إسلام ويب

تفسير سورة النساء (79)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لعن الله تعالى بني إسرائيل لجحودهم وعتوهم عن أمره سبحانه وتعالى، وقد ذكر الله بعض أفعالهم التي جعلتهم يستحقون اللعن، فذكر منها سبحانه نقضهم للعهود والمواثيق وخاصة عهدهم بالعمل بما في التوراة، وكفرهم بآيات الله المنزلة على عيسى ومن بعده ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وقتلهم أنبياء الله، وقولهم قلوبنا غلف، وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً، وادعائهم قتل عيسى عليه السلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم والأيام الثلاثة بعده ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.

    وما زلنا مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، وها نحن مع هذه الآيات الخمس، فهيا نتغنى بها أولاً ثم نأخذ في شرحها وبيان مراد الله تعالى منها؛ لنكون بالفعل قد تدارسنا كتاب الله، وتلاوة الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء:155-159].

    تأملوا يفتح الله عليكم، فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ [النساء:155]، هذه أربع جرائم، بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء:155-159].

    نوجز في شرح هذه الآيات ثم نأخذ في بيانها من الكتاب، فأولاً: هذه الآيات نزلت من أجل تسلية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وحمله على الصبر والثبات، وذلك مما يعانيه من اليهود وما يطرحونه من فظائع الكلام، لأنه كان في المدينة ثلاث قبائل من قبائل اليهود الكبرى، وهم بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير، وكان فيهم العلماء، ووراءهم من جهة الشام خيبر وفدك إلى غير ذلك، فكانوا يؤلمون النبي صلى الله عليه وسلم، فينزل الله تعالى عليه هذه الآيات تفضحهم وتكشف سوءتهم وتريهم الحق لو أرادوا قبوله، وفي نفس الوقت هي تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. ‏

    من أسباب لعن اليهود نقض العهود والمواثيق

    فَبِمَا نَقْضِهِمْ [النساء:155]، أي: بسبب نقضهم ميثاقهم، فما آمنوا بعيسى ولا التزموا بشريعة التوراة، فقد قتلوا زكريا وقتلوا ولده يحيى، والميثاق المأخوذ عليهم أيام موسى قد نقضوه وحلوه وما التزموا به، وهذه جريمة باقية على جباههم.

    فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ [النساء:155]، وقد ذمهم الله تعالى على نقض الميثاق، والميثاق هو العهد المؤكد باليمين، وميثاقنا نحن المسلمين هو أن كل من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فقد عقد مع ربه عقداً وميثاقاً، وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [المائدة:7]، فمن شهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فقد وجب عليه ألا ينقض هذا العهد، ونقضه يكون بعبادة غير الله، أو بترك عبادة لله تعالى، أو اتباع غير رسول الله، والميثاق الذي بيننا وبين الله إن وفينا به أكرمنا بنعيم دار السلام، وإن نقضناه كما نقضه بنو عمنا من اليهود فالمصير معروف، ولذلك من قال: أشهد أن لا إله إلا الله فيجب عليه أن يعبد الله الذي شهد له بالعبادة، ثم كيف يشهد أنه المعبود الحق ولا يعبده؟! أيضاً ألا يعبد معه غيره؛ لأنه قال: لا يعبد إلا الله، فكيف يعبد معه غيره بأي نوع من أنواع العبادات؟! ولذا ومن شهد أن محمداً رسول الله فيجب أن يمشي وراءه لا أمامه أو عن يمينه أو عن شماله، وإنما يتبعه، فيأكل كما يأكل، ويشرب كما يشرب، فضلاً عن أن يجاهد كما يجاهد، ويصوم ويصلي كما صام وصلى عليه الصلاة والسلام، وإلا فقد خان عهده ونقضه.

    من أسباب لعن اليهود كفرهم بآيات الله المنزلة على محمد وعيسى عليهما السلام

    فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ [النساء:155]، أولاً، وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ [النساء:155]، ثانياً، فقد كفروا بالقرآن الكريم، وكفروا بآيات الله في الإنجيل، وكفروا بآيات الله في التوراة التي تحمل الهداية والوصايا الربانية.

