إسلام ويب

تفسير سورة النساء (65)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الشرك خطر عظيم يحدق بالإنسان، فمن نجا منه فقد نجا، ومن لم ينج منه وتلبس بشيء منه فقد خسر الخسران المبين؛ لأن الله عز وجل خالق الخلق ومصرف الأكوان ومدبر أحوال العباد لا يقبل أن يشرك معه غيره، فهو سبحانه المستحق لأنواع العبادات، ومن أتى شيئاً من الذنوب والمعاصي والسيئات دون الشرك فهو تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.

    وها نحن مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، ومع آية منها تناولناها بالأمس قراءة وحفظاً وشرحاً وتفسيراً، ونعود إليها ليلتنا هذه؛ لما لها من أثر في حياتنا معشر المستمعين والمستمعات! وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116].

    وطالبنا أبناءنا وإخواننا العوام والذين ما درسوا كتاب الله أن يحفظوا هذه الآية، فإنها كنز من كنوز دار السلام، وكتلة من النور الإلهي متى ما استقرت في قلب العبد وشاعت أنوارها على سمعه وبصره ولسانه، اهتدى إلى سعادته وكماله، ولا شك أن بعضاً وفقهم الله وحفظوها، فليحافظوا عليها، وذلك بالصلاة بها في الفرائض والنوافل، ولو أن عامياً لم يحفظ من القرآن إلا هذه الآية، خير من ألف عامي ما حفظوها.

    تعريف الشرك وبيان قبحه وخطره على العبد

    إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116]، وهذه الآية لها أختها أيضاً في نفس السورة، وهي قوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، وللآيتين أيضاً نظير من سورة الزمر، إذ قال تعالى وقوله الحق: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65]، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ [الزمر:65]، والمخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ [الزمر:65]، أي: من رسل الله عليهم السلام، ما الذي أوحي إليه وإليهم؟ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].

    ومن هنا كان الشرك خطراً عظيماً على الإنسان، من نجا منه نجا، ومن لم ينج منه وحل به وتورط فيه، فقد خسر الخسران الأبدي، ولنعلم أنه لا فرق بين الشرك والكفر، فكل كافر مشرك؛ لأنه عبد الشيطان ولم يعبد الرحمن، والشيطان هو الذي أمره بالكفر بآيات الله وبلقاء الله وبتوحيد الله وبرسل الله وبشرع الله فأطاعه، وليس كل مشرك كافر؛ إذ الشرك صنفان أو نوعان: شرك أكبر يكفر صاحبه، وشرك أصغر لا يكفر، ولكن يأثم ويتورط في الإثم، وواجبنا نحن المسلمين رجالاً ونساءً أن نعرف الشرك ما هو؟ كما يجب أن نعرف التوحيد ما هو؟

    الشرك: ضد التوحيد، يقال: هذا موحد وهذا مشرك، وباللسان القريب للمؤمنين والمؤمنات: الشركة تكون في بعير اشترك فيه اثنان، وتكون في منزل اشترك فيه اثنان، وتكون في سيارة اشترك فيها اثنان، فعبادة الله عز وجل ينبغي ألا يشاركه فيها أحد، إذ إنها خاصة به، فلا ينبغي أن يشارك الله تعالى في عبادته مخلوق كائناً من كان؛ لأنه استحق هذه العبادة وتعينت له ووجبت له دون غيره، ولأنه هو الذي خلق الإنسان والجان والملائكة، وسر خلقهم وعلة هذا الخلق وحكمته هي عبادة الله عز وجل، ولم يكن الله تعالى في حاجة إلى ملك ولا إلى جني ولا إلى إنسان، وإنما فقط خلقهم ليعبدوه، فمن لم يعبده تمزق وتلاشى وخسر خسراناً أبدياً، ومن عبده وأشرك معه غيره فقد خسر نفس الخسران وتمزق نفس التمزق التام، ألا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15].

    إذاً: الشرك ضد التوحيد، والموحد ضد المشرك، والمشرك ضد الموحد، وأعيد القول مكرراً له: إن علة الحياة وسر هذا الوجود هو أن يعبد الله عز وجل، إذ خلْق الله للملائكة وللجان وللإنسان علته وسببه والحكمة منه هو أن يُعبد الله تعالى وحده، ولنقرأ لهذا آية من طوال المفصل، إذ قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فهل هناك غرض آخر؟ لا.

