إسلام ويب

تفسير سورة النساء (86)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نهى الله عز وجل أهل الكتاب عن الغلو في الدين من التكلف والتنطع، والرهبنة واعتزال النساء، وغير ذلك من البدع التي حملهم عليها الغلو، كما حذرهم من قول غير الحق من زعم وجود الولد لله سبحانه وتعالى، مبيناً لهم أن هذا الذي ادعوه ولداً له سبحانه وهو عيسى عليه السلام لن يستنكف عن عبادة الله وحده، فهو عبده ورسوله وكلمته ألقاها على مريم، لأن كل من يستنكف عن عبادة الله فإن مصيره العذاب الأليم في نار الجحيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم حقق رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.

    وما زلنا مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا نتغنى بها بعض الدقائق ثم نأخذ في شرحها وبيان مراد الله تعالى منها، فإن كان عقيدة عقدناها في نفوسنا فلا تنحل بإذن ربنا حتى نلقى الله مولانا، وإن كانت أمراً من أوامره من أجل إسعادنا أو إكمالنا، فإننا نعزم على النهوض بهذا الواجب والقيام بهذا الأمر الإلهي، وإن كانت تحمل منهياً عنه؛ لأنه ضار ومفسد، عزمنا على التخلي عنه والابتعاد من ساحته، وإن كانت تحمل نوراً وهداية سألنا الله تعالى تحقيقها لنا، وأصبحنا من أهل النور والهداية، وإن كانت تحمل آداباً رفيعة وسامية، عزمنا على التأدب بها والتزامها؛ لنسمو ونكمل بين الناس، وإن كانت تحمل خلقاً أحبه الله ورسوله ورغب فيه، عزمنا على التخلق به مادمنا قادرين نعي ونسمع ونقدر على أن نفعل ونترك، ولذا فمن أجل هذا يُدَّرس كتاب الله عز وجل، وتلاوة هذه الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:171-173]، إنه كلام عالي وسامي، ولا عجب إذ إنه كلام الله رب العالمين.

    النهي عن الغلو في الدين

    يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]، من القائل؟ إنه الله عز وجل الذي أنزل هذا القرآن الكريم، على من أنزله؟ على نبيه ومصطفاه ومختاره الذي اختاره من بين البشر وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وها نحن في مدينته النبوية وفي مسجده وذاك قبره الشريف في حجراته الطاهرة، وكلنا يقين على ذلك، وما عندنا أدنى شك ولا وهم.

    يَا أَهْلَ الْكِتَابِ [النساء:171]، ومن هم أهل الكتاب؟ غالباً هم اليهود والنصارى، لكن في هذا السياق هم النصارى، واليوم النصارى هم المسيحيون أو الصليبيون، فيناديهم الرب تبارك وتعالى في كتابه ليبلغهم رسوله ما دعاهم الله إليه وأمرهم به ونهاهم عنه، وذلك من أجل أن يكملوا ويسعدوا لأنهم عبيد الله تعالى.

    يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]، والغلو من غلا يغلو، إذا تجاوز الحد وازداد وابتعد، والغلو في الدين حرام، وهو الزيادة في الدين؛ لأن الدين إذا زيد فيه أو نقص منه فقد بطل مفعوله، فلا يزكي الأرواح البشرية ولا يطهرها ولا يحقق أمناً ولا طهراً ولا محبة؛ لأنه قد فسد بالزيادة أو النقصان.

    فأما اليهود فقد غلوا في سب عيسى وشتمه وانتقاصه، إذ رموه بالسحر، ورموا والدته بالزنا، فأفرطوا -والعياذ بالله- في الغلو، أو فرَّطوا أعظم تفريط في شأن عيسى عبد الله ورسوله، وأما النصارى فقد غلوا في عيسى حتى جعلوه هو الله، وجعلوه ابن الله، وجعلوه ثالث أقنوم من الأقانيم الثلاثة التي تكوِّن الله، وهذا كفر -والعياذ بالله- بشع قذر، إذ إن الله رب العالمين، ومالك الملك، وهو الذي أوجد العوالم كلها وأدارها ونظمها في الأكوان كلها، فهل يحتاج إلى ولد فينسب إليه فيقال: عيسى ابن الله؟ وهل هذا الرب العظيم الجليل يتكون من عناصر ثلاثة حتى يكون الإله الرب؟ لقد عبث بهم اليهود، فهم الذين أفسدوا عقيدة المسيحيين، وحسدوهم وأبغضوهم، إذ كيف يظفرون بعيسى وباتباعه والهداية على يديه؟ وما هي إلا فترة سبعين سنة واحتالوا على النصارى وجعلوهم من أبشع المشركين والكافرين والعياذ بالله رب العالمين.

