إسلام ويب

تفسير سورة النساء (87)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينادي الله عز وجل الناس في أرجاء الأرض ممتناً عليهم بأنه بعث إليهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وجعله برهاناً على قدرته وعظمته، حيث بعثه وهو أمي إلى أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، وأنزل عليه القرآن معجزة أبدية، أذهلت ألباب العرب الفصحاء، وعقدت ألسنتهم أن يأتوا بمثله، وقد جعل الله ثواب من يؤمن برسوله ويصدق بكتابه أن يدخله في رحمته وفضله ويهديه صراطاً مستقيماً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.

    وما زلنا مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، وها نحن مع هاتين الآيتين الكريمتين، وتلاوتهما بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:174-175].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! لقد سبق في الآيات السابقة أن الله عز وجل قد أبطل حجج اليهود ولا حجة لهم والله، ولكن أبطل ترهاتهم وأباطيلهم ودعاواهم الباطلة الكاذبة، إذ قالوا: لا نشهد أبداً برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا نقر بها ولا نعترف بها؛ لأن الأنبياء من قبله كانوا يشهدون لبعضهم البعض، وهو وجدت في وقت لا نبي فيه ولا رسول، فكيف إذاً نؤمن به ونقبل رسالته؟! فرد الله تعالى عليهم بحجج لإقامة الحجة عليهم، وآخر ما سمعتم قول الله تعالى: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:166]، أي: أتطلبون شهادة مخلوق وترفضون شهادة الخالق؟! أتطلبون من يشهد لي بالنبوة والرسالة والله خالقي وخالقكم قد شهد لي بالرسالة؟!

    وَالْمَلائِكَةُ [النساء:166]، فجبريل الذي يتردد عليَّ صباح مساء يحمل أنوار الله إلي في هذا الكتاب، ثم بعد تحتاجون إلى شهادة أخرى؟! فألقمهم الحجر وقطع حجتهم وأذلهم وأخزاهم.

    أما النصارى فقد تبجحوا وقالوا وقالوا، لكن قال تعالى لهم: لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ [النساء:172]، أي: عيسى بن مريم، أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [النساء:172]، وأنتم ما شأنكم؟ كما علمهم أن عيسى ما هو بابن لله، ولا هو ثاني اثنين مع الله، ولا ثالث ثلاثة، وإنما هو عبد الله ورسوله، عبد كسائر عبيده الذين خلقهم لعبادته، ورسوله أرسله برسالته إلى بني إسرائيل، وكونه ولد بدون أب فهذا أمر الله تعالى، فلقد أوجد آدم بلا أب ولا أم، وأوجد حواء بدون أم، وأوجد البشرية كلها من أب وأم، أما عيسى فقد كان بكلمة الله أو كلمة التكوين، كما قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59]، فهو روح من الله، إذ أرسل الله جبريل روح الله عليه السلام، فوجد البتول العذراء في مكان في ديارها فبشرها فقال: إني رسول ربكِ إليكِ لأهب لكِ غلاماً زكياً، فنفخ من فيه في كم درعها فسرت النفخة إليها ودخلت فرجها، وقال تعالى لعيسى: كن، فما هي إلا ساعة وإلا والطلق يهزها، فتذهب إلى جذع النخلة لتنتظر متى يسقط هذا الولد، وما إن سقط حتى صاح إخوانها وأعمامها وأقرباؤها كيف هذا يا بتول؟ كيف جاء هذا؟ فقالت: كلموه، فقال تعالى مصوراً ذلك المشهد: فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم:29]، فأنطق الله عيسى فقال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [مريم:30-34].

    فهل عرفتم عن عيسى بن مريم شيئاً؟ ماذا تقولون أيها المؤمنون؟ إنه عبد الله ورسوله، فلم يتجاوز هذا المستوى، وإنما عبد الله ورسوله أرسله إلى بني إسرائيل فكذبوا برسالته وحاربوه وصلبوه وقتلوا من شبه به، وما زالوا إلى الآن يتبجحون بأن عيسى ابن زنا وساحر ودجال.