    ثم قال تعالى: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:57-58]، ومن السنة ومن بيانات الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: ( يا ابن آدم! لقد خلقت كل شيء من أجلك وخلقتك من أجلي )، أي: يا ابن آدم خلقك الله من أجل أن تذكره وتشكره، من أجل أن تعبده، وإن قلت: وما جزائي؟ وما أجري على عبادتك يا رب؟ فالجواب: الجزاء أن أُسعدك وأكملك في الدنيا وفي الآخرة، وأن أنزلك منازل الأبرار في الجنة دار السلام، وإن كان لا حق لك في هذا؛ لان عبادتك بذكره وشكره هي مقابل خلقه ورزقه وحفظه لك وتدبيره لحياتك، ومع هذا منته عليك هذه العبادة وهذا الذكر وهذا الشكر، الذي من شأنها تطهير النفس وتزكية الروح، فإذا طهرت النفس وزكت قبلها تعالى في الملكوت الأعلى وأنزلها منازل الأبرار، ولا ننس حكم الله في هذه القضية، إذ قال تعالى بعد أيمان حلفها: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، فمن يعقب على حكم الله وهو القائل في سورة الرعد: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41]؟ لا أحد.

    بيان توحيد الربوبية والشرك فيه

    التوحيد ضد الشرك، فهيا نتحدث عن التوحيد أولاً ثم نتحدث عن الشرك، وذلك من أجل أن نتعلم، إذ يجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يعرف التوحيد من أجل أن يعيش عليه حتى يموت، ومن أجل أن يعرف الشرك فيتخلى عنه ويبتعد عنه حتى الموت، لذا فلابد من العلم والمعرفة، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، فالذين ما عرفوا التوحيد والله ما وحدوا الله، والذين ما عرفوا الشرك والله ما نجوا منه ولا سلموا، لذا لابد من العلم، إذ هو أمر ضروري كالهواء والغذاء والماء لحياة الإنسان.

    أولاً: التوحيد يكون في توحيد الله تعالى في ربوبيته، بحيث لا يشاركه فيها كائن ما، لا في العالم العلوي ولا في العالم السفلي، بحيث لا نقر ولا نعترف بوجود من يدعي أنه الرب.

    ثانياً: توحيد الله في أسمائه وصفاته، فلا نشرك كائناً من كان في صفة من صفات الله أو في اسم من أسمائه.

    ثالثاً: التوحيد في عبادة الله وفي ألوهيته، بحيث لا نعتقد وجود إله مع الله، ولا نعبد غير الله، ولا نقر عبادة لغير الله، ولا نرضى بها أبداً، وهذا يؤديه لفظ: لا إله إلا الله، ولعلنا نعرض له إن شاء الله تعالى.

    فأولاً: توحيد الربوبية، الربوبية: نسبة إلى الرب، والرب في لغة العرب وفي لغة القرآن معناه: السيد والمالك، فمن ملك داراً أو بستاناً أو دابة يقال: هذه ربها فلان، ويقال: يا رب هذه السيارة أبعدها عنا، بمعنى: يا مالكها! والعبد هو الرقيق، والأمة هي الرقيقة، فيقال فيها: أمة فلان، ويا سيد خذ عني أمتك، أو أبعدها من بابي، فالسيد هو الرب، والسيد هو المالك، والرب الحق هو الذي ملك كل شيء، وكيف لا وهو خالقه وموجده؟! والرب هو المعبود الذي لا يستحق العبادة سواه، وبالنسبة إلى الله عز وجل فالله رب العالمين، اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر:62]، فالرب هو الإله المعبود، إله الأولين ولآخرين.