    من أسباب لعن اليهود قتلهم الأنبياء

    وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ [النساء:155]، كم نبياً قتلوا؟ يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقتلون سبعين نبياً في يوم واحد، وفي المساء أسواقهم عامرة يبيعون ويشترون، وكأن شيئاً لم يحدث، وذلك لقساوة قلوبهم.

    وعلى سبيل المثال فقد قتلوا زكريا وولده يحيى بنص القرآن، كما أنهم حاولوا قتل عيسى وصلبه، وحاولوا قتل النبي الخاتم محمد ثلاث مرات حتى سقوه السم والعياذ بالله.

    وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [النساء:155]، وهل يقتل نبي بحق؟ إن هذا من باب المبالغة، وفرضاً لو كان قتله حقاً فلا بأس، ولكن هم قتلوا الأنبياء بغير الحق.

    من أسباب لعن اليهود قولهم قلوبنا غلف حتى لا يقبلوا دعوة الإسلام

    وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ [النساء:155]، وغلف جمع: أغلف، والأغلف هو المملوء والمغطى بالعلم، فلا يحتاج إلى معرفة، ولك أن تقول: غلف بمعنى: قلوبنا مملوءة، أي: ما عندنا ما نأخذ من علمك يا محمد، أو لسنا في حاجة إلى ما تقوله لنا، أو ما نحن بحاجة إلى هذا العلم يا محمد، فقلوبنا ملأى بالعلم والمعرفة قبلك، وقد كانوا يقولون له هكذا حتى لا يؤمنوا به ولا يتابعوه.

    طبع الله على قلوب اليهود بسبب جرائمهم الشنيعة

    فرد الله تعالى عليهم بقوله: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا [النساء:155]، أي: على تلك القلوب، فتراكمت عليها الذنوب والآثام والجرائم فأصبحت أكواماً على تلك القلوب، فغطتها وحجبتها من أن تقبل الهداية.

    بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ [النساء:155]، و(الباء) هنا سببية، أي: بسبب كفرهم، وكفرهم أنواع.

    فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:155]، أي: ما دام أن الطبع قد وقع على القلب فقلَّ من يؤمن، ولذا فقد كانت دعوة الرسول بين اليهود كذا من السنين، ومع ذلك لم يؤمن أكثر من عشرة أنفار من علماء اليهود، وهذا إخبار الله تعالى: فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:155] .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم ...)

    وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا [النساء:157].

    ومع ربنا في بيان هذه الجرائم اليهودية، قال تعالى: وَقَوْلِهِمْ [النساء:157]، أي: وبقولهم، إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ [النساء:157]، وهذه صيغة التبجح والتعنتر، وهل يتبجح العاقل بالكفر؟! وهل لمؤمن أن يقتل مؤمناً ويقول: قتلته؟! إن هذا قلبه ميت، لكن هؤلاء يتبجحون بأنهم قتلوه، وهل فعلاً قتلوه؟ قال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157]، وذلك لما حاصروا برجالهم بيته ومنزله، وما فتح لهم الباب فاقتحموه، فرفعه الله عز وجل من السقف وألقى الشبه على رئيس شرطتهم يهوذا، فلما شاهدوه ظنوا أنه عيسى، فاجتمعوا عليه وسحبوه وأخرجوه من البيت، ثم أعدوا له المشنقة وصلبوه على خشبة وقتلوه وهو على تلك الخشبة.

    ولذا لو يجتمعون كلهم ويقولون: إن الذي صلب هو عيسى، والله يقول: ليس بعيسى، فمن تصدقون؟ الله، إذ إننا لا نحتاج إلى كلامهم الباطل، مع أنهم قد كتبوا في هذا الكثير من الكتب، بل وجادلوا النصارى على أنهم قد قتلوا عيسى علبه السلام، ونحن يكفينا فقط كلام ربنا: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ [النساء:157]، والصلب هو الوضع على عود أو على خشبة ثم القتل.

    وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ [النساء:157]، بعدما صلبوه صار الشك بينهم، فمنهم من يقول: عيسى، ومن يقول: ليس بعيسى، وما وجدوا من يحل مشكلتهم، حتى الذين قالوا: قتلناه هم في شك أيضاً، إذ إنهم يدعون أنه بعد ثلاثة أيام من دفنه نبشوا عن قبره فما وجدوا إلا الكفن، أين ذهب عيسى؟! الله أعلم، وكلها أباطيل وترهات وأكاذيب، ونحن والحمد لله قد بين الله لنا الطريق حتى لا نرتاب ولا تشك أبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً)

    بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:158]، أي: رفعه الله إلى الملكوت الأعلى كما رفع محمداً صلى الله عليه وسلم، فقد خرج عليه الصلاة والسلام من بيت أم هانئ بجوار المسجد وأجريت له عملية غسل القلب وتطهيره بماء زمزم ليصبح أهلاً لأن ينزل بالملكوت الأعلى، ثم أسري به إلى بيت المقدس، وعرج به إلى الملكوت الأعلى، وتم ما علمتم من حوار بينه وبين ربه في فرضية خمسين صلاة، ثم عاد عليه الصلاة والسلام، قالت أم هانئ رضي الله عنها: وفراشه ما زال دافئاً ما برد.

    بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158]، أي: إلى الملكوت الأعلى في جواره، وسينزله في آخر الزمان، ونزوله علم وعلامة من علامات قيامة الناس، إذ قال تعالى: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا [الزخرف:61]، فإذا نزل عيسى على المنارة البيضاء بمسجد دمشق فقد انتهى أمر الإيمان والإسلام أو الإيمان والكفر، إذ المؤمن مؤمن والكافر كافر.

    وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا [النساء:158]، أي: غالباً لا يغالب أبداً، ولا يحال بينه وبين أمر يريده، حَكِيمًا [النساء:158]، أي: حكيماً في كل أعماله وحكمه وقضائه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب ليؤمنن به قبل موته...)

    وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء:159].

    وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [النساء:159]، و(إن) هنا نافية بمعنى: (ما)، أي: ما من أهل الكتاب أحد، إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:159]، أي: قبل موت الكتابي لا قبل موت عيسى، وذلك أن النصراني كان يقول في عيسى: هو ابن الله، وهذا كفر والعياذ بالله، وكان يقول: هو ثالث ثلاثة مع الله، وهذا أيضاً كفر بالله تعالى، ولما يجيء ملك الموت وأعوانه لقبض روحه، تغرغر النفس وتنتهي الحياة فيعرف أن عيسى عبد الله ورسوله، وأن تلك الترهات والأباطيل والخرافات كلها باطلة.

    وكذلك اليهودي ما إن يحتضر ويأتي ملك الموت لقبض روحه، ويكون بانقطاع عن الدنيا، حتى يعلم أن عيسى عبد الله ورسوله، وليس بساحر ولا دجال ولا أمه زانية عاهرة، إذ إن اليهود يقولون: إن مريم البتول قد زنت بيوسف النجار وكان عبداً صالحاً، كذبوا ورب الكعبة، ولعنة الله على الكاذبين، ونحن والحمد لله بعدنا عن اليهود وبعدوا عنا، وإلا فهذه العجائب في كل يوم يوجدونها ويثيرونها.

    وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ [النساء:159]، أي: على اليهود والنصارى، شَهِيدًا [النساء:159]، أي: على كفر الكافرين وإيمان المؤمنين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هيا نتلو الآيات مرة أخرى ونأخذ في شرحها من الكتاب لنزداد علماً وبصيرة، قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء:155-159]، أي: يشهد على إيمان المؤمنين وكفر الكافرين.

    معنى الآيات

    قال الشارح غفر الله له ولكم، ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [ ما زال السياق في الحديث عن اليهود وبيان الجرائم التي كانت سبباً في لعنهم وذلهم، وغضب الله تعالى عليهم، وهذا تعداد تلك الجرائم الواردة في الآيات الثلاث الأولى في هذا السياق المبارك الكريم، وهي: أولاً: نقضهم العهود والمواثيق وخاصة عهدهم بالعمل بما في التوراة ]، وتذكرون لما أخذ موسى السبعين رجلاً ليتوب الله عليهم بعد جريمة عبادة العجل، لما انتهوا أخذ الله عليهم الميثاق أن يعملوا بالتوراة فرفضوا وقالوا: ما نستطيع، نحن ضعاف، فرفع الله الجبل فوقهم فقال: تقبلون أو نسقطه فوقكم؟ فقالوا: آمنا بالله، ونعاهده أن نعمل بها، وما إن عادوا حتى نقضوها، فهذه واحدة.