    والآن بعد أن أسقط الله بنيان المفسدين من يهود ونصارى ومشركين، ناداهم بهذا النداء العام، والذي يدخل فيه العرب والعجم، والأبيض والأسود، والكتابي والمشرك، بل وكل واحد؛ لأن لفظ (الناس) يدخل فيه كل إنسي من بني الناس من ذرية آدم، وقيل: ما سمي الإنسان إنسان إلا لأنه من الأنس، أو لأنه من ناس ينوس إذا تحرك، وعلى كل لا حاجة لنا إلى هذا، فكلمة الناس تشمل كل البشر عرباً وعجماً.

    إطلاق البرهان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه دليل على وجود الله وعلمه ورحمته

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ [النساء:174]، هذا نداء الله لكم يناديكم في كتابه القرآن العظيم ليقول لكم: قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ [النساء:174]، والبرهان هو محمد بن عبد الله العربي من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وهو برهان أكثر من قوة الشمس وإشعاعها، وأكثر من نور القمر، على أنه رسول الله، وعلى أنه لا إله إلا الله، وعلى أنه لا يستحق أن يُعبد إلا الله تعالى، وعلى أنه لا سعادة ولا كمال للآدميين إلا إذا آمنوا به ومشوا وراءه وقادهم إلى السعادة والكمال.

    وإن قلت: ما دليل البرهنة والبرهان عل ذلك؟ فأقول: إن من أبسط الأدلة هي أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم قد عاش في مكة، وأهلها لا يقرءون ولا يكتبون، إذ يندر بينهم من يكتب أو يقرأ، وقد عاش عليه السلام هذه الفترة فلم يجلس أبداً بين يدي معلم يعلمه، لا في مسجد ولا في مدرسة، بل آباؤه وأجداده أميون لا يقرءون ولا يكتبون، وقد عاش أربعين سنة وهو فترة من أولاد العرب وفترة من شبانهم وفترة من رجالهم حتى بلغ الأربعين سنة، وفي هذه الفترة حدثت آيات وبراهين نبوته خارقة للعادة، وسنذكر منها نبذاً:

    بعض براهين نبوته صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها

    لما ولدته أمه آمنة رأت رؤيا قبل ولادتها أن نوراً خرج منها أشرق له الشرق والغرب، أو لاحت أنواره في الشرق والغرب، وأضاء قصور بصرى والشام، وهذا أقوى برهان، ثم أخذته أمه وأعطته بواسطة جده عبد المطلب من يرضعه، فبعثوا به إلى صحراء بني سعد، فأخذته حليمة السعدية ترضعه وهو يتيم، فشاهدت العجب العجاب من أمره، فالغنم التي كانت قد جف لبنها وانقطع من جدب ذلك العام وقحطه عادت ذات ألبان غزيرة، وفي يوم من الأيام وهو يلعب مع طفل من أطفال بني سعد، فإذا بعملية جراحية تُجرى له في قلبه، فيشاهد ذلك الطفل الرجلين يضجعانه على الأرض، فيصرخ ويأتي إلى أمه السعدية: أخي قتلوه، أخي قد قتل، فذهبوا إليه فإذا به مصفر الوجه يعاني من تعب، حيث قد أخذت منه تلك اللحمة أو تلك القطعة التي هي مقر الشيطان، والتي ينزل فيها ويلقي بالوساوس والفتن، ثم عاد بعد أربع سنوات إلى مكة، وأخذ ينمو نماءً عجباً، وكان يرعى غنماً بمقابل على عادتهم في رعي الأغنام، وفي ليلة من الليالي أقامت قريش حفلاً أو عرساً من الأعراس لأحد أغنيائها، وأخذوا يعدون العدد لحضور العديد من الناس المتفرجين، وبلغ رسول الله الخبر وهو في البادية -خارج مكة- فقال لأخيه الذي يرعى معه أو زميله: اسمح لي أن أذهب الليلة لأشهد حفلاً في مكة، وأنت تتحمل مسئولية الغنم، فجاء بفطرته ليحضر العرس، فوجدهم يعدون الدفوف والطبول والنيران، فأخذه النوم فنام، ووالله ما استيقظ إلا على حر الشمس، وما سمع صوت دف ولا مغنية، ولا رأى راقصاً ولا راقصة، فمن حفظه؟ إنه الله تعالى.