    إذاً: اسمعوا يا رجال الإسلام ونساءه: لا يصح أبداً أن تشرك في ربوبية الله كائناً من كان، وربوبية الله تتمثل وتتجلى وتتضح فيما يلي:

    أولاً: في كونه الخالق، فهل يوجد خالق سوى الله؟ لا والله ولا ذبابة، فكل الخلق من إنسان وجان وملائكة وحيوان في البر أو في البحر أو في الجو لا خالق له إلا الله، فإياك إذاً أن تنسب خلق شيء إلى إنسان، إلى كائن سوى الله عز وجل، وتحفَّظ حتى من عبارات الضائعين في متاهات العلمانية والفلسفة الكاذبة فتقول: فلان خلق، لا، إذ لا خالق إلا الله، فهو موجد مادة الذي يخلق منها، ثم يخلق المخلوق، وأنت إذا صنعت صورة أو تمثالاً، فهل مادة التمثال خلقتها أنت؟ وهل جئت بها؟ وهل أنت صانعها؟ إن الأخشاب والألواح والطين والحديد أوجدها الله عز وجل، ثم عقلك وإرادتك وفهمك أنت خالقها أم الله واهبكها ومعطيك إياها؟ إنه الخالق والصانع، فلا خالق إلا هو.

    ثانياً: لا رازق إلا هو، ومعنى الرازق: الذي يخلق الأقوات، وذلك بأن يوجد مادتها بأسباب سببها وتسخيرات سخرها، فمثلاً: البر كالذرة والشعير والتمر غذاء للإنسان، فمن خلقها؟ الله، وإن قلت: الفلاح، فالفلاح جاء بالبذر ورماه في الأرض، ثم يد الفلاح من خلقها؟ وفكر وإرادة الفلاح من وهبها؟ وذاك البذر من خلقه؟ ولما يرميها في الأرض ويغطيها عن الطير حتى لا يأكلها، فهذه الفكرة من وهبها إياه؟ الله، ثم كيف تتفاعل التربة مع الماء مع البذر حتى تصبح سنبلاً أخضراً وأصفراً ليؤكل؟ وهذه النواة لما تغرسها وتصبح نخلة بعد عام أو عشر سنوات فتطعمك الرطب والتمر، أأنت خالقها؟ والله إنه لا خالق إلا الله، فمن الكفر والشرك أن تنسب خلق شيء إلى غير الله عز وجل، وهو من باب الجهل فقط والهبوط.

    ومن القصص في هذا: أن ملحداً من الاتحاد السوفيتي استدعيناه لأمر ما، فجاء إلى ديارنا وقدمنا له العجوة من التمر، فأكل منها فاندهش، إذ لم يذق مثلها قط، فقال: هل هذا صنعتموه أنتم؟ نعم الصناعة هذه، وأنتم أرباب الحلويات وصناعها، فسكتنا وأخذناه إلى البستان، وأريناه النخلة، وقلنا له: هذه هي التي تثمر الرطب، فقال: هل أوجدها الفلاح؟ إذاً الفلاح هو الإله، وهو الذي ينبغي أن يعبد، فبينا له أن الفلاح مخلوق الله، ومعلمه الله، وما زاد على أن أخذ النواة ودفنها في الأرض، والله هو الذي أحياها وأنبتها وجعلها تثمر، والفلاح نفسه مخلوق لله، ما خلق شيئاً في نفسه لا قواه الباطنية ولا الظاهرية، وحينئذٍ عرف الطريق إلى الله وقال: آمنت بالله.

    والرَزق والرِزق مصدر: رزق يرزق رزقاً، والرزق اسم المصدر، أي: موجد أنواع الأغذية والمياه والأكسجين، فمن أوجد هذه؟ بنو فلان؟ لا، والجواب: لا أحد إلا الله، وارفع صوتك إلى عنان السماء ولن يُرد أبداً.

    واللبن في الضرع كان بالأمس دماً أحمر فكيف تحول إلى لبن أبيض حلو؟ وقبل أن تحمل المرأة أو الشاة فإن دمها دم، وما إن تحمل وتقارب الوضع حتى يتحول الدم الأحمر إلى لبن أبيض، فمن فعل هذا؟ أصابع الطبيب أو سحر الساحرين؟ لا، وإنما هو الله وحده.