    قال: [ ثانياً: كفرهم بآيات الله المنزلة على عبد الله عيسى ورسوله والمنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم، ثالثاً: قتلهم الأنبياء كزكريا ويحيى وغيرهم، وهم كثير في عهود متباينة، رابعاً: قولهم: قُلُوبُنَا غُلْفٌ [البقرة:88] حتى لا يقبلوا دعوة الإسلام، وما أراد الرسول إعلامهم به، وكذبهم الله تعالى في هذه الدعوى، وأخبر ألا أغطية على قلوبهم، ولكن طبع الله تعالى عليها بسبب ذنوبهم، فران عليها الران فغطاها فمنعها من قبول الحق اعتقاداً وقولاً، هذا ما تضمنته الآية الأولى، وهي قوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ [النساء:155]، والباء سببية ] كما بينا، أي: فبسبب نقضهم، قال: [ والميم صلة ]، وذلك لتقوية الكلام، قال: [ والأصل فبنقضهم، أي: بسبب نقضهم، وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:155]، أي: إيماناً قليلاً، كإيمانهم بموسى وهارون والتوراة والزبور مثلاً، خامساً: كفرهم بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، سادساً: قولهم على مريم بهتاناً عظيماً، حيث رموها بالفاحشة، وقالوا: عيسى ابن زنا لعنهم الله.

    زعم اليهود قتلهم لعيسى عليه السلام وافتخارهم بذلك

    سابعاً: قولهم متبجحين متفاخرين: أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وهو رسول الله، وأكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157]، أي: برحل آخر ظنوه أنه هو فصلبوه وقتلوه، وأما المسيح فقد رفعه الله تعالى إليه، وهو عنده في السماء كما قال تعالى في الآية: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:158] أي، غالباً على أمره، حكيما في فعله وتدبيره.

    وأما قوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ [النساء:157] ] أي: هل هو عيسى أو يهوذا؟ قال: [ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا [النساء:157]، هذا إخبار من الله تعالى بحقيقة أخرى وهي أن الذين طوقوا منزل المسيح وهجموا عليه ليلقوا عليه القبض من أجل أن يقتلوه، هؤلاء اختلفوا في هل الرجل الذي ألقي عليه شبه عيسى هو عيسى أو غيره؟ ]، ما استطاع واحد أن يثبت شيئاً معيناً، قال: [ إنهم لم يجزموا أبداً بأن من ألقوا عليه القبض وأخرجوه فصلبوه وقتلوه هو المسيح عليه السلام ]، فهم دخلوا المنزل فرفع الله عيسى إليه من السقف، ومع هذا ألقوا الحديد الشبه وسحبوه، وما عندهم اليقين الجازم أنه عيسى، وإنما هم مختلفون في ذلك.

    قال: [ ولذا قال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا [النساء:157] ]، أي: باليقين، [ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:158].

    أما الآية الأخيرة في هذا السياق ] والآية الأخيرة هي قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء:159].

    إيمان اليهود والنصارى بعيسى عند معالجتهم لسكرات الموت وعدم انتفاعهم بذلك

    قال: [ أما الآية الأخيرة في هذا السياق فإن الله تعالى أخبر أنه ما من يهودي ولا نصراني يحضره الموت ] أي: ساعة الموت، [ ويكون في انقطاع عن الدنيا إلا آمن بأن عيسى عبد الله ورسوله، وليس هو بابن زنى ولا ساحر كما يعتقد اليهود، ولا هو الله ولا ابن الله كما يعتقد النصارى ].

