إسلام ويب

تفسير سورة النساء (64)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشرك بالله هو الظلم العظيم، والله عز وجل لا يغفر لمن أشرك به، فهو سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك، فلا يقبل أن يشرك معه شيء في ألوهيته، ولا في ربوبيته، ولا في أسمائه وصفاته، أما ما عدا ذلك من المعاصي والآثام التي تقع من العبد فإن الله عز وجل إن شاء آخذه بها وإن شاء تجاوز عنه ما دام أنه سالم من الشرك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، فاللهم حقق لنا هذا الرجاء، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.

    وها نحن الليلة مع آية فقط من كتاب الله عز وجل، مع مراجعتنا للآيتين اللتين درسناهما في الليلة الماضية، وآيتنا الليلة التي نتدارسها ونقرؤها ونتلوها ويحفظها الكثير منا، تلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116].

    أبنائي العوام! إخواني العوام! هيا بنا نحفظ هذه الآية ونرجع بها إلى بيوتنا محفوظة، إذ هي أولاً: كلام الله، وثانياً: نصلي بها النافلة والفريضة طول حياتنا، وثالثاً: أنه بحفظنا إياها نكتنز كنزاً نورانياً في صدورنا حتى تلقى ربنا، وإذا فهمنا معناها وحفظناها فقد خطونا أكبر خطوة إلى ظلال العلم الوارف.

    فما المانع أن نحفظها؟ هيا نكررها: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116]، قال علي بن أبي طالب صهر النبي وابن عمه رضي الله عنه كما جاء عند الترمذي في جامعه: ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية. وسوف يتضح لكم سبب هذا الحب، وتعرفون مقام علي في العلم، إذ إنه بحر زاخر.

    إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [النساء:116]، أي: ما دون الشرك، لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116]، أتعرفون الضلال البعيد؟ لو أن رجلاً أراد أن يذهب إلى مكة، ومكة كما هو معلوم توجد جنوباً، فأخطأ ومشى شمالاً، ومشى أربعين يوماً في الشمال، فهل يستطيع أن يرجع إلى مكة؟ ما يستطيع، فقد نفد الزاد، وتعب وعيي، لكن لو مشى فقط كيلو أو اثنين أو ثلاثة، أو يوماً واحداً، فيمكن أن يرجع؛ لأن الضلال قريب، لكن إذا كان الضلال بعيداً، ووصل إلى أوروبا، فكيف يرجع؟ هلك، وهذا تفسير الضلال البعيد في كلام الله، فقد انتهى عمره وانتهت حياته.

    ومعنى هذا يا عبد الله! يا أمة الله! لا تتوغل في الشر والفساد والظلم والخبث والكفر، فإن التوغل في ذلك كالضلال البعيد، بخلاف من زنى أو سرق أو كذب أو ضرب أمه أو عق والده، ثم رجع فيمكنه أن يرجع، لكن إذا توغل في ذلك الظلم العام بعد العام، وما ترك جريمة إلا ارتكبها، فمثل هذا لن يعود، بل يطبع على قلبه، وتتغير طبيعته، ويفسد قلبه، ولا يصبح أبداً يؤمل أن يعود إلى الحق والخير، ولهذا فالقاعدة عند أهل الإسلام: أن التوبة تجب على الفور، ولا يجوز تأخيرها عاماً أو شهراً أو أياماً، فإذا وقعت يا عبد الله في معصية الله فأعلن عن توبتك وقل: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، يمحى ذلك الأثر ولا يمكن أن تعاوده، وإن عاودته مثلاً فأنت متهيئ للتوبة دائماً، فلا يجيء ختم ولا طبع على قلبك، أما إذا استمريت في هذه الجريمة يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام، فلا يمكن أن ترجع.

    هل تريدون أن تعرفوا كيف تكون التوبة؟ كان هناك سوق المدينة لبيع التمر، فجاءت مؤمنة -زوجها في الجهاد-لتشتري شيئاً من التمر لها ولأولادها، فمرت بالبائع واشترت منه فرأى كفها، إذ لم يكن عندها قفاز، فأعمى الشيطان ذلك العبد فقبل كفها، فقالت له: أما تتقي الله؟ فما الذي حصل؟ والله العظيم خرج من مكانه ذاك وهو يصرخ، وينتف في شعره، ويرمي بالتراب على وجهه حتى وصل إلى أحد، ثم عاد من أحد كأنه فاقد عقله، ودخل على الرسول في صلاة المغرب، وأراد أن يتكلم مع أبي بكر فرفضه، ومع عمر كذلك، وانتظر حتى صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب بالمؤمنين وأخبره، فعرف الرسول توبته التي لا تعادلها توبة، فقال: ( هل صليت معنا المغرب؟ فقال: نعم، فقرأ عليه: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114] )، أما أن يواصل العبد الجريمة بعد الأخرى فأنى له أن يتوب؟!