    فاسمع الله عز وجل وهو يناديهم فيقول: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ [النساء:171]، وأهل الكتاب المفروض فيهم أن يكونوا علماء صلحاء عرفاء عدولاً أوعياء مستقيمين.

    يَا أَهْلَ الْكِتَابِ [النساء:171]، ناداهم لينهاهم عن الغلو في الدين، فقال: لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]، ونحن مثلهم، فلا يحل لنا أن نغلو في ديننا بزيادة كلمة أو حركة، واسمعوا قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( إياكم -احذروا- ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة )، أحدثت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعملها رسول الله وأصحابه، ولم يبينها لأمته، فاحذروا المحدثات، ( فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة )، فإياكم يا معشر المسلمين! ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، فهاهو تعالى ينهى أهل الكتاب عن الغلو في الدين، فهل يسمح لنا بذلك؟ معاذ الله عز وجل.

    مرة أخرى: يا معشر المستمعين والمستمعات! إن الدين عبارة عن قانون أنزله الله عز وجل ووكل إلى رسوله بيانه، وهذا القانون أُنزل وشرع من أجل أن يسعد الإنسان عليه في هذه الدار، ويكمل ويسعد عليه في الدار الآخرة، فمن هنا إذا زاد فيه من زاد فقد أفسده، ومن نقص منه شيئاً فقد أفسده أيضاً.

    وعندكم مثال محسوس لا يجهله إلا من لا عقل له، وتأملوه: صلاة المغرب ثلاث ركعات، فقد نزل جبريل وعلم رسول الله في مكة وصلى به ثلاث ركعات، فلو قال قائل: نحن في فراغ وفي شوق إلى لقاء الله فنصلي المغرب أربع ركعات! وصلى أربع ركعات، فهل يفتيه عالم فقيه في المسلمين ويقول: صلاتك صحيحة؟ والله ما كان، بل كل فقيه يقول له: صلاتك باطلة؛ لأنك زدت فيها ركعة، وكذلك لو قال قائل: نحن في شغل وفي تعب، وسوف نصلي العصر ثلاث ركعات! وصلوا العصر فعلاً ثلاث ركعات، فهل يوجد عالم في الإنس في بني آدم من فقهاء الإسلام من يقول: صلاتكم صحيحة؟ الجواب: لا والله، ولو قال آخر: يا معشر المسلمين! إننا في شوق إلى عبادة الله، وطالما كنا مفرطين، فهذه السنة نصوم واحداً وثلاثين يوماً! وفعلاً صمنا واحداً وثلاثين يوماً، فهل يوجد فقيه فيقول: لا بأس وصيامكم صحيح؟ لا والله، بل صيامكم باطل فاسد، أو لو قلنا: إن هذا العام نكتفي بتسعة وعشرين يوماً، وصمنا تسعة وعشرين يوماً وأفطرنا وما زال من رمضان يوم، فهل يوجد من يقول: صيامكم صحيح؟ والله ما يوجد، بل باطل، ومعنى بطلانه: أن هذه العبادة لا تزكي النفس ولا تطهرها ولا تؤهل الإنسان للكمال والإسعاد إلا إذا أداها كما نزلت من السماء وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أن هذه العبادة لا تزكي النفس، أو لا توجد الطهارة والصفاء في الروح البشرية التي بين جنبينا، ومن هنا فالزيادة في الدين كالنقصان، فإن قال قائل: يا شيخ! إن هذا بعيد، فأقول: أرأيتم من قال: أنا لا أغسل وجهي إلا أربع فقط ما نكتفي بثلاث، فيزيد غسلة رابعة متعمداً، فهل تجد فقيهاً يقول له: لا بأس؟ لا والله؛ لأنها عبادة مقننة بتقنين حكيم، فالزيادة تبطلها والنقص يبطلها، فإما أن تؤدى كما هي وإلا ما تنتج أو ما تولد النور للقلب البشري.