    ثالثاً: التدبير للحياة كلها، فالمرأة تدبر المنزل، فتعرف كيف تكنس، وكيف تطبخ، وكيف تنظف، وكيف تضع الأواني في المطبخ، وهذا معنى التدبر، وكذلك المدبر للحياة كلها بالإحياء والإماتة، بالفقر والغنى، بالعز والذل، بالإعطاء والمنع، بالجمال والقبح، بل بكل مظاهر الحياة، هو الله عز وجل، فهو المدبر للخليقة كلها، وإن أردت أن تنظر إلى أمر مشاهد فانظر فقط إلى السحب كيف ترتفع ثم تتجمع وتتواجد على سطح البحر بتدبيره سبحانه، ثم تنتشر وترتفع حتى تكون جبالاً في السماء، ثم من يسوقها من مكان إلى مكان؟ وتنزل بديارنا وترحل؛ لأنه ما أذن لها أن تصب ماءها، وتنزل بديار أخرى فتصب، وكل ذلك بأذن الله تعالى، فلا دخل لإنسان ولا جان في هذا التدبير العظيم، بل وكل ذرات الكون، وكل ما يجري في الحياة، فإن المدبر له هو الله، ومن نسب ذلك إلى مخلوق فقد أشرك بالله في ربوبيته.

    مرة أخرى: من نسب الخلق إلى غير الله ولو في بعوضة فقد أشرك في ربوبية الله، ومن نسب الرزق وإيجاد الأرزاق لغير الله فقد أشرك في ربوبية الله، ومن نسب التدبير بالإعطاء والمنع، بالإعزاز والإذلال، بالحياة والموت لغير الله فقد أشرك بالله، هذا التدبير من نسبها إلى كائن فقد أشرك في ربوبية الله عز وجل وأصبح مشركاً، وإن مات على ذلك خسر خسراً أبدياً.

    فهذا هو القسم الأول من أقسام التوحيد -توحيد الروبية- فوحدوا ربكم، ولا تنسبوا الخلق إلى أي كائن كان، ولا تنسبوا الرزق إلى أين إنسان، ولا تنسبوا التدبر إلى غير الله رب العالمين، فأنتم موحدون.

    استطراداً: عشنا وبلغنا وعرفنا عن ديوان الصالحين، هذا الديوان لأولياء الله من الأقطاب والبدلاء، وهو ينعقد مرة في بغداد ومرة في الشام ومرة في المغرب، وهؤلاء الأقطاب والبدلاء هم الذين يدبرون الحياة في زعمهم! فيحلفون بهم، ومن النكت أو العجائب: أن ديوان الصالحين انعقد في مسجد من المساجد ليتداولوا الأمر في: من يخلف فلان إذا مات؟ من يكون بدلاً عنه؟ هل فلان يساويه؟ فسمع لص بالمحادثة الليلية في ظلام الليل، فظن أن تجاراً ناموا في هذا المسجد وهم يحسبون أموالهم، فقال: لأبيتنهم غداً، فجاء بعد ما صلى المسلمون وخرجوا، وتأخر فتلفف بالحصير وأقامها ووقف فيها، ثم جاء الديوان، أي: الأقطاب البدلاء، وأخذوا يتداولون في من يخلف سيدي فلان؟ فقال أحدهم: يخلفه هذا الذي في الحصير، فأصبح قطباً من الأقطاب! دخل لصاً فخرج قطباً! ولما نقص هذه القصة يبكي إخوانكم من الخشوع! سبحان الله! دخل لصاً وخرج قطباً، وهكذا كانت أمة التوحيد بعد أن أدبرت عنه وألقته بعيداً عنها، والذي فعل بهم هذا هو العدو الذي ما زالوا لا يعادونه، بل يجرون وراءه، من المجوس واليهود والنصارى.