    واسمع إلى أستاذ الحكمة ومعلمها صلى الله عليه وسلم إذ يقول: ( إذا أذنب العبد ذنباً وقع نكتةً سوداء على قلبه، فإن تاب ونزع انمحت وذهب أثرها، فإن لم يتب وزاد ذنباً آخر إلى جنب الأولى وثالثة ورابعة يختم على قلبه، وذلكم الران الذي قال تعالى فيه: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] )، وهؤلاء ما يستجيبون لنداء الحق ولا يقبلونه.

    معاشر المستمعين! حفظتم هذه الآية أو تعدونها رخيصة؟ والله لحفظها خير من خمسين ألف ريالاً، وليسمح لي ربي إذا ما أعطيتها حقها، والله لأن يحفظها مؤمن أو مؤمنة، ويصلي بها النوافل والفرائض ويذكرها دائماً وهي نور في قلبه؛ فتبعده عن ساحات الشرك والعياذ بالله، لكان ذلك خيراً له من الدنيا وما فيها.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء

    النهي عن النجوى وبيان مواطن جوازها

    يقول تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114]، والمناجاة هي الكلام السري في المخابئ أو في البيوت أو تحت أي شيء، فإذا لم تكن من هذه الثلاثة فهو باطل وصاحبه هالك والعياذ بالله، فلا بد أن تكون ظواهرنا كبواطننا، وقد قلت لكم يوم أمس: والله إن الكلام الذي لا أستطيع أن أقوله في المسجد لا أقوله في البيت، إذ كل ما فيه أذى فهو حرام، وكل ما فيه رضا الله فهو حلال، وقله وتبجح به، وما كان به سخط ربنا ويحمل أذية للمؤمنين والمؤمنات، فلا يحل أبداً أن تقوله لا في السر ولا في العلن. وفي حديث الأنبياء كلهم: ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت )، ونحن نستحي من الله أن نقول كلمة تغضبه، نستحي من الله أن نجحد كلمة جحودها يغضبه، وبالتالي فما كان حقاً وخيراً فقله في السر والعلن، وما كان شراً فلا تقله لا في السر ولا في العلن، وهذا نظام حياتنا معاشر المؤمنين.

    لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114]، والجزاء: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114]، ألا وهو الجنة دار السلام، فأي أجر أعظم من الجنة؟! وهذا قد علمناه وعزمنا على أن نعمل به، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يتناجى اثنان دون الثالث )، وقال تعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المجادلة:10]، فيا إخواننا! تخلوا عن التحزب والتجمع والطائفية والكلام السري والتآمر على بعضكم وإخوانك، إذ هذا ليس من شأننا، فنحن أولياء الله عز وجل.

    النهي عن مشاقة النبي صلى الله عليه وسلم

    وبعد ذلك ماذا؟ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115]، وهذا الخبر صاحبه الله تعالى، وهو يحمل حكماً إلهياً لا ينقض، ومن هنا فإن أهل القرية وأهل المدينة وأهل الإقليم، ومن سكنوا في جبل أو في أي مكان من الأرض، إخوان متحابون متعاونون، لا يحل لك أن تقول كلمة تؤذي أحداً منهم، ومن هنا فلا حزبية ولا طائفية ولا وطنية أبداً، وإنما مسلمون أولياء الله تعالى، وهذا ممكن، فقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وعشرين سنة ولم يكن عنده تحزب عنده أبداً، وإنما مسلمون فقط، وولي الخلافة من بعده أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وفي أربعين سنة لم يكن هناك في المسلمين حزب كذا أو جماعة كذا.