    وأخرى: لما أخذوا يجددون بناء الكعبة على عهد أبي طالب، فاختلفوا: من الذي يضع الحجر الأسود في مكانه؟ وكادوا يقتتلون، وكل قبيلة تقول: نحن أولى بهذا، ووقف البناء وانتظروا كيف المخرج من هذه الفتنة؟ فجاء محمد صلى الله عليه وسلم الغلام الحسن فقال لهم: ضعوا الحجر في لحاف، ولتأخذ كل قبيلة بطرف منه حتى تشاركوا كلكم في حمله، ثم أخذه ووضعه بيده الشريفة، وانطفأت نار الفتنة التي لو اشتعلت لكان يموت المئات والآلاف، فمن وفقه لهذا؟ إنه الله، فهذه مظاهر النبوة وإعداداتها وإرهاصاتها.

    وفي مرة من المرات خرج وهو شاب مع عمه أبي طالب إلى الشام، فرآه الراهب فقال لعمه: إن لابنك هذا شأناً عظيماً، وأنا أخاف عليه من اليهود، فارجع بابن أخيك، فشهادة هذا الراهب قاطعة وبرهان قوي على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ثَمَّ ما صار يخرج إلى الشام إلا مرة خرج في تجارة لخديجة، فالمرة الأولى كان مع عمه؛ لأن عمه أبا طالب كان يحبه حباً جماً، إذ كان لا يستطيع أن يفارقه، فأخذه معه إلى الشام وهو طفل؛ لتتجلى تلك الأنوار لذلك القس والراهب، ويعترف بأن هذا نبياً من أنبياء الله تعالى.

    وأخرى: لما خرج أبو سفيان في تجارة إلى الشام، فدعاهم هرقل عظيم الروم وأجلس من يعرفون لغة العرب إلى جنبه، وأخذ يسأل أبا سفيان عن هذا النبي الذي ظهر، فكان كل ما يسأله سؤالاً يجيبه أبو سفيان، وما إن فرغ أبو سفيان حتى قال هرقل: لو قدرت على أن أغسل قدميه لفعلت، فكانت شهادة من هذا الملك على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم إن أعظم شهادة قبيل الوحي الإلهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم شعر بأن المجتمع ليس ملائماً له؛ لما يشاهد من المنكر والباطل والشرك والفساد، فكان عليه السلام ينقطع إلى غار حراء، وهو في جبل يقال له: جبل حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد؛ ليخلص من مشاهدة الشرك والباطل والخبث والفساد، وفي الغار في رمضان فوجئ صلى الله عليه وسلم بجبريل في صورة إنسان من كُمَّل الناس وأفاضلهم، وينزل بين يديه ويضمه إلى صدره ويقول له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5]، ثلاث مرات، وهنا بدأ الوحي الإلهي، وقبله ستة أشهر كان لا يرى الرؤيا إلا جاءت كانفلاق الصبح.

    إذاً: سمى الله محمداً صلى الله عليه وسلم برهاناً، برهان على ماذا؟ حجة قوية قاطعة على ماذا؟ أولاً: على أنه نبي الله ورسوله، فالذي يأتي بهذه العلوم والمعارف التي يحويها القرآن الكريم، والذي يأتي بعلوم الأولين والآخرين، وعلوم السماء والملكوت الأعلى، وعلوم كل الكائنات والذرات، هل يقال فيه: إنه غير نبي، ثم نطلب دليلاً على نبوته أو برهان عليه؟! لقد أخبره الله عن عالم الملكوت الأعلى في كتاب الله، فمن يقوى على أن يتكلم بها أو يخبر عن شيء منها؟ إنه ما من ذرة في هذا الكون إلا وفي هذا القرآن إشارة أو عبارة واضحة صريحة، فكيف لا يكون هذا برهان على أنه نبي الله ورسوله؟!

    وكما قدمنا: حسبنا أن الله تعالى يسميه برهاناً، أي: قد شهد له بالرسالة، والآن هو سبحانه يعلم البشرية كلها على أنه برهان، وبالتالي فلا يحتاج إلى برهان، ونور لا يحتاج إلى نور يُعرف به، فهو في حد ذاته نور وبرهان.

