إسلام ويب

تفسير سورة النساء (83)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الكافرين المعرضين عن منهج الله لا يكتفون بالإعراض عن الحق ورفضه، وإنما يسعون جاهدين للصد عن سبيل الله ومنع نور الهداية أن يصل إلى الناس، وليس هذا فحسب بل إنهم يظلمون الناس ممن أرادوا سلوك طريق الهداية، ويستعملون معهم كل الوسائل الممكنة لردعهم وصدهم عن السبيل، فمن كان هذا حاله فإنه في ضلال بعيد، ولن يغفر الله له ولن يهديه إلى طريق النجاة، وإنما سيهديه إلى طريق جهنم التي يستحقها كل من كفر بالله وأعرض عن سبيله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالاً بعيداً)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع هذه الآيات من سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، فهيا بنا نتغنى بتلاوة هذه الآيات الأربع قبل تدريسها ودراستها، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:167-170].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! إن صاحب هذه الأخبار هو الله جل جلاله وعظم سلطانه، الذي لو قدرناه حق قدره لما استطعنا أن نتكلم ولكنا نقع على الأرض، ولكن تدبير الله عز وجل، إذ يخبر تعالى ويؤكد خبره فيقول: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:167]، فأولاً: بالله، إذ إنهم جحدوا ألوهيته لعباده، وجحدوا أسماءه وصفاته، وجحدوا آياته، وجحدوا أقداره وشرائعه وقوانينه، وجحدوا لقاءه والوقوف بين يديه، فهؤلاء الكفار أضافوا إلى كفرهم أن صدوا الناس عن سبيل الله حتى لا يؤمنوا به ولا يعبدوه ولا يوحدوه.

    وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:167]، وسبيل الله أو الطريق الموصل إلى الله هو الطريق الموصل إلى رضاه على عباده ثم إنزالهم في جواره في دار السلام، وهذا الطريق واضح بين على جنباته الأعلام الهادية المرشدة، ولكن الذين كفروا عموا وصموا وجهلوا، فلهذا صدوا عن سبيل الله تعالى.

    لكن أين هذا الطريق الموصل إلى رضا الله وجواره؟ إنه الإسلام، إنه الدين الإسلامي دين الله الذي ارتضاه للخليقة جمعاء، فقال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، ولا دين سواه، إذ يوصل أصحابه إلى رضا الله وإلى جواره في دار السلام.

    وبالأمس كنا مع اليهود والنصارى، ووقفنا على كفرهم وعنادهم، وقد أبطل الله دعواهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا شاهد له من الأنبياء يشهد بأنه نبي، فقال تعالى: لكن أنا أشهد، فهل بقي سؤال بعد هذا؟ أتطلبون من يشهد له بالنبوة من الأنبياء والمرسلين، والله عز وجل يشهد؟ فأي شهادة تعادل شهادة الله تعالى؟!

    ولذا كان المفروض أن يطأطئوا رءوسهم وأن ينحنوا وأن يقولوا: آمنا بالله، شهدنا أن لا إله إلا الله وأنك يا محمد رسول الله، ولكن أصروا على الكفر والجحود والتكذيب والعناد، فأصدر الله أحكامه عليهم، فاسمع هذا الحكم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:167]، أي: عن الإسلام، وذلك بالإشاعات المغرضة والأباطيل الفاسدة والفتاوى المنكرة، إذ هذا موقف اليهود دائماً وأبداً.

    قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:167]، أي: لا يستطيعون معه الرجعة، إذ قد ضلوا وتاهوا تيهاناً لا يمكنهم العودة معه إلى بلادهم وديارهم.

    معاشر المستمعين والمستمعات! كثيراً ما نبين الضلال البعيد بالمعنى القريب، فأقول: نحن الآن بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فالشام وراءنا واليمن أمامنا، والغرب عن يميننا والشرق عن شمالنا، فلو أن شخصاً أراد أن يسافر إلى مكة فاتجه شاماً ومشى يوم وليلة، ثم قيل له: إلى أين ستذهب؟ فقال: إلى مكة، فقيل له: إن مكة وراءك، فارجع، فقال: الحمد لله لا زال معي بعض الزاد، وما زلت قادراً على أن أعود، فعاد والحمد الله، لكن إن مشى وتجاوز الشام ووصل إلى حدود أوروبا، فهل يبقى له زاد؟ ينفد ماءه وطعامه، ولا يقوى على أن يعود، بل ويهلك هناك وما وصل إلى غايته بعد، ولا فاز ولا ظفر ببغيته، فهذا هو الضلال البعيد.