    وكذلك الكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا بلقائه ماذا يشاهدون عند سكرات الموت؟ يعرفون أنهم قد هوت بهم الهاوية وزلت أقدامهم، وأنهم من أهل الشقاء والبلاء، قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام:93]، ففي هذه الآية المجرمون الظالمون تهددهم الملائكة بإخراج أرواحهم بالضرب وإن كنا لا نشاهد ذلك.

    قال: [ أما الآية الأخيرة في هذا السياق فإن الله تعالى أخبر أنه ما من يهودي ولا نصراني يحضره الموت ويكون في انقطاع عن الدنيا إلا آمن ]، وصدق يقيناً، [ بأن عيسى عبد الله ورسوله ]، أي: عبد من عباده الصالحين، ورسول من رسله المبعوثين لهداية الخلق وإصلاح فاسدهم، [ وليس هو ابن زنى كما يقول اليهود ]، واليهود إلى الآن وإن كانوا يخفون هذا أمام النصارى، يقولون: إن عيسى ابن زنا؛ لأن مريم زنت بـيوسف بن النجار، وهو عبد صالح، وهذا الكلام يروج له، ولولا أن الله عصمنا وأبعدنا عن اليهود فقد يقبله الغافلون منا، ويئولون الآيات ويحرفونها.

    قال: [ ولا ساحر ]، إذ قالوا: إن عيسى ساحر، فتلك الآيات والمعجزات العظام من إحياء الموتى، ويخلق من الطين صورة لطائر فيطير، وإنزال مائدة من الملكوت الأعلى لم تعرف الدنيا مثلها، وأكلها الآباء والأبناء منها، كل هذه قالوا عنها: إن عيسى ساحر.

    ومما يروى عنهم أن عيسى مر في الشارع وإذا بجنازة طفل صغير، وأمه تبكي عليه، فقالت لعيسى: يا روح الله! ادع الله أن يرد علي ولدي، فدعا الله فانتفض الولد في النعش وقال: حطوه، ومشى مع أمه، فماذا قال اليهود؟ قالوا: هذه مؤامرة تمت بين عيسى وهذه الأم، وطفلها ما مات، وإنما كفنته وادعت أنه قد ميت، ولما مرت بعيسى قالت له: ادع الله لي أن يرد علي ولدي، فدعا والولد ما مات، وهذا هو مكرهم وكيدهم.

    وقد عرفتم أن العلة هي أنهم يريدون أن يبنوا مجدهم ودولة ومملكة إسرائيل الكبرى، ولهذا هم لا يقبلون نظاماً ولا حزباً ولا جماعة خارجة منهم، ويدل على هذا أن اليهودي لا يزوج ابنته من غير اليهودي إلا لحيلة ومكرة سياسية؛ ليبقى هذا الشعب كما هو من عهد موسى، فهل بلغكم أن يهودية تزوجها مسيحي أو مسلم؟ لا والله، لكن اليهودي قد يتزوج غير اليهودية، ولا يدخلها في ملته إلا في حالات خاصة للكيد والمكر فقط، وللإبقاء على شعب الله المختار كما يزعمون، وأذكركم دائماً فأقول: كان المسيحي لا يستطيع أن يفتح عينيه في اليهودي، وذلك من شدة بغضه له، فهو ينظر إليه على أنه قاتل إلهه، فكيف ينظر إليه؟!

    إذاً: كيف أصبح اليهود الآن في قلب العالم الصليبي يديرون أمواله وحياته كاملة؟ بالسحر؟ نعم هم يفعلون السحر، بمبدأ البلشفة: لا إله والحياة مادة؟ إن هذا المبدأ الشيوعي هو الذي سخر لهم المسيحية بكاملها، فقد كفر أكثر المسيحيين بوجود الله وأصبحوا بلاشفة، فهذه روسيا العظمى أنكرت وجود المسيح، وتغلغلت الشيوعية حتى دخلت بلاد المسلمين، والذي صنع هذا والله هم اليهود، وذلك حتى يخففوا الضغط عنهم، إذ لو أن المسلمين أو العرب بالذات يكونون دولة في إسرائيل وتبقى إلى الآن والله ما كان، فأولاً: ضربوا القلوب ومزقوا أنوار الله فيها، وهم ما زالوا يحلمون في يوم ما أنهم سيسوسون العالم ويسودونه، فهل عرفتم السر أم لا؟ وإن فشلت الشيوعية فهناك مجالات أخرى، وهي نشر الفسق والفجور في العالم بأسره، وذلك حتى لا يبقى حياء ولا مروءة ولا كرامة، وإنما تهبط البشرية كالبهائم.

