إسلام ويب

تفسير سورة النساء (56)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى مرتبة عظيمة ومنزلة رفيعة، وقد نفى الله سبحانه وتعالى أن يستوي في الأجر والمنزلة من يجاهد بنفسه وماله من المؤمنين، ومن يقعد عن الجهاد بخلاً بماله وضناً بنفسه أن يقدمها لله عز وجل، ولكن الله استثنى من الذين لم يجاهدوا أولي الضرر، فجعل لهم أجر المجاهدين رغم قعودهم عنه لصلاح نياتهم ورغبتهم في الجهاد لولا وجود ما يعيقهم، وحتى مع وجود العذر فإن المجاهد يفضل على من لم يجاهد لعذر درجة في الجنة، لما حازه من سبق، وما قدمه من تضحيات.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر جميعاً بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم لنا رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.

    وما زلنا مع سورة النساء المدنية المباركة الميمونة، ومعنا آيتان كريمتان قبل الشروع في تلاوتهما ثم في تفسيرهما أذكر الناسين بما جاء في الآيتين السابقتين، وتلاوتهما بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:94].

    هداية الآيات

    قال المؤلف: [ من هداية الآيتين: أولاً: مشروعية السير في سبيل الله غزواً وجهاداً ] وذكرنا أيضاً أن السير إلى الحج، أو إلى العمرة، أو إلى طلب العلم، أو لزيارة الأرحام وصلتهم، أو لزيارة الصالحين الأحياء لا الأموات، كل هذا يعتبر سيراً في سبيل الله عز وجل، لكن المقصود هنا بـ(في سبيل الله): الغزو والجهاد في سبيل الله.

    قال: [ ثانياً: وجوب التثبت والتبين في الأمور التي يترتب عليها الخطأ فيها ] أي: ينبغي لنا معشر المستمعين والمستمعات! أن نتثبت ونتبين في الأمور التي إذا وقع فيها خطأ كان الضرر والألم الكبير.

    ومن أقرب ما أشير إليه: يا سائقي السيارات! تثبّتوا في سياقتكم! وتأملوا واحترسوا؛ لأنكم تحملون أرواحاً، ويمر بين أيديكم أرواحاً، وقتل النفس خطأ قد عرفتم ماذا يترتب عليه؟ الدية وعتق رقبة، فإن عجز صام شهرين متتابعين؛ لأنه ما تحفّظ وما تثبّت وما تبيّن.

    فعلينا معاشر المؤمنين! أن نتبيّن وأن نتثبت في الأمور كلها، فلا نصدر حكماً إلا على علم، ولا نتحرك حركة إلا على بينة وعلم.

    قال: [ ثالثاً: ذم الرغبة في الدنيا إذا كانت تتعارض مع تقوى الله عز وجل ] أي: ذم الدنيا من مال وجهاه وسلطان إذا كانت تتعارض مع تقوى الله عز وجل، أما قال تعالى: فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ [النساء:94]؟ فهم قتلوا هذا العبد وقد سلّم عليهم ليدلل على أنه مسلم، ولكن لاحت الرغبة في نفوسهم في الغنيمة والمال، فقالوا: ما قال: السلام عليكم إلا تقية فقط لنفسه، فهو حقيقة من قوم كافرين محاربين، لكن من كان معه فقد هرب، وهو ثبت على أنه مسلم، لكن الأصحاب رضي الله عنهم تعرضوا لهذه المحنة، ونزل فيهم قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ [النساء:94]، أي: أنتم.

    قال: [ رابعاً: الاتعاظ بحال الغير والاعتبار بالأحداث المماثلة ]، أما كنتم يا أصحاب رسول الله كافرين مشركين؟ من أنعم عليكم بالإيمان والإسلام؟ فكذلك أيضاً هذا مثلكم كافر وقد أنعم الله عليه بالإسلام والإيمان، أما كنتم تخافون من المشركين وترهبونهم ولا تعلنون عن إسلامكم؟ فكذلك هذا أيضاً كان مع قوم كافرين مختفياً، ما استطاع أن يظهر إسلامه، وهذا هو التأديب الإلهي، فيا ليتنا نأخذ به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ...)

    ونعود إلى الآيتين الكريمتين اللتين وصلنا إليهما، وتلاوتهما بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:95-96].

