إسلام ويب

تفسير سورة النساء (62)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فضائل الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم كثيرة، ومما تفضل الله به عليه أنه وقاه من الجور في الحكم في قضية بني أبيرق واليهودي الذي اتهموه بالسرقة، فبعد أن كاد النبي يحكم على اليهودي بعد شهادة الشهود عليه أنزل الله عز وجل قرآناً يتلى، برأ فيه اليهودي وفضح طعمة بن أبيرق المنافق إذ كان هو الذي سرق ورمى بهذه التهمة اليهودي البريء، وبعد فضحه انقلب على عقبيه فاراً إلى مكة كافراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وما زلنا مع سورة النساء الميمونة المباركة، وها نحن مع هذه الآيات الأربع، فهيا نتلو هذه الآيات ونتدبر معانيها وما تحمله من هدى، يقول تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء:110-113].

    تأملوا هذا، الله يخاطب رسوله فيقول: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:110]، وهذه عامة لكل مؤمن ومؤمنة.

    وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ [النساء:111]، لا على غيره، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:111]، لا يخفى عليه من كسب إثماً وجحده وغطاه، (حكيماً) يجزي بحسب ذلك العمل.

    وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء:112]، وتأملوا هذه الآية.

    ثم قال تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء:113].

    وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا [النساء:110]، ماذا تفهم يا عبد الله ويا أمة الله من هذا الخبر؟ المخبر هو الله العليم الحكيم، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا [النساء:110]، والسوء كل ما يسيء إلى نفسك فيخبثها ويدرنها ويعفنها، وذلك كل إثم من الآثام، والإثم إما تركك واجباً وأنت قادر على فعله، أو ارتكابك محرماً من المحرمات.

    وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا [النساء:110]، أي: ما يسيء إلى نفسه، أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ [النساء:110]، أي: يعمل سوءاً مع غيره، كأن يكذب أو يضرب أو يظلم غيره، أو يظلم نفسه بارتكاب محرم، إما بترك واجب أوجبه الله، أو بغشيان محرم حرمه الله تعالى، عقيدة كان أو قولاً أو فعلاً، وتذكرون قصة بني أبيرق وعلى رأسهم طعمة، والآيات تدور عليهم.

    فانظر كيف تجلت رحمة الله تعالى فقال لهم: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ [النساء:110]، أي: منكم يا بني أبيرق ومن شارك في الإثم ووقف إلى جنبكم، فبابنا مفتوح فاستغفروا الله تجدوا الله غفوراً رحيماً.

    هذه الجماعة التي ارتكبت أكبر جريمة وهي السرقة، ثم اتهمت اليهودي بالسرقة، واستطاعوا أن يجذبوا رسول الله إليهم، وكاد أن يوافقهم على دعواهم ويقطع يد اليهودي، لكن الله سلم فأنزل هذه الآيات، وفضح أولئك المنافقين، ومع هذا فتح لهم باب الرحمة.

    و (مَن) في الآية تفيد العموم، سواء ارتكب هذا السوء أبيضاً أو أسوداً، ذكراً أو أنثى، عربياً أو أعجمياً، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا [النساء:110]، أي: مع أي مؤمن أو مؤمنة، كأن يأخذ ماله أو يسبه أو يشتمه أو يكذب عليه أو يفتري عليه، أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ [النساء:110] أي: بارتكاب محرم أو ترك واجب، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ [النساء:110]، أي: يتوب توبة نصوحاً، ويكثر من الاستغفار، ولا يفارقه الندم، ويطلب العفو ممن جنى عليه أو اعتدى عليه، وهذه التوبة عبر عنها بالاستغفار، فلا بد من التوبة والرجوع إلى الصواب، والرجوع إلى الحق، فإن كان بينه وبين أخيه يطلب سماحاً منه ومعذرة وعفواً، ويعطيه ما أخذه منه، يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:110]، أي: من شأنه هذا فإنه يجد الله غفوراً رحيماً، وبالتالي لا تخف أن تقول: أغلق باب التوبة في وجهي، إذ ما من مؤمن ولا مؤمنة يعمل سوءاً وهو الإثم الضار الفاسد، أو يظلم نفسه بالذات، بأن يرتكب ما حرم الله، ثم يستغفر الله نادماً راجعاً إلى الصواب عائداً إلى الحق، ويواصل الاستغفار والتوبة، فإنه يجد الله غفوراً له رحيماً به، يغفر زلته ويرحمه، وعليه ففتح الله لهم باب التوبة إلا من رفض منهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه...)

    وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:111].

    يقول تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا [النساء:111] من الآثام، والإثم كل ضار فاسد، أو كل ما يضر فهو إثم، أو كل ما هو فاسد فهو إثم غير صالح.

    فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ [النساء:111]، لا على غيره، فلو يقوم أحد منا الآن ويقول الباطل فإننا لا نتأذى به، وإنما يعود عليه هو وحده، وذلك لأن العمل يتولد أو ينتج عنه ظلمة النفس وخبث الروح وتدسيتها، فما تتدسى روحي ولا روحك بذنب ذلك الرجل، اللهم إلا في حال رضانا بالباطل وسكوتنا عنه، وحينئذ نكون قد ارتكبنا ذنباً آخر وهو أننا ما أمرنا بمعروف ولا نهينا عن منكر.

    وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:111]، عليماً لا يخفى عليه ذنب يرتكبه إنسان على وجه الأرض، فلا تفهم أنه لا يطلع الله عليك، أو لا يدري ساعة ما قلت أو فعلت، فالله مازال عليماً بالخلق كلهم، وعلمه تعالى تغلغل في كل ذرات الكون العلوي والسفلي، فلا يخفى عليه من أمرنا شيئاً، وحكيماً يضع الشيء في موضعه، فالذي أذنب هو الذي يؤاخذه، والذي لم يذنب لا يصيبه بالمصيبة ولا يحل به العذاب، بخلاف لو كان غير حكيم، فـعدنان يسرق وهو راض فتقطع يده، لكنه عليم عادل، فاطمئن إلى أنك لا تظلم أبداً، لا في حسنة تقوم بها ولا في سيئة ترتكبها.

    وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا [النساء:111]، أي: بخلقه، حَكِيمًا [النساء:111]، في قضائه وتصرفاته وشرعه، فلتطمئن النفوس تماماً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً)

    وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء:112].

    قال تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا [النساء:112]، ما الفرق بين الخطيئة والإثم؟ الخطيئة أن يفعل الإنسان شيئاً ضد أخيه كما فعل ابن أبيرق، والإثم مطلقاً، أي: ترك واجب أو فعل محرم، ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا [النساء:112]، والبريء مأخوذ من البراءة، وهو الذي ما فعل، ما قال قولاً شنيعاً أبداً ولا سرق ولا كذب، بينما الآخر يرتكب الخطيئة أو الإثم ويقول: فلان هو الذي فعل ذلك، يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا [النساء:112]، كما رمى بنو أبيرق اليهودي، فقد وضعوا الدرع في بيته وقالوا: هو الذي سرق.

    وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا [النساء:112]، ما له؟ فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء:112]، احتمل لأنه ما يطيق أن يحمل هذا، فهو احتمله بأمر فظيع، والبهتان هو الكذب الذي يبهت صاحبه فيتركه حيراناً، فالكذب كذب، ولكن إذا بهت مؤمناً ولم يسبق له هذا القول ولا هذا العمل، ثم واجهته وقلت له: أنت قلت كذا أو فعلت كذا، فإنه يحتار ويندهش، فهذا هو البهتان، أي: الكذب الذي ما له عامل أبداً يقتضيه أو سبب ممكن يوجد بسببه، فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء:112]، والجزاء عند الله إن تاب نجا؛ لأن باب التوبة مفتوح، لكن كرر الحادثة، وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا [النساء:112]، فهم سرقوا، لكن لما خافوا أن يفتضحوا رموا اليهودي، فارتكبوا بذلك خطيئة وإثماً، فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء:112].