    قال: [ ولا هو الله ولا ابن الله كما يعتقد النصارى، ولكن هذا الإيمان لا ينفع صاحبه؛ لأنه حصل عند معاينة الموت ]، أي: لما يؤمن المسيحي بأن عيسى عبد الله ورسوله وهو يغرغر، أو يؤمن اليهودي بأن عيسى عبد الله ورسوله وليس بساحر ولا ابن زنا، لا ينفعهم ذلك الإيمان أبداً.

    قال: [ لقول الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [النساء:18] ]، يقول تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ [النساء:17]، حقاً وصدقاً، لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:17-18]، فهل يتوبون بعد الموت -أي: يوم القيامة- وتقبل توبتهم؟

    قال: [ هذا ما دلت عليه الآية الكريمة: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:159] ]، لا قبل موت عيسى، وإن قال بهذا من قال؛ لأن أهل الكتاب موجودون من قرنين، فلا يؤمن إلا بعد وجود عيسى، وذلك أن عيسى ينزل في آخر الزمان فيكسر الصليب ويقتل الخنزير كما أخبرنا أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فهل ينفع النصارى يومئذ إيمانهم به؟ والله ما ينفع، وهل ينفع اليهودي إيمانه به؟ والله ما ينفع.

    قال: [ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:159] ]، أي: موت اليهودي الكتابي أو النصراني، [ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء:159]، أي: يشهد على كفرهم به وبما جاءهم به، ووصاهم عليه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ودين الحق الذي جاء به ].

    هداية الآيات

    هيا نستخرج درر هذه الآيات أو بما يسمى بهداياتها:

    [ أولاً: بيان جرائم اليهود ] وهل بينت هذه جرائم اليهود؟ كم جريمة؟ سبعة، أول جريمة يرحمكم الله نقضهم الميثاق ثاني جريمة كفرهم بآيات الله ثالثاً قتلهم الأنبياء بغير حق رابعاً قولهم: (قلوبنا غلف) كذبوا على الله ورسوله، كفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً.

    هذه الجرائم لولا أن الله بينها من يبينها لنا؟ هم يقولون عنها؟ هم يخفونها.

    [ بيان جرائم اليهود ] والجرائم جمع جريمة، من الجرم الذي هو القبح والظلم والشر والفساد.

    [ ثانياً: بطلان اعتقاد النصارى في أن عيسى صلب وقتل ] وإلا لا؟

    [ بيان بطلان اعتقاد النصارى في أن عيسى صلب وقتل ] والله ما صلب ولا قتل أبداً، خالقه قال: رفعته إلي وتقول أنت: قتل أو صلب؟ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157] .

    قال: [ بطلان اعتقاد النصارى في أن عيسى صلب وقتل، أما اليهود فإنهم وإن لم يقتلوا عيسى فهم مؤاخذون على قصدهم حيث صلبوا وقتلوا من ظنوه أنه عيسى ] اليهود ما نجوا لأن الله رفع عيسى ما قتلوه، هم في حكم من قتل لأنهم قتلوا الشبيه به، متعمدين ذلك قاصدين قتل عيسى، فلهذا دائماً نقول: اليهود جريمتهم أنهم قتلوا محمداً صلى الله عليه وسلم.

    الذي يطعمه السم ليموت ما قتلوه؟ أوضح من هذا هنا شرق المدينة على كذا كيلو متر في بني النظير جاءهم صلى الله عليه وسلم في أمسية يطلب منهم مساعدة مالية بحسب الاتفاقية التي بينه وبينهم ليسدد دية نفرين ماتا، فأفرشوا له الفراش تحت الجدار في الظل والمباني كانت كما تعرفون طابق واحد، وقالوا: أبشر يا محمد ودخلوا البيت وتآمروا قالوا: فرصة ذهبية نأتي بمطحنة راحة ونطلقها من فوقه على رأسه وتنتهي المشكلة إلى الأبد.

