبيكم، وهنيئاً لكم زيارتكم مسجد نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، وعندنا لكم سؤال وهو: بم نلنا ولاية الله وأصبح الله ولينا ونحن أولياؤه؟

    قال أحد الأبناء: باتباع سنة الرسول، هذا فيه إجمال، وهذا آخر يقول: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، وهذا لو سألنا وقلنا: ما هو الحكم الإلهي الذي أصدره الله على عباده؟ لقلتَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    نحن نقول: بم تنال الولاية؟ كيف أصبحنا أولياء يا من يرغب أن يكون ولي الله الذي لا خوف عليه ولا حزن، لا في الدنيا ولا في الآخرة؟ بم نحقق ولاية الله تعالى؟ فالجواب: بالإيمان والتقوى تتحقق ولاية الله عز وجل للعبد، والدليل قول الله تعالى من سورة يونس عليه السلام: أَلا [يونس:62]، أتعرفون (ألا) هذه؟ ألو، فإن قيل: لمَ هذا الشيخ يقول في مسجد الرسول: ألو؟ فالجواب: لأننا اعتدنا ألو، ألو، حتى البنت التي تزحف تأخذ السماعة فتقول: ألو، وكذلك النساء والرجال والعوام كلهم تعودوا على ألو، وعندنا في القرآن (ألا) ما نفهم لها معنى أبداً، واسأل عامة الناس عن (ألا) ما يجيبك.

    إن (ألا) معناها: أأنت حاضر لتستمع وتتلقى عني؟ هل ألقي إليك بالخبر أو لا؟ فهذه (ألا) أخذوا منها (ألو)، ولم لا يقولوا: ألا؟ لأن (ألا) قرآنية ومن كلام الله، فجاءوا بألو فقط، وقد بحث أحد الإخوان قديماً خمسين سنة مع النصارى ومع اليهود عن معنى ألو؟ فقالوا: (ألو) هكذا وجدت مع التليفون، فلا نعرف لها معنى، فقلنا لهم: سبقكم سيبويه العالم اللغوي إذ سألوه عن (أي) في لسان العرب، فمرة تأتي مبنية ومرة معربة ومرة كذا، فما لها؟ فقال: (أي) هكذا خلقت، وكذلك (ألا)، أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، لو يأتي هذا برقية من حاكم من الحكام فإن أهل البلاد سيطيرون من الفرح بهذا النبأ.

    أوصاف أولياء الله تعالى وذكر جزائهم

    قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، فمن هم أولياء الله؟ الذين لا خوف عليهم لا في هذه الحياة ولا في البرزخ ولا يوم القيامة، ولا يحزنون اليوم ولا بعد اليوم أبداً، ووالله ليجوع ولا يحزن، ووالله ليمرض ولا يحزن، ووالله ليموت أولاده واحداً بعد الواحد ولا يحزن، لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62].

    وكأن سائلاً يقول: من هم يا رب أولياؤك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ فقال تعالى في الجواب: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، أي: آمنوا بالله رباً وإلهاً، وآمنوا برسله أنبياءً ورسلاً، وآمنوا بكتبه، وآمنوا بلقائه، وآمنوا بكل ما أمرهم الله أن يؤمنوا به، سواء أطاقته عقولهم أو لم تطقه، وَكَانُوا ، دائماً وأبداً، يَتَّقُونَ [يونس:63]، أي: يتقون غضب الرب وسخطه، وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، إذ الله لا يتقى بالأسوار العالية، ولا أن تدخل في السراديب تحت الأرض، وإنما يتقى الله عز وجل بطاعته فيما أمر به ونهى عنه، فالمأمور يُفعل والمنهي يُترك، وبهذا يتقى الله عز وجل.

    ثم قال تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64]، وهذا خير عظيم، فبكم يقدر؟ لَهُمُ الْبُشْرَى [يونس:64]، الأخبار السارة المثلجة للصدر، والذي تجعل وجهك كأنه قمر من فرحه وسروره، فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [يونس:64]، اليوم، وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64].

    وقد فسر الحبيب صلى الله عليه وسلم لأصحابه وأمته البشرى فقال: البشرى في الحياة الدنيا هي: ( الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له )، فهل فهمتم معشر الأبناء والإخوان! البشرى العظيمة التي لهم من نصيبهم ومن حظهم أعطاهم الله إياها؟ فوالله لا تموتن يا ولي الله حتى تبشر، إما أن تراها أنت أو يراها عبد صالح ويقصها عليك ويقول لك: رأيتك في كذا وكذا.

    لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [يونس:64]، وأخرى أيضاً عندما يكون الولي على سرير الموت في محط العناية كما يسمونها، وقد قال الأطباء: أخوكم قد انتهى أمره، وهو كذلك حتى يأتي فوج من الملائكة كله نور، أي: ملك الموت وأعوانه، فيشاهدهم ويبتسم في وجوههم ويكاد يطير من الفرح، وينسى الدنيا وما فيها، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، أي: ما اعوجوا، وما انحرفوا، وما مالوا، وما زاغوا، وإنما استقامة إلى باب دار السلام، إذ يفعلون أوامر في حدود طاقتهم، وينتهون عن المناهي، فهذه هي الاستقامة، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ بماذا؟ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30].

    سر تبشير المؤمن بالجنة عند موته

    معشر المستمعين! يا أهل هذه الحلقة المباركة! ما السر في هذا الكمال والإسعاد؟ ألا إنه طهارة أرواحهم وزكاة نفوسهم؛ لأن فعل الأوامر آلة لتزكية النفس والله وتطهيرها، بل أعظم من الماء والصابون للأبدان والأجسام، ولأن المنهيات أوساخ وأدران تلوث النفس البشرية فتحولها إلى عفنة ومنتنة كأرواح الشياطين، وهم قد تركوا المحرمات فأبعدوا أنفسهم عنها، فبقي طهرها وصفاؤها، فتأتي الملائكة وكأنهم جنس واحد يتكلمون معها، ويتحدثون إليها، ويبشرونها، إذاً فطهارة الروح وزكاة النفس هو الذي أهلهم لهذا الكمال.

    وأعطيكم مسألة علمية أيها الزوار، لكن مع الأسف ما لا تبلغون، بل ما بلغنا أن زائراً فهم مسألة في المسجد النبوي وبلغها في بلاده أبداً، ولذا فاسمعوا، لقد عاشت أمتنا قروناً لا تعرف ولياً من أولياء الله يمشي في الشارع، أو يبيع ويشتري في السوق، أو يحرث الأرض، إذ ما تعرف الولي إلا الذي قد مات وبني على قبره قبة، ورفع فوق قبره تابوت من خشب، ووضع عليه الأزر الحريرية، وأصبح يزار فتوضع النقود إلى جنبه، وتوقد الشموع في قبره.

    واسلوا العجائز عندكم يخبرنكم بذلك، فتجد الواحد منهم يقول: وحق سيدي عبد القادر، وحق سيدي مبروك، وحق سيدي إدريس، وحق مولاي فلان، فما فيه ولي حي أبداً، لكن لما يموت يُعبد من دون الله، وأقول: هيا نمشي إلى قرية من القرى عرب وعجم، على شرط ما يكون قد بلغهم هذا الكلام، فندخل على القرية ونلقى أول رجل نقول له: يا سيد! أنا جئت من بلاد بعيدة وأريد أن أزور ولياً من أولياء هذه البلاد، دلني عليه؟ والله ما يأتي بك إلا إلى ضريح، ولا يفهم أن في القرية ولياً بين الناس، ومن أراد أن يجرب فليجرب، وقبل هذا والله لو تدخل إلى القاهرة المعزية وتقول: أنا الآن نزلت من الباخرة أو من الطائرة، وقد جئت فقط لزيارة ولي من أولياء هذه البلاد، فدلني يا فلان؟ والله ما يأخذ بيدك إلا إلى ضريح، والملايين في السوق ما فيهم ولي! والسر في ذلك أن العدو الثالوث الأسود المكون من المجوسية واليهودية والصليبية قد عزموا على إطفاء نور الله من قلوب الناس، وإبعادهم عن رحمة الله، إذ قالوا: لمَ يفوز المسلمون بدار السلام؟ لمَ يفوزون بالطهر والسلام؟ لم يفوزون بالعز والكرامة ونحن نعيش كالبهائم؟ إذاً يجب أن نسوي بيننا وبينهم.

    فاحتالوا على المسلمين وحصروا الولاية في الموتى، ومن ثم فإن الرجل المسلم في القرية أو في المدينة يزني بامرأة مسلم والله العظيم، أو يزني ببنت مسلم، أو مسلم في القرية يسرق مال مسلم، أو مسلم في القرية يسب آخر ويفلق رأسه لأجل كلمة قالها، ولا طهر ولا أمن ولا صفاء؛ لأنهم ما عرفوا أنهم أولياء الله، وأن الله يقول: ( من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )، ويدلك على أن الولي عندهم هو الميت أنهم ترتعد فرائصهم عند زيارته، إذ لا يستطيعون أن يقولوا كلمة سوء عند قبره، بل يعظمونه ويحترمون أهله وذويه لأنهم من إخوان الولي الفلاني، وأما عامة المسلمين فافجر بنسائهم، واسرق أموالهم، وسب واشتم ولا تخف؛ لأنهم ليسوا بأولياء الله!

