إسلام ويب

تفسير سورة النساء (71)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان العرف السائد عند العرب في الجاهلية منع الميراث عن المرأة والطفل، وعدم مراعاة حق اليتيم، فجاء الإسلام مقرراً حق المرأة والطفل في الإرث، وحض على المحافظة على مال اليتيم، وأنزل الله آيات تتلى بهذا الشأن من أول النساء، ولا زالت تساؤلات بعض الصحابة حول هذا الشأن قائمة، فأنزل الله مرة أخرة الآيات المتعلقة بهذا الأمر قطعاً للتساؤلات، وتأكيداً على هذه الحقوق.

    1.   

    فضل طلب العلم وأهميته لتزكية النفس

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، فحقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.

    وما زلنا مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، ومعنا أربع آيات لو كنا صادقين في الطلب والحصول على العلم فلا نتجاوزها حتى نحفظها عن ظهر قلب، ونفهمها فهماً صحيحاً سليماً، ووطنا النفس على أن نعمل بها عملاً صحيحاً سليماً، ولكن للأسف أننا هبطنا، فمن قرون كنا في علياء السماء نقود البشرية ونسودها، لكن احتالوا علينا فهبطنا، فإذا قرأنا لا نفهم، وإذا سمعنا لا نحفظ، وإذا علمنا لا نعمل إلا من رحم الله.

    فهيا نجرب أنفسنا في هذه الآيات الأربع، فنتناول كل ليلة آية منها، ونجدُّ في حفظها وفهمها، لا سيما الذين ما حفظوا من القرآن شيئاً كالعوام، والعجب أنهم يسمعون كلام الناس فيحكونه كما سمعوه، وتتعدد الأحاديث بينهم فيرددونها، ويسمع أحدهم آية تكرر أربعين مرة ما يحفظها! ففسروا لنا هذه الظاهرة يا علماء النفس! يا علماء الاجتماع!

    فهذه أم الفضل رضي الله تعالى عنها أم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما تقول: ( صليت المغرب وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ بالمرسلات فحفظتها )، فائتني بمرأة أو رجل من عوام المسلمين يسمع المرسلات عشرة أيام، والله ما يحفظها، كيف هذا؟! لأنهم كانوا طالعين ونحن هابطون، والآن قد عرفنا جيلاً عايشناه يسمع أغنية لعاهرة أو ماجن في الإذاعة أو في التلفاز فيحفظها بألفاظها ولهجتها، وإن شئتم حلفت لكم، فما هو السر؟ أولئك كانوا طالعين ونحن هابطون، وكلمة الحق والخير ما نحفظها ولا نُعنى بها! وكلمة الشر والطعن والسب تحفظ بصورة جيدة ونحكيها ونعيدها!

    مرة أخرى: كيف الخروج من هذه الظلمة التي وقعت فيها أمة النور؟ والجواب وليس سواه من جواب: أن نعود كما بدأ رسول الله وأصحابه، فقد قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ [الجمعة:2]، أي: العوام، رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]، فأهل القرية من قرانا المنتسبة إلى الإسلام يتعاهدون أنه إذا دقت الساعة السادسة مساءً وقف العمل، فيا فلاح! الق بالمسحاة من يدك وتوضأ وتعال إلى المسجد، ويا تاجر! أغلق باب تجارتك، ويا صانع! ارم الحديد من يدك، ويا أم فلان! اتركي ما في يدك، فيؤذن للمغرب وأهل القرية كلهم في المسجد، رجالاً ونساء وأطفالاً، فيصلون المغرب كما صلينا، ويجلسون جلوسنا هذا، فالنساء وراء الستار تحفظهن وتسترهن، والبنون الأطفال كالملائكة صفوف، والفحول كما أنتم، والمعلم والمربي أمامهم، فليلة يتعلمون آية ويتغنون بها ويحفظونها، وتشرح لهم وتفسر لهم، ويتذوقونها وتملأ قلوبهم نوراً ومعرفة، وفي اليوم الثاني سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغنون بها ويحفظونها ويبين لهم المراد منها، والكل عزم وتصميم على أن يعمل بما علم، وهكذا يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وعاماً بعد يوم، فتصبح تلك القرية كالملائكة، ولاختفى كل مظاهر الشر والخبث والفساد، وحل محل ذلك الإخاء والمودة والطهر والصفاء، وكأنهم أسرة واحدة.