    وها نحن نسمع ما يقول تعالى لأهل الكتاب فيقول: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]، أي غلو، وأي زيادة.

    حرمة القول على الله بغير علم

    قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء:171]، أي: الثابت القطعي الثبوت بوحي الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أو الثابت بالعقل السليم الصحيح، فلا تقولوا على الله قولاً إلا أن يكون حقاً ثابتاً، أما أن نقول: الله له ولد أو له زوجة! فبأي حق أثبتنا هذا؟

    وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء:171]، أي: لا تكذبوا على الله فتقولون: قال الله كذا وهو ما قال، ولا حرم الله كذا والله ما حرم، ولا أحل الله كذا والله ما أحل، ولا شرع الله كذا وهو ما شرع، إذ لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يقول كلمة عن الله إلا إذا علمها يقيناً في كتابه وفي هدي نبيه صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [الصف:7]، فهل يوجد من هو أظلم ممن يكذب على الله؟ لا والله، والذين يكذبون على الله إنما يكذبون لأجل تحقيق مصالح، أو لأجل الدينار والدرهم، أو من أجل حب العلو والرياسة والسلطان، أو من أجل أن يحصلوا على مادة فاسدة في هذه الحياة الدنيا.

    ونحن معاشر المؤمنين والمؤمنات! لا نكذب على إنسان فكيف نكذب على الله الرحمن؟! إذ الكذب حرام، فلا يحل لمؤمن أن يقول: قال فلان وهو ما قال، أو يقول: رأيت كذا وهو ما رأى، أو فعل فلان وهو ما فعل، فكيف إذاً يكذب على الله؟!

    المعتقد الحق في عيسى عليه السلام

    ثم قال تعالى مبيناً غلوهم وباطلهم: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [النساء:171]، والمسيح هو عيسى عليه السلام، وسمي بالمسيح لأنه ممسوح الذنوب، إذ إنه لم يقارف ذنباً قط، وقد عاش ثلاث وثلاثين سنة ولم يذنب ذنباً قط، وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا في حديث الشفاعة الكبرى أو العظمى يوم القيامة، إذ يأتي الناس إلى آدم وهم في عرصات القيامة في ساحة فصل القضاء، فيعتذر آدم على أن يكلم لهم الله ليقضي بينهم ويحيلهم إلى نوح، ونوح يحيلهم إلى إبراهيم، وإبراهيم يحيلهم إلى موسى، وموسى يحيلهم إلى عيسى، فكل من أحيل إليه ذكر ذنباً وقال: كيف أكلم ربي اليوم وقد غضب غضباً لم يغضب قبله ولا بعده مثله؟ عليكم بفلان، ثم قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ( إلا عيسى فإنه لم يذكر ذنباً قط )، ومع هذا قال: عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم.

    وإذا نزل من السماء -ولا ندري متى ينزل غداً أو بعد غد؟- فإنه يحج ويعتمر، والحبيب يقول: ( كأني بابن مريم في فج الروحاء ملبياً بحج وعمرة أو بعمرة أو حج )، لكن لا يفرحن النصارى واليهود بنزوله فيقولون: حينئذ نسلم، إذ لن يجزهم إسلام ولم ينفعهم إيمان؛ لأن الساعة قد دقت وانتهى العمل، فالمؤمن مؤمن والكافر كافر، قال تعالى في هذه الحقيقة، وهي إذا ظهرت علامات الساعة أغلق باب التوبة: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام:158]، فيؤمنون، أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام:158]، عز وجل فيؤمنون، أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام:158]، فيؤمنون، ثم ماذا قال تعالى؟ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158]، ونزول عيسى من العلامات الكبرى.

    والمسيح عيسى بن مريم ليس له أب، إذ لو كان له أب لسماه الله عز وجل، وإنما له أم اسمها مريم بالعبرية، وبالعربية: خادمة الله.