    نعم خرج الخوارج على علي فقتلهم وقاتلهم، وهذه الآية بالذات أحبها علي؛ لأنها تغلق الباب في وجوه الخوارج الذين يكفرون المؤمنين بذنب من الذنوب، وما زالوا يتواجدون، فعندهم إذا ارتكب المؤمن كبيرة كزنا أو رباً أو عقوق الوالدين أو سرقة ومات بدون توبة فإنه يخلد في جهنم، فيكذبون على الله ورسوله وعلى شرع الله، مع أن هذه الآية الكريمة تقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:116]، ولا خلاف في هذا، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك [النساء:116]، أي: دون الشرك، فكل المؤمنين والمؤمنات من مات منهم على كبيرة من كبائر الذنوب دون الكفر أو الشرك، فإنه تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء غفر له، وإن شاء أدخله النار، أما أن نحكم بالخلود في النار لكل من أذنب، فهذا المذهب مذهب الخوارج وعلي قد قاتلهم وقتل منهم آلاف.

    وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ [النساء:115]، فهل فهمتم معنى مشاقة الرسول أو لا؟ الرسول يقول: ( إذا أكلت فقل: بسم الله )، وأنت تقول: لا نقول: بسم الله، الرسول يقول: ( إذا أكلت فكل بيمينك )، وأنت تقول: لا، فتأكل بشمالك، الرسول أوصى رجاله بأن يعفوا لحاهم، وأنت تقول: ما هذا؟! ولا تعفي لحيتك، أو لا تبقي مظاهر الرجولة فيك فقط، الرسول يأمر الناس بأن يصلوا في بيوت الله، وأنت تقول: لا، ثم تصلي وحدك، فهذه هي المشاقة للنبي صلى الله عليه وسلم.

    والشاهد عندنا في مشاقة الرسول كمعاداة الرسول، يقال: عادى فلان فلاناً، بمعنى: وقف في عدوة وذاك في عدوة أخرى، وعدوة الوادي، أي: جانبي الوادي، فهذه الجهة تسمى: عدوة، والأخرى: عدوة، وكذلك المشاقة، فهو في شق وأنت في شق، وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ [النساء:115]، بمعنى: يقف بعيداً عنه، فلا يواليه لا في فريضة ولا نافلة ولا في شيء، وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا [النساء:115]، عرف الحلال والحرام، الحق والباطل، الخير والشر، الإيمان والكفر، الصدق والكذب، ثم يفضل المشاقة والبعد عن الرسول، فيواصل جرائمه وأطماعه وهواه، فيموت والعياذ بالله على ذلك.

    التحذير من اتباع غير سبيل المؤمنين

    وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115]، ما هو سبيل المؤمنين؟ الصراط المستقيم الذي نسأل الله إياها في سورة الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، إذ إن الصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى رضوان الله وجواره في الدار الآخرة، وهذا الطريق معشر المسلمين والمسلمات! هو أوامر هنا ونواهي هنا، وامش أنت بينهما، فلا تهمل واجباً ولا تغشى حراماً، وامش عاماً وعامين حتى ينتهي عمرك وتموت على هذا المنهج الرباني فتكون من أهل الجنة دار السلام، وقد يكون الصراط خمسين سنة بالنسبة إلى عمرك، فإن زلت القدم واستغفلك العدو وأنت سائر إلى الله، كأن تركت واجباً أو فعلت حراماً، فانهض على الفور وأنت تصرخ: أتوب إلى الله، أستغفر الله، أستغفر الله، وواصل سيرك حتى يختم لك بخاتمة السعادة وتدخل الجنة.