    وأهل المدن ذات المناطق المتعددة، وأهل كل حي ومنطقة يوسعون جامعهم حتى يتسع لهم، ثم يلتزمون بهذه الرجعة الصادقة إلى منهج أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فإذا دقت الساعة السادسة وقف العمل، فتطهر الرجال والنساء وأقبلوا على بيت ربهم ليتعلموا الكتاب والحكمة، وأقسم بالله الذي لا إله غيره لتختفي مظاهر الخيانة والغش والشح والكبر والكذب والباطل، وتصبح تلك البلاد كأنهم أيام الحبيب صلى الله عليه وسلم، ولم يبق مظهراً من مظاهر الشح ولا البخل ولا الشحاذة ولا التعاسة ولا السرقة، بل كل هذا ينتهي؛ لأنهم بعد عام أو عامين يصبحون علماء، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، ومن أراد البرهنة فلينظر في عالمهم في قريته أو مدينته، أليس هو أتقاهم لله؟ والله لأتقاهم لله، وأقسم بالله على ذلك، والسر والسبب هو العلم، أي: عرفوا ربهم فأحبوه وخافوه، أما أن نعيش في ظلمة الجهل ونريد أن نكمل ونسعد ونسود فمستحيل هذا.

    لكن قد يقول القائل -وقالوها حتى في الحلقة-: ما هذا التأخر؟! أيريدون منا أن نعود من جديد إلى كذا فنترك العمل ونأتي كلنا للمسجد؟! فقلنا لهم: إن أئمتكم وهداتكم الذين اتبعتموهم وقلدتموهم ومشيتم وراءهم من اليهود والنصارى إذا دقت الساعة السادسة وقف العمل، فهيا نمشي إلى باريس عاصمة الكفر، أو إلى لندن، أو إلى برلين، أو إلى مكان شئت من بلاد الكفر، إذا دقت الساعة السادسة وقف العمل وذهبوا إلى المراقص والملاهي والملاعب والعبث حتى نصف الليل، ونحن لا نذهب إلى بيوت ربنا! مسحورون أم عميان أم ماذا أصابنا؟! ولذلك لن ترتفع مظاهر الظلم والخبث والشر والفساد، بل والشرك والبدع والضلالات والهلاك إلا إذا سلكنا مسلك رسول الله وأصحابه.

    وهذا طبيب عظام وقلب يجلس معنا يقول: ما إن رجعنا إلى هذه الحلقة حتى طبنا وطهرنا! إي نعم، إذ كيف تسمع عن الله وتعيش عاماً أو عامين أو ثلاثة ويبقى ظلمة في نفسك؟ مستحيل، فالماء والصابون يطهران الأبدان، والحكمة والكتاب تطهران القلوب والأرواح، فكل الجرائم والموبقات والشر والفساد هي نتيجة الجهل وظلمته، ولا لوم على ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ...)

    فهيا بنا نتغنى بهذه الآية الأولى من الأربع، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا [النساء:127].

    وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ [النساء:127]، أي: يطلبون الفتيا في شأنهن، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [النساء:127]، أي: قل يا رسول الله: الله يفتيكم فيهن.

    وهذه الآية الكريمة نزل بيانها في أول السورة، وبقي بعض المستضعفين أو بعض ضعفاء الإيمان يترددون، إذ ما أطاقوا التشريع المفاجئ الذي يقضي على عادات عاشوا عليها قروناً، فكانوا يستفتون من جديد، أي: يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم، فأخبر تعالى الرسول فقال له: وَيَسْتَفْتُونَكَ [النساء:127]، أي: يطلبون الفتيا منك يا رسول الله، فقال الله له: قل لهم: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [النساء:127]، أي: في النساء.

    وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [النساء:127] أولاً، وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا [النساء:127]، يجزيكم به كاملاً وافياً.

    أمر الله لأوصياء اليتامى أن يعطوا اليتامى أموالهم إذا بلغوا سن الرشد

    نعود إلى الآيات التي أحالهم الله تعالى عليها، وقد تقدمت في أول السورة، فقال تعالى: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ [النساء:2]، أي: أعطوا اليتامى أموالهم يا أولياء، وهذا أمر من الله تعالى؛ لأنهم ما كانوا يعتبرون اليتيم أهلاً للمال، وإنما اليتيم يأكل ويشرب حتى يكبر وهم مسئولون عنه، ولا يعترفون بإرث لليتيم أبداً، وقد عاشوا على هذا قروناً كثيرة، فجاء القرآن يبطل الجاهلية ويوجد العدل والإسلام.

