إسلام ويب

تفسير سورة النساء (69)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من سنن الله التي لا تتحول ولا تتبدل أن من عمل سيئة جزي بها في الدنيا، ثم يوم القيامة لا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً، كما أن من عمل الصالحات، وأتى بالطاعات، واجتنب المنكرات؛ فإنه يحيا حياة طيبة، ويوم القيامة يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار، يخلد فيها فلا يموت، ويسعد فلا يبأس، جزاء من عند الله الذي لا يخلف الميعاد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم حقق رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.

    ما زلنا مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، وها نحن مع هذه الآيات الأربع، فهيا نتلوها ونتغنى بها عدة مرات ثم نأخذ في شرحها وبيان مراد الله تعالى منها، فما كان عقيدة والله عقدناها الآن في قلوبنا، وما كان أمراً تهيأنا للنهوض به إن كنا غير ناهضين به، وإن كان نهياً عما لا يحله الله ولا يرضى عزمنا على تركه من الآن إن كنا فاعلين، وإن كان أدباً أيضاً تحلينا به من الليلة، وإن كان خلقاً فاضلاً تخلقنا به، وإن كانا خلقاً سيئاً تخلينا عنه من الليلة، وهذا شأن طالب العلم الرباني، وتلاوة هذه الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا * وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا [النساء:123-126].

    هذا كلام الله عز وجل الذي تحدى به الإنس والجن على أن يأتوا بمثله فعجزوا، والحمد لله! أننا نتلوا كتابه ونعرف ما يريده منا ويطلبه، ونعمل من أجل أن نكمل ونسعد، فالحمد لله على ذلك، وقد حرم من هذا بلايين البشر.

    تأملوا يرحمكم الله! قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [النساء:123]، أي: ليس بأمانيكم يا أهل الإسلام! ويا أهل القرآن! ولا بأماني أهل الكتاب من اليهود والنصارى، كيف إذاً؟ الجواب: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123]، سواء كان يهودياً أو نصرانياً، مسلماً أو كافراً، فهذه هي الحقيقة.

    مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123]، تباهى أو تفاخر مجموعة من اليهود ومجموعة من المسلمين، فقال اليهود: كتابنا قبل كتابكم، وديننا قبل دينكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن أفضل منكم، والجنة لنا دونكم، وقال المؤمنون: نحن أيضاً نبينا خاتم الأنبياء، وديننا خير من دينكم، وكتابنا القرآن خير من كتابكم، ومفروض عليكم أن تتبعوا نبينا وتؤمنوا بكتابنا، فأنزل الله حل هذه المشكلة فقال: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ [النساء:123]، يا أيها المسلمون! وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [النساء:123]، وإنما: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123]، فهذه هي الحقيقة، والأماني: جمع أمنية، وهي ما يتمناه المرء في قلبه ويرغب في تحقيقه وهو صعب ليس بهين عليه، أو ما يقرره الإنسان في قلبه من رغبة في شيء وهو صعب، فهذه تسمى أمنية، فهو تمناها، فالقضية ليست بأننا من المسلمين أو أننا مسلمون أو أننا يهود أو أننا أتباع موسى أو أننا أتباع محمد، إذ كل هذا أماني كاذبة لا قيمة لها؛ لأن دخول الجنة يا معشر المستمعين والمستمعات! متوقف بعد رحمة الله على طهارة الروح وزكاتها، وحرمانها من الجنة ودار السلام لخبثها ونتنها وتدسيتها، فلم يبق معنىً للمفاخرة ولا التبجح ولا نحن كذا وكذا، إذ كل هذا لا قيمة له، فالنجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار متوقف لا على نسب ولا قبيلة ولا أي شيء، بل حتى ولو كنت ابن النبي أو أباه، وإنما على زكاة النفس وطهارتها، والحكم الإلهي الصارم القاطع ما ننساه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، من هي؟ النفس البشرية، أما قال: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:7-9]؟ أبيض أو أسود أو أصفر أو في الأولين أو في الآخرين أو شريف أو وضيع، بل قل ما شئت، كل هذا لا قيمة له إلا أن تكون النفس طاهرة زكية نقية كأنفس الملائكة وأرواحهم، وهي التي تفتح لها أبواب السماء وتدخل الجنة دار الأبرار في جوار ربها جل جلاله وعظم سلطانه، فهل اقتنع المستمعون والمستمعات أو لم يقتنعوا؟ والله ما هو إلا ما سمعتم.

    لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123]، والسوء هو الاعتقاد الذي يسيء ويفسد، القول الذي يسيء ويفسد، العمل الذي يسيء ويفسد، الوصف الذي يسيء ويفسد، ونعرفه من طريق كتاب الله وهدي رسوله، فكل ما يسيء إلى النفس ويخبثها قد بينه الله ورسوله، وكونك لا تسأل عنه ولا تتعرف إليه فهذا شأنك، أما الله عز وجل ورسوله فقد بينا كل ما يسيء إلى النفس ويدسيها، فحرماه وتوعدا عليه ولعنا عليه ولا يهلك على الله إلا هالك.

    وإليكم مظاهر هذا: الآن لو تمد يدك وتصفع أخاك الذي بجوارك لأنه ضايقك، تجز به الآن، إما بالدعوة عليك، وإما بسجنك أو تعذيبك؛ لأنك عملت سوءاً، فالآن حصل الجزاء، أو الآن تشرب ملي جرام من السم، فالآن أنت في المستشفى، فقد تم الجزاء على الفور، وهكذا في الدنيا والآخرة، أي: من يعمل سوءاً يجز به، وهذه سنة الله التي لا تتبدل، وهنا خاف الصديق لما سمع هذه الآية وهو على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف النجاة يا رسول الله! مع قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123]؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا أبا بكر! ألست تمرض؟ ألست تجوع؟ ألست تنصب؟ ألست تتعب؟ ألست تبتلى؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: ذلك جزاؤك )، أي: السوء الذي فعلته تجز به الآن لتبقى نفسك زكية طاهرة نقية متأهلة لدار السلام، وقد كان السلف الصالح إذا عثرت بغلة أحدهم أو دابته -تعرفون عثور الدابة؟ يهتز ويتألم- يقول: عرفت أنني أذنبت ذنباً، وهذا هو الجزاء على ذلك، أو قد تغضب امرأته فترفع صوتها وتؤذيه فيعرف أنه أذنب، أو تباطأ خادمه في فعل شيء أمره به، فيعرف أنه قد أذنب ذنباً.

    مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123]، وهذا في الدنيا، فالقاتل يقتل، والسارق تقطع يده، والزاني يجلد أو يرجم إن كان محصناً، وهكذا من أكل سماً أو من تعرض للبرد أو تعرض للحر فإنه يجز به، ولكن الجزاء ليس هذا، إذ الجزاء هو أن يطرد من دار السلام لينزل إلى الدركات السفلى في دار البوار ليخلد في العذاب المهين، والقرآن حمال للوجوه، فمن يعمل سوءاً يجز به في الدنيا، فهل عمل المسلمون السوء وجوزوا به؟ نعم، أما تخلوا عن القرآن الكريم وحولوه إلى الموتى والقبور؟ أما انتهى بينهم الأمن والطهر والصفاء وانتشر الزنا والعهر والباطل والتلصص والإجرام والسرقة وما إلى ذلك، ففسدت عقائدهم بالشرك والخرافات؟ هل عفا الله عنهم وسامحهم أو لاقوا جزاءهم؟ أذلوا وأهينوا واستعمروا من أقصى الدنيا إلى أقصاها، من إندونيسيا إلى موريتانيا، فحل بهم البلاء والمصائب، مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123].

    ولهذا نقول: إن العالم الإسلامي والله لمتعرض لبلاء عظيم وهم غافلون ناسون، وكأن أكلهم الربا وإشاعة الزنا والباطل والفساد والخيانة والوثنية والعلمانية لا أصل له، والله إنهم لتحت النظارة، فإما أن يتوبوا ويقيموا دين الله وشرعه ويعبدوا الله بما شرع، أو يصيبهم ما أصاب أجدادهم.

    وقد سئل أحدهم: أين الله؟ فأجاب قائلاً: بالمرصاد، وذلك نظراً إلى قول الله تعالى من سورة الفجر: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14]، وقوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر:6-8]، فدمرها وقضى عليها، وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر:9-10]، كيف حاله؟ أغرقه الله عز وجل وانتهى، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14].

    لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [النساء:123]، لا بد من إسلام القلب والوجه لله، وذلك بتتبع أوامر الله فتُفعل مع كل حال وظرف، وتتبع مناهيه فتترك على كل حال وظرف، وبذلك يتم الكمال والإسعاد، أما بالنسبة أننا مسلمون فلن تجزي ولن تغني شيئاً.

    فهيا نتأمل! لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [النساء:123]، كيف إذاً؟ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123]، لا في الملائكة ولا في الجن ولا في البشر أبداً، بل لا بد وأن ينفذ أمر الله فيه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى...)

    وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء:124].

    قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ [النساء:124]، (مَنْ) من ألفاظ العموم، فيدخل الذكر والأنثى، والعرب والعجم، والأولون والآخرون، ماذا يعمل؟ مِنَ الصَّالِحَاتِ [النساء:124]، ولم يقل: من يعمل كل الصالحات؛ لأنه لا يقدر على ذلك.

    وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النساء:124]، أي: والحال أنه مؤمن، أما أن تتصدق بالأموال، وأما أن تصوم، وأما أن توقف الأوقاف، وأما أن تبني المشافي، والقلب خالٍ من الإيمان بالله ولقائه لا ينفع ذلك شيئاً، والآن الجمعيات التنصيرية المسيحية تعمل المشافي، وتجلب الدواء للمرضى، وتأتي بالأطباء، وتوزع الأموال، فلن تغني عنهم من الله شيئاً؛ لأنهم غير مؤمنين، أي: لأنهم كافرون، والكافر الجاحد لله عز وجل وحقه في عباده وهي عبادته وحده، والجاحد للقاء الله والوقوف بين يديه والجزاء لعباده على عملهم في الدنيا، إما بالسعادة أو بالشقاء، والكافر برسوله محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، والكافر بكتاب الله وما فيه، فهؤلاء لو عملوا ما عملوا من الصالحات فلن تغني عنهم شيئاً.

    وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النساء:124]، أي: والحال: أنه مؤمن، فالجملة حالية ضرورية، والله تعالى أحياناً يقدم الإيمان أولاً لأصالته وأهليته، وأحياناً للمناسبات يقدم العمل الصالح كما هنا، إذ دخول الجنة ما هو بالأماني، بل بالعمل الصالح، لكن والحال أن عامل الصالحات مؤمن ليس بكافر.

    وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النساء:124]، يا شيخ! ما هي الصالحات؟ هل هي النساء والجواري لأن جمع الصالحات: صالحة؟ لا، فالصالحات ما أمر الله عباده أن يعقدوه في قلوبهم عقدة لا تنحل، فلو يقتل أو يصلب أو يحرق لا يتبدل ذلك المعتقد ولا يتغير، الصالحات كلمات طيبات كذكر الله عز وجل وتلاوة كتابه، وكالتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وكالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكالصلاة والصيام والحج والاعتمار والجهاد والرباط، الصالحات كل ما شرع الله لعباده أن يعتقدوه أو ينطقوا به تعبداً ويقولوه، أو يقوموا وينهضوا به ويعملوه، فذلكم هي الصالحات، فلا يستطيع أحد أن يوجد صالحة من قول أو اعتقاد أو عمل أبداً، فما جعله الله صالحاً لتزكية النفس وتطهيرها هو الصالح، وما لم يصبغه الله بصبغته فهو باطل فاسد وليس بصالح.

    ولا ننسى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )، أي: مردود على فاعله، فمن عمل عملاً ما أذنا فيه وما شرعناه؛ فهو مردود على صاحبه، ولهذا فإن جميع البدع التي ابتدعها الناس وأدخلوها في الدين وأخذوا يتقربون بها إلى الله هي باطلة مردودة لا تعمل في نفوسهم زكاة ولا طهراً، حتى لو يبيت طول الليل وهو يقول: هو، هو، هو، حي، حي، حي، والله لا يكسب حسنة واحدة، إذ ما تعبدك الله بهذا يا عبد الله.