    قال تعالى في الإخبار عنه: رَسُولُ اللَّهِ [النساء:171]، وليس هو ابن الله، وإنما رسول الله أرسله إلى اليهود فقط، فرسالته خاصة وليست عامة كرسالة الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، فلهذا ناداهم فقال: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [الصف:6]، أما محمد: أَيُّهَا النَّاسُ [الأعراف:158]، أبيضهم وأسودهم.

    ثم قال تعالى أيضاً في الإخبار عنه: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ [النساء:171]، ما هذه الكلمة التي ألقاها إلى مريم؟ اللفظ يدل دلالتين سليمتين صحيحتين: الأولى: اقرءوا من سورتها: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا [مريم:16-19]، إذاً فهذه الكلمة هي كلمة الله عز وجل التي بعث بها عبده ورسوله جبريل فبلغها مريم، أي: ألقاها إلى مريم.

    والثانية: كلمة التكوين؛ لأن عيسى كان بكلمة الله (كن)، إذ بعث الله جبريل عليه السلام وأمره أن ينفخ في كم درعها، فنفخ فسرت النفخة الهوائية فدخلت في بطنها وقال الله لعيسى: كن، فكان.

    إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ [النساء:171]، وهذا أولاً، وثانياً: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ [النساء:171]، وثالثاً: وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء:171]، أي: روح من الله عز وجل، فجبريل هو الذي نفخها، والذي أمره أن ينفخ هذه الروح هو الله عز وجل.

    وهنا النصارى قالوا: إن كلمة (منه) في الآية: وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء:171]معناها: أن عيسى جزء من الله عز وجل! وقد حدث على عهد الرشيد العباسي أن طبيباً نصرانياً كان عنده في مجلسه وهناك عالم جليل، فقال هذا النصراني: سبحان الله! الله يقول في كتابه العزيز: وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء:171]، وأنتم تقولون: ليس هو بجزء من الله! فكيف ذلك؟ فألهم الله ذلك العالم الجليل فقال له: اسمع قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13]، ثم قال: إذاً هذه الأكوان كلها جزء من الله أو عيسى وحده فقط؟! فأسكته وأسلم وتاب إلى الله عز وجل ونجا من عذاب الله.

    نهي الله لأهل الكتاب أن يقولوا: إن الله ثالث ثلاثة

    قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ [النساء:171]، وهذا نهي من الله تعالى، انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ [النساء:171]، أي: كفوا عن هذا الباطل وهذا الهراء والكلام الماجن.

    وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ [النساء:171] لماذا؟ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النساء:171]، أي: إنما الله معبود واحد، و(إله) بمعنى: معبود، فلا ثاني ولا ثالث، ما هو إلا الله الواحد الأحد، فالذي أوجد الخلائق هو الذي يعبد، والموجود هو في حد ذاته محتاج إلى أن يعبد من أوجده، بل الخلائق كلها مفتقرة إلى الله والله غني عنها، فكيف يوجد من يعبد مع الخلائق؟ إن المعبود هو الخالق الغني فقط، أما ما عداه فيجب أن يَعبد لا أن يُعبد مع الله، فلهذا كلمة الحق: (لا إله إلا الله) لن ينقضها ذو عقل أبداً، وتنقض بأحد أمرين: إما بأن يوجد مع الله إله آخر أو ثاني أو ثالث، ومن ثَمَّ نقول: لا إله إلا فلان وفلان وفلان، وما نقول: إلا الله، أو تنقض بأنه لا وجود لله، فإن قلنا: تنقض بوجود آلهة، فأين الآلهة التي خلقت مع الله وأدارت الحياة والكون؟ لا أحد، وإن قلنا: يوجد إله خلق ورزق، فنقول: دلونا عن إله خلق أو رزق أو دبر الكون؟ إذاً فلم يبق إلا كلمة: (لا إله إلا الله) التي لا تنقض بحال من الأحوال لا بالنفي ولا بالإثبات، ومن أراد أن يدخل في الإسلام من عهد آدم إلى اليوم فلا بد وأن يعترف يقيناً على علم أنه لا يوجد من يُعبد إلا الله، وثَمَّ ينبغي ألا يعبد إلا الله الذي اعترف أنه لا إله إلا هو، وألا يعترف بعبادة غير الله كائناً من كان، إذ لا يستحق العبادة إلا الله.