    نهي الله لأوصياء اليتامى أن يستبدلوا أموال اليتامى الجيدة بأموالهم الرديئة

    وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [النساء:2]، وهذا قد عرفناه فينا لما جهلنا، وذلك أن الولي أو الوصي كان يأخذ مال اليتيم الجيد وينسب إليه الرديء، فمثلاً: الشاة السمينة لليتيم يذبحها الولي له ويترك لليتيم الشاة الهزيلة الضعيفة!

    وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [النساء:2]، أي: تعطوا اليتامى الرديء من الغنم والإبل والتمر، بل ومن كل الأموال المتنوعة، وتأخذوا أنتم الجيد بحجة أن اليتيم ما له قيمة، أو ليس له حاجة إلى ذلك، فأبطل الله تعالى هذا نهائياً.

    وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [النساء:2]، فمال اليتيم طيب يبقى له، ومالكم خبيث يبقى لكم، أما أن تستبدلوا الطيب بالخبيث فلا، وأما كونهم يعطون الطيب لليتيم ويأخذون الخبيث فهذا مستحيل، إذ ما يخطر هذا ببالهم، وإنما الذي يعملونه أنهم يأكلون الطيب من مال اليتيم ويستبدلونه بغير الجيد.

    نهي الله لأوصياء اليتامى أن يخلطوا أموالهم بأموال اليتامى فيأكلوها جميعاً

    وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ [النساء:2]، فيخلطونها مع أموالهم ويأكلونها.

    وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ [النساء:2]، أي: افصلوا بين مالكم وبين مال اليتامى؛ لأن هذا الخلط يسهل عليهم أن يأكلوا أموال اليتامى، وبالتالي فلا بد من فصل المال.

    ثم قال تعالى: إِنَّهُ [النساء:2]، أي: هذا الخلط وهذا الأكل، كَانَ حُوبًا [النساء:2]، والحوب هو الإثم العظيم، وهي كلمة أفظع من كلمة: إثم وذنب.

    إرشاد الله لأولياء اليتامى إلى ترك الزواج منهن وطلب ما طاب من النساء من غيرهن

    ثم قال تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3]، أي: يكون عند الرجل يتيمة دميمة ما يرغب فيها، ولكن مالها كثير، فيرغب أن يتزوجها ليأكل مالها، فأمره الله تعالى أن يزوجها غيره وأن يعطيها مالها، وله أن ينكح ما طاب ولذ من النساء، سواء اثنتين أو ثلاث أو أربع، أما أن يحتكر هذه المرأة لمالها فلا يتزوجها ولا يحسن إليها، وذلك لأجل أنها ذات مال، فهذا لا يصلح من المسلم ولا ينبغي أن يكون بعد اليوم، فقد أبطل الله تلك العادة أو ذلك الخلق السيئ.

    وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا [النساء:3]، والقسط والإقساط هو العدل، يقال: أقسط يقسط إذا عدل، وقسط ويقسط إذا جار وظلم، وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3]، كما تيسر لكم، واتركوا هذه المؤمنة الدميمة ومالها.

    وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ [النساء:127]، وقد قلنا: إن اليتيمة الدميمة ذات المال لا يزوجها لغيره، وإنما يتزوجها لأجل مالها، فيسيء إليها ولا يحبها ولا يعطيها حقها، إذاً فما هو الإرشاد الصحيح؟ أن يزوجها غيره ويعطيها مالها.

    فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ [النساء:127]، وشيء آخر وهو أن تكون عنده اليتيمة وما عندها مال فيحرمها من المهر، فبدل أن يعطيها مهر المثل يعطيها شيئاً تافهاً، ويقول لها: أنتِ ابنتي، أنت من عائلتي، لم نعطيك الخمسين والستين ألفاً؟! لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ [النساء:127]، أي: من المهور وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [النساء:127].