    وبهذه الأذن سمعت في القرية مجموعة من الرجال يتحدثون كما تتحدث عوام الناس، فقالوا: فلان كان إذا زنا لا يمر بسيدي فلان، وإنما يمر من جهة أخرى في القرية حتى لا يمر بالولي وهو ملطخ بالزنا! يخون أخاه المؤمن في أهله، ويفجر عن طاعة ربه فيزني وقد حرم مولاه الزنا، ولا يبالي بالله ولا بشيء أبداً، ويخاف أن يمر على ضريح فلان!

    أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، فمن هم يا رب أولياؤك؟ عبد القادر الجيلاني؟ البدوي؟ العيدروس؟ إن أولياء الله هم المؤمنون المتقون، فلا يحل لك أن تنظر نظرة شزراً في وجه هذا المؤمن التقي، وحرام أن تقول فيه كلمة واحدة تزعجه، وحرام أن تنال منه ولو لطمة بإصبعك، ولو فلس من ديناره ودرهمه، فكيف تزني بامرأته أو تفجر بابنته؟!

    سر انحطاط المسلمين في العصر الحاضر

    لكن للأسف فعل بنا هذا الأعداء ومددنا أعناقنا وسكتنا، فما سر هذا؟ إنه الجهل، فمن جهلنا؟ هم حملونا على أن نبعد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه الأمة لن تعلم إلا إذا كانت في كل ليلة تجتمع في بيوت ربها بنسائها وأطفالها ورجالها، في قراها ومدنها، وطول العمر تشتغل من صلاة الصبح إلى غروب الشمس في دنياها، أما هذا الوقت فهو وقت التلقي للكتاب والحكمة وتزكية النفس البشرية، فيجب أن يكونوا في بيوت الله تعالى، كما كانت على عهد رسول الله، فهذا أبو بكر وعمر كانا يتناوبان هذه الجلسة.

    ونحن قد أبعدونا عن القرآن بالمرة، وحولوه إلى الموتى فمتنا، وذهب النور حتى كرامة المؤمن وولايته حصروا الولاية في الأموات فقط، إذ الأحياء ما فيهم ولي فافعل بهم ما شئت، وما أفقنا إلى الآن، فدويلاتنا عشرات، ومذاهبنا وطرقنا وأحزابنا عديدة، فلا مودة ولا إخاء، ولا تلاقي لا حب لا ولاء؛ لأننا لسنا بالفعل حقاً بأولياء الله، فأبعدونا عن ولاية الله تعالى.

    فنقول: إنا لله وإنا إليه راجعون للعزاء، لكن باب الله مفتوح، فمن أراد أن يحقق الولاية والله للباب الله مفتوح، فمن الآن يعزم كل مؤمن على أن يعرف الله معرفة حقيقية، ويؤمن الإيمان الصحيح كما هو في كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، ويمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، ولا همَّ له إلا رضا ربه عز وجل، إذ هو ولي الله تعالى، فلو رفع يديه وسأل مولاه شيئاً لأعطاه إياه.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    نتلو الآيات: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النساء:176].

    هداية الآيات

    قال [ من هداية الآية الكريمة: أولاً: جواز سؤال من لا يعلم من يعلم ]، بل وجوب سؤال من لا يعلم من يعلم، أما قال تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ [النساء:176]؟ فهذا جابر قد سأل، وهناك آيتين في كتاب الله توجب السؤال، وذلك من سورة النحل ومن سورة الأنبياء، قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فكل من لا يعلم يجب عليه أن يسأل، ولو يركب ناقته ويرحل حتى يسأل، ومن ثم لا جهل في أمة الإسلام، وقد مضت فترة في القرون الذهبية لا جهل في النساء ولا في الخدم ولا في العبيد، وإنما كلهم علماء؛ لأنهم استجابوا لأمر الله: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فكل من لا يعلم يجب أن يسأل حتى يعلم، فهل يبقى إذاً جاهل أو جاهلة؟ مستحيل.

    قال: [ ثانياً: إثبات وجود الله تعالى عليماً قديراً سميعاً بصيراً، وتقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ سؤال الأصحاب وإجابة الرب تعالى بواسطة وحيه المنزل على رسوله يقرر ذلك ]، أي: وجود الله عليماً حكيماً سميعاً، وأن محمد نبي ورسول، وبعض الآية يقرر هذا بكامله، أي: إثبات وجود الله، أيكون الله معدوماً ويُسأل ويجيب؟ وهل هناك ميت تسأله ويجيبك؟ وهل هناك غائب تسأله ويجيبك؟ كيف يجيب وهو غير موجود؟!

    قال: [ ثالثاً: بيان قسمة تركة من يورث كلالة من رجل أو امرأة، فالأخت الواحدة لها من أخيها نصف ما ترك، والأختان لهما الثلثان، والإخوة مع الأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين، والأخ يرث أخته إن لم يكن لها ولد ولا ولد ولد، والإخوة والأخوات يرثون أختهم للذكر مثل حظ الأنثيين، إذا لم تترك ولداً ولا ولد ولد ].

    وصلى الله على نبينا محمد.