    ثم يقول الله تعالى لهم: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [النساء:171]؛ لأن اليهود يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل يقتلون الرسل، والنصارى أيضاً لمَ ما يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم كما يؤمنون بزكريا وموسى وعيسى وإبراهيم؟ ثم هل من المنطق أو الذوق العقلي أو العرفي أن ملكك أو حاكمك يأمرك بأن تقول كذا وكذا، أو تصدق بكذا وكذا، فتقول: نعم يا سيدي إلا فلاناً فأنا ما أؤمن به أو لا أقول به! فهل يقبل هذا الكلام؟ وهل يعتبر مطيعاً لحاكمه؟ يقطع رأسه، فكيف تؤمنون برسل الله وتقولون: هذا ما نؤمن برسالته؟ إن الرسل ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، فالذي يكذب واحداً كفر بإجماع المسلمين من عهد آدم، والأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفاً، فلو أنكر وقال: أنا لا أؤمن برسالة يوشع فهو كافر؛ لأن من كذب الله في جزء اعتبر أنه قد كذبه في الكل، وما أصبح مؤمناً أبداً.

    وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ [النساء:171]، أي: أن الله ثالث ثلاثة، وهذه للمسيحيين، انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ [النساء:171]، أي: من الآن قولوا: لا إله إلا الله، أما أن عيسى ابن الله، أو أن الله وابنه وروح القدس -جبريل- هي الله، أو أن عيسى وأمه والله عز وجل، وكلها أباطيل وترهات لا يقبلها عقل ولا فهم آدمي أبداً ولا تقبل.

    انتَهُوا [النساء:171]، أي: انتهوا عن هذا القول وعن هذا الاعتقاد، خَيْرًا لَكُمْ [النساء:171]، أليس انتهاؤهم به خيراً لهم؟ نعم؛ لأنهم إذا انتهوا فقد أسلموا ودخلوا في رحمة الله تعالى، لكن ما داموا أنهم يصرون أن الله جزء من ثلاثة أجزاء فهذا هو الكذب والكفر والعياذ بالله، والقول على الله بدون علم، فهل الله أعلمهم بأنه مكون من ثلاثة أقانيم؟

    ثم قال تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النساء:171]، لا ثاني له ولا ثالث له، و(إله) أي: معبود واحد، لماذا كان المعبود الأوحد؟ لأنه لا يُعبد بالقلب والإذعان والخضوع والحب والطاعة إلا الذي وهبني حياتي، وأعطاني سمعي وبصري، وأعطاني عقلي وفهمي، وأعطاني ذاتي، وأوجد لي هذه الأرض وما فيها من نعيم لأعيش عليها، فهذا هو الذي أعبده، أما الذي حاله كحالي ومثله مثلي فهو فقير محتاج مخلوق مربوب، فكيف أرفعه إلى مستوى الإلهية وأدعوه مع الله أو أتقرب إليه مع الله؟! لا يعقل هذا ولا يقبل أبداً.

    معاشر المستمعين! وهل المسلمين نجوا من هذا الخلط والخبط والسقوط؟ ما نجوا، بل ما إن انتهت القرون الثلاثة التي أخبر عنها رسول الله بأنها خير القرون حتى ظهرت الضلالات في أمة الإسلام، فوجد أولئك الذين يدفنون أخاهم ويبنون عليه قبة ويجعلون على قبره تابوتاً ويكسونه بالأزر الحريرية، ثم يوقدون الشموع له، ثم يأتون ويعكفون حوله، ثم يحلفون به، ثم يتقربون إليه ويدعونه ويستغيثون به، فكم إلهاً عبدوا؟! وما انتهت هذه المشكلة إلا في هذه البلاد على يد السلطان عبد العزيز تغمده الله برحمته، فهو الذي هدم القباب والقبور وقطع الأشجار وصرف الناس بالحديد والنار عن عبادة غير الله، أما العالم الإسلامي عربه كعجمه القباب إلى الآن، وإن اتضح الحال وعرف الناس ربهم، لكن ما زال آلاف أو ملايين يستغيثون بالأولياء ويستعيذون بهم ويدعونهم: يا سيدي! يا فلان! وكأنهم آلهة، وما قرءوا هذه الآية: إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:171]، أي: تنزه وتقدس أن يكون له ولد.

    لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [النساء:171]، فلو أن شخصاً يملك مدينة بكاملها، فهل تنسب إليه خروفاً من الغنم أو شاة من الماعز وتقول: هذه له؟! إن الذي يملك كل ما في الكون يكون له ولد يعينه؟! ماذا يصنع به؟

    سُبْحَانَهُ [النساء:171]، أي: تقدس وتنزه وتطهر أن يكون له ولد، لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء:171].

    وقضية نسبة الولد أن اليهود تورطوا فيها وقالوا: عزير ابن الله، وهذا في كتاب الله ويعترفون به، ومن العرب قبيلة كبيرة اسمها: بنو لحيان كانت تقول: إن الملائكة بنات الله! بل إن هناك أمماً ينسبون إلى الله عن جهل أشياء وأشياء، ولهذا احفظ هذه الكلمة: إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء:171].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله...)

    قوله تعالى: لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا [النساء:172].

    ثم قال تعالى واسمعوا يا بني إسرائيل واسمعوا يا أهل الكتاب، ولنسمع نحن أيضاً: لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [النساء:172]، أي: أن المسيح عليه السلام والملائكة المقربون لن يتكبروا أو يأنفوا أن يكونوا عبيداً لله تعالى، فالمسيح العبد الطاهر النقي الصالح ما يتكبر ويقول: كيف أطأطئ رأسي لله أو أعبده؟ وكذلك الملائكة المقربون، فماذا تعرفون عن الملائكة؟ جبريل عليه السلام والله له ستمائة جناح، ولما تجلى وظهر لرسول الله في مكة سد الأفق كله بأجنحته، وهذا ملك تحت العرش رأسه ملوية ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، فهذه العظمة عندهم وهذه القدرة والله ما يستنكفون عن عبادة الله، بل يسبحون الليل والنهار لا يفترون.

    فعيسى عليه السلام لا يتكبر ولا يستنكف أبداً ويقول: لا أكون عبد لله، بل هو عبد الله ورسوله، وأنتم تريدونه أن يكون مثل الله، فأين يُذهب بعقولكم؟

    وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ [النساء:172]، عنها فلا يعبده، فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا [النساء:172]، في ساحة واحدة من آدم إلى آخر مولود، في ساحة فصل القضاء، في أرض غير هذه، في عالم غير هذا، فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا [النساء:172]، للحساب أولاً ثم الجزاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ...)

    قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:173].

    فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:173]، من هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات؟ نسأل الله أن نكون منهم، آمنا بالله ولقائه، آمنا بالله ورسوله، آمنا بالله وبعبادته ولم نعبد غيره، بل لو نقطع أو نصلب أو نحرق فلا نعبد غير الله أبداً، فهؤلاء آمنوا إيماناً كاملاً صادقاً لا دخن فيه أبداً، فآمنا بالله وبكل ما أمرنا الله أن نؤمن به، سواء أدركناه بعقولنا أو عجزنا عن إدراكه لضعفنا وقلة قدرتنا، آمنا بالله وبكل ما أمرنا الله أن نؤمن به من شأن الغيب والشهادة، ولا نفرق بين أحد من رسله.

    آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [النساء:173]، ما هي الصالحات التي عملوها؟ هل البدع يقال فيها: صالحة؟ لا والله، وإنما عملوا الصالحات، أي: عبدوا الله تعالى بما شرع لهم، فلا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير، لا في الزمان ولا في المكان، وسر ذلك أن هذه العبادات -منها كلمة: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم- مشروعة لتزكية النفس وتطهيرها، فمثلاً ركعة الوتر إن أديتها كما هي فإنها تولد لك النور كالذي تولده أمامك الآلات وذلك في قلبك فتزكو به نفسك وتطيب وتطهر، فإذا طبت يا عبد الله وطهرت فحاشا لله أن يبعدك من جواره، بل ينزل ملائكته ليرفعوك إليه.