    وهذا كله تقدم في أول السورة، وما زالت الاستفهامات، فهم يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم فأجابه الله فقال: قل لهم يارسولنا: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ [النساء:127]، أي: القرآن فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ [النساء:127]، أي: من المهور وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ [النساء:127]، والمستضعفون من الولدان هم اليتامى الذين لا حق لهم في هذا المال، فالوصي أو الولي هو الذي يتصرف فيه، فينفق كما شاء، والولد لما يكبر يأخذ ماله، والمهم أنهم كانوا لا يحترمون أموال اليتامى، ولا يعرفون حظاً لها أبداً عند الله، فجاء القرآن الكريم فبين لهم الطريق، وهو أن المستضعفين من الولدان يجب أن ترعى أموالهم وتحفظ وتنمى، ولا يؤكل منها إلا بقدر الحاجة كما قال تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:5]، والسفهاء هم الأطفال الصغار والنساء وفاقدي العقل والحصافة العقلية، فهؤلاء عيال الله يجب أن تحافظوا على أموالهم.

    المال عصب الحياة فلا يعطى إلا لمن يحسن التصرف فيه

    وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء:5]، وذلك كأن يكون عندك يتيم لا يعرف أن يبيع ويشتري، فلا يصح أن تعطيه المال، وإنما احجر عليه، وكذلك أخوك -وإن كان أكبر منك سناً- إن كان لا يحسن التصرف بالمال، وإنما يبذره ويفسده، فلا يحل لك أن تعطيه هذا المال، وأيضاً زوجتك -والمرأة أضعف في هذا الباب- إن كانت لا تحسن التصرف في المال، فلا يجوز لك أن تعطيها هذا المال، فهؤلاء هم السفهاء الذين لا يحسنون التصرف في المال لا بالبيع ولا بالشراء ولا بالأخذ ولا بالعطاء، وبالتالي فلا تعطوهم أموالكم.

    الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء:5]، أي: حياتكم قائمة على المال، أما يقولون: المال قوام الأعمال؟ فإذا كان هناك امرأة أو ولد أو رجل وكان سفيهاً ليس بحكيم ولا عاقل، فلا تعطوهم أموالهم، وإنما تصرفوا أنتم فيها ونموها لهم واحفظوها.

    ثم بعد ذلك وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء:6]، أي: إذا بلغ اليتيم الثامنة عشرة أو بلغ سن البلوغ فامتحنه أولاً، كأن تعطيه ألفاً ليشتري لكم ما تحتاجون إليه من الأطعمة، أو أعطه شاة ليبيعها في السوق، وانظر كيف يتصرف؟ وهل يجيد الشراء والبيع أم لا؟ فإذا ابتليته وامتحنته واختبرته ونجح فأعطه ماله، أما ما دام سفيهاً فلا يحل لك أن تعطيه المال، وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا [النساء:6]، أي: أن بعض الأوصياء على مال اليتيم يكثر من النفقة والأكل والشرب من مال اليتيم قبل أن يكبر اليتيم، وذلك خشية أن يكبر ويتسلم ماله، وهذه طباع بعض البشر، فإذا لم يهذب الإنسان نفسه ويؤدبها ويصلحها فهذه هي حقائقها.

    وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا [النساء:6]، فبدل أن يذبح شاة يذبح شاتين، وبدل أن يأتي بقنطار من الدقيق يأتي بقنطارين، وَبِدَارًا [النساء:6]، أي: مبادرة، أَنْ يَكْبَرُوا [النساء:6]، أي: مخافة أن يكبروا، وهكذا في اليتامى قال تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، فما ترك الله شيئاً تتعلق بحياة المؤمنين إلا بينه في كتابه وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته، وإنما جهل الناس القرآن فما قرءوه.

    ومع هذا وبعد الذي سمعتموه في أول السورة قال تعالى يخاطب حبيبه صلى الله عليه وسلم: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ [النساء:127]، ما لهن وما عليهن قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [النساء:127]، وقد أفتاكم في الآيات السابقة وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ [النساء:127]، وقد بينه تعالى اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ [النساء:127]، أي: اليتامى والسفهاء وإن كانوا أولادك، وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ [النساء:127]، قل أو كثر، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا [النساء:127]، فيجزي به لعلمه به، فأدبهم وعلمهم طرق الخير ودعاهم إليها، وواعدهم بالجزاء الأوفى، فهذا هو الله رب العالمين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    فهيا نسمع هذه الآية من التفسير لنتأكد من صحة ما علمنا.