    بيان توحيد الأسماء والصفات والشرك فيه

    ثانياً: توحيد الأسماء والصفات، وهو موجز وليس بطويل، فاعلموا أولاً: أن الله تعالى ليس كمثله شيء، والله الذي لا إليه غيره لا يوجد مثل الله شيء، لا في عالم الملائكة ولا في عالم الجن ولا في عالم الشياطين ولا الإنسان ولا الحيوان، ويستحيل أن يكون مثلهم وهو خالقهم، فهل صانع هذا القلم يكون مثل القلم؟! مستحيل، إذاً فكيف نصبح مثل ربنا؟! إن هذا مستحيل، إذ كل ما في الكون لا يشبه الله شيئاً، واقرءوا قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    ثانياً: لله تعالى أسماء وصفات عرفناها من طريقه هو وطريق رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد جاءت أسماء الله وصفاته في كتابه القرآن العظيم، وقبله في التوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء، وتلك الأسماء والصفات علمناها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب أن نؤمن بها، أي: نصدق بها، وهذا أولاً، وثانياً: ألا ننسب صفة منها لغير الله من مخلوقاته، بل نوحده في أسمائه وصفاته، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن لله مائة اسم إلا اسماً واحداً )، وهي موجودة في القرآن الكريم مفرقة هنا وهناك، وهي كما أخبر صلى الله عليه وسلم مائة اسم إلا اسماً واحداً، وهذه الأسماء لا نطلق اسماً منها على مخلوق أبداً، حتى لا يكون شريكاً لله في اسمه أو صفته.

    ثالثاً: أن لله صفات ذاتية وفعلية، فالصفات الذاتية يجب أن نؤمن ونقر ونعترف ونعتقد بها، ونحن نعلم أنها صفات لا يشبهها صفة من صفات المخلوقات، فمثلاً: قال الله عز وجل وقوله الحق وهو يخاطب عدوه إبليس: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، فـ(يدي): تثنية: يدٍ، فيقال: يدان ويدين، وإذا أضفت قلت: يدا فلان، وفيه دليل على إثبات اليدين لله تعالى، وكذلك (الخلق) فهي صفة من صفات الله الفعلية، إذ هو الخالق لكل شيء.

    ولذا فاسمع يا عبد الله! هلكت أمم في هذه الصفات، فلا يصح أبداً أن تشبه يدي الله بيد المخلوقات، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، بل آمن بأن لله يدين، ولكن يستحيل أن تشبه يد المخلوقات، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

    رابعاً: إياك أن تجحد هذه الصفة، وذلك إما بتأويلها فتقول: معنى: (بِيَدَيَّ)، أي: بقدرتي، فلمَ تكذب على الله؟ أأنت ترد على الله؟ الرسول عاش ثلاث وعشرين سنة يعلم أمته التوحيد، وما أوَّل يوماً صفة من صفات الله، وتأتي الجهمية والمعتزلة والطوائف الأخرى فتؤول، وذلك حتى يفرغوا قلوب المؤمنين من وجود الله والإيمان به، وقد بينت لكم بالأمس فقلت: يقولون: مثلاً: لو تشير بيدك إلى الله في السماء فيجب أن تقطع يدك؛ لأنك قد حددت المكان له، وبالتالي فلا تقل: هو فوق ولا تحت ولا عن يمين ولا عن شمال، وخلاصة هذا: أنه لا وجود لله، فالذي لا يكون لا فوق ولا أسفل ولا عن يمين ولا عن شمال ما معنى هذا؟ لا وجود له، إذاً كيف يخاف؟ كيف يرهب؟ كيف يحب؟ كيف يطاع وهو لا وجود له؟ هكذا فعلوا بأمة الإسلام.

    إذاً: نؤمن بأن لله يدين، وكلنا عقيدة أن يديه لا تشبه يدي المخلوقات أبداً، إذ ليس كمثله شيء.

    كما أخبر تعالى عن مجيئه في ساحة فصل القضاء فقال: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:22]، وقال: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ [الزمر:68-69]، جاء ربي لفصل القضاء، فمن قال: الله لا يجيء حتى لا نشبهه بمخلوقاته، فهذه كلمة خبيثة مجوسية؛ لأن الله يقول: وَجَاءَ [الفجر:22]، وهم يقولون: لا، إنما المراد: جاء ملكه أو أمره، فإن سئلوا: ما حملكم على هذا؟ لم يثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوَّل صفة من صفات الله عز وجل، قالوا: حتى لا نشبه الله تعالى بخلوقاته.

    إذاً: الجهمية والمعتزلة والطوائف الهابطة يقولون: ما نعتقد هذا، فيئولون فيقولون: ينزل أمره، أو ملك من ملائكته، فعطلوا صفات الله عز وجل، وكذبوا الله ورسوله، وحكم من كذب الله ورسوله الكفر والعياذ بالله.