    وقد جاءني اليوم شاب بقصيدة طويلة عريضة قالوا: إنها لـحسان بن ثابت شاعر النبي صلى الله عليه وسلم، وكلها شرك والعياذ بالله، فلم تكذبون على صاحب رسول الله؟ هل يعقل أنه يتوسل بالرسول ويستغيث به فيقول: يا رسول الله! مد يدك، يا رسول الله! افعل لي كذا؟! حاشا حسان وحاشا أهل القرون الأولى أن ينطقوا بهذا الكلام، لكن هذه من مظاهر الهبوط، إي والله قد هبطنا من قرون، فقد كنا في علياء السماء هداة قادة للبشرية نهدي ونقود إلى الكمال والخير، وننقذها من كل شر وفساد، فاحتالوا علينا وهبَّطونا، فلما هبطنا فعلوا بنا ما شاءوا.

    وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النساء:124]، فأولاً الإيمان، والإيمان هو تصديق الله جل جلاله وتصديق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به، فإن رددت خبراً واحداً كفرت ووالله ما أنت بمؤمن، إذ المفروض عليك أنه إذا بلغك خبر الله بكذا أو خبر رسوله الصحيح الثابت عنه بكذا فيجب أن تقول: آمنت به، ودائماً نحن نقول: إن هذا الإيمان هو بمثابة الطاقة الدافعة، وبيان ذلك: أن المؤمن بحق يستطيع أن يصوم في الحر الشديد، والمؤمن بحق ينقطع عشرين سنة وهو يعبد الله ما يفجر ولا يزني بامرأة ولا يتزوج زواج المبطلين أو نكاح العابثين.

    تعرفون مالك بن أنس رحمه الله إمام دار الهجرة النبوية؟ كان في القرن الثاني بعد المائة الأولى، وشيخه يقال له: ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك، وأبو عبد الرحمن والد ربيعة كان قد خرج على فرسه عشرين سنة وهو يتنقل من غزوة إلى أخرى وهم يفتحون العالم، ثم رجع بعد عشرين سنة إلى أهله، فقرع الباب وهو على فرسه، فصرخت امرأته: من هذا الذي يدخل علينا الدار؟ فقال: هذا بيتي، وهذه امرأتي! فصاح الجيران: كيف هذا؟! فقال: أنا أبو عبد الرحمن، وهذا منزلي وهذه امرأتي، وقد ترك ولده في بطن أمه أو رضيعاً، فجاء فدخل المسجد فوجد ربيعة حوله الناس يروون الحديث، وأصبح يفيض بالحديث النبوي الصحيح للعرب والعجم.

    وآخر يجوع فيربط الحجر على بطنه ولا يمد يده، ألا وهو أبو هريرة رضي الله عنه، فقد كان يغمى عليه من الجوع في هذا المسجد النبوي، ويأتي أبناء المدينة فيعلون على صدره ويقولون: جن أبو هريرة، ويقول: والله ما بي من جنون وإنما الجوع فقط.

    فهل يسرقون أو يكذبون أو يجحدون؟ لا، إذاً فهذا هو الإيمان، ما هي دعوى باللسان والقلب خالٍ وفارغ لا نور فيه، وإنما إيمان ذو طاقة دافعة تحمل صاحبها على الصبر والثبات عشرات السنين، فلا تزل له قدم، ولا يقع في معصية الجبار، فمن يقول: هل أنا مؤمن؟ من يريد أن يعرف هل هو مؤمن بحق أم لا؟ إن دعوى الإيمان دعوى عامة يدعيها كان الناس حتى البلاشفة الحمر يقولون: نحن مؤمنون، فمن منكم يريد أن يعرف هل هو مؤمن أم لا؟ أرشدكم إلى حكيم إذا وقفت عنده وسألته: هل أنا مؤمن أو لا؟ هل هو في الجزائر؟ والجواب: لا، تريد أن تعرف هل أنت مؤمن أو لا؟ إذا وجدت في نفسك حب الله وحب ما يحب الله، وهذا أولاً، وثانياً: إذا وجدت في نفسك الخوف من الله والخشية منه، فأنت والله مؤمن، فإن لم تجد في قلبك حب الله ولا حب من يحب الله، ولم تجد في قلبك خوفاً ولا خشية منه، فوالله ما أنت بمؤمن، وإنما هي دعوى باطلة لا قيمة لها، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    صفات المؤمنين الصادقين