    معنى الآيات

    قال المؤلف: [ معنى الآيات: هذه الآيات الأربع ]، ونحن قد قرأنا منها آية فقط، [ كل آية منها تحمل حكماً شرعياً خاصاً ]، يجب على المؤمنين أن يعرفوه وأن يطبقوه.

    قال: [ فالأولى: نزلت ]، أي: هذه الآية، [ إجابة لتساؤلات من بعض الأصحاب ] أي: هذه الآية نزلت استجابة الله لعباده المؤمنين لما أخذوا يتساءلون، فأنزلها الله ليبين لهم حكمه فيما هم شاكين فيه أو مترددين.

    قال: [ نزلت إجابة لتساؤلات من بعض الأصحاب ]، أي: أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، [ حول حقوق النساء ما لهن ]، أي: من حقوق، [ وما عليهن ]، أي: من حقوق، [ لأن العرف-المعتاد-الذي كان سائداً في الجاهلية كان يمنع النساء والأطفال من الميراث بالمرة ]، إذ ماذا تصنع المرأة بالمال؟ فهي زوجة والزوج ينفق عليها! وكذلك الأولاد الصغار لا يدفعون عن الحي ولا يقاتلون عدواً، وبالتالي فلا حاجة لهم إلى المال! إذاً فأطعموهم واسقوهم واكسوهم، فهذا هو العرف في الجاهلية.

    قال: [ لأن العرف الذي كان سائداً في الجاهلية كان يمنع النساء والأطفال ] من ماذا؟ قال: [ من الميراث بالمرة، وكان اليتامى لا يراعى لهم جانب ولا يحفظ لهم حق ]؛ لأنهم صغار ما يدافعون ولا يكسبون، [ فلذا نزلت الآيات الأولى من هذه السورة ] التي تدارسناها، [ وقررت حق المرأة والطفل في الإرث، وحضت على المحافظة على مال اليتيم، وكثرت التساؤلات لعل قرآناً ينزل إجابة لهم، حيث اضطربت نفوسهم لما نزل ] في أول السورة.

    قال: [ فنزلت هذه الآية الكريمة تردهم إلى ما في أول السورة ]، وارجعوا إلى أول السورة، [ وأنه الحكم النهائي في القضية، فلا مراجعة بعد هذه ] والحكم الموجود هناك في أول السورة هو الحكم النهائي، فليس هناك تردد.

    قال: [ فلا مراجعة بعد هذه، فقال تعالى وهو يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ [النساء:127]، أي: وما زالوا يستفتونك في النساء ]، لماذا قال: وَيَسْتَفْتُونَكَ [النساء:127] بصيغة المضارع؟ والجواب: جاء بصيغة المضارع ليشير إلى أن السؤال يتجدد، [ وما زالوا يستفتونك في النساء، أي: في شأن ما لهن وما عليهن من حقوق، كالإرث والمهر وما إلى ذلك، قل لهم أيها الرسول: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [النساء:127] ] واسترح أنت يا رسولنا، [ وقد أفتاكم فيهن وبين لكم ما لهن وما عليهن ]، فلمَ هذا التردد وهذا الشك؟

    قال: [ وقوله تعالى: وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [النساء:127] ] أي: لا تعطونهن ما كتب لهن من واجب، وترغبون أن تنكحوهن، أي: تتزوجوا بهن.

    قال: [ وقوله تعالى: وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [النساء:127]، أي: وما يتلى عليكم في يتامى النساء في أول السورة شافٍ لكم لا تحتاجون معه إلى من يفتيكم أيضاً؛ إذ بين لكم أن من كانت تحته يتيمة دميمة-غير جميلة-لا يرغب في نكاحها فليعطها مالها وليزوجها غيره وليتزوج هو من شاء ] من النساء، [ ولا يحل له أن يحبسها في بيته لأجل مالها ] فلا يتزوجها ولا يزوجها، ويبقى كلما جاء من يخطبها يرد عليه: ما هي مستعدة للزواج! أو أن هذا الزوج غير صالح!