    إن سبيل المؤمنين بعبارة أوضح، اسمعوا! بلغوا! تحدثوا بهذا الكلام مع إخوانكم ومع نسائكم: كان الحبيب صلى الله عليه وسلم في مسجده هذا يعلم أصحابه الكتاب والحكمة ويزكيهم، يعلمهم الكتاب وهو القرآن، ويعلمهم الحكمة وهي السنة، ويزكيهم بأن يطهر قلوبهم من أوضار الذنوب والآثام والأخلاق الفاسدة والمفاهيم السيئة، فمن لنا يا ربنا يعلمنا الكتاب والحكمة ويزكي نفوسنا؟ يا عبد الله! لو طلبت لوجدت، لكن ما طلبنا ولا رغبنا، والمفروض فينا والواجب علينا معاشر المسلمين! على اختلاف ديارنا ولغتنا، أننا ما بين المغرب والعشاء نجلس هذا الجلوس كما تشاهد وتنظر، وذلك من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء؛ لنتعلم الكتاب والحكمة ونزكي أنفسنا يوماً بعد يوم، بل العمر كاملاً، فهل يبقى جاهل؟ وهل يبقى ضال؟ وهل يبقى فاسد؟ لا والله، ولكن العدو أبعدنا عن الكتاب والحكمة وتزكية النفوس، فتهنا في متاهات الضلال، وهذه هي حالنا، والرسول الكريم يقول وهو ينظر إلى هذا الواقع: ( لقد افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة )، فدينهم واحده ولكن جزءوه وقسموه حتى أصبح إحدى وسبعين طائفة، ( وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة )، بزيادة فرقة واحدة، والله الذي لا إله إلا الله غيره لكما أخبر رسول الله، ولن يستطيع نصراني أن يرد هذا إلا إذا كان جاهلاً، فالإنجيل قد حولوه إلى خمسة وثلاثين إنجيلاً، لكن لما عيبوا ولوموا جمعوا الخمسة والثلاثين في خمسة أناجيل! فكيف كتاب الله يحول إلى خمسة كتب؟! وأين الحق الذي فيه إذاً؟ والقرآن لمَ ما حوله؟ تولى الله حفظه فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، والله لو قدروا لقسموه إلى سبعين وثمانين، وقد قلت لكم: حاولوا في مؤتمرات ظالمة في ظلمة على إسقاط كلمة: (قل) فقط من القرآن فعجزوا؛ لأن الله تعهد بحفظه فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة )، أكثر من النصرانية واليهودية، فالرسول قال هذا والمؤمنون بين يديه، لا هم في الشام ولا في العراق ولا في الهند ولا في السند ولا في المغرب، وإنما بين يديه في المدينة، وصدق رسول الله، إذ في القرية الواحدة تجد هؤلاء إخوان سيدي عبد الحفيظ، وهؤلاء إخوان سيدي عبد القادر، وهؤلاء إخوان مولاي إدريس، وهؤلاء إخوان كذا، فتجد الجماعات والجماعات، ثم ماذا؟ المذاهب والطوائف والروافض، وذلك أكثر من ثلاثين طائفة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم قال في النهاية: ( كلها في النار إلا واحدة ففي الجنة )، والله العظيم، وأهل الحلقة من النساء والرجال لو تسأله فإنه يبين لك، إذ ليس في ذلك عجب أبداً؛ لأن الذي يعمل بما جاء عن رسول الله وأصحابه في عقيدته وعبادته وقضائه وآدابه وأخلاقه، فإن نفسه ستصبح مشرقة أكثر من هذا النور، ولا تتلاءم أبداً مع مكان إلا الملكوت الأعلى، قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، والنفس الملطخة الملوثة بأوضار الذنوب والآثام والعقائد الباطلة أنى له أن تدخل دار السلام، والله يقول: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40]؟! والبعير الأورق لا يدخل في عين الإبرة، إذ إن هذا مستحيل، وكذلك ذو النفس الخبيثة المدساة المنتنة العفنة بالشرك والمعاصي؛ يستحيل في حقها أن ترتقي إلى الملكوت الأعلى، كلا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين:7].

    ثم قام أحد الصحابة فقال: من هم يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ( هم الذين يكونون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي )، ما الذي كان عليه رسول الله وأصحابه؟ العقيدة الربانية التي جاءت في آيات الله وبينها رسوله صلى الله عليه وسلم، فالعبادات من الطهارة إلى الحج كما جاءت في كتاب الله وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأحكام القضائية كما جاءت في كتاب الله وبينها رسول الله، والآداب والأخلاق كما هي في الكتاب وبينها الرسول، فهذه هي العقيدة الربانية، حتى تجد أخاك أو تجد نفسك كأنك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعقيدتك كعقيدتهم، وعبادتك كعباداتهم، وآدابك وأخلاقك مع الناس كآدابهم وأخلاقهم، وهذا يتوقف على الحلقة المفقودة وهو أن نتعلم، أن نعرف كيف كانت عقيدة الرسول وأصحابه؟ كيف كانت عبادات الرسول وأصحابه وهو يقول: ( صلوا كما رأيتموني أصلي، حجوا كما رأيتموني أحج

    وعليه فلابد أن نتعلم لا لنتوظف، لا من أجل الدنيا وأوساخها، نعم قد نعمل فلاحين وصناعاً، لكن لابد وأن نتفرغ ساعة في اليوم من أجل أن نعرف ما هي العقيدة التي يرضاها الله لنا، وكيف العبادة؟ وكيف الآداب والأخلاق؟ وبدون هذا التعلم مستحيل أن تكون كأصحاب رسول الله في عقيدتك وآدابك وعملك وعبادتك، فمتى نرجع؟ هذا الأمر لله.