    وعليه فمحمد صلى الله عليه وسلم برهان أولاً على أنه رسول الله، وثانياً: على أنه لا إله إلا الله، وثالثاً: على أن عامة ما عليه البشرية يوم أوحى الله إليه الهبوط، إذ لا دين لها حق تعبد الله به، فمن يوم أن بعثه ربه تعالى رسولاً للناس أجمعين، ما كان على الأرض دين لا يهودية ولا نصرانية ولا غيرها من سائر الأديان يُعبد الله تعالى بها، وتؤهل العابدين إلى السعادة والكمال في الدنيا والآخرة.

    القرآن نور لما يحصل به من الاهتداء إلى سبيل النجاة

    ثم قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء:174]، فالنور المبين الذي أنزله الله تعالى هو القرآن العظيم، فإن قيل: بين لنا وجه النور؟ فأقول: ما من عبد إنسياً كان أو جنياً آمن بالقرآن، وفهمه وعمل بما فيه، والله ما شقي ولا ضل أبداً، بل ما من أمة أو ما من جيل أو ما من شعب أو ما من قرية أخذوا بالقرآن إلا استنارت الحياة أمامهم، وانتهى الظلم والظلمات، وكانوا أطهر الناس وأعزهم وأشهدهم، وأكبر دليل وأقوى برهان على أن القرآن نور: كيف كان العرب في الجاهلية؟ كانوا قبائل شتى، وكيف كانت ديارهم؟ كانت ظلاماً فوق ظلام، فالغزو والقتل وسفك الدماء والوثنية بأبشع صورها، فما من بيت إلا وفيه صنم يُعبد، بل يحملون الأصنام على الإبل حيثما نزلوا في شعب أو وادي وعبدوه، ولنذكر ذلك الأعرابي الذي كان له صنم يعبده، فجاء يوماً لعبادته وهو في شعب من شعاب الأرض، فوجد ثعلباً رفع رجله ويبول عليه كشأن الثعالب والكلاب، فنظر الأعرابي نظرة فاحصة واندفع فقال:

    رب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب

    وتركه ولم يرجع إليه قط، وأدرك هذا بالفطرة، كما أنهم كانوا يقتلون أطفالهم ويذبحونهم، وذلك مخافة الفقر والجدب والقحط، بل ويقتلون بناتهم خشية العار، وما إن شاعت في تلك البلاد أنوار القرآن الكريم حتى أصبحت مضرب المثل في الكمال البشري، ولم تكتحل عين الوجود بمثلها في الكمال والعز والطهر أبداً، وقد أخفى هذا المغرضون وحرفوا التاريخ الحق لهذه الأمة، وفي الحقيقة والله ما رأت الدنيا أمة أطهر ولا أصفى ولا أعدل ولا أعز ولا أكرم ولا أرحم ولا أعلم من تلك الأمة في قرونها الثلاثة، بسبب ماذا؟ بالاشتراكية؟ بالشيوعية؟ بالفلسفات الكاذبة؟ باليهودية؟ النصرانية؟ بالمجوسية؟ بماذا؟ بالقرآن العظيم، بنور الله تعالى.

    ومن الأمثلة التي تحضرنا الآن: أن علياً رضي الله عنه ادعى أن الدرع التي مع اليهودي هي درعه، وحاكمه إلى القاضي شريح، فقال القاضي لـعلي : من يشهد لك على أن الدرع درعك؟ فقال: ولدي الحسن أو الحسين، فقال القاضي: الابن لا يشهد لأبيه، وحكم بالدرع لليهودي، وما إن صدر الحكم حتى قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والدرع درعك يا علي، ودخل في رحمة الله، فتأمل كيف أن السلطان أو الملك يحكم عليه قاضيه بأن هذا الدرع لفلان اليهودي، ولا يقبل شهادة ابنه وولده؟! وخلاصة القول: والله ما عرفت البشرية كمالاً بمعناه إلا بأنوار القرآن الكريم.