    ... اتق الله، ومشى خطوتين ثم عاد إليك فقال: ما هي أوامر الله؟ إذاً تعال ابق معنا شهراً أو شهرين حتى تعرف أوامر الله، ثم بعد أن عرف أوامر الله، قال: وما هي نواهي الله؟ فيقال له: اجلس معنا أيضاً وسنعلمك نواهي الله، فالخمر والزنا والربا والكذب والغش والخداع والكبر والعجب والشرك وغيرها من نواهي الله عز وجل، وعند ذلك تستطيع أن تتقي الله، أما ترون في أمة الإسلام من ألف سنة هل تحققت لها ولاية الله؟ لأفراد فقط، والسبب في ذلك أنهم ما عرفوا الله ولا عرفوا ما يحب ولا ما يكره.

    وأخيراً: هل نحن مستعدون لأن نطلب العلم من هذه الليلة؟ يا إخواننا! إذا دقت الساعة السادسة مساء فأغلق الدكان، سواء كنت حلاقاً أو قصاراً، يا صاحب المقهى! أغلقها وتوضأ وائت إلى مسجد حيك أو قريتك، فتجلس أنت وكل أهل الحي والقرية كجلوسنا هذا، وتأخذون تتعلمون الكتاب والحكمة، وبعد أن صليتم العشاء امش إلى دكانك وإلى مقهاك إن شئت، أما هذه الساعة فلا بد من أن نطلب العلم فيها، ووالله لا نجاة من هذه المحنة ومما يتوقع لهذه الأمة إلا إذا عادت إلى هذا الطريق، فتتخلى عن الكبر والعجب والدعوى الباطلة وحب المال، وتعكف في بيوت ربها بين يدي علمائها تتلقى الكتاب والحكمة.

    إذاً: وصانا ربنا فهيا فلننفذ وصية ربنا، فالذين يعرفون أوامر الله ونواهيه يتقونه، والذين ما يعرفون أوامر الله ولا نواهيه يجب عليهم أولاً أن يعرفوه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ...)

    وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا [النساء:131].

    وَإِنْ تَكْفُرُوا [النساء:131]، أي: وإن جحدتم الله ولم تتقوه، فماذا يحصل؟ قال: فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [النساء:131]، أي: أنه ليس في حاجة إليكم، فهو غنى عنكم، فلا يحتاج إلى عبادتكم ولا طاعتكم، إذ ما شرعها إلا من أجلكم فقط.

    وَكَانَ اللَّهُ [النساء:131] وما زال، غَنِيًّا [النساء:131]، عن كل ما سواه، حَمِيدًا [النساء:131]، أي: محموداً في الأرض والسماء، إذ كل الكون يحمده، فأنت لما تنظر في أي آلة تقول: إن الذي صنعها عليم، فحمدته وتشكره، فانظر إلى أي شيء في هذا الكون فتقول: إن خالقه عظيم، وهو الغني الحميد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً)

    وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء:132].

    وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [النساء:132]، معشر المستمعين! عرفتم أن لله ما في السموات وما في الأرض، وموقنون ومؤمنون بهذا؟ إذاً عليكم ألا تتزلفوا ولا تتملقوا ولا تذلوا ولا تهونوا إلا له هو سبحانه، بل لا ترجوا ولا تطمعوا ولا ترغبوا ولا تسألوا ولا ترفعوا أيديكم ولا تطلبوا شيئاً أبداً إلا من الله، إذ ليس هناك من يملك شيئاً إلا الله، وفهمك واعتقادك أن لله ما في السموات وما في الأرض يصرفك عن الخلق كلهم صرفاً كاملاً، ويربطك بالله ارتباطاً وثيقاً، فلا تبرح أن تسأل وتتضرع إليه في كل حاجاتك؛ لأنه هو الذي له ما في السموات وما في الأرض، ولو عرف إخوانكم هذا فهل سيبيعون الخمر من أجل القوت؟ وهل سيتعاطون الربا من أجل المال؟ وهل سيسبون أو يشتمون العلماء من أجل الوظيفة؟ لا والله، لكنهم ما عرفوا ذلك، إذ لو عرفه كما عرفنا والله ما أصبح قلبه يتقلب إلا في الله، فهو الذي يغنيه، وهو الذي يرزقه، وهو الذي يشفيه، وهو الذي يعزه، وهو الذي يعطيه، وهو الذي يميته، وهو الذي يحييه، إذ الله مالك ما في السموات وما في الأرض، وما بقي سيدي عبد الرحمن ولا عبد القادر ولا رسول الله ولا خديجة ولا فاطمة ولا الحسين ولا البدوي؛ لأن هؤلاء لا يملكون شيئاً، بل والله ولا ذرة في الكون، إذاً فكيف تقبل عليهم بقلبك وتناديهم بلسانك: يا سيدي فلان! يا رجال البلاد!