    وهنا قد انتهى الكلام عن بني أبيرق ومن وقف إلى جنبهم من أهل الغفلة، وقد فتح الله لهم الباب وتاب على من تاب منهم، والآن الكلام مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك)

    وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء:113].

    امتنان الله على رسوله بأن حفظه وعصمه من الخطأ في الحكم

    يقول تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ [النساء:113] يا رسولنا، لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ [النساء:113]، فقد جاءوا بمن ينطق ويحلف: السارق هو اليهودي، وهذا ما علمنا به، ولا يمكن أن يتم هذا بيننا، فماذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟ عصمه الله وحفظه قبل أن يصدر الحكم على اليهودي، فنزلت الآيات القرآنية ببراءة اليهودي، وهذا فضل الله ورحمته على رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ [النساء:113]، ما معنى: يُضِلُّوكَ [النساء:113]؟ أي: يوقعونك في الضلال وفي الخطأ، وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ [النساء:113]، أما أنت يا رسولنا فيحميك ربك ويصونك مولاك، وقد فعل ذلك، وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ [النساء:113]، فطمأنه وأمنه، وكيف لا وهو وليه، وهو من أرسله إلى الناس كافة، وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ [النساء:113] أبداً، بل أقل الضرر لا يمكن أن يصل إليك يا رسولنا.

    امتنان الله على رسوله بأن أنزل عليه الكتاب والحكمة وعلمه ما لم يكن يعلم

    وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [النساء:113]، ولم يقل: وأنزلنا، وإنما قال: وَأَنزَلَ اللَّهُ [النساء:113] جل جلاله وعظم سلطانه، عَلَيْكَ [النساء:113] يا رسولنا، الْكِتَابَ [النساء:113]، أي: القرآن الكريم، فهل هناك من يدعي أنه أنزل عليه؟

    وهذه أعظم آية في كتاب الله تقرر نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد تحدى الله عز وجل العرب وهم أولوا البلاغة والفصاحة والبيان على أن يأتوا بسورة كسور القرآن الكريم، فقال تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:23-24]، إذاً: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24]، وهنا لطيفة قرآنية وهي قوله تعالى: وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24]، إذ لا يقول هذا إلا الله؛ لأن الله عز وجل قادر على أن يختم على قلوبهم وألسنتهم، ولا يقدر أحد أن يحاكي أو يماثل الله في ذلك.

    ثانياً: أن هذه الأنوار القرآنية من أين لغير الرسول أن يأتي بمثلها؟ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ [البقرة:23]، أي: في شك، مِمَّا نَزَّلْنَا [البقرة:23] على عبدنا من هذا القرآن، إذاً: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23] من مثل محمد في أميته، فقد قضى أربعين سنة وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ثم يأتي بهذه العلوم والمعارف التي يحار لها العقل، ويأتي بالقصص وتاريخ البشرية، ولن يستطيع أحد أن يرد كلمة أبداً أو يقول: هذا ما وقع.

    ثم يقول: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي [البقرة:24]، أي: أسلموا وادخلوا في رحمة الله، لكن قال: وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24]، و(لن) الزمخشرية تنفي المستقبل، وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24]، واليوم مضت ألف وأربعمائة سنة ما جاءوا بسورة من مثله، بل نقول: اليابان الصناعية اليوم قد تفوقت، فهل تستطيع أن تنتج آلة من آلات الحديد، كسيارة أو غيرها وتقول: نتحدى البشرية لمدة سبعين سنة أن ينتجوا مثل هذه؟ لا يمكن، كذلك أمريكا أو روسيا أو أي دولة صناعية تقول: نتحدى البشرية أن يوجدوا مثل هذا الاختراع لفترة خمسين أو سبعين سنة، لا يمكن ذلك أبداً، وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24]، هل فعلوا؟ لا والله، كم سنة الآن؟ ألف وأربعمائة وخمسة عشر سنة ولم يفعلوا ذلك، آمنا بالله وحده.

    وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [النساء:113]، والحكمة هي معرفة أسرار هذا الكتاب، والحكمة ذلك النور الذي يغشى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول الحكمة ويظهرها ويوصي بها ويشرعها للعباد، ولهذا فالحكمة هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء:113]، هل كان الرسول يعلم شيئاً؟ اقرءوا قوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:6-7]، ما كان عليه الصلاة والسلام يعلم شيئاً، وإنما مجرد شاب من شبان قريش من بني هاشم حتى بلغ أربعين سنة، ففاجأه الحق في غار حراء في رمضان، وبدأ الوحي ينزل عليه واستمر ثلاثاً وعشرين سنة حتى اكتمل هذا القانون السماوي، وحتى اكتمل هذا القرآن الكريم.

    فضل الله العظيم على رسوله صلى الله عليه وسلم

    قال: وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء:113]، إي والله، فقد كان فضل الله على رسوله عظيم، فيا من هم مخدوعون بالدنيا! إن الرسول الذي يقول له ربه: وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء:113] ما شبع من خبز شعير مرتين في يوم واحد، فلا تفهموا أن المال والغنى هو رضا الله عز وجل، أو مظاهر إكرام الله للعبد، والله ما هو إلا ابتلاء وامتحان، إما أن تنجح وإما أن تتمزق وتخسر أبداً، فلا التفات إلى أوساخ هذه الدنيا أبداً، فهذه أم المؤمنين تقول: كانت إحدانا -أي: نساء النبي- تتحيض في الثوب الواحد الحيضتين.

    إذاً: ما فضل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم؟ حسبه أن يرفعه الله إليه، وأن يجلسه بين يديه، وأن يكلمه شفوياً كفاحاً ومواجهة بلا واسطة، فأي رائد برز في الكون غير محمد صلى الله عليه وسلم ليخترق السبع الطباق مسيرة خمسة آلاف وخمسمائة سنة، وانتهى إلى سدرة المنتهى وإلى ما فوقها، حتى إن جبريل يقف فيقال له: ( تقدم يا جبريل فيقول: ما منا إلا له مقام معلوم )؟!

    وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حرس من المؤمنين، إذ إنهم كانوا خائفين عليه من اليهود والمنافقين والمشركين في العام الأول والثاني من قدومه المدينة، فلما نزل قول الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]، قال لأولئك الحرس: ( أيه الناس! انصرفوا عني فقد عصمني الله )، فلو اجتمعت الدنيا كلها على أن يقتلوا رسول الله ما قدروا على قتله، مع أنهم كانوا يتربصون به ليقتلوه، فالمنافقون واليهود متعاونون على قتله لكن الله فضحهم.

    وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء:113]، فأي فضل أعظم من أن تصبح رسول الله، فتتكلم مع الله ويلقي بالمعارف والعلوم إلى قلبك وينزل عليك كتابه، ثم ماذا؟ اسمعوا! أول من يدخل الجنة دار السلام محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه، فهم أول أمة دخولاً الجنة مع أنهم آخر أمة في الوجود.

    المقام المحمود الذي يعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم

    كما أعطى الله رسوله أعظم عطاء، فقد أعطاه الشفاعة العظمى، أتعرفون الشفاعة العظمى؟ إليكم صورتها: لما تقف البشرية كلها على صعيد واحد، على أرض بيضاء كخبز النقي، لا جبل ولا تل ولا انخفاض ولا ارتفاع، وذلك في يوم طوله خمسون ألف سنة، فإذا كان من عهد عيسى إلى اليوم ألفين سنة ما كملت بعد، فأين ثمانية وأربعون ألف سنة أخرى؟ واقرءوا: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا [المعارج:4-5].