    أيضاً يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إذا امتلأت النار -أدخل فيها الإنس والجن بالمليارات وبلا عدد- تقول: هل من مزيد؟ واقرءوا الآية من سورة (ق): يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق:30]، فيضع الجبار تبارك قدمه فيها فتقول: قط قط قط، أي: يكفي، فيجب أن نؤمن بقدم الجبار جل وعز، ولا يحل أبداً أن يخطر ببالك شبه هذا القدم، فلا تنظر إلى المخلوقات؛ فإنه ليس كمثله شيء.

    كذلك السمع والبصر، فالله عز وجل يخبر في آياته إنه هو السميع البصير، فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، فمن أراد أن ينفي صفة السمع أو البصر عن الله فقد أراد أن يحترق، لكن هم لا ينفونها، وإنما يحرفونها ويؤولونها، وهذا كله معناه: أنهم ما رضوا بحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فأرادوا أن يضعفوا في نفوس المؤمنين الخوف والرهبة منه والحب له.

    وعليه فتوحيد الأسماء والصفات يا أبنائي! يا إخوة الإسلام! أن نؤمن بكل اسم وصفة لله عز وجل، ولا نحرفها ولا نؤولها ولا نجحدها ونكتمها، ولا نشبهها بصفات المخلوقات، إذ له صفاته لا تشبه الصفات، كما أن ذاته لا تشبه الذوات.

    فهذا الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة في القرن الثاني بعد قرن النبوة، وهو على كرسيه يعلم المؤمنين السنة، فوقف سائل فقال: يا إمام! ما معنى قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]؟ فغضب واحمر وجهه وعرق؛ لأن بدعة قد ظهرت، إذ المفروض أن تؤمن بقول الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، ولا تسأل: كيف؟ ثم هل عرفت ذات الله حتى تعرف كيفية الجلوس؟ لذا آمن بما أخبر تعالى به، فقال مالك وهو يضبط أعصابه وهو النوراني الموفق: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، يا عسكري! خذه للتأديب. فقوله: الاستواء معلوم، يقال: استوى على سريره أو على عرشه أو على كرسيه، أي: جلس عليه، والكيف مجهول، أي: السؤال عن الكيفية مجهول، إذ إننا لا نعرف الذات، فلو قلنا: جلست النملة على الكرسي، فكيف جلوس النملة؟ هل يتناسب مع الكرسي؟ لا، إذاً فما دمنا أننا ما عرفنا ذات الله فكيف نفسر الجلوس؟ كيف يكون ذلك الجلوس؟ مستحيل أن نعرفه، بل كل ما يخطر ببالك فالله منزه عن ذلك، فلا تفتح المجال للخيالات، وقل دائماً: الله أحد، لم يكن له كفؤاً أحد، ليس كمثله شيء.

    إذاً: صفات الله التي جاءت في القرآن هي صفات جلال وكمال، وصفات ذاتية وفعلية، فيجب على المؤمن والمؤمنة أن يؤمن بها إيماناً راسخاً يقينياً، ولا يحل له أن يؤولها أو يشبه صفات المخلوقات بها، ويلزم دائماً قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    بيان توحيد الألوهية والشرك فيه

    ثالثاً: توحيد الألوهية، ومعنى الألوهية: النسبة إلى الإله، والإله هو الله، والإله معناه: المعبود بالحب غاية الحب، وبالتعظيم غاية التعظيم، وبالذلة والانكسار له وبين يديه غاية الذلة والانكسار.

    ولا يحصل على هذه الألوهية كائناً من كان إلا الله؛ لأن الإله بمعنى: المعبود بالحب والتعظيم والطاعة، وهو ذاك الذي امتن عليك بخلقك ورزقك وتدبير حياتك، وما عدا الله فلا، فهل هناك من خلق الشيخ أو رزقه أو دبر حياته؟ لا أحد، إذ لا يوجد في الخلائق من الملائكة والإنس والجن وغيرها من سائر الخلوقات من خلق ولا بعوضة.

    فلا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا مدبر إلا الله، فهو رب العالمين، وبالتالي فلا تصح أي عبادة إلا له، وكل من عبد غير الله فقد أشرك في ألوهية الله وخسر خسراناً أبدياً.