    والله لقد جاءوا بالمطحنة وقد طلعوا بها وقبل أن يلقوها عليه أوحي إليه باللاسلكي الإلهي قم فقام ومشى وراءه أصحابه ووصل إلى المدينة وأعلن نقضهم للميثاق والمعاهدة وأعلن الحرب عليهم، وما هي إلا ساعات حتى طوق بني النظير برجاله والحادثة في سورة الحشر مبينة ومفصلة يعتبرون قتلوه وإلا لا؟ قتلوه، لو كانوا هم من أنفسهم عفوا قالوا: اتركوه ما نقتل نبياً لا ما قتلوه، أما وقد عزموا ولكن الله عز وجل أنجى رسوله ونجاه فهم في عداد من قتل النبي صلى الله عليه وسلم.

    وإذا لم يقتلوا محمداً قتلوا أنبياء قتلوا رسل عيسى وزكريا ويحيى.

    قال: [ فهم مؤاخذون على قصدهم ] وإلا لا؟ [ حيث صلبوا وقتلوا من ظنوه أنه عيسى عليه السلام.

    ثالثاً: تقرير رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ونزوله في آخر أيام الدنيا ] أما قال تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:158] سينزل عيسى وبلغنا أنه يكمل ثلاثين سنة أو ثلاثة وثلاثين ليكون عمره كعمر الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.

    وأخبرنا الرسول قال: كأني بابن مريم في فج الروحاء يلبي بحج أو عمرة أو بعمرة وحج، وعند المالكية قرأنا في كتب الفقه من يقول من الجائز أن عيسى يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: الروضة الشريفة أستغفر الله الحجرة الشريفة فيها ثلاثة قبور وبقي مكان قبر آخر رابع، لعل الله تعالى احتفظ به وأبقاه لعبده ورسوله عيسى عليه السلام، لا تقل هذا يا شيخ؟ قد يسمع الناس ويقولون: ندفن نحن، والله لو تجتمع الدنيا كلها على أن تدفن مع رسول الله أحد من المشركين ما قدروا، يصرفهم الجبار أو يرسل عليهم النار، من يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    قال: [ تقرير رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ونزلوه في آخر أيام الدنيا ] أي السماء الدنيا أو الثانية؟ السابعة حيث الجنة دار السلام.

    رابع أنوار الهداية قال: [الإيمان كالتوبة عند معاينة ملك الموت لا تنفع ولا تقبل أبداً ].

    عرفتم؟

    الكافر إذا آمن عند معاينة الموت يدخل في الإيمان؟ والله ما يقبل منه لأنه كشف الغطاء ورأى الآخرة كذلك المذنب سواء بزنا بربا بخمر بأية جريمة بقتل نفس إذا شاهد ملك الموت وقال: أتوب ما ينفع، ما تقبل توبته فلهذا أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نعجل بالتوبة وأخذها المسلمون سلف عن سلف إلى يوم القيامة أن التوبة يجب أن تكون على الفور لا يصح أن تقول: بعد عام بعد أن أتزوج أن أوظف بعد أن يأتي فلان، هذا انزعه من قلبك التوبة أجرمت قل: أستغفر الله وأتوب إليك لا تدري متى تسقط لا يصح تأخير التوبة أبداً.

    ثم الاستمرار في المعصية قد يكون في يوم من الأيام ران على قلب العبد وحينئذ إذا ذكرته بالله يضحك، قيل لشخص هلك وهو مولع بالباطل والأغاني وكذا هم يقولون عند موته على الفراش لا إله إلا الله وهو يغني مات على ألفاظ الغناء وهو يموت، لم؟ لأنه توغل ذلك الظلام فيه والران على قلبه ختم على قلبه ما يقبل أبداً لا إله إلا الله.

    والله تعالى أسأل أن يبصرنا بعيوبنا وأن يتوب علينا ويعود بنا إلى رضاه وساحة رضوانه، اللهم آمين.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966333178

    عدد مرات الحفظ

    711649662