    إذاً: من هم يا رسول الله الناجون من النار؟ قال: ( هم الذين يكونون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي )، فنتعلم كيف كان الرسول يعتقد، جيء إليه بأمة سوداء فقل لها: ( أين الله؟ قالت: في السماء، قال: اعتقها فإنها مؤمنة )، المذاهب الهدامة إذا قلت: الله في السماء، يتمنى قطع يدك، وإن قلت: الرسول يقول: ( إن الله يضحك لعبد من عباده )، يقولون: الذي يصف الله بالضحك كافر، وهكذا لم يبقوا لله صفة من صفاته، بحجة أن الله ليس كمثله شيء، ومن شبه الله بعباده فقد كفر، وأوقعوا الأمة في محنة أبعدوها عن الله تعالى، فاسمع يا عبد الله! هم يقولون: لا تقل: الله فوق؛ لأنك حصرته في مكان، ولا تقل: أسفل ولا عن يمين وعن شمال! وهذا خلاصته: أنه لا وجود له، ولذا فالله عز وجل فوق عرشه، وهو القائل: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، والرسول قد وصفه عندما عرج إليه، وهذا يقول: لا تقل: في السماء!

    والمهم يا معشر الأبناء والإخوان! يجب أن نجتمع في بيوت الله في صدق، ونتعلم كيف كانت عقيدة رسول الله وأبي بكر وأصحابه، كيف كانت عباداتهم، كيف كانت آدابهم وأخلاقهم، وإلا فلن نصل إلى هذا المستوى.

    والخلاصة أن سبيل المؤمنين هو ما كان عليه رسول الله وأصحابه، فلا روافض ولا خوارج ولا طوائف، وإنما مسلمون فقط، فلم يكن لأصحاب رسول الله مذهب ولا شيخ خاص ولا طريقة خاصة، بل خلال ثلاثة قرون وهم مسلمون فقط، والمسلم أخو المسلم، يعمل ويعتقد ما جاء عن الله في كتابه وعن رسوله المبين المفسر له، فمن خرج عن جماعة المسلمين فقد خرج عن إجماعهم وأكلته النار، فقد قال تعالى: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115]؛ لأنه أعرض عن الحق وجانبه، وبعد عن جماعة المسلمين، إما لحب دنيا، وإما لعنصرية وعصبية، وإما لأطماع، وإما لسياسية، فالله يتركه ويوليه ما تولى؛ لأنه أعرض عن علم، والجزاء إذا لم يتداركه الله بتوبة: َنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115].

    التحذير من الشرك بالله تعالى

    وهنا يقول تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:116]، فهي كالمفسرة لقوله: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى [النساء:115]؛ لأن الطوائف التي استباحت دماء المسلمين وكفرتهم، وأخرجتهم عن دين الله، وقضوا على فتنهم وحربهم وأذيتهم من عهد علي إلى يوم القيامة، هؤلاء هم الذين يصليهم الله نار جهنم.

    فقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:116]؛ لأن تلك الطوائف خرجت ففسدت عقائدها، ما أصبحت تعتقد ما يعتقد رسول الله وأصحابه، وحينئذٍ ارتموا في أحضان الكفر والشرك، وإن كانوا يعتقدون أنهم المسلمون وغيرهم كفار، وهؤلاء يقول تعالى في هذا الحكم العظيم: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:116]، لم؟ لأن الأمر له، ولأنه عاداه واحتقره وما وثق فيه، بل وما أخذ بهديه ولا بشريعته، وسوَّاه بغيره، فهذا يغضب الجبار عنه غضباً لا يزول، بخلاف من زنا أو سرق أو فجر، ثم هو مؤمن بالله ولقائه، معتقد ما اعتقد رسول الله وأصحابه، فهذا تحت المشيئة، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه، ثم أخرجه من النار، إذ إن أهل التوحيد الذين ماتوا على معنى لا إله إلا الله محمداً رسول الله وإن دخلوا النار ومكثوا فيها أحقاباً فإن مصيرهم إلى دار السلام، والله يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40]، أما من مات يشرك بالله، فهذا قد عادى الله معاداة كاملة، وسوى به مخلوقاته، بل ورفع درجات المخلوقات إلى درجة الله، فأطاعهم وأحبهم وعصى الله ولم يحبه.

    إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [النساء:116]، أي: الشرك، لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:116]، وهذا أمره تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه وأخرجه من النار.

    وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116]، أي: ضل ضلالاً لا يستطيع العودة منه، أما إن سرق أو زنا أو عق والديه، فهذا في الإمكان أن يعود، إذ ضلاله ليس بعيداً، فكم من إنسان عاش على الخمر أربعين عاماً ثم تركها ومات وهو لا يشربها، وكم من إنسان يدخن طول حياته وآخر أمره ألقى بالسيجارة وتاب إلى الله تعالى.

    أنواع الشرك الذي يحصل من العباد

    معاشر المستمعين! وقد حفظتم الآية فهيا بنا نتناول درسها وإن بقي وقت فإلى غدٍ إن شاء الله، اسمع! الشرك بالله يعني: أن تجعل له في عبادته شريكاً، نقول: فلان أشرك فلاناً في المزرعة، وأشركه في الدكان، أي: جعل له نصيب.

    فأولاً: الشرك في ربوبية الله عز وجل، وهي كونه تعالى الخالق الرازق المدبر لكل الكائنات، وهذا توحيد الربوبية، فلا يوجد من خلق مع الله ولو ذبابة، ولا يوجد من خلق مع الله كوكباً واحداً من بليارات الكواكب، إذ الله تفرد بالخلق والرزق والتدبير للكون كله، وبالتالي فمن اعتقد أن فلاناً من الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء شارك الله في هذا فقد كفر كفراً كاملاً، كفر بربوبية الله عز وجل، وهذا الشرك في الربوبية نادر عند الأولين، إذ إن العرب أنفسهم ما كانوا يعتقدون أبداً أن الله خلق معه خالق آخر أو رزق معه رازق آخر، والرسول يقال له: اسألهم: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [يونس:31]، قل: الله، إذ ليس هناك جواب إلا هذا، أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ [يونس:31]، ويكفي أنهم يحلفون بالله، ولكن أشركوا في عبادته لا في ربوبيته.

    إذاً: التوحيد أولاً: أن نوحد الله في ربوبيته، فلا خالق ولا رازق ولا مدبر إلا الله تعالى، والتدبير معروف، يقال: المرأة تدبر المطبخ، وكذلك تدبير الحياة تعني: أنه تعالى هو الذي يميت ويحيي، يعطي ويمنع، يعز ويذل، يجمل ويقبح، كل الحياة هو الذي يديرها، فهل هناك من يحيى بدون الله؟ من يوجد بدون الله؟ من يموت بدون الله؟ لا، وهذه الربوبية نخص الله تعالى بها، فلا خالق ولا رازق ولا مدبر إلا هو.

    ثانياً: الشرك في أسمائه وصفاته، إذ لله مائة اسم إلا واحداً، وأكثر المسلمين لا يقولون بهذا، فهم لا يحفظونها، وهذه الأسماء الحسنى والصفات العلا لا يصح أن نسمي أحداً بها؛ حتى لا نشاركه في أسمائه وصفاته، فلا يجوز أن تسمي أحداً: الله! أو تسمي آخر: الرحمن!

    واسمع إلى الرسول الكريم وهو يقول: ( إذا كان ثلث الليل الآخر -آخر الليل- ينزل الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا -القريبة منا- وينادي: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ )، فكل من سأل واستغفر وطلب يحصل على ما أراد، وهذا نزول حقيقي يليق بجلال الله عز وجل.

    وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: ( يضحك الرب تبارك وتعالى لرجلين قتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: هذا الكافر يقتل مؤمناً في الجهاد، ويسلم الكافر الذي قتل المؤمن، فيدخل الجنة فيلتقي مع مقتوله )، أي: أن المشرك قتل صحابياً ثم أسلم بعد ذلك، فإنه يدخل الجنة، والشاهد في كون الله يضحك، لكن لا تفهم أو تتصور أن ضحك الله كضحك الكائنات، إذ هذا مستحيل؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وكون الجبار عز وجل يضع قدمه في النار لما يسألها: هل من مزيد؟ فتقول: قط قط، يعني: أن لله قدماً تليق به سبحانه وتعالى، لا كأقدام المخلوقات.

    وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.