    إذاً: في باب العمل الصالح والعمل الفاسد، شخص غرته الحياة الدنيا بزخارفها فاطرح في أحضانها يأكل الربا ويزني ويغني، وسنة كاملة وهو في هذه المحنة، ثم سمع نداء الله فوصل إلى قلبه أن: يا عبد الله! لم أعرضت عنا وانصرفت عنا؟ ما الذي غرك؟ ما الذي أصابك؟ ألست المؤمن ابن المؤمنيَن في ديار الإسلام والمسلمين؟ تب إلى الله، ثم على الفور اغتسل وصرخ بين يدي ربه: أستغفر الله، أستغفر الله وأتوب إليه، فهذا ضلاله قريب، ولهذا أمكن أن يعود، لكن إن قضى أربعين أو خمسين سنة في الزنا والجرائم والموبقات والآثام، وأصبحت من طباعه، فإذا لم يكذب ما يستريح، وإذا لم يفجر ما يسعد، فهذا ضلاله بعيد والعياذ بالله، ولا يستطيع أن يرجع.

    ومثال أقرب من هذا: أيام ابتليت هذه الأمة بالتدخين تقليداً للكافرين؛ لأنهم استعمروهم واستغلوهم وتفوقوا عليهم وعلموهم، وأصبحوا أئمتهم ومعلميهم، أقبل الناس على التدخين، فكم من شخص لما يسمع بتحريم التدخين، وأنه لا يحل لمؤمن أن يلوث فمه وهو يجري اسم الله الأعظم على فيه، فإنه عند باب المسجد يدوس العلبة بنعليه، ويتخلى عنه؛ لأنه ما تأصل فيه تأصلاً كبيراً، والذي عاش خمسين أو ستين سنة وهو يدخن، وعلبة السيجارة لا تفارقه عند نومه وعند يقظته، فهذا قل أن يرجع؛ لأن ضلالهم بعيد والعياذ بالله، فخذوا هذه الحقيقة، إذ إن هؤلاء كفروا وأضافوا إلى الكفر جريمة أخرى، فما أصبحوا أهلاً أبداً لأن يعودوا إلى الله فيستغفروه ويتوبوا إليه ويعبدوه، فكفروا وصدوا عن سبيل الله.

    وهنا لطيفة من لطائف العلم وهي: نحن لسنا بيهود ولا نصارى، لكن ذكر الصد عن سبيل الله يزيد في كفر الكافرين وبعد البعداء، ولهذا ينبغي أن نفهم أن الله لا يرضى عن عبد يصد آخر عن دين الله، بل إن هذا مما يغضب الله تعالى علينا ويسخطه، فلنحذر أن يرانا الله نصرف مؤمناً أو مؤمنة عن دعوة الله، وذلك بأن نزين له القبائح أو نحسن له الباطل أو نشجعه على فعل منكر مما هو معلوم لدى المستمعين، ولو كان المصدود ولدك أو امرأتك أو أخاك، إذ المفروض فينا أن ندعو إلى سبيل الله القريب أو البعيد، فكيف إذا رآنا الله نصرف عباده عن دينه وعبادته؟!

    وهنا أقول للذين يستوردون الحرام ويعرضونه على المسلمين ويبيعونه في أسواقهم: إن هؤلاء يصدون عن سبيل الله وهم لا يشعرون، فالذي يستورد صور الخلاعة والدعارة ومجلات الباطل والشر والفساد وكتب الإلحاد وما إلى ذلك ليبيعها فيكسب من ورائها مالاً قد صد عن سبيل الله، وكذلك الذي يستورد أنواع التدخين من الأفيون والكوكايين والحشيشة وغيرها من أجل المادة ليبيع ويستفيد فقد صد عن سبيل الله وهو لا يشعر، والذي يفتح دار بغاء أو دار غناء أو دار باطل ومنكر، ويصد شبيبة المسلمين عن دينهم بما يعرض أمامهم ويزين لهم فقد صد عن سبيل الله، والذي يبتدع بدعة من البدعة، ويصور له الشيطان خرافة من الخرافات ويدعي الولاية، وأنه يدعو إلى الرحمن وإلى عبادة الله وهو جاهل ما عرف الله ولا الطريق إليه، واستغل ذلك الموقف، وأخذ الناس يقبلون يده ورجله، وهو صارف لهم عن طريق الله، فقد صد عن سبيل الله، نسأل الله تعالى أن يعافينا مما ابتلى به غيرنا، وألا يرانا نصد عن سبيله لا إنساناً كافراً ولا مؤمناً.

    إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:167]، فأنى لهم أن يتوبوا ويعودوا؟ وإذا لم يتوبوا ولم يعودوا إلى الله فكيف لهم أن يدخلوا دار السلام بعد فقدهم هذه الحياة؟! ما إن تؤخذ أرواحهم منهم وتسلب من أبدانهم حتى تلقى في عالم الشقاء، فمن ينقذها؟

    وهذا كله منطبق تمام الانطباق على اليهود والنصارى والمشركين من باب أولى، لكن اليهود والنصارى كفروا وصدوا وصرفوا الناس عن الإسلام، وإلى الآن النصارى وخاصة المسئولين منهم ورجال الدين يصدون عن سبيل الله، أما اليهود فلا تسأل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً)

    إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا [النساء:168].

    إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا [النساء:168]، أي: كفروا وظلموا أنفسهم وغيرهم، والكفر والظلم لا ينجو صاحبهما، فلو كان كافراً فقط ما ظلم فمن السهولة أن يعود إلى الطريق ويمشي في طريق السعادة والكمال، لكن كفر وظلم.

    تعريف الظلم وبيان خطره على العبد

    معاشر المؤمنين والمؤمنات! هل تعرفون الظلم؟ القاعدة اللغوية الشرعية هي: أن وضع الشيء في غير موضعه هو الظلم، فإذا سئلت عن الظلم فقل: هو وضع الشيء في غير موضعه، فعلى سبيل المثال: الآن نحن في هذه الحلقة ندرس كتاب الله عز وجل، والملائكة والله تحفنا، والسكينة مشاهدة نراها، فلا ضجيج ولا صخب ولا بكاء ولا كلام؛ لأن السكينة نزلت علينا، والرحمة قد غشيتنا بدليل أنه لا يتأذى أحد منا الآن بأي أذى، لكن لو قام أحدنا وأدخل أصبعيه في أذنه وأخذ يغني في الحلقة، فهذا قد وضع الشيء في غير موضعه، وهو ظالم، وأوضح من هذا: أن يدفع الرجل من عن يمينه وعن شماله الجالسين لطلب الهدى وينام بينهم، فهذا قد ظلم، إذ ليس هذا محل النوم، أو يأتي إلى الشارع ممر المؤمنين والمؤمنات ويضع الحجارة أمامهم، فهذا قد ظلم، فكيف إذا نام في الشارع؟!

    ونتتبع ما جاء في الشريعة: الذين يرتكبون الذنوب كالكذب والسرقة والخيانة والغش والخداع وبغض المؤمنين وسبهم وشتمهم وأخذ أموالهم والاعتداء على أعراضهم، كل هذه الذنوب سبب في الظلمة والعفن والنتن الذي يوضع على النفس، إذ المفروض في النفس البشرية أن تبقى طاهرة نقية كأرواح الملائكة، وذلك في إشراق هذا النور، لكن إن هو ارتكب هذه الذنوب فإن هذه النفس البشرية تصاب بالظلمة والعفن والنتن، ويكون بهذا قد ظلم نفسه، إذ بدل أن يزيد في طهرها وصفائها ونورها وإشراقاتها -لأنها تنزل بجوار الله بعد ساعات أو أيام- فإنه يخبثها ويلوثها فتعفن وتنتن وتصبح مبغوضة لله وللملائكة، بل ولا يرضاها الله عز وجل أن تكون في جواره أبداً، فنفسك مظلومة أيها العاصي، فما حملك على أذيتها؟ وهل ترضى من يأتيك بالأوساخ ويلطخك بها ويلبسك لباس العفن والنتن؟ لا ترضى بذلك؛ لأن هذا ظلم، وهذه الأوساخ إنما ضعها في المزبلة ولا تحطها عليَّ، إذاً: ونفسك تصرخ فتقول: لم خبثتني ولوثتني يا ظالم؟

    معشر المستمعين! تأملوا يفتح الله عليكم، لما يولد المولود كأن هذه النفس هو هذا النور، إذ لا ذنب عليها أبداً، فلا يعرف خداعاً ولا غشاً ولا ظلماً ولا شراً ولا فساداً أبداً، وإنما كأرواح الملائكة، فإذا ترعرع وكبر وأصبح أهلاً لأن يتلقى ما يؤثر على نفسه من خير أو شر، ثم إذا بلغ وأصبح عاقلاً وارتكب الإثم نكت في قلبه أو على نفسه نكتة سوداء فيحجبها عن شيء كثير من الخير والنور، وكلما أذنب ذنباً زيد النكت على القلب، فإذا تكاثرت الذنوب وغشيت النفس وغطتها أصبح لا يعرف المعروف ولا يؤمن به، وأصبح سلوكه كله سلوك المبطلين الفاجرين المفسدين، فتأثرت نفسه، إذ إنه هو الذي ظلمها وصب عليها هذه الأوساخ.