    وعندنا مظاهر عجيبة ولا نلومهم؛ لأننا ما علمناهم، فهم جهلاء يعيشون في ظلمة الجهل، فمن علمهم؟ ومن عرفهم؟ ومن قرع أبوابهم وناداهم: أن احضروا بيوت الله لتتعلموا الكتاب والحكمة؟ لا أحد.

    ومن هذه المظاهر: تجد الرجل في يده المسبحة وهو يذكر الله بأعظم ذكر: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ولما تأخذه غفوة من النوم فتسقط المسبحة من يده فيقول: يا سيدي فلان! فهو يصرخ: لا إله إلا الله، لا معبود إلا الله، لا مغني ولا معطي ولا ضار ولا نافع إلا الله، ولما تسقط المسبحة من يده: يا سيدي فلان! فأين معنى لا إله إلا الله؟ إنه ما عرف الله، وآخر يكتب على السيارة: يا فاطمة، أو يا حسين، فلا إله إلا الله!

    فلا لوم عليهم لأننا ما علمناهم، وهم كذلك ما طلبوكم حتى تعلموهم، فقد أعرضوا وأدبروا وأكبوا على دنياهم وأوساخهم، إذاً فالورطة عامة لنا ولهم إلا من شاء الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ...)

    إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا [النساء:133].

    إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ [النساء:133]، إي والله العظيم، أما أذهب عاداً وثمود؟ يا سكان الجزيرة أين عاد؟ في حضرموت وما حواليها إلى عدن والشحر، تلك الأرض كانت لأعظم دولة في الكون، واقرءوا: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1-2]، هل الله يحلف؟ إي والله، فهذه يمين وقسم، وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر:1-5]، أي: لصاحب عقل، أما الذي لا عقل له كالبهيمة لا يفهم اليمين ولا القسم، وقال تعالى أيضاً: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * ارم ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر:6-8]، فقد كان طول الرجل اثنين وثلاثين ذراعاً، فإذا كان طوله ثلاثين ذراعاً أو ستين ذراعاً فكم ستكون طول وعرض الغرفة؟! بل البيت كم سيكون طوله وعرضه؟!

    الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر:8]، ومع ذلك فقد انتهت وأزالها الله وأبادها، وما زال التاريخ البشري إلى الآن عند الفلاحين يسمونها: قرة العجوز، والقَرة والقِرة بالعامية تعني: آخر يوم في الشتاء شديد البرودة، وذلك لأن عجوزاً من هذه الأمة دخلت في داخل جبل وظنت أنها نجت، ففي اليوم الثامن دخلت إليها الريح حتى أخرجتها وفلقت رأسها على باب الجحر، ثم رحل المؤمنون مع نبيهم هود صلى الله عليه وسلم وتركوا الديار ونجاهم الله بإيمانهم، فنزلوا بمدائن صالح، وهي إلى الآن موجودة وكأنك تشاهدها وتشاهد صناعاتهم وعجائبهم، فالجبال كانوا يتخذونها غرفاً وحجرات، وامش لتنظرها، لكن لا يسمح لك أن تمر بها وأنت تغني أو تضحك، والرسول قد قال: ( إذا مررتم بها فلا تضحكوا وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا )، ثم كثر عددهم وأصبحوا أمة عظيمة، فبعث الله فيهم رسوله صالحاً، فكفروا به وعقروا الناقة فأبادهم الله تعالى، فأين هم الآن؟!

    أما قوم لوط في غربهم، فالآن هناك بحيرة لوط موجودة عند الأردن وفلسطين تسمى بالبحر الميت، إذ تحولت البلاد إلى بحيرة، وحتى هذه البحيرة ليس فيها حوت ولا حيوان، جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا [هود:82].

    ونحن للأسف آثارنا الباطل فانتشر فينا الشرك والوثنيات والفجور، فمضت فترة ما بين قرية وقرية في بلاد المسلمين لا تجتازها إلا بعملة، بل والقرية الواحدة تجد فيها الثلاث الطرق والأربع الطرق!