    حرص أعداء الإسلام على إطفاء نور القرآن وانتزاعه من صدور المسلمين

    وبرهنة أخرى: لما عرف العدو المكون من المجوس واليهود والنصارى أن هذا النور هو الذي أحيا هذه الأمة قالوا: يجب أن نقطع هذا النور عنهم وأن نطفئه، ففي مؤامرات سرية خلال سنين متعددة قالوا: إن هذا القرآن أو هذا النور هو الذي أحياهم، وهو الذي أنار الحياة لهم، ولن نفلح معهم إلا إذا أطفأناه، واجتهدوا وعملوا وعقدوا مؤتمرات لذلك، وفي الأخير قالوا: نحوله ليقرأ على الموتى، فصرفوا المسلمين عن قراءة القرآن إلا على الموتى، وبالتالي لا تجد اثنين تحت شجرة أو تحت جدار أو تحت ظل يقول أحدهما للآخر: اقرأ علي من القرآن، بل ولا تجدهم في بيت أو في مسجد يقول أحدهم للآخر: أسمعني شيئاً من كلام الله، وإنما إذا سمعت قراءة القرآن فاعلم أن هناك ميتاً، ووالله العظيم لقد أصبح القرآن لا يقرأ إلا على الأموات، ولا يصح لواحد أن يقول: قال الله، إذ قالوا: تفسير القرآن الكريم صوابه خطأ وخطؤه كفر، وراجعوا حواشي المصنفات الفقهية تجدون هذا الكلام، ومعنى ذلك أنك إذا فسرت آية وأصبت فأنت مخطئ، إذ لا حق لك في التفسير، وإن أخطأت فقد كفرت والعياذ بالله، فألجموا الأمة وكمموها، وما أصبح من يقول: قال الله، إذاً ماذا يصنعون بالقرآن؟ قالوا: يقرءونه على موتاهم فقط.

    ومن قال: كيف هذا يا شيخ؟ فالبرهان: أما أذلونا وسادونا واستعمرونا وحكمونا من إندونيسيا إلى موريتانيا؟ ثم كيف يحكمون المسلمين ويسوسونهم ويسودونهم ويذلونهم؟ وهل لو كانوا أحياء والنور بين أيديهم يُفعل بهم ذلك؟ لا والله، إذ إن القرآن روح ونور، قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52]، وإلى الآن لو أن أمة من الأمم أو بلداً من البلاد أو قرية فقط أقبلت على القرآن تدرسه وتقرؤه وتعمل به لأصبحت ككوكب في السماء بالنسبة إلى البلاد الأخرى.

    سيادة دولة الإسلام بتمكين شرع الله وحفظ كتابه

    والشاهد عندنا فلا ننكره ولا نجحده، بل حرام علينا إن فعلنا ذلك: ألا وهو هذه الدولة المسلمة، أي: دولة عبد العزيز رحمه الله تعالى، فتصفحوا التاريخ قبل ثمانين سنة كيف كانت هذه الديار؟ والله هنا في مدينة الرسول يأتي الرجل فيأخذ باب بيتك ويبيعه في السوق ولا تستطيع أن تتكلم، بل لا تتصوروا الظلم والفساد الذي كان في العالم بكامله، لكن هذه الديار بالذات ما إن رفعت فيها راية لا إله إلا الله محمد رسول الله وهي تقول: إن أرضاً تظللها كلمة لا إله إلا الله لا يُعبد فيها إلا الله، فما ترك عبد العزيز ورجاله قبة ولا شجرة ولا قبراً ولا في كامل هذه الديار إلا أزالوها، ولم يبق يعبد إلا الله فقط.

    ثم ماذا تم؟ ساد هذه البلاد أمن وطهر ما رأتهما إلا في القرون الذهبية الثلاثة، وأقسم بالله على ذلك، وسبب هذا هو القرآن، وجربوا ذلك أيها المسلمون، وقد وضع الله للدولة الإسلامية أربع دعائم، قال تعالى في بيان ذلك من سورة الحج: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ ، أي: حكموا وسادوا، أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]، فقوله: (أقاموا الصلاة)، كيف يقيمونها؟ يقيمونها بحيث يؤدونها في بيوت الله، فلا يتخلف رجل إلا مريض أو ممرض، والصبح كالظهر وكالعصر وكالمغرب وكالعشاء، وقد طبق هذا عبد العزيز وأولاده بصورة عجب، ووالله لو أن الإمام في القرية لا في مدينة الرسول فقط، عنده قائمة بأسماء أهل القرية كلهم، فيتفقدهم في أوقات الصلوات، فإذا ما أجاب واحد منهم عند التحضير وسكتوا سأل: أين فلان؟ فيذهبون إلى بيته، فإن كان مريضاً أعادوه، وإن كان مسافراً عرفوا ذلك، وإن عبث به الشيطان أدبوه.