    إذاً: ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم، وما من ظالم لنفسه إلا وقد ظلم غيره، فالذي يدني الباطل من الناس ويغريهم عليه ويحرضهم عليه ويزينه لهم حتى يصرفهم عن الصلاة أو عن العبادة أو عن الطاعة أو عن توحيد الله، فقد ظلم غيره، إذ ما دام أنه قد ظلم نفسه فسوف يظلم غيره، ولا يوجد ظالم لنفسه إلا وقد ظلم غيره، ونحن في القرية نبني مسجداً لا نبني ملهى أو ملعباً، وذلك لأننا مسلمون، فإن بنينا ملعباً أو ملهى فقد ظلمنا أنفسنا وغيرنا.

    واسمعوا إلى هذا البيان النبوي: ( الظلم ظلمات يوم القيامة )، والذي يمشي يوم القيامة في الظلام هل يدخل الجنة؟ كيف يمشي؟ إليكم هذه الصورة أو هذه الشاشة قرآنية فتأملوها: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13]، فاذكروا هذا أيها المؤمنون ويا أيتها المؤمنات! إن هذه ساحة فصل القضاء، ساحة العدل والقضاء الرباني في عرصات القيامة، يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13]، كيف هذا؟ لأنهم لما جُمعوا في ساحة فصل القضاء، فالمنافق مع المؤمن، والموحد مع المشرك، وإذا بالمؤمنين تشرق وجوههم بالأنوار من آثار هذه العبادات المزكيات للنفوس البشرية، وما إن يراهم المنافقون الكافرون حتى يقولوا: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13]؛ لأن وجه هذا المؤمن كأنه البدر، فيقول المنافق والظلمة تعلوه: انظر إليَّ، فماذا يقول لهم المؤمنون؟ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13]، أي: يقال لهم: يا معاشر من يعيشون في الظلمة! يا من صرخوا من شدة الظلام وما عرفوا كيف يمشون على الصراط؟ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13]، في أي ساحة؟ هم يظنون أنهم يرجعون وراءهم في الأرض التي هم عليها، والمراد: عودوا إلى الدنيا واقتبسوا النور منها، أما في هذا اليوم أو في هذه الحياة فلا يُطلب النور ولا يُقتبس أبداً، وإنما هذا في الدار الدنيا، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ووحدوا الله وأخلصوا قلوبكم ووجوهكم له، ثم تكتسبون هذه الأنوار، إذ إنها ليست هنا في الدار الآخرة، وما إن رجعوا حتى يضرب بينهم وبين السعداء بسور، قال تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [الحديد:13-14]، أي: ألم نكن معكم في المدينة النبوية في بلد كذا؟ قَالُوا بَلَى [الحديد:14]، أي: كنتم معنا، وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ [الحديد:14]، أي: فتنتم أنفسكم بالشهوات والأهواء، وغرتكم الحياة الدنيا [الحديد:14]، فما عبدتم الله عبادة تزكي النفس وتطهر الروح، وإن عبدتموه تملقاً وخوفاً فقط لا لوجه الله، فتلك العبادة لا تنتج الطاقة النورانية، بل هي عبادة باطلة.

    الشرك بالله من أفظع أنواع الظلم

    ومن أفظع وأبشع أنواع الظلم الشرك بالله تعالى، وحرام على مؤمن أو مؤمنة يسمع هذا الكلام ويعرض عنه، ونبرأ إلى الله أن يكون بيننا هذا، ولكنها الغفلة وعدم المبالاة، وهذه هي الحقيقة أن الظلم أفظع أنواعه وشرها هو الشرك بالله عز وجل، فإن قيل: كيف ذلك يا شيخ؟! بين لنا.