    إذاً: انتظروا، فسلط الله علينا أعداءنا، وها هو تعالى قد نفعنا بدعوة الإسلام وعاد الاستقلال، وهانحن نضحك على الله، فأعرضنا عن ذكره وكتابه إعراضاً كاملاً، فلا إله إلا الله! فلو تنظر بعين القلب لقلت: لا إله إلا الله، إن يوماً عجباً سينزل بديار المسلمين، بل أعظم من محنة تسليط اليهود والنصارى علينا؛ لأننا نضحك على الله، فقلنا: تحررنا واستقللنا، والإسلام ليس تطبيق في بلاد المسلمين، بل إن أكثر البلاد بهذه الطريقة من انتشار الشر والخبث فيها.

    إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ [النساء:133]، إما أن يذهب قوتكم ووجودكم، أو يذهب أموالكم، أو يذهب ما عندكم من نعم أخرى.

    وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا [النساء:133]، و(قدير) أبلغ من قادر، وقد فعل، ولننظر ما حولنا وما بعدنا وما قبلنا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ...)

    مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:134].

    مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا [النساء:134]، تريدون الدنيا؟ اعبدوا الله يعطيكم الدنيا والآخرة، فإذا كنتم صادقين تريدون الغنى والمال والراحة والسعادة فهذا موجود عند الله، فأطيعوه يتحقق لكم ويزيدكم الآخرة أيضاً، وما دمتم راغبين في الدنيا وتريدونها حتى أعرضتم عن الله وكتابه وذكره أُعلمكم بأن الله عز وجل عنده ثواب الدنيا والآخرة، فاطلبوا منه تعالى، فإن قيل: يا شيخ! وكيف نعبده؟ هذا كتابه وهذا رسوله وما قال: اعتقدوه بقلوبكم اعتقدناه، وافق عقولنا أو خالفها، أمرنا أن نقول قلنا، أمرنا أن نسكت سكتنا، أمرنا أن نعمل عملنا.

    مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا [النساء:134]، واسمع بعدها فقال: فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النساء:134]، أي: ليس فقط ثواب الدنيا عند الله، بل الآخرة أيضاً، والدنيا فانية وثوابها دنانير ودراهم وطعام، وينتهي كل ذلك بمرض أو بموت، لكن ثواب الآخرة وجزاؤها دائم.

    إذاً: أيها العاملون! أيها المتكالبون على الدنيا! ندلكم على أن الله عنده دنياكم بكاملها والآخرة أيضاً، إذاً فأطيعوا الله تحصلوا على السعادتين: الدنيا والآخرة، وهذا كلام الله سبحانه وتعالى.

    وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:134]، فكل الأصوات يسمعها الله تعالى حتى أصوات النمل، فقد سجل لنا القرآن خطبة النملة بالحرف الواحد، واقرءوا قوله تعالى من سورة النمل: قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18]، فقد كان سليمان يستعرض قواه العسكرية ليغزو ويفتح العالم ولينشر دين الإيمان والطهر والصفاء والعدل والرخاء، فاستعرض يوماً جيوشه والجيوش ماشية وإذا بنملة عند قرية من قراها ترفع صوتها فتقول: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18]، فلا إله إلا الله! ما أذكاها! ما أفطنها! ما أجل أدبها! حين قالت: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18]، أما لو كانوا يشعرون بكم ما يطئونكم ولا يقتلونكم، لكن وهم لا يشعرون، فاتخذوا لأنفسكم حماية ووقاية من ذلك، فادخلوا قصوركم ومساكنكم، فلما سمعها سليمان ضحك، قال تعالى مصوراً ذلك المشهد: فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19]، وهذا الذي ينبغي أن نقوله عندما كنا نستقل، استقلت البلاد الفلانية بريطانيا، واستقلت البلاد الفلانية عن فرنسا وإيطاليا، وكلما يستقل إقليم نقرأ هذه الآية، لكن كسر، دمر، هذا عميل يستحق العقاب! ما عرفوا الله ولا القرآن، فهذا سليمان عليه السلام سخر الله له الإنس والجن والطير وعلمه لغة الطير بكامله، لما حصلت له هذه النعمة قال: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل:40]، ونحن استقللنا وأعرضنا عن الله وكتابه، بل وعذبنا أولياءه وسخرنا من دينه!

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وأصحابه وسلم.