    إذاً: ما هي العبادة التي نخلصها لله ونوحدها له ولا نلتفت أبداً إلى غيره فيها؟ هي العبادة التي شرعها وبينها رسوله، فأنواع العبادات القولية والعملية لا يصح لمؤمن ولا لمؤمنة أن يصرفها لغير خالقه عز وجل، لغير ربه ومالك أمره.

    ولها مظاهر بإيجاز: منها: الدعاء، فهل تعبدنا الله بالدعاء؟ نعم، قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وقال الرسول في نزول الرب إلى السماء الدنيا: ( هل من داع فأستجيب له؟ ) فالدعاء: سؤال الرب الحاجة، فيا عبد الله الفقير! إذا افتقرت إلى شيء فاسأل ربك، ويقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الدعاء هو العبادة )، سبحان الله! كقوله: ( الحج عرفة )، فحقيقة الحج هو عرفة والطواف والسعي والإحرام ومزدلفة، لكن لا قيمة لها بدون الوقوف بعرفة، إذ من لم يقف بعرفة ما حج ولو طاف سبعين مرة.

    كذلك من لم يدع الله ما صحت عبادته ولا كان من المؤمنين العابدين، قال تعالى: وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الدعاء مخ العبادة )، فهل هناك حيوان يعيش بدون مخ؟ إذا فسد مخ الآدمي هلك، وكذلك الدعاء إذا فسد بطلت العبادة، والدعاء هو سؤالك غير الله حاجتك.

    ويبقى إن دعوت من يسمعك ويراك ويقدر على إعطائك، فتقول: يا بني! ائتني بكأس ماء، لقد ظمئت وعطشت، فهذا يجوز؛ لأن الله قد أذن في هذا، إذ قد سألت شخصاً يسمع ويبصر ويقوى على أن يعطيك، لكن لو كان لاصقاً بالأرض مشلولاً، وتقول: يا فلان! أعطني كأس ماء، فهذا عبث وباطل، كذلك تقول لأعمى: من فضلك يا كفيف! دلني على بيت فلان! فهل عاقل يقول ذلك؟! الأعمى لا يعرف الطريق، كيف تقول له: دلني على بيت فلان؟!

    وبالتالي فالدعاء أن تدعو من يعلم حاجتك، ويرى مكانك، ويقدر على إعطائك وإنقاذك، وهذا لن يكون إلا لله عز وجل، فمن سأل نبياً من الأنبياء، أو ولياً من الأولياء، أو ملكاً من ملائكة الأرض أو السماء وهو لا يراهم ولا يرونه ولا يسمعون صوته ولا يقدرون على إعطائه؛ فقد هبط هذا المخلوق وتمزق، وأصبح شر الحيوانات.

    ومن هنا عرف العدو الثالوث الأسود من أين يأتي أمة الإسلام، أمة السيادة والقيادة، فسلط عليها من أفسد عقيدتها، فأصبح (75%) من أمة الإسلام من القرن الرابع إلى اليوم يدعون الأولياء، يا سيدي عبد القادر! يا مولاي إدريس! يا سيدي البدوي! وكذلك الروافض: يا فاطمة! يا حسين! يا علي! ونسوا الله عز وجل.

    وهذا واقع أيها المستمعون والمستمعات، فأي شرك أدهى وأعظم من هذا؟! يقف أمام قبر وينادي: يا فلان! امدد يديك، خذ بيدي، أنا في حماك، أنا في جوارك، أنا كذا وكذا، وهذا قبل وجود دولة عبد العزيز، فقد كنت أسمعه من آلاف الحجاج حول الحجرة الشريفة، واذهب الآن إلى قباب الأولياء في مصر وفي الشام وفي العراق وفي المغرب، بل في أي مكان واسمع وهم ينادون الأولياء بأعلى أصواتهم، فهل يجوز هذا عقلاً؟ وهل يجوز أن تنادي ميتاً لا يعرف عنك شيئاً، ولا يسمع حاجتك، ولا يقدر على أن يمد إليك يد العون، فتضفي عليه صفات الرب وتجعله كأنه الله؟! لا إله إلا الله!

    وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.