    فأقول: لما يمر الشيخ الآن وتمشي وراءه وتسلبه قلمه تكون قد ظلمته، أو ما إن دخل إبراهيم المسجد حتى أخفيت نعله ومشيت، تكون أيضاً قد ظلمته، أو نظر إليك مؤمن فصفعته على خده فقد ظلمته، وبالتالي فالعبادات هي حق الله عز وجل، فهو مالكها وصاحبها، إذ ما خلق هذا العالم الأرضي وأعده وهيأه للحياة، وجاء بآدم وحواء وبارك في نسلهما وتكاثر النسل وكثرت البشرية من أجل والله أن يعبدوا الله، لا ليحرثوا لله ولا يزرعوا له، وإنما أعد هذه الحياة بكل ما فيها كنزل أو كفندق عظيم، ثم جاء بآدم وحواء وزوجه بها، وأنجب البنين والبنات، وانتشروا في الأرض، كل ذلك من أجل أن نعبد الله تعالى.

    إذاً: العبادة كلها حق لله تعالى، فمن أخذ منها شيئاً وأعطاه لغيره فقد ظلمه أعظم الظلم، واعتدى على الله، وليس كاعتداء على فلان، كأن أخذت شاته أو زنبيله، وإنما اعتداء عن حق الله الذي استوجبه بخلق الإنسان ورزقه، وخلق الحياة كلها من أجله.

    وهناك في تلك الروضة في مجلس أقدس من هذا وأبرك وإن كنا لنا بعض الشيء منه، سألهم النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت سورة الأنعام وفيها: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ [الأنعام:80]، من هؤلاء الذين حاجوا إبراهيم؟ إنهم البابليون، وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ [الأنعام:80]، أي: كيف يعقل هذا؟ أتريدون أن تصرفوني عن ربي لنكفر به ونجحده كما فعلتم أنتم، وهو الذي هداني وعرفت الحق؟ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا [الأنعام:80]، إذ لو كان ما استثنى ومشى ثم عثر في حجرة لقالوا: لقد آذته الآلهة! وهذا قد حصل الآن في المدينة، وذلك أن أحد المهاجرين جاء مهاجراً فمرض، فقالوا: قد آذاه الرسول؛ لأنه ما يدعوه ولا يستغيث به، كما أنه يمنع الناس من دعائه والاستغاثة به! إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ [الأنعام:80-81]، إذاً، أَحَقُّ بِالأَمْنِ [الأنعام:81] أنا أم أنتم؟ أي: الذين أشركوا بربهم أو الذي وحد ربه وما أشرك معه غيره؟ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام:81]؟ والجواب من الله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، الآن أيما عامل من أبنائنا فهم هذه هل يعرف؟ من أحق الناس بالأمن من النار؟ الذي آمن وما أشرك بربه، الذين آمنوا أولاً ولم يخلطوا إيمانهم بظلم؛ لأن اللبس هو الخلط، فالثوب تخلطه مع بدنك، أي: لبسته، آمَنُوا [الأنعام:82]، أولاً، وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82]، والظلم هنا والله إنه للشرك، لكن إن عبدوا الله ولم يشركوا في عبادته كائناً من كان أبداً، فهؤلاء لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، فكبرت عن الأصحاب وقالوا: يا رسول الله! من ينجو منا إذاً؟ أي: ما منا أحد إلا وقد لبس إيمانه بظلم، فهذا عق أباه، وهذا أكل مال فلان، فمن ينجو إذاً من ذلك؟ إذ إنه ما من أحد إلا ويقع في ذنب في يوم من الأيام، ففرج الحبيب عنهم بما أوتي من العلم والحكمة فقال: ( إن هذا الظلم ليس هو ظلمك لنفسك بغشيان ذنب أو ارتكاب محرم، وإنما هو الشرك بالله تعالى )، ثم قال لهم: ( ألم تسمعوا قول لقمان الحكيم إلى ولده وهو بين يديه يربيه ويعلمه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]؟ )، فهذا لقمان النوبي الحبشي الأسود الذي عايش داود عليه السلام، وهو القائل: الصمت حكمة وقليل فاعله، وضع طفله بين يديه ليربيه، ولا أدري هل أنتم تضعون أطفالكم بين أيديكم تربونهم؟ ولنخرج بعد صلاة التراويح فلننظر أين نجد أولادكم؟ وما زال لقمان يعظ ابنه حتى مات بين يدي، ولنذكر الآيات الكريمة التي حملت هذا النور الإلهي عن لقمان: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان:16-18]، فهذه هي العظات وهذه هي العبر التي قالها لقمان الحكيم لابنه، وما كان نبياً ولا رسولاً، وإنما أكرمه الله وأعلى قدره وسجل كلامه الذي كلم به ولده، وذلك حتى نعلم، ونحن بعد آلاف السنين كأننا نعيش مع لقمان، يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [لقمان:16]، وهذه هي التي مزقت قلب الغلام.