    واسمع هذا البيان مرة أخرى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا [النساء:173] أولاً؛ لأن الأعمال الصالحة بدون إيمان باطلة، ولا تتأتى أيضاً ولا يأتي بها عبد على الوجه المطلوب، وإذا فعلها نافقاً فقط فإنما ليضلل الآخرين أو ليخدعهم، فالإيمان أولاً والعمل الصالح ثانياً، والعمل الصالح كل العبادات كالصلاة والزكاة والصيام والرباط والجهاد والذكر وتلاوة القرآن، حتى إماطة الأذى عن طريق المؤمنين عبادة تعبدك الله بها، فهذه هي التي تزكي النفس، وأصحابها قال الله فيهم: فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ [النساء:173]، أي: مقابل أعمالهم، وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:173]، فلا يجزيهم فقط بالحساب الدقيق، صلى كذا ركعة، تصدق بكذا دينار، وإنما يجزيهم ويزيدهم من فضله، وهذا هو الصنف الأول.

    وأما الصنف الثاني فقد قال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا [النساء:173]، عن عبادة الله والاعتراف بألوهيته وطاعة رسوله، والاستنكاف هو الاستكبار، مثل أنف، فلا يريد أن يطأطئ رأسه أو يعترف بالحق، إذ كيف يعفر وجهه بالتراب؟! أو يقول: كيف أنقض ما اعتقدته عن أمي وأبي؟

    وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:173]، ولكي تعرف العذاب الأليم راجع صفحات القرآن تقف على صنوف العذاب وألوانه، إذ إن العذاب الأليم ذاك الذي يسلب الإنسان كل عذوبة في حياته، وحسبنا منظر من مناظر عذاب الدار الآخرة، قال تعالى: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19]، والخصمان هم المؤمنون والكافرون، فالمؤمنون قالوا: لا إله إلا الله، والكافرون قالوا: الآلهة متعددة، هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:19-22]، والشاهد عندنا في العذاب الأليم الموجز في هذه الكلمات مبين ومفصل غاية التفصيل والبيان في كتاب الله عز وجل.

    وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا [النساء:173]، أي: عن عبادة الله واستكبروا عنها، استنكفوا واستكبروا أن يوحدوا الله، أن يقولوا: لا إله إلا الله، فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:173]، فهل في ساحة القيامة والجزاء يجدون ولياً يتولاهم أو ناصراً ينصرهم؟ مستحيل، إذ لا ناصر لهم إلا الله، فإذا خذلهم الله فمن ينصرهم؟!

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معاشر المستمعين! نسمعكم الشرح الموجود في الكتاب لنزداد يقيناً ومعرفة، فتأملوا.

    معنى الآيات

    قال [معنى الآيات:

    ما زال السياق مع أهل الكتاب، ففي الآية الأولى نادى الرب تبارك وتعالى النصارى بلقب الكتاب الذي هو الإنجيل، ونهاهم عن الغلو في دينهم من التنطع والتكلف، كالترهب واعتزال النساء ]، فالرهبان عند النصارى يعتزلون النساء، فلا يجامعون النساء ولا يتزوجون، وإنما ينقطعون إلى الصوامع ولا يخرجون منها، وبذلك يوقفون الحياة، وهذا كله ابتداع ابتدعوه وغلو غلوا في دين الله.

    قال: [ وما إلى ذلك من البدع التي حمل عليها الغلو، كما نهاهم عن قولهم على الله تبارك وتعالى غير الحق، وذلك بنسبة الولد إليه تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأخبرهم بأن عيسى لم يكن أبداً غير رسول الله، وكلمته التي ألقاها إلى مريم، حيث بعث إليها جبريل فبشرها بأن الله تعالى قد يهبها غلاماً زكياً، ونفخ -وهو روح الله- في كم درعها فكان عيسى بكلمة التكوين وهي (كن)، وبسبب تلك النفخة من روح الله جبريل عليه السلام، فلم يكن عيسى الله ولا ابن الله، فارجعوا إلى الحق، وآمنوا بالله ورسله جبريل وعيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام، ولا تقولوا زوراً -وبهتاناً- وباطلاً: الله ثالث ثلاثة آلهة، انتهوا عن القول الكذب يكن انتهاؤكم خيراً لكم حالاً -الآن- ومآلاً -يوم القيامة- إنما الله سبحانه وتعالى إله واحد لا شريك له ولا ند ولا ولد، سبحانه تنزه وعلا وجل وعظم أن يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة -أي: زوجة- ولم يكن ذا حاجة، وله ما في السموات وما في الأرض خلقاً وملكاً وحكماً وتدبيراً، وكفى به سبحانه وتعالى وكيلاً شاهداً عليماً، فحسبكم الله تعالى رباً وإلهاً، فإنه يكفيكم كل ما يهمكم، فلا تفتقرون إلى غيره ولا تطلبون سواه، هذا ما دلت عليه الآية الأولى.