    وهم واقفون ينتظرون القضاء فيهم وعليهم، ومن مظاهر هذا: وإذا بنفخة من إسرافيل فيصعق كل أحد إلا من شاء الله، قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( فأكون أول من يفيق )، أي: أول من يفيق من تلك الصعقة، ( وإذا بأخي موسى آخذ بإحدى قوائم العرش، لا أدري أفاق قبلي أو جوزي بصعقة الطور فلم يصعق؟ )، وصعقة الطور لما كان في جبل الطور، وذلك لما كلمه ربه كفاحاً بلا واسطة، فلما غمره ذلك الحب وذلك الكمال، هشت نفسه وطلب من ربه أن يريه وجهه، واقرءوا قوله تعالى: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف:143]، الذي أمامك، فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143]، فتجلى الرحمن، أي: ظهر للجبل فاندك الجبل، وما إن رأى موسى الجبل العظيم بصخوره قد تحلل صعق وأُغمي عليه، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( لعل موسى جزاه الله بتلك الصعقة ) ، أي: ما أعطاه الله صعقة ثانية.

    وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ [الزمر:67-69]، جاء الرب، وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الزمر:69].

    وبينما هم واقفون وقد طال الزمان والمدة، والحر شديد والهول عظيم، والله من الناس من يلجمه العرق، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى سرته بحسب ذنوبهم وصالح أعمالهم، فيأتون آدم عليه السلام، وقد أخبر بهذا الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري وصحيح الأحاديث، وليس معنى هذا أن كل البشرية بالمليارات تأتي آدم، وإنما طوائف منهم تأتي آدم عليه السلام، فيقولون له: يا آدم! لقد خلقك الله بيديه، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، اشفع لنا عند ربنا ليقضي بيننا، فقد طالت مدة الوقوف، فيعتذر آدم ويقول: كيف أكلم ربي وقد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله ولا بعده مثله، وقد عصيته، فيذكر آدم معصيته، ونحن كم عندنا معصية؟! ألف معصية؟!

    وأبشركم -ولا تقولوا: الشيخ بهلول- بأني منذ ثلاث ليال رأيت آدم في المنام كأحسن ما يكون، وأنا معه جالس وأتكلم معه، والله سنراه إن شاء الله، ولعلنا نكون ممن يأتون إليه إن شاء الله.

    فيعتذر آدم لزلة قدمه مرة واحدة عندما نهاه الله وامرأته عن أكل الشجرة، فزين لهما الشيطان وغرر بهما فأكلا منها، فقال: كيف أواجه ربي وأنا قد عصيته؟ فكم زلة قد ارتكبناها؟!

    ثم قال لهم: أنصح لكم أن تذهبوا إلى نوح أبو البشرية الثاني بعد آدم، كيف لقب بأبي البشرية الثاني؟ لأنه في عام الطوفان ما نجا إلا سفينة نوح وفيها نيفاً وثمانين رجلاً وامرأة، وكل البشرية جاءت من أولاده، فصار مثل آدم أو قريب منه.

    فأتوا نوحاً عليه السلام فقالوا له: يا نوح! أنت، وأنت، وأنت، اشفع لنا عند الله ليقضي بيننا، فيعتذر ويقول: أما قال آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله ولا بعده مثله؟ ولكن أنصح لكم أن تذهبوا إلى إبراهيم خليل الرحمن، ويذكر زلته وخطيئته، فيا ترى ماذا فعل؟ هل قتل نفساً؟ هل زنى بامرأة مؤمن؟ هل شرب الخمر والكوكايين؟ ماذا فعل نوح؟ ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يتلقى الضرب حتى يغمى عليه، ما هي خطيئته التي استحى أن يكلم الله؟ هو أنه قال بعد مرور القرون الكثيرة والقوم في زيادة كفر وعناد: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح:26]، من لهم؟ إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:27]، وما من حقه أن يقول هذا، فاعتبرها خطيئة واستحى من الله أن يكلمه.