    (أقاموا الصلاة) بحيث إذا أذن المؤذن لا يمكنك أن ترى رجلاً إلا ذاهب إلى المسجد، وبذلك حصل الذي حصل من الأمن والطهر والصفاء.

    وأما هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل قرية، وليس في حاجة إلى بوليس، وإنما رجال يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا أطيل في هذا الباب، فالله يقول: نور، فماذا نقول؟ إذا لاح النور في أرض هل يبقى فيها ظلام؟ ومن هنا من أراد الله كماله وسعادته يقبل على هذا القرآن العظيم، فإنه نور الله وروح الله، فلا حياة بدونه ولا هداية بدونه.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، لبيك اللهم لبيك، قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ [النساء:174]، فهو الذي قد أرسله، وهو الذي قد خلقه، وهو الذي أنعم به علينا، وهو الذي أوجده لنا، مِنْ رَبِّكُمْ ، أي: من خالقكم أيها المخلوقون، من رازقكم أيها المرزوقون، من مدبر حياتكم أيها المدبرون، ففوقكم الله هو الذي أنعم بهذا الإنعام عليكم من ربكم، وما أرسلته جهة من الجهات، ولا طائفة من الطوائف، وإنما مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء:174]، ألا وهو القرآن العظيم.

    وعندنا ما نقول به: أنتم تشاهدون العالم الإسلامي كيف هبط أولا ؟ أسألكم بالله، هل يوجد بلد ما يشكو أهله من الخبث ومن الظلم ومن الشر ومن الفساد ومن الجوع ومن الكذب ومن أنواع الهبوط البشري؟ فهيا نطبق القرآن الكريم حتى نرى هذا النور وهذه الروح، وتحيا بها أمة وتستنير بحياتها، فلو أن أهل قرية فقط في جبل أو في سهل يؤمنون ويعلنون عن إسلامهم الحق، أي: إعطاءهم قلوبهم ووجوههم لربهم، إذ الإسلام هو إسلام القلب والوجه لله تعالى، قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء:125]، فأهل القرية عرباً كانوا أو عجماً فقط يعلنون عن إسلامهم الحق، وباسم الله يجتمعون في مسجدهم الجامع، فإن كان ضيقاً وسعوه، وإن كان ما عندهم القدرة على التوسيع فيوسعونه بالأخشاب وباللبن، وليسوا في حاجة إلى الحديد والإسمنت، والمهم أن يتسع لنسائهم وأطفالهم، وقد أسلموا قلوبهم ووجوههم لله، فإذا دقت الساعة السادسة مساء ومالت الشمس إلى الغروب، فيغسلون أيديهم وينفضونها من العمل، فالصانع كالتاجر كالفلاح، ويتطهرون ويأتون بنسائهم وأطفالهم يريدون ربهم، وكلهم قلبه متعلق بربه، فيصلون المغرب ويجلسن النساء من وراء الستائر، والأطفال كالملائكة صفوفاً صغاراً لا يتكلمون ولا يتحركون، والفحول أمامهم، ويجلس لهم المربي العليم الرباني، وليلة آية من هذا النور الإلهي، كهذه الآية التي درسناها وندرسها، فيقرءونها بصوت عجيب، ويتغنون بها فتحفظ في ربع ساعة، ثم يأخذ المربي الحكيم فيبين لهم مراد الله منها، فإن كانت تحمل عقيدة اعتقدوها، وإن كانت تحمل واجباً عزموا على النهوض به، وإن كانت تحمل منهياً أو مكروهاً صمموا على تركه والتخلي عنه، وإن كانت تحمل أدباً من الآداب عزموا على التأدب بها، وإن كانت تحمل خلقاً من الأخلاق عزموا على التخلق به، والليلة الثانية يأخذون حديثاً من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم المبينة والمفسرة، فيحفظون ذلك الحديث، وتوضع أيديهم على ما يحمله من هدى وخير ونور، وهكذا يوماً بعد يوم، ووالله ما يبلغون السنة إلا وهم أشبه بالملائكة في السماء، فلا تسمع من أحدهم كلمة سوء أو نظرة شزراً أو معاملة سيئة، بل ولا يمكن أن ترى أو تسمع بخبث بينهم أو يظلم بعضهم بعضاً، أو جوع أو عري إلا إذا جاعوا كلهم أو عروا كلهم.