    إذاً: عرفتم المؤمن؟ هيا أعرض عليكم صورة أو شاشة بيضاء نقية من شاشات القرآن الكريم، إذ أنتم تعودتم على التلفاز والسينما، فإليكم هذه الشاشة أو الصورة الأولى، وانظر هل أنت فيها أم لا؟ إن وجدت نفسك معروضاً بينها وبين أفرادها فقل: الحمد لله، أنا مؤمن، وإن وجدت نفسك غائباً فابك واطرح وقل: علموني كيف نؤمن؟ فاسمعوا! ادعى المنافقون الإيمان في هذه المدينة، وتطاولوا وقالوا: نحن مؤمنون، فقال تعالى: (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ))[الأنفال:2] وهذه الصيغة معروفة، أي: إنما المؤمنون بحق وصدق، لا بالادعاء والنطق. (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ))[الأنفال:2]، كان منسوب الإيمان عنده مائة وخمسين، فإذا قرئت عليه آيات الله ارتفع منسوب الإيمان إلى المائتين وإلى الثلاثمائة، لكن إن بقي ولم يزد، إذاً ليس هناك إيمان، بل إنسان ميت يمشي على الأرض. (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ))[الأنفال:2]، متى نعرف هذا؟ (( وَعَلَى رَبِّهِمْ ))[الأنفال:2]، لا على سواه يعتمدون ويفوضون أمرهم، هل نفضح أنفسنا؟ أحدنا قد يتوكل على وظيفة امرأته، وهذا على وظيفة ابنته، وهذا على بيع السجائر، وهذا على عمله في البنك، وهذا على مكره وحيله وخداعه، إذاً فأين التوكل على الله؟ (( وَعَلَى رَبِّهِمْ ))[الأنفال:2]، لا على سواه، (( يَتَوَكَّلُونَ ))[الأنفال:2]، أي: يعتمدون ويفوضون أمرهم إلى الله، وليجوعوا وليعطشوا وليمرضوا وليهجَّروا من بلادهم، إذ كل ذلك غير مهم، وإنما المهم أنهم مع الله، (( وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ))[الأنفال:2]. (( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ))[الأنفال:3]، إقامة حقيقية من شأنها أن تولد لهم الطاقات النورانية، فهم بذلك لا يفحشون ولا يمكرون ولا ينكرون معروفاً ولا يتنكرون لجميل، (( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ))[العنكبوت:45]، أي: المقيمين لها، المؤدين لها على أحسن وجه وأكمله وأتمه حتى تولد لهم تلك الأنوار التي تغمرهم فتتجلى في أعينهم، فإذا مر بامرأة يغمض والله عينيه ولا ينظر إليها، وإذا سمع باطلاً أغلق أذنه بأصبعيه، وإذا قُدِّم له حراماً لا يحل له تركه وأعرض عنه، فيتجلى ذلك النور في لسانه، خمسون سنة لا ينطق بسوء ولا يتكلم أبداً بفاحشة أو منكر، فهذا هو المقيم للصلاة، (( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ))[العنكبوت:45]. (( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ))[الأنفال:3]، أي: من ذاك الذي رزقناهم من جاه أو سلطان، من علم أو معرفة، من مال صامتاً كان أو ناطقاً ينفقون طول حياتهم. (( أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ))[الأنفال:4] هذا الخبر من أخبر به؟ الله. (( أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ))[الأنفال:4]، لا ادعاءً ونطقاً، ما الجزاء؟ (( لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ))[الأنفال:4] في دار السلام. معاشر المستمعين والمستمعات! فهل رأيتم أنفسكم في هذه الصورة أو هذه الشاشة؟ أزيدكم لوحة أو صورة ثانية، إذ ما في القرآن إلا لوحتان أو شاشتان في هذا الباب، قال تعالى: (( وَالْمُؤْمِنُونَ ))[التوبة:71]، إذاً مقابل المنافقين من سورة التوبة القريبة النزول، والآية الأولى من الأنفال كجزء منها. (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ ))[التوبة:71]، أي: بحق وصدق، لا بالادعاء والنطق. (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ))[التوبة:71]، هل هذه الصفة موجودة فينا؟ ماذا تقولون؟ الجنسية والوطنية والقبلية والحزبية والمذهبية، كل هذه مزقت هذا الولاء، لكن كان المفروض أن المؤمن في الهند كالمؤمن في الأندلس، والمؤمن في الصين كالمؤمن في أمريكا، فالمؤمن يجب أن تحبه وأن تنصره، فمن لم يحب المؤمنين ولم ينصرهم ما هو بمؤمن، ودعواه الإيمان دعوى باللسان؛ لأن الولاء هو الحب والنصرة، فمن يكره المؤمنين ويبغضهم والله ما هو بالمؤمن، ومن يخذل المسلمين ويهزمهم ويكون عليهم لا لهم والله ما هو بمؤمن. (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ))[التوبة:71]، والولاء هنا فسروه بالحب والنصرة، فالأحزاب والجماعات والمذاهب بيننا متحابون متناصرون؟ لا والله، وإنما تجد الطعن والنقد والتبغيض لبعضهم البعض، فلا إله إلا الله! لا تلمهم يا شيخ! والله ما عرفوا، فهذه هي الحقيقة، إذاً فماذا نصنع؟ يكفينا البكاء فقط، لمَ ما نعرف؟ أقسم بالله لن نعود إلى كمالنا وقيادتنا وسيادتنا وطهرنا وصفائنا إلا إذا رجعنا إلى بيوت ربنا التي بنيناها في قرانا ومدننا، وجبالنا وسهولنا، فنرجع إليها كما كان الرسول وأصحابه، وذلك كل ليلة ما إن نصلي المغرب حتى نجتمع على كتاب الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالنساء من وراء الستائر، والأطفال في الصفوف كالملائكة يرعون ويراقبون، والفحول أمثالكم أمام المربي المعلم، فليلة نأخذ آية من كتاب ربنا، وأخرى نأخذ حديثاً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا الحال طول العمر، فوالله ليتغير حالنا إلى الأفضل. والعجيب أن اليهود والنصارى والكفار إذا دقت الساعة السادسة أوقفوا العمل وذهبوا إلى الملاهي والمقاهي والمراقص والشر والباطل، والمؤمنون إلى أين يذهبون؟ دلوني بالله عليكم؟ إذاً كيف نتعلم نعرف وقد حرمنا أنفسنا من العلم والمعرفة؟ إذاً: عرفتم الآن أننا نصبح أولياء لبعضنا البعض حباً ونصرة إذا عرفنا وتعلمنا. (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ))[التوبة:71]، فكل مواطن في القرية بوليس، وأعوذ بالله من كلمة: (بوليس)، أهي يهودية أم ماذا؟ لكن في ديننا آمر بمعروف وناه عن منكر، فأهل القرية كلهم، وأهل الحي كلهم، وأهل المدينة كلهم، آمرون بالمعروف ناهون عن المنكر، وبالتالي فلا نحتاج إلى بوليس وشرطة، إذ كل مؤمن شرطي وبوليس، والمؤمن بحق هل يرضى بمنكر يشاهده في أخيه ويسكت عنه؟ والله ما كان ولن يكون، والمؤمن بحق يرى أخاه ترك معروفاً ليبعد عن رحمة الله، فهل يرض بهذا ويسكت عنه؟ والله ما يسكت. فانظر قوة الأمن عشرة آلاف رجلاً، وقوة الأمن الرباني كل البلاد بملايينها، (( يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ))[التوبة:71]، فهؤلاء هم المؤمنون. مرة أخرى: (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ))، وهذه صفة أولى، (( يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ))، صفة ثانية، (( وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ))، صفة ثالثة، (( وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ))، صفة رابعة، (( وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ))[التوبة:71]، ما الطريق يا شيخ؟ أن تعود الخلافة؟! هذه أحلام باطلة وكاذبة، والآن المستمعون يراجعون قلوبهم، هل هذا الكلام سرَّهم وأثلج صدورهم أم هم كما عهدنا أنفسنا من قرون؟ دعه يقول: هذا كلام فارغ، هذه دعوة إلى الرجعية! كيف نجتمع في البيوت؟ لم تجتمعون في المقاهي والأباطيل والترهات؟ كل ما نقوله: نريد أن نسكن السماء؟ إن سكنان السماء تتطلب اجتهاد في طاعة الله تعالى، إذ كيف نخترق السموات السبع إن لم نزك هذه النفوس ونطيبها ونطهرها، وذلك بالإيمان والعمل الصالح؟! وصلى الله على نبينا محمد.