    ثم قال لهم: أنصح لكم أن تأتوا إبراهيم خليل الرحمن، وأول من هاجر في سبيل الله، وابتلي بما لم يبتلى به غيره، ومن مظاهر ابتلائه: أن الله أمره أن يذبح ولده له، فأنت تحبني يا إبراهيم، إذاً اذبح لي إسماعيل، واقرءوا قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124]، أي: أوامر، فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124]، وقد نال الإمامة بالامتحان، ومن الامتحان أنه وقف في وجه المشركين وعلى رأسهم والده كذا من السنين، حتى حكموا عليه بالإعدام وبالإحراق بالنار، ووالله لقد ألقوه بالمنجنيق في ذلك الأتون الملتهب، ولكن الله استدركه وهو في الطريق إلى النار؛ لأن النار أججوها أربعين يوماً، حتى النساء ينذرن النذور لآلهتهن من أجل إبراهيم، فتأتي إحداهن بحزمة الحطب، فلما أرادوا أن يلقوه جعلوه في مثل المنجنيق أو المعلاق ورموه، وفي الطريق عرض له جبريل فقال له: يا إبراهيم! هل لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما إلى ربي فنعم، فقال تعالى: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، فوقع فيها فاحترق القيد الذي برجليه ويديه، وخرج وودعهم وقال: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات:99]، فترك أرض بابل والعراق واتجه غرباً حتى وصل إلى مصر، فكان أول مهاجر في الأرض.

    فأتى إليه القوم فقالوا له: يا إبراهيم! أرأيت ما بنا من كرب وغم، اشفع لنا عند الله حتى يقضي بيننا، فقال كما قال من قبله: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله ولا بعده مثله، فكيف أكلمه؟ وذكر ذنبه عليه السلام، هل قتل؟ هل زنى؟ هل أكل الربا؟ هل عق والديه؟ هل شرب الخمر؟ هل قذف المؤمنين والمؤمنات؟ لا أبداً، كل ما فيه أنه ذكر ثلاث كذبات، وكذبات إبراهيم أحسن من صدقنا نحن؛ لأنه كذب لله لا لنفسه، فالكذبة الأولى: لما أراد أن يبيت القوم ويدمر أصنامهم مروا به فقالوا له: هيا يا إبراهيم! اليوم عيد فلنخرج إلى الفضاء، فلنأكل اللحوم والخضر وغيرها، فنظر إلى السماء فقال: إني سقيم، قال تعالى مصوراً ذلك: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:88-89]، أي: مريض، وهذه هي الكذبة الأولى، فهو عليه السلام نظر في النجوم لأنهم كانوا يعبدون الكواكب، فظنوا أنه نظر إلى آلهتهم، فقال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89]، فتركوه، ولما خلت البلاد من أهلها جاء بفأس أو معول فحطم الآلهة في بهوها، إذ للآلهة بهو عظم، فقد كانوا يضعون الحلويات والأكل الناعم بين يديها، فحطمها وجعل الفأس في أحد الآلهة الكبار وربطه به وعاد، ولما دخلوا في المساء يجرون إلى الآلهة ليأخذوا الحلويات من عندها؛ لأنهم كانوا يضعونها من الليل لتباركها كما يفعل جماعتنا اليوم، فوجدوا الآلهة متناثرة، فقالوا: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:59]، فقال واحد منهم: سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء:60]، أي: سمعنا فتى يسمى إبراهيم يذكر هذه الآلهة بغير رضا، فهو ساخط عليها، قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ [الأنبياء:61]، فجيء بإبراهيم، فقيل له: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:62-63]، فأشار إلى يده، فظنوا أنه أشار إلى الصنم، وهذه هي الكذبة الثانية، لكنها أحلى من صدقنا اليوم، بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ [الأنبياء:63-64]، أي: ماداموا يحطمون ولا يعترفون من حطم، ولا ينطقون، فكيف تعبدونهم؟ أي مسخ أصاب هذه العقول؟

    وأما الكذبة الثالثة: أنه مشى سائحاً في الأرض مع زوجته سارة، فدخل الديار المصرية من جهة سينا، وكانت سارة جميلة وحسناء، فلما رآها القوادون بلغة أهل المغرب، أتعرفون القوادون؟ عندنا في المملكة نسميهم الجرارون، أي: الذين يجرون ويسحبون، فقالوا لسلطان مصر: إن امرأة حسناء لا نظير لها، لا تصلح إلا لك، فهل فهمتم معنى القواد؟ القواد هو الذي يقود إلى الباطل، والجرار أبشع منه.

    فقال ملك مصر: ائتوني بها، فعرف إبراهيم، فقال: يا سارة إنه لا يوجد على الأرض من مؤمن إلا أنا وأنتِ، فإذا سألك عني فلا تقولي: زوجي فيغضب ويقتلني، وإنما قولي: أخي، وهو كذلك في الإيمان والإسلام، وهذا ذكاء منه عليه الصلاة والسلام، ولو قالت: زوجي لقتلوه؛ لأنه كيف يتزوج بها الملك وزوجها موجود؟ ثم جيء بها إليه، وحسنوا لباسها وزينتها وأنزلوها إلى السلطان أو الملك أو ذاك الطاغية، فكان كلما أراد أن يمسها بيده يصاب بالشلل الفوري والله العظيم ثلاث مرات، يتكلم معها ويضاحكها ويداعبها، يريد أن يمسها أو أن يمد يده إليها، قبل أن يمسها يصاب بالشلل على الفور، وفي الرابعة قال: أخرجوا عني هذا الشيطان، ومع هذا أحسن إليها وأمتعها بالمال وباللباس وببغلة كما فعل المقوقس مع رسولنا الكريم، فقد أعطاه بغلة تسمى: الدلدل، وأعطاه مارية القبطية، فهذه هي الكذبة الثالثة، وهي في الحقيقة ليست بكذبة، إذ إنه أخوها في الإسلام والإيمان.

    ثم قال لهم عليه السلام: أنصح لكم أن تذهبوا إلى موسى بن عمران نبي بني إسرائيل ورسولهم، فأتوا موسى فقالوا: يا موسى! ترى ما حل بالبشرية، توسلنا بك إلى الله فادع الله أن يقضي بيننا، فموسى يذكر ذنباً عظيماً فقال: كيف أكلم ربي وأنا الذي قد قتلت نفساً؟! هل قتل عمداً؟ لا والله، وإنما خطأ، وذلك لما تضارب القبطي مع إسرائيلي، وصاح الإسرائيلي يبكي، فوكز موسى القبطي فجاءت في القلب فمات، وهذا كان بقضاء الله وقدره، ثم قال: إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص:16] وغفر الله له، ومع هذا ما استطاع أن يكلم الله مع هذا الذنب الوحيد. ثم قال لهم: ولكن عليكم بعيسى، فأتوا عيسى بن مريم فلم يذكر ذنباً قط، فقد قضى ثلاثاً وثلاثين سنة في الفترة الأولى، وسيقضي مثلها في الفترة الثانية عما قريب وستسمعون، ومع هذا قال لهم: عليكم بمحمد، وهذه هي الشفاعة العظمى، فما إن وصل الوفد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنا لها، أنا لها )، فقد كان عنده صك قديم في الدنيا بها، أما قال تعالى في سورة بني إسرائيل: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، فهذا هو المقام المحمود الذي حمده عليه أهل الموقف بكافتهم، ثم قال عليه السلام: ( فآتي العرش فأخر ساجداً تحت العرش، فيلهمني ربي محامد -ألفاظ حمد وثناء- ما كنت أعلمها، فلا أزال أحمد الله وأثني عليه بها حتى يقول لي: يا محمد! ارفع رأسك، واسل تعطى، واشفع تشفع )، فصلوا عليه وسلموا تسلماً.

    فهذا هو المقام المحمود، وهذه هي الشفاعة العظمى، فهل ذكر رسول الله ذنباً؟ لا أبداً، وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء:113].

    اللهم صل عليه وسلم تسليماً، اللهم اجمعنا معه في دار الكرامة يا رب العالمين.