    ومن ثم توقن أن رسول الله برهان، وأن هذا القرآن نور، وصاحب النور لا يضل أبداً، ومن طلب برهنة فقد قدمنا، إذ كيف كانت ديار العرب؟! ما إن ارتفعت فيها راية لا إله إلا الله وسادتها حكومة القرآن حتى أصبحت مثلاً للكمال البشري.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ...)

    فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:175].

    فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ [النساء:175] أي: آمنوا بالله واعتصموا بحبل الله وبنور الله وبالقرآن العظيم وبياناته النبوية، فهؤلاء يعدهم الرحمن وعد الصدق، ألا وهو فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ [النساء:175]، فهل يخلف الله وعده؟ مستحيل.

    إن البشرية كلها وليس العرب والمسلمون والعجم فقط، وإنما البشرية كلها من يرفع يده ويقول: إن الإقليم الفلاني في أوروبا الشرقية أو في الغربية، أو في أمريكا الشمالية، أو في الجنوبية، أو وراء الشرق الأقصى، أو الصين، أو اليابان، يدلنا على قرية أو مدينة سادها الطهر والعدل والمودة والإخاء والصفاء، فليرفع يده؟ لا يوجد أحد، إذ إن الدنيا قد تعفنت من الخبث والشر والفساد والعمى والضلال، فقد جربوا الشيوعية، وصاحوا وضجوا: الشيوعية! فماذا أكسبت أهلها ومعتنقيها ودعاتها؟ انفضحت سوأتها في خمسة وسبعين سنة، وهبطت وأصبحوا شر الخلق، ولطالما تبجح بها حتى العرب الهابطون، لكن ما أعطتهم طهراً ولا صفاء ولا مودة ولا محبة ولا إخاء ولا كمالاً بشرياً؟ إذاً فماذا أنتجت لهم؟ الطرق على اختلافها، من المتصوفة وغيرها، فماذا حققت لأمة الإسلام في بلادها؟ هل أطفأت نار الفتن؟ وهل أبعدت الزنا واللواط والجرائم والموبقات والسحر والتدجيل والتكذيب؟ ماذا فعلت؟!

    هيا نعود إلى الله تعالى، ووالله الذي لا إله غيره لا ترتفع أمة وهي هابطة إلا بهذا القرآن الكريم فقط، وما تأتي من طريق المتحمسين: الجهاد، الجهاد، وهم يوقدون في بلاد المسلمين أشر من الاستعمار، فوالله لن ينتج هذا نوراً ولا هداية، إذ إن الطريق الصحيح هو أن أهل القرية يؤمنون بالله، ويعطون وجوههم وقلوبهم لله، فيجتمعون في بيت ربهم يتعلمون الكتاب والحكمة ويزكون أنفسهم يوماً بعد يوم حتى تلوح أنوار الهداية بينهم، وحينئذ إذا قالوا: يا فلان! أنت إمامنا، قال: مرحباً، فيأمرهم بأمر الله فقد فيمتثلوا، وينهاهم بنهي الله فيمتثلوا، وكلهم مستعد لطاعة الله ورسوله وأولي الأمر.

    أما بهذه الصيحات وهذه الانتفاضات وهذه الدماء التي تسيل هنا وهناك، وهذا الترويع، فقد أصبح الكفار يضحكون علينا ويقولون: هل هذا هو الإسلام؟! يقتل بعضهم بعضاً؟! وهل المسلم يقتل مسلماً؟! فصرفنا قلوب البشر عن الإسلام بهبوطنا، وبذلنا وبفقرنا وبجهلنا، وبظلمنا وفسادنا، ولا سبب إلا أن العدو الماكر الثالوث الأسود المكون من المجوس واليهود والنصارى قد عرفوا سبب حياتنا وسبب هدايتنا، فحالوا بيننا وبين سبب الهداية والحياة، فأبعدونا عن القرآن والسنة فمتنا، ولما متنا تمزقنا وتشتتنا، وأصبحنا أحزاباً وجماعات وطوائف، فالقرية الواحدة فيها العديد من الفرق، ولما استقللنا أصبحنا ثلاثة وأربعين أمة أو دولة، فلا إله إلا الله!