    وأما الآيتان الثانية والثالثة، فقد أخبر تعالى أن عبده ورسوله المسيح عليه السلام لن يستنكف أبداً أن يعبد الله، وينسب إليه بعنوان العبودية فيقال: عبد الله ورسوله، حتى الملائكة المقربون منهم فضلاً عن غيرهم لا يستنكفون عن عبادة الله تعالى وعن لقب العبودية، فهم عباد الله وملائكته، ثم توعد الله تعالى كل من استنكف عن عبادته واستكبر عنها من سائر الناس بأنه سيحشرهم جميعاً ويحاسبهم على أعمالهم، فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات، آمنوا بألوهيته تعالى وحده، وعبدوه وحده، بما شرع لهم من أنواع العبادات وهي الأعمال الصالحة، فهؤلاء يوفيهم أجورهم كاملة، ويزيدهم من فضله الحسنة بعشر أمثالها، وقد يضاعف إلى سبعمائة ضعف.

    وأما الذين استنكفوا واستكبروا، أي: حملتهم الأنفة والكبر على عدم قبول الحق والرجوع إليه، فأصروا على الاعتقاد الباطل والعمل الفاسد، فيعذبهم تعالى عذاباً أليماً، أي: موجعاً، ولا يجدون لهم من دونه ولياً ولا نصيراً، فينتهي أمرهم إلى عذاب الخلد جزاء بما كانوا يعملون ].

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: حرمة الغلو في الدين، إذ هي من الأسباب الموجبة للابتداع والضلال ]، الغلو في الدين محرم؛ لأنه سبب في الابتداع والزيادة في دين الله، والزيادة في الدين تفسده وتبطل مفعوله، وهذه قصة ثلاثة تعهدوا فقال أحدهم: أنا لا أطأ النساء حتى الموت، وآخر قال: أنا أصوم ولا أفطر أبداً، وآخر قال: أنا أصلي ولا أنام، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستدعاهم وقال: ( ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما أنا فأصوم وأفطر، وآتي النساء، وأصلي وأنام )، ونهاهم عن الغلو؛ لأن الغلو إذا انفتح أفسد الدين.

    قال: [ ثانياً: حرمة القول على الله تعالى بدون علم مطلقاً، والقول عليه بغير الحق بصورة خاصة ]، فهل يجوز لأحد أن يقول: الله صفته كذا وكذا بدون علم؟ أو الله أمر بكذا وهو ما أمر؟ ليس هناك أفظع من القول على الله بدون علم.

    قال: [ ثالثاً: بيان المعتقد الحق في عيسى عليه السلام، وأنه عبد الله ورسوله، كان بكلمة الله ونفخة جبريل ]، أي: كان بكلمة الله: (كن) فكان، ونفخة جبريل التي أمره الله أن ينفخها، وجبريل هو روح الله وروح القدس.

    قال: [ رابعاً: حرمة الاستنكاف عن الحق والاستكبار عن قبوله ]، فاحذر يا عبد الله! أن يبلغك عن الله أو عن رسوله شيئاً وتستنكف وتستكبر عنه.

    قال: [ خامساً: بيان الجزاء الأخروي وهو إما نعيم وإما جحيم ]، فهل هناك شيء آخر؟ الجزاء الأخروي إما نعيم وإما جحيم، والله أسأل أن ينجينا من عذابه، وأن يبعدنا من كل موجبات عذابه.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله.