إسلام ويب

تفسير سورة النساء (63)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نهى الله عز وجل عباده عن التناجي، وبين لهم أن التناجي خصلة ذميمة إلا في حالات معينة، فقد استثنى من مواطن الذم أن يكون التناجي للأمر بالصدقة على الفقير والمسكين، أو يكون للأمر بالمعروف والخير، أو يكون لغرض الإصلاح بين المتخاصمين، سواء كانوا قبيلتين أو طائفتين أو رجلين، فهذا كله من باب التعاون على البر والتقوى والتناجي بالمعروف لنفع العباد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ....)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، فاللهم حقق رجاءنا إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.

    وها نحن مع سورة النساء المكية المدنية الميمونة المباركة، ذات الأحكام والقوانين الإلهية، ومعنا الليلة هاتان الآيتان، فهيا بنا نردد تلاوتهما، فأنا أجهر وأنتم في أنفسكم، ثم نأخذ في شرحها وبيان هداية الله تعالى منها، وتلاوة الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:114-115].

    تأملوا -يفتح الله عليكم- في معاني هاتين الآيتين مرة أخرى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:114-115].‏

    بيان معنى النجوى

    معاشر المستمعتين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! من صاحب هذين الخبرين؟ الله جل جلاله، إذ هذا كلام ربي تبارك وتعالى الذي أنزله على رسوله وخاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم، وهو على مقربة منا، وتلك حجراته، وهذا مسجده، فاسمع الخبر الأول: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ [النساء:114]، ما هي النجوى؟ النجوى: مصدر أو اسم مصدر، ومعناها: المسارة بالكلام، وهي مأخوذة من النجوى التي هي المكان المرتفع، كالذي يأخذ رجلاً من بيننا ويخلو به ويساره، أي: رفعه إليه، فلا خير يوجد قط في أية مناجاة إلا ما استثنى الله عز وجل، وهذا من باب هداية الخلق وإصلاح البشرية، فربهم جل يريد كمالهم وسعادتهم؛ لأنه سيدهم ومولاهم، وخالقهم ورازقهم، وخالق الكون كله من أجلهم، فكيف إذاً لا يريد إكمالهم وإسعادهم؟! لو ما أراد ذلك ما أنزل كتاباً ولا أوحى بوحي ولا بعث رسولاً، بل ولتركهم كعالم الشياطين.

    لا خَيْرَ [النساء:114] نفي كامل، أي: لا يحل لمؤمن أن يخلو بآخر ويناجيه سراً؛ لقول الرسول المفسر المبين: ( لا يتناجى اثنان دون الثالث )، كأن نكون جالسين في مجلس تحت ظل شجرة أو جدار أو منزل، فيأخذ أحدهم الثاني ويخلو به ويناجيه، أي: يساره بالكلام بينه وبينه، فهذه الوضعية حرام؛ لأن المؤمن يتأذى، وقد يقول في نفسه: ماذا يقولان؟ لعلهما يتآمران علي، لعلهما يريدان بي الشر، لعلهم يحجزاني عن الخير ويبعداني عنه، لماذا وأنا أخوهم؟! فهذه التساؤلات في حد ذاتها أذية للمؤمن يتأذى بها، ولذلك فلا يحل أن يتناجى اثنان دون الثالث، ولا أربعة دون الثالث، ولا خمسة دون الرابع، وهذه صورة عامة حفاظاً على مودة المؤمنين وعلى حبهم لبعضهم البعض، وبالتالي كل قول أو عمل، بل أو حركة تحدث في نفس مؤمن أذى فهي ممنوعة في مجتمعنا الإسلامي.

    وفي سورة المجادلة يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المجادلة:9]، أي: بالخير وما يساعدكم على تقوى الله عز وجل.

    وليذكر أهل الحلقة من نساء ورجال أن السياق مازال مع طعمة بن أبيرق وإخوته الذين تناجوا وتآمروا بالليل واتهموا اليهودي بسرقة الدرع، وهو من السرقة بريء، ولكن القرآن كتاب هداية للبشرية كلها ما دامت على سطح الأرض، فلم تُرفع أبداً أحكامه ولا آدابه ولا شرائعه ولا حكمه حتى يرفعه الله عز وجل، والعبرة دائماً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالسبب في نزول الآيات هو طعمة بن أبيرق الذي هلك في مكة، وذلك أنه سرق درعاً من بيت رجل من المسلمين، فلما سمع كلام الجيران خاف فرماه في بيت يهودي، وتآمر مع إخوانه وقالوا: اليهودي هو الذي سرق، وكاد الرسول أن يقطع يد اليهودي، إلا أن الله أنقذه وبين له الفتنة وأصولها، وقد درسنا هذا فيما سبق، والسياق ما زال مع الحادثة التي تمت في المدينة.

    الأمر بالصدقة مما استثناه الله من النجوى

    لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ [النساء:114]، اللهم إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ [النساء:114]، فمثلاً أنتم جالسون في منزل أو في مكان ما، وفلان فقير محتاج بين أيديكم، فليس من إكرامه أن تقول: يا إخواني! أخوكم جائع أو عاري أطعموه واكسوه؛ لأن المؤمن الحق يتأذى بهذا أشد الأذى، فيتأذى أن يُعلن عن فقره أو حاجته، فإن قيل: يا شيخ! هم الآن يشحتون ويتسولون ويطلبون؟ والجواب: هبطنا وهبطوا معنا فلا عجب، وإلا كان من يمد يده؟ من يسأل غير الله عز وجل؟

    إذاً: من باب إكرام الله لأوليائه، أن من أراد أن يجمع لأخيه ما يفطر به فلا يحل له أن يعلن عن ذلك، بل يناجي هذا وهذا: نجمع لفلان كذا وكذا، وهذه صدقة يجوز فيها المناجاة؛ لأن الله لا يرضى أن يؤذى وليه وعبده الذي ابتلاه بالجوع أو بالعري امتحاناً له ليرفعه أو يزيد من كماله، لذلك لابد أن نحترم هذا المؤمن لما جاع أو عري، فإذا أردنا أن نجمع له فنخفي هذا الكلام ونسره فيما بيننا ونقدم له، فهل فهمتم هذه؟ وهل ممكن أن نعمل بها أو أنها صعبة؟

    الأمر بالمعروف مما استثناه الله من النجوى

    ثم قال تعالى: أَوْ مَعْرُوفٍ [النساء:114]، ما المعروف؟ العرف: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [الأعراف:199]، العرف والمعروف: كل ما عرفه الله لنا في كتابه أو على لسان رسوله من أنواع البر والخير، وبعبارة أوضح: كل ما أذن الله لنا في قوله أو فعله، كل ما أمر الله بفعله أو قوله، كل ما أمر الله منتدباً مستحباً لعباده أن يأتوه، والمعروف العام ضد المنكر، ومادام قد أذن الله بقوله أو عمله أو أوجبه أو انتدب إليه، فأي معروف أعظم من هذا؟!

    إذاً: المناجاة محرمة، إلا أن تكون في أمرٍ بصدقة وجمعها لمؤمن أو مؤمنة حتى لا يُفضح بين الناس ويؤذى، أو أراد أن يأمر بمعروف، واقتضى الإسرار والمناجاة من أجله فلا بأس.

    الأمر بالإصلاح مما استثناه الله من النجوى

    ثم قال: أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114]، أراد أن يصلح بين جماعتين، أو بين قريتين، أو بين شخصين، حتى بين الرجل وامرأته، ففي هذه الحالة يناجي من هو أهل للمساعدة على إزالة هذه الجفوة أو على إبعاد هذه الأذية من بينهما، فلهما أن يتناجيا ويتكلما سرياً من أجل أن يصلحوا بين فلان وفلان لوجه الله، وهذا الإصلاح نذكر فيه حديثاً من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو قوله: ( ألا أخبركم بأفضلَ من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إصلاح ذات البين )، أي: إذا كان ما بين فلان وفلان قد تمزق وفسد، فاعملوا على إصلاح ما بينهما، وهذا بيان رسمي ألقاه الرسول علناً فقال: (ألا).

    معشر المستمعين! هل نعمل في هذا الميدان؟ أظن لا، اتركهم يأكل بعضهم بعضاً؛ لأننا هبطنا من علياء السماء، فقد كنا سادة وقادة وهداة، فاحتال علينا أعداء الله فهبطنا، فهانحن في الأرض، وكأن هذا القرآن ما سمعنا به أبداً، أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114]، وكلمة: بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114] أيضاً تشمل حتى الكفار، فلو تنازع كافران يهوديان أو نصرانيان فإننا نصلح بينهما ولا حرج وبسرية ومناجاة؛ لأن لفظ: (الناس) عام، فنحن هداة الخلق نحمل إليهم أنوار السماء ليعيشوا عليها كرماء أصفياء أطهار.

    قالت العلماء: هذه الثلاث جامعة لخيري الدنيا والآخرة، وهي : صدقة، معروف، إصلاح بين الناس، وهذه دعوة لنا معشر المؤمنين أن نتصدق ونفعل المعروف وندعو إليه ونبشر به ونقيم إلى جنب أصحابه.

    وهذه الثلاثة يدلك على خيريتها قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ [النساء:114]، أي: ومن يفعل ذلك المذكور من الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس، بشرط: ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ [النساء:114]، لا لقومية ولا لعصبية ولا لقرابة، وإنما يفعل ذلك طلباً أن يرضى الله عنه، فإن قام بها إلى غير الله ما قبلها الله منه.

    وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ [النساء:114]، أي: حال كونه طالباً لمرضاة الله، ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ [النساء:114]، وابتغى الشيء، أي: طلبه بكل حواسه ومشاعره، فيتجرد عن القرابة، وعن الوطن، وعن القبيلة، وعن الفائدة المادية، فلا يريد إلا الله عز وجل، وهنا لا معنى لفلاسفة الدنيا الذين يقولون: لإصلاح المجتمع، بل يفعل ذلك من أجل أن يرضى الله تعالى عنه، فإذا فاز برضا الله فاز بخيري الدنيا والآخرة، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114]، ألا وهو دار السلام.

    الطريق إلى معرفة الله عز وجل

    معشر المستمعين والمستمعات! لمَ يعمل الناس ولا يريدون بهذا وجه الله وابتغاء مرضاته؟ والجواب: لأن أكثرهم ما عرفوا الله والله العظيم، ومن لم يعرف الله كيف يعمل له؟ كيف يغمض عينيه عن كل هذه المصالح الدنيوية ولا يرى إلا الله عز وجل، فيفعل ذلك من أجله؟ العلة أنهم ما عرفوا الله تعالى، فمن منكم يقول: وكيف نعرف أن فلاناً عرف الله أو لم يعرفه؟ إن معرفة الله عز وجل المعرفة الحقيقية اليقينية تعني: المعرفة بآياته الكونية والتنزيلية، وهذه المعرفة متى ما وجدت أوجدت شيئين في العبد: الأول: الخوف من الله، والثاني: حب الله جل جلاله وعظم سلطانه، فمن لم يعرف الله معرفة حقيقة كما يعرف أمه وأباه، بل أشد، لا يوجد في نفسه من هذا شيء، لا الخوف من الله ولا الحب في الله، ويدلك لذلك أن ترى العبد يخاف الله، فلو قلت له وهو على معصية: أما تخاف الله؟ اضطرب وبكى وصرخ: أستغفر الله وأتوب إليه، فهذا يخاف الله عز وجل، كما قد ترغبه في شيء يحبه الله، ورغب عباده فيه، فما إن يعلمه حتى يكون قد دخل في قلبه من السرور والفرح والبهجة ما لا يقدر قدره إلا الله، وأصبح يعمل بذلك عملاً يؤثره على حياته كلها.

    فإن قيل: يا شيخ! ما الطريقة إلى العلم والمعرفة؟ سمعنا رسول الله يقول: ( إنما العلم بالتعلم )، أي: إنما يحصل العلم لصاحبه بالتعليم شيئاً فشيئاً يوماً فيوماً حتى يعلم، فلمَ ما نتعلم؟ نتعلم القرآن وحفظناه ثم نقرؤه على الموتى! ماذا نتعلم؟ وكيف نتعلم؟ نتعلم أن نعلم الله عز وجل بجلاله وكماله وصفاته، ونعلم محابه، وما أكثر ما يحب الله من الاعتقادات والأقوال والأفعال والصفات أيضاً، ونعلم ما يكره الله تعالى من الاعتقادات والأقوال والأعمال والصفات أيضاً، وهذه المعرفة لا تتأتى بالانتساب إلى الإسلام، ولا بكونه مؤمناً، والله لا تتأتى ولا تتهيأ لعبد إلا إذا طلب، ومن طلب في جد وأخذ يحصل على هذا العلم يوماً بعد يوم حتى يعلم بدون هيهات هيهات.

    إذاً: من يفعل هذه الثلاث التي هي أصول هداية الخلق ابتغاء مرضاة الله، وطلباً لرضا الله؛ لينزله بجواره، لا من أجل قرابة ولا من أجل وطن ولا من أجل أي علة أخرى، وإنما فقط من أجل ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ [النساء:114]، فالله يعده ومن أصدق من الله وعداً وعهداً وحديثاً.

    فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114]، فإذا كان العظيم-الله-يستعظم الأجر فكم يكون هذا الأجر؟! كم تقدرونه؟! إن كوكبكم الأرضي هذا يعطى المؤمن في الجنة أكثر من دنيانا هذه بسبع أو ثمانِ أو عشر مرات، هذا الأجر العظيم هو الجنة دار السلام.

    والآن بعدما عرفنا زادنا الله معرفة أننا لا نتناجى بالسوء والشر والأذى أبداً، وخذوا قاعدة قعدناها لأبنائنا لو كانوا يعملون، فأقول لهم: اسمعوا! إن الكلام الذي لا أستطيع أن أقوله في المسجد النبوي بين الناس لا أقوله في المنزل؛ لأن الكلام الذي تتحاشى أن تقوله بين الناس معناه أنه غير مرضٍ لله تعالى، فتخفيه أنت وتقوله في بيتك، فهل يصح هذا؟ إن المؤمن ظاهره كباطنه، فلا يفكر إلا فيما هو معروف وخير، ولا ينطق إلا بما هو معروف وخير، ولا يتحرك حركة فيعمل إلا فيما هو خير ومعروف، فالمناجاة الخاصة في البيوت والمنازل-وقد شاعت بيننا-تكون ضد الحكومات، ضد الأحزاب والجماعات، ضد المناوئين والمناوئات، فهل المجتمع الإسلامي يكون هكذا؟! ( المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذه ولا يكذبه، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله )، ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً )، فكيف تسار فلاناً وفلاناً سراً على أن تفعلوا كذا وكذا، أو تجحدوا الخير عنهم وتغطوه وتخفوه بينكم ولا يطلع عليه إخوانكم؟! إن هذه المسالك ليست ربانية ولا إسلامية أبداً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يتناجى اثنان دون الثالث )، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ [المجادلة:9].

    معاشر المستمعتين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! من طلب وجد، فمن أراد أن يعلم علم، ومن أراد أن يعمل عمل ووفقه الله، فقط نقبل على ربنا في صدق، ونسأله هدايتنا وتوفيقنا لما يحبه ويرضاه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى...)

    وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115].

    حرمة مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين

    قال تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ [النساء:115]، أي: ومن يشاقق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، أين يوجد ضريحه؟ هنا، سبحان الله! لو كنا في الهند أو في أمريكا ونقول: أين ضريح الرسول صلى الله عليه وسلم؟ نحن الآن في دياره والحمد لله، هذا الرسول المكرم المبجل المعظم، و(أل) هنا للتعظيم والتبجيل؛ لأن الرسول معروف، لا هو موسى ولا عيسى، (ومن يشاقِّ)، وفك الإدغام: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ [النساء:115] محمداً صلى الله عليه وسلم، كيف يشاقه؟ يتركه في شق وهو في شق، فلا يلتقيان ولا يتصافحان ولا يتعانقان، يقال: شاقه، أي: جعله في شق وهو في شق آخر، فلا تلاقي ولا مودة ولا حب ولا تعاون معه، فالرسول يدعو إلى كذا وهو يدعو إلى كذا، الرسول يأمر بكذا وكذا، وهو يأمر بعكس ذلك، فهذه هي المشاقة، وبالتالي فالذي يأمر بغير ما يأمر به رسول الله، والذي يدعو إلى غير ما يدعو إليه رسول الله، والذي يحب غير ما يحب رسول الله، والذي يكره غير الذي يكره رسول الله، فوالله لقد شاق الرسول مشاقة كاملة.

    وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى [النساء:115]، لابد من هذا الشرط، أي: من بعد ما عرف ما جاء به رسول الله وما يدعو إليه من الهدى والخير للبشرية، ولاحت أنواره وظهرت كراماته وأثره في البلد وفي البلاد والمجتمع، أما من كان جاهلاً ما عرف وما شاهد، فهذا له أمره، إذ نحن الآن مع من عرف ما يأمر به الرسول وما ينهى عنه وما يدعو إليه، ثم عاكسه من بعد ما تبين ولاح له وضوح النهار، وما يدعو إليه من الخير والحق والمعروف والهدى وإكمال البشرية وإسعادها، فقد شاق الرسول صلى الله عليه وسلم مشاقة كاملة، وهذا يدخل فيه مجموعات من اليهود ممن عرفوا أن محمداً رسول الله، كما قال عبد الله بن سلام: والله لا أشك في رسالة محمد ونبوته، وقد أشك في ولدي، فقد يكون ليس مني، أي: ممكن أن أمه قد خانتني، أما هو فصلى الله عليه وسلم فلا أشك فيه، وصدق الله إذ يقول: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146]، قال: نعرفه أكثر مما نعرف أبنائي؛ لما لاح من أنواع الهداية التي يقوم بها ويدعو إليها.

    مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى [النساء:115]، وهذا أولاً، وثانياً: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115]، أي: ويتبع غير طريق المؤمنين، هيا نبكي، ما هذه الفرقة؟ قال أهل العلم من كبار الصحابة والتابعين: إن هذه الآية دليل قطعي على الإجماع الإسلامي، فإذا أجمع علماء الأمة المحمدية في أي عصر من عصورها على شيء فإنه يحرم الخروج عنهما، ولا يحل لمؤمن أن يخرج عن ذلك الإجماع ويعيش منفرداً برأيه، وهكذا أهل القرية من قرانا الإسلامية العربية والعجمية، فيجب على أهل القرية أن يجتمعوا على إمامهم وواعظهم ومعلمهم ومربيهم ولا يختلفون أبداً، ومن خالف وانفرد وقع في هذه الورطة، واتبع غير سبيل المسلمين، وهذا إغلاق لكل نافذة أو فوة فضلاً عن باب يدعو إلى الفرقة بين المسلمين؛ لأن المسلمين يحملون راية الهدى، يحملون راية لا إله إلا الله محمد رسول الله إلى البشرية كلها، فهل يقدرون على رفعها وهم متنازعون متحاربون مختلفون؟ والله ما يستطيعون، وانظر إليهم لما تمذهبوا مذاهب وطرائق سقطت الراية منهم واستعمرهم الغرب فأذلوهم، وعملوا على تمزيقنا وتشتيتنا وتفريقنا، وإن قلت: كيف؟! كم من مذاهب موجودة في المسلمين حتى مذاهب الحق الأربعة؟ والله ما ينبغي أن تكون، ولكن تباعد الديار، فكيف يعرفون؟ قالوا: لا بأس، وهذه المسائل التي جاءت عن إمام من أهل العلم، كـأبي حنيفة أو أحمد أو مالك نعمل بها بشرط واحد: إذا صح عند أحمد أو مالك أو الشافعي أو أبا حنيفة الحديث فلا يحل لمؤمن أن يقول: أنا حنفي، أو أنا مالكي، أو أنا حنبلي، أو أنا شافعي، إذ هذه مذاهب الحق الأربعة الواردة لمصادر الكتاب والسنة، فإذا بقينا في إقليم وأخذنا المذهب الفلاني نعمل به على أنه حق، لكن إذا جاءت السنة المبينة نقول: اسمحوا لنا نحن أحناف ما نعمل بهذا! والله ما يجوز هذا، أما المذاهب التي أعلنت خروجها عن جماعة المسلمين فلا تسأل عنها ولا نذكرها، إذ هي هالكة.

    سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115]، أي: أن الطريق الموصل إلى رضا الله عز وجل هو العمل بالقرآن العظيم والسنة النبوية المبينة المفصلة الشارحة لما جاء في كتاب الله عز وجل، فهذا هو سبيل المؤمنين، قال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، أي: وما أعطاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا.

    وتلك الطوائف المتنوعة قد هبطت وتمزقت، وكان الواجب أن يراجعوا أمرهم ويعودوا إلى جماعة المسلمين، فلمَ يرضون بالاستقلاليات؟! هل يقولون: نحن كذا ونحن كذا؟!

    والمهم أن هذا وعيد إلهي: ومن يشاقق الرسول، ومعنى يشاقه: أي: ما يقبل قوله، فتأتيه السنة فيرفضها لا لشيء إلا لهوى أو شهوة أو مادة أو للحفاظ على مركز أو للإبقاء على منافع دنيوية.

    وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى [النساء:115]، ولاحت أنواره وعرف أن هذا هو الحق، وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115]، أي: ما يمشي مع المؤمنين في طريقهم الموصل إلى رضا ربهم، وهو العمل بالكتاب والسنة، عقيدة وقولاً وفعلاً.

    جزاء من شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين

    قال تعالى: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى [النساء:115]، أي: نتركه لما طلب، إلا إذا تاب وأناب فالله عز وجل يقبله، أما ما دام مصراً على الهوى وهذه الشهوة وهذا الباطل فيتركه لذلك، فنوله الآن في الدنيا ما تولاه، وهذه سنة الله عز وجل، وهذا نظام الأسباب، فإذا رغبت عن الله ورسوله، ورغبت عن جماعة المسلمين واخترت غيرهم، يتركك الله لهم، إلا عرفت الطريق ورجعت، وندمت وبكيت، فالله يقبلك مادمت حياً قبل الآخرة.

    نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى [النساء:115]، أي: نتركه لما طلب، فلا ننزل عليه ملكاً يبين له أو يأخذه، بل نتركه لما طلبه من الخروج عن جماعة المسلمين، ولكن في الآخرة بعد الموت: وَنُصْلِهِ [النساء:115]، أي: نحرقه بجهنم، وساءت جهنم مصيراً يصير إليه الآدمي، فماذا تعرفون عن جهنم؟ يُسقى أهلها الحميم، ويصب على رءوسهم الحميم، فيصهر ما في بطونهم والجلود، وتعظَّم أجسامهم وتكبر حتى يكون عرض الإنسان مائة وخمسة وثلاثين كيلو متراً، وذلك كما بين أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ( ما بين كتفي الكافر في النار كما بين مكة وقديد )، وضرسه ونابه والله كجبل أحد، وذلك ليخلد في عالم الشقاء بلا نهاية، وهذا والله أمر لا يطاق أبداً.

    وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115]، لو كانت الأعمار ما تنتهي نقول: متى هذا؟ لكننا نشاهد أنفسنا نقبض يومياً ونؤخذ من بين أهلنا وذوينا، فهل هناك من أثبت حياته وقال: لن أموت حتى لا نعذب؟ لا أحد، بل مادام أنه خلق ثم يميت ثم يحيي، ولا يميت بعد ذلك، فقال تعالى: لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا [طه:74].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أولاً: عرفنا هذه الآداب الإسلامية، فلا يتناجى اثنان دون آخر حتى لا يؤذونه، وثانياً: إذا كنا نتناجى لواحدة من هذه الثلاثة: إما صدقة، وإما إصلاح بين اثنين، أو معروف ليفعله إخواننا، فقد أذن الله لنا في هذا، ثم بعد ذلك نعمل إن شاء الله على أن نكون من أهل هذه الصفات الثلاث، ممن يتصدقون أو يدعون إلى ذلك، ممن يأمرون بالمعروف ولا يفارقونه، ممن يصلحون بين إخوانهم حيثما وقع الشقاق أو الخلاف بين اثنين أو بين جماعة، فنعمل على إصلاحهم، وقد سمعتم جزاء الله عز وجل على ذلك فقال: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114]، ألا وهو الجنة بعد رضا الله عز وجل، وعرفنا أيضاً أن المناجاة بالكلام المهلك الممزق المسيل للدماء، المفرق بين المسلمين، المفرق بين الرجل وزوجته، بين الأخ وأخيه، باطل وأهله في النار، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ [المجادلة:9]، وليكن باطننا كظاهرنا، فالكلمة التي هي حق وخير ومعروف وأنها تنفع المسلمين، فلنقلها في السوق أو في المسجد أو في البيت، والكلمة التي نعلم أنها تحمل الأذى والضرر فلا نقولها حتى ولو كنا في أنفسنا لا نتكلم بها، ومن طلب وجد، ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )، ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )، عرفت أنك لا تستطيع أن تقول الخير إذاً لا تتكلم، ولنذكر قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت )، أي: إذا لم تستح من الله ولم تخفه فافعل كل شيء، فلابد من مراقبة الله عز وجل، فنعيش مع الله عند الأكل وعند الشرب، بل في كل أحوالنا نراقبه ونطلب رضاه، وبذلك نظفر إن شاء الله.

    أخيراً: إياكم والتحزب والتجمع، ففي أي بلد قل: أنا مسلم، ولا تقل: أنا حنفي ولا وطني، فمن سألك: من أنت يرحمك الله؟ فقل: أنا مسلم، مرني بأمر الله وانهني بنهي الله، مرني بأمر رسول الله وانهني بنهي رسول الله فأنا معك، أما حزب أو جماعة أو منظمة أو تكتل أو دولة أو إقليم، فإن هذا ممحوٌ عندنا معشر المؤمنين والمؤمنات، وذلك حتى لا نخرج عن جماعة المسلمين.

    وصلى الله على نبينا محمد.