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أبيضكم وأسودكم، عربكم وعجمكم، قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ ، فلا توجد جهة بعثت به أبداً مع عميل لها، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء:174]، أي: موضح للحياة بكاملها.

    أتعرفون هذا النور المبين؟ اسمعوا إلى أبي هريرة وهو يقول: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى علمنا كل شيء حتى الخراءة، أما كيف نجامع؟ أو كيف نقاتل؟ أو كيف نكتب؟ أو كيف نصلي؟ فلا تسأل، ولكن أبعدونا عن النور المحمدي وعن القرآن، فأصبحنا على ما نحن عليه اليوم، يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء:174]، ألا وهو القرآن.

    فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ [النساء:175] رباً ولا رب سواه، وإلهاً ولا إله غيره، ولا معبود يعبد سواه، فآمنوا بأسمائه وصفاته وبحقه على خلقه من عبادته وحده دون من سواه، وَاعْتَصَمُوا بِهِ [النساء:175]، أي: بالقرآن، فالحلال ما أحله القرآن، والحرام ما حرمه القرآن، والواجب ما أوجبه القرآن، والمحرم ما حرمه القرآن.

    ثم قال تعالى في وعد الصدق: فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ [النساء:175]، والمراد من الرحمة هنا: الجنة دار السلام، والمراد بالفضل هنا: النظر إلى وجه الله الكريم، إذ لا أسعد أبداً من عبد لم ير وجه ربه، فلهذا لما ينعمون في ذات النعيم يناديهم ربهم ويرفع الحجاب عن وجهه وينظر إليهم ويسألهم، فما هناك أعظم من أن ينظر المؤمن إلى وجه الله الكريم، فتغمرهم فرحة ما عرفوها لا في الطعام ولا في الشراب ولا في اللباس ولا في الحياة بكلها.

    وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ [النساء:175]، فالذين اعتصموا بالقرآن يضلون؟ والله ما يضلون، ولذلك لما اعتصم السلف الصالح بالقرآن والله ما ضلوا، لكن لما تركوه وحولوه إلى أمواتهم ضلوا وما هداهم الله تعالى.

    وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:175]، أي: لا اعوجاج فيه ولا انحراف أبداً، وسكت تعالى عمن لا يؤمنون بالله ولا يعتصمون بحبله، إذ إن مصيرهم معروف، فماذا يقول فيهم؟ إذاً فسيدخلهم في جهنم ويزيدهم عذاباً فوق العذاب، ويحرمهم النظر إلى وجهه الكريم، ويخلدهم في عالم الشقاء، وهذا أمر ضروري، فالطعام يشبع، والماء يروي، والنار تحرق، والحديد يقطع، فهل هذه السنن تتبدل؟ يعني: أصبحنا في يوم الطعام لا يشبع؟! أعوذ بالله، الحديد أصبح ما يقطع؟! أبداً، وبالتالي فسنن الله لا تتبدل.

    إذاً فالأخذ بهذا الكتاب العظيم، بهذا الدين الإسلامي على النحو الذي عرفتم، وهو أن يجتمع أهل القرية، أو أهل الحي مقبلين على الله في صدق يتعلمون الكتاب والحكمة، يوماً بعد يوم، حتى تستنير قلوبهم وتتضح الحياة لهم ويصبحون ربانيين وأولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومن ثم يعزون ويسعدون ويكملون، أما بدون الأخذ بهذا النور وهذه الهداية فهيهات هيهات أن تنفعنا النسبة: مسلمون أو مؤمنون، والله ما تجزئ إلا من استعصم وتمسك بهذا الحبل العظيم.

    وأخيراً أسمعكم الآيتين: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ [النساء:174] وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء:174]، أي: القرآن الكريم فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:175]، وأما الذين لم يؤمنوا به، ولم يعتصموا بحبله، فسيدخلهم العذاب والشقاء والخزي والذل والعار في الدنيا، والخلود والبوار في دار البوار يوم القيامة.

    فالله تعالى أسأل أن يتوب علينا، وأن يرجع بنا إلى كتابه وأنواره حتى نكمل ونسعد، ونشعر بالطمأنينة والطهر، ونرضى بلقاء ربنا ونفرح به في دار السلام، اللهم حقق لنا ذلك يا رب العالمين.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.