    والشاهد عندنا هو قوله: لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ [لقمان:13]، لم يا أبتاه؟ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، ففرح أصحاب رسول الله وحمدوا الله وصلوا على نبيهم صلى الله عليه وسلم.

    بعض مظاهر الشرك

    ونستعرض معكم الآن ولا تكربوا ولا تحزنوا بعض مظاهر الشرك التي عشناها وعاشها آباؤنا وأجدادنا قروناً عديدة، فاسمعوا: الذي ينادي ميتاً قد مات من سنين عديدة ويقول: يا سيدي فلان! اشفع لي، أو ادع الله لي، أو أعطني كذا، أو كن في جواري، فهذا النداء وهذا الإقبال بالقلب والوجه واللسان على عبد من عباد الله الموتى والله لمن أعظم الشرك، وإنه لظلم عظيم، إذ إنه ترك خالقه الذي وهبه سمعه وبصره، والذي بيده حياته ومماته، علام الغيوب، مالك الملك، المحيي المميت، وينادي ميتاً من الأموات، فأي عقل هذا؟ لولا الشيطان زين هذا وحسنه والله ما يقدر عليه، إذ هو عاقل، فكيف تأتي إلى قبر أخيك أو أبيك في المقبرة وتقول: يا بني! قم وأعطني كذا وكذا؟ هل هناك عاقل يفعل هذا؟ لا شك أنهم سيضحكون منه، إذ كيف ينادي ميتاً من ألف سنة وبينه وبين بلاده ألف كيلو متراً؟! وكم وكم نودي عبد القادر الجيلاني؟! يا عبد القادر! يا سيدي! يا مولى بغداد! يا راعي الحمراء! يا راكب كذا! بل وفي المغرب يوجد من يناديه، وبين المغرب والعراق ألف كيلو، وألف سنة من يوم أن مات عبد القادر، فكيف تناديه؟! هل يسمعك؟ وهل يقدر على أن يعطي؟ آلله أذن لك وقال: ادع؟ إن الله يقول: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا برهان له فإنما حسابه عند ربه [المؤمنون:117].

    وهكذا قبل أن توجد هذه الحكومة الربانية القرآنية المحسودة من الجن والإنس الذين يعملون ليل نهار على إبطالها وإحباطها، لا أعانهم الله ولا أقدرهم عليها، فتأتي إلى الروضة وتسمع نداءات أمتك: يا رسول الله! يا أبا فاطمة! أنا جئت من كذا وكذا، وترى البكاء والصراخ، فلا إله إلا الله! وبين يدي الله ما دعا بربع ما يدعو غير الله تعالى! ومن أراد أن يشاهد وينظر فليذهب إلى ضريح عبد القادر في العراق، أو إلى البدوي في مصر، أو إلى سيدي مبروك في الجزائر مثلاً، أو محيي الدين في الشام، وليشاهد وليسمع.

    بيان سبب تفشي مظاهر الشرك في الأمة

    وإن قيل: ما سبب هذا؟

    قلنا: إنه الجهل الذي صبه علينا العدو، أعني: اليهود والنصارى والمجوس، فهم الذين حرمونا من العلم وطلبه، وأدلل وأبرهن للأبناء والإخوان على الحقيقة هذه، وهي أن العدو هو الذي صرفنا عن العلم الذي به نحيا وبه نعرف الله والطريق إليه: أما سبق أن علمتم أن علماءنا منذ أكثر من ثمانمائة سنة يقولون: القرآن الكريم تفسيره خطأ إن أصاب، أي: صوابه خطأ وخطؤه كفر، وأهل المذهب المالكي يراجعون حاشية الحطاب على خليل يجدون هذه العبارة: تفسير القرآن صوابه خطأ وخطؤه كفر، إذاً: كيف نفسر كلام الله؟ يجلس الشيخ طوال أيام الشتاء يعلم الناس كيف يتوضئون وكيف يصلون فقط، أما تفسير كلام الله فلا، بل إذا قلت: قال الله فإنه يغلق أذنيه بأصبعيه حتى لا تنزل الصاعقة، إذ كيف يفسر كلام الله تعالى؟! والدليل الواضح: هل يجتمع المسلمون الآن في عصر النهضة والصحوة كما يقولون على تفسير كلام الله تعالى؟! لقد صرفونا عن القرآن لنموت، إذ القرآن روح ولا حياة بدون روح، وقد جاء هذا مبين في سورة النحل وفي سورة غافر وفي سورة الجاثية أو الدخان، فمن سورة الشورى قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52]، والروح الذي أوحاه الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن الكريم، وسمي روحاً لأن الحياة لا تقوم إلا به، إذ الروح فيها الحياة، سواء في النملة أو في طائر العقاب أو في البقر أو في الإنسان، فالروح هي الحياة، وكذلك القرآن روح متى فقده الآدمي مات، وأصبح في عداد الأموات، فلا يعي ولا يفهم ولا يأخذ ولا يعطي.

    وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52]، فالقرآن نور، فماذا صنع الأعداء؟ قالوا: خذوه من أيدي المسلمين وحرفوه، ولا ننسى حرب الصليبيين على القرآن وقد فشلوا، لكن قالوا: الانتصار على أن نأخذ القرآن من أيديهم ما نستطيع، إذ إنه محفوظ في صدورهم، نساؤهم كرجالهم، إذاً الطريقة هي أن نصرفهم عن دراسته وفهمه والعمل به، وقد نجحوا أعظم نجاح، فقد حولوا القرآن ليقرأ على الموتى.

    ومن اللطائف: أن حاكماً فرنسياً في مدينة من مدننا بالجزائر ما عنده بصيرة ولا علم، فد رأى الكتاتيب في المساجد يقرءون القرآن بالألواح، فقال للمسئولين تحته من العرب: ما فائدة هذه الكتاتيب؟ الحكومة تبني المدارس وتأتي بالمعلمين وتوزع الكتاب، فأمر بإغلاق الكتاتيب وإيقافها، فجاءه ذو حيلة وبصيرة بتدبير الله عز وجل فقال: يا مسيو! قد أزعجت الناس، والآن هم يقلقون ويضطربون كيف تمنع أولادهم من القرآن؟ فقال لهم: فأي فائدة من هذا؟ قال: إنهم يقرءونه على الموتى، فيأكلون به اللحم والرز، فقال: فقط من أجل هذا؟ قال: نعم، قال: إذاً اقرءوا، فأصبحتَ وللأسف إذا دخلت القرية أو المدينة من إندونيسيا إلى موريتانيا وسمعت القرآن في بيت تعلم أن هناك ميتاً، إذ لولا الميت ما يجتمعون على أن يقرءوا القرآن أبداً، فمن فعل هذا؟

    إنه الثالوث الأسود المكون من المجوسية واليهودية والصليبية أعداء الإسلام، إذ إنهم رأوا الأنوار الإلهية تغمر أرض الإسلام والمسلمين، وهم في ظلمة أسوأ الظلمات، فالقبح والشر والفساد يغشاهم ويغطيهم، فقالوا: كيف ينجو هؤلاء ونخفر نحن؟ هل نترك ديننا وندخل معهم؟ إذاً نهون ونزول، إذاً لا بد من حربه، وسعوا لإطفاء ذلك النور لولا الله عز وجل.

    قيام دولة التوحيد على أرض الجزيرة العربية على يد الملك عبد العزيز

    وعندنا مثال وانقلوه، ولكن للأسف ليس هناك من ينقل: عرفتم كيف استعمرنا الشرق والغرب؟ ما سبب استعمارهم لنا؟ والله إنه لجهلنا وظلمنا وفسقنا وإشراكنا بربنا، فعم ديارنا الظلام وغشاها وغطاها، وما أصبحنا أولياء الله فيها، فمن ثم سلط علينا أعداءنا وأعداؤه لتكون ذكرى للذاكرين، وحاشا لله أن يسلط على أوليائه أعداءه، والله يقول: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141]، لكن لما هبطنا وعبدنا غيره عبدنا كم واحداً؟ حفنة من التراب أو كوماً من التراب تجد المؤمنات عاكفات حولها! بل ليس هناك من يقسم بالله إلا من نذر، حتى إنه في بعض المحاكم أصبحوا لا يحلفون الظالمين بالله؛ لأنهم سيحلفون سبعين مرة ولا يبالون، وإنما احلف له بسيدي فلان، وفعلاً هبطنا فركبوا علينا، بل وزغردوا وهللوا وكبروا: انتهى الإسلام.

    وأراد الله عز وجل أن يقيم الحجة له على خلقه، إذ قد أصبح الإسلام مكروهاً ومبغوضاً عند اليهود والنصارى، فالإسلام الذي يذل أصحابه ويهينهم ويسلط عليهم أعداؤهم فيسوموهم الخسف والعذاب، يُقبل أبداً، وإنما قد انتهى أمره، وشاء الله عز وجل أن يقيم الحجة له، فجاء السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن من آل سعود مع مجموعة من طلبة العلم ودخلوا الرياض وأعلنوا عن دولة القرآن، وأخذت هذه الدولة في الانتشار حتى سادت هذه البلاد وعلت فوقها راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهدموا القباب والقبور، وطهروا الأرض من الشرك، إذ إن الشرك في تلك الأزمنة وخاصة في هذه الديار أكثر من أي ديار أخرى، وكأننا ما سمعنا بكتاب الله وقرآنه، فطهرت البلاد في فترة من الزمن قليلة وسادها أمن وطهر، وأقسم بالله ما عرفته أمة الإسلام إلا في القرون الثلاثة الأولى، إذ إن الإنسان كان يمشي ويحمل الذهب على رأسه لا يخاف إلا الله، بل والله لدكاكين الذهب مفتوحة الأبواب الليل والنهار، فكان أمن وطهر لا نظير لهما، وسبب تحقق ذلك أنه أقام دولته القرآنية على قواعد أربع وضعها الله لإقامة الدولة الإسلامية، وهي في قوله تعالى من سورة الحج: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ [الحج:41]، أي: حكموا وسادوا، ماذا فعلوا؟ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]، فلا فلسفة ولا شيطنة ولا وطنية ولا قوانين.

    وهذه الدعائم الأربع هي: الأولى: إقام الصلاة، ولذلك لن تجد سعودياً وطنياً يمشي والصلاة قائمة أبداً، بل ولن تجد باباً مفتوحاً أبداً والصلاة قائمة، والثانية: أخذ الزكاة، والثالثة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفعلاً ظهرت دولة أشبه ما تكون بدولة الراشدين، وما إن شاهد ذلك العدو من الإنس والجن حتى أخذ يضرب ويحطم، لكن يأبى الله إلا أن تظهر حجته على البشر، وفعلاً فقد استقل المسلمون في الشرق والغرب، لكن لم تشأ أمة من تلك الأمم أن تقيم دولتها على هذه القواعد الأربع، والتي ما قامت عليها دولة إلا سادت وعزت وطابت وطهرت وأمنت، فمن صرف المسلمين عن هذا؟ أمس كنا تحت إيطاليا والآن استقللنا، فلم لا نذهب إلى عبد العزيز ونقول: كيف نقيم دولتنا؟

    ومرة أخرى وسوف تسمعون هذا يوم القيامة: كان الواجب والله على كل إقليم من إندونيسيا إلى موريتانيا إذا استقل عن فرنسا أو بريطانيا أو أي دولة أخرى، أن يأتي إلى السلطان عبد العزيز ويطلب منه قضاة وآمرين بمعروف وناهين عن المنكر، وذلك حتى يطبقوا شرع الله فيهم، لكن لما كاد العدو ماذا صنع؟ تستقل دويلات حول المملكة وتأبى أن تنضم إلى السعودية، حتى لا يؤمر فيها بمعروف ولا ينهى فيها عن منكر، وحتى لا تقام فيها صلاة ولا يحرم فيها ما حرم الله، والله ليس إلا هذا، سواء كان هذا من كيد الثالوث وتعليماته أو من جهلنا، ولو أن كل إقليم يستقل وانضم إلى دولة الإسلام، أي: دولة عبد العزيز، لعادت لنا الخلافة الراشدة، لكن للأسف كل دولة لما تستقل تعرض عن الله وذكره، فلا تأمر بصلاة ولا بجباية زكاة، بل واستعاضوا عن الزكاة المفروضة بالضرائب القاتلة الفادحة، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، فكيف نعز؟ وكيف نسود؟ وكيف نطهر حتى يرضى الله عنا ويدخلنا دار السلام؟

    فمن فعل هذا بنا؟ إنه العدو، أعني: اليهود والنصارى والمجوس، فهيا نخرج منهم ونبتعد عن ساحتهم، وكل مظاهر البذخ والباطل والشر نتركها، لكن للأسف ما أفقنا بعد، إذ ما زلنا نمشي وراءهم.

    وصلى الله على نبينا محمد.