    يروى أن عبد الله بن أم مكتوم لما نزلت هذه الآية بهذه الصيغة: ( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ )، جاء عبد الله بن أم مكتوم -أمير المدينة-ذاك الذي نزل فيه قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس:1-3]، فعاتب الله تعالى رسوله في عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، إذ كان الرسول يتصدى لرجالات قريش في مكة ليدعوهم إلى الإسلام، فجاء هذا المؤمن الأعمى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مشغول بصناديد قريش، وقال: يا رسول الله! علني، فعبس الرسول في وجهه، فنزل هذا القرآن الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم، عَبَسَ وَتَوَلَّى [عبس:1]، ولو قال: عبست وتوليت فقد يغمى على الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ لا يطيق ذلك، لكن رحمة الله بأوليائه وصالح عباده جاء بصيغة الماضي فقال: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا.. [عبس:1-11].

    أريتم هذا؟! انظر إلى الكمال المحمدي، ثم أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء ابن أم مكتوم الأعمى يقف له ويجلسه على فراشه ويقول: ( مرحباً بالذي عاتبني فيه ربي )، فهل فينا من يفعل مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألسنا أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألسنا مأمورين بالتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه؟ فإن قيل: يا شيخ! ما تعلمنا هذا ولا عرفناه، وبالتالي فنحن معذورون، لا والله، لم لا نتعلم ونعمل؟

    نعود فنقول: لما نزلت هذه الآية بهذه الصيغة: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ...) الآية، أتى عبد الله بن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف وأنا أعمى يا رسول الله؟ فما برح مكانه حتى نزلت: غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95]، استثناء على قراءة النصب، وهي قراءة سبعية، والأصل: ( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ )، إذ كيف يستويان؟! هذا ضن بماله وبخل بنفسه، وهذا أنفق ماله وخرج بنفسه، وبالتالي فكيف يستويان؟!

    (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ)، أو غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ [النساء:95]، فإن قرأنا بالنصب فاستثناء ويصلح حالاً، وإن قرأنا بالرفع فهو نعت للفظ (القاعدون).

    وأصحاب الضرر هم العميان، والمرضى، والعرج، فالأعرج معذور، والأعمى معذور، والمريض معذور، وابن أم مكتوم رضي الله عنه كان أعمى، وفي آية الفتح يقول الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [الفتح:17].

    قال: فلما اشتكى عبد الله بن أم مكتوم وقال: وكيف وأنا أعمى؟ نزل قوله: غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [النساء:95]، فأدخلت بين جملتي: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ )، وهذا يدل دلالة قطعية على أن الله هو الذي ينزل هذا الوحي، وأنه هو الذي يوحي به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا الكلام كلام الله عز وجل وليس كلام بشر.

    لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:95]، وسبيل الله هو الطريق الموصل إلى رضاه، وذلك بعبادته وحده دون من سواه، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والسير في طريقه إلى آخر نفس للإنسان، وذلك لإقامة دينه وشرعه، ولإبعاد الضرر والأذى والألم عن أوليائه الذين يضطهدون ويعذّبون ويقاتلون.

    قال: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ [النساء:95]، من أولي الضرر دَرَجَةً [النساء:95]؛ لأنهم قعدوا فهم معذورون، ولهم أجرهم لكن مستواهم دون ذلك، وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [النساء:95]، أي: المجاهدون بأموالهم وأنفسهم، والقاعدون للضرر، الكل وعده الله بالجنة، وفسرت الحسنى بالجنة، ولهذا فرح ابن أم مكتوم رضي الله عنه.

    ثم قال تعالى: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ [النساء:95]، و(القاعدين) هنا من غير أولي الضرر، إذ إن القاعدين هنا الذين ضنوا بأموالهم وبخلوا بأنفسهم وما خرجوا في سبيل الله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً)

    دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:96].

    دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً [النساء:96]، والدرجات: جمع درجة، ولنستمع إلى هذا الخبر، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم: ( من رمى بسهم فله أجره درجة )، فقال رجل: يا رسول الله! وما الدرجة؟ فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( أما إنها ليست بعتبة بابك )، أي: ليست مثل درجة الباب، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ( ما بين الدرجتين مائة عام )، أي: ليست رفع رجل فقط، وإنما بين الدرجة والدرجة الأخرى مسافة مائة عام، وقد علمنا سابقاً: أن أهل الجنة يتراءون منازلهم كما نتراءى الكواكب في السماء، وروي أيضاً في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ).

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    والآن مع شرح هاتين الآيتين فلنستمع.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيتين: روي أن ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه لما نزلت هذه الآية بهذه الصيغة: ( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ )، أتى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فقال: كيف وأنا أعمى يا رسول الله؟ فما برح مكانه حتى نزلت: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ، فأدخلت بين جملتي: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وجملة: وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ .

    ومعنى الآية: هو أن الله تعالى ينفي أن يستوي في الأجر والمنزلة عنده تعالى من يجاهد بماله ونفسه ومن لم يجاهد بخلاً بماله وضناً بنفسه ] إذ إنهم لا يستويان.

    قال: [ واستثنى تعالى أولي الأعذار من مرض ونحوه ]، وقد علمنا مما تتقدم أن الأعذار هي: العرج، والمرض، والعمى، أو كتمريض رجل لوالده مثلاً، كما تأخر علي مرة على النبي صلى الله عليه وسلم لتمريض واحد من الناس بإذن الرسول صلى الله عليه وسلم.

    قال: [ واستثنى تعالى أولي الأعذار من مرض ونحوه، فإن لهم أجر المجاهدين وإن لم يجاهدوا، وذلك لحسن نياتهم ]، إذ إن بعضهم والله لما يتأخر يبكي حتى يعود الرسول والمجاهدون من الغزو، فهو عجز وما استطاع أن يوفر له مركوباً ليركبه، أو أنه مريض في بدنه، فيبقى متألماً متحسراً حتى يعود الرسول والمؤمنون إلى المدينة، وفي هذا نستمع إلى هذا الحديث النبوي: روى البخاري تعليقاً وغير واحد من أصحاب السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قفل عائداً من إحدى غزواته -وهي غزوة تبوك- قال لأصحابه: ( إن بالمدينة -هذه-رجالاً ما قطعتم وادياً ولا سرتم مسيراً إلا كانوا معكم، أولئك قوم حبسهم العذر )، إنه إعلان نبوي.

    فقوله عليه الصلاة والسلام: ( إن بالمدينة رجالاً )، أي: فحولاً عظاماً، ( ما قطعتم وادياً )، أي: في مسيركم، ( ولا سرتم مسيراً )، أي: خلاف الوادي، ( إلا كانوا معكم )، لا بأبدانهم وذواتهم، وإنما كانوا معكم بقلوبهم وبما يحصل من الأجر لهم.

    وفي سورة التوبة يقول الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ [التوبة:91-92]، ولهذا فإنه في كل زمان ومكان إذا كان المؤمن صادق النية والعزم، لكنه عجز عن القيام بالعمل، فإنه يؤجر على نيته، فمثلاً: قام قائم وقال: اجمعوا لأخيكم مالاً حتى يعود إلى بلده، وأخذ الناس يساعدونه إلا أن أحدهم ما استطاع، إذ إنه ليس في جيبه شيء، فتألم وتحسر عند ذلك، فإنه في الأجر مع الذين أنفقوا سواء، وآخر ما استطاع أن يصوم فتتألم وكله عزم ونية أن لو يقدر على الصوم، فكذلك هو في الأجر سواء مع من صام.

    قال: [ ومعنى الآية: أن الله تعالى ينفي أن يستوي في الأجر والمنزلة عنده تعالى من يجاهد بماله وبنفسه ومن لم يجاهد بخلاً بماله وضناً بنفسه ]، والبخل والضن بمعنىً واحد.

    قال: [ واستثنى تعالى أولي الأعذار من مرض ونحوه، فإن لهم أجر المجاهدين وإن لم يجاهدوا، وذلك لحسن نيتهم وعدم استطاعتهم ] لكن لو كانت نيتك حسنة وأنت مستطيع على العمل فإن ذلك لا ينفع، إذ ما دامت النية حسنة إذاً فادفع المال وصم.

    قال: [ فلذا قال تعالى: وَكُلاً ]، أي: من المجاهدين بأموالهم وأنفسهم والقاعدين للأعذار، قال [ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى التي هي الجنة ]، وهل الله يخلف وعده؟ والله ما يتخلف.

    قال: [ وقوله: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً أي: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً [النساء:95] لعذر دَرَجَةً [النساء:95]، وإن كان الجميع لهم الجنة وهي الحسنى ] وفضلهم الله لأنه ليس لهم عذر، وإنما قعدوا فما أنفقوا ولا جاهدوا.

    قال: [ وقوله تعالى: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ لغير عذر أَجْراً عَظِيماً ، وهو الدرجات العالية مع المغفرة للذنوب والرحمة للنفوس، وذلك لأن الله تعالى كان أزلاً وأبداً غفوراً رحيماً، ولذا غفر لهم ورحمهم، اللهم اغفر لنا وارحمنا معهم ] يا رب العالمين!

    مرة أخيرة: يقول تعالى وهو يعلمنا: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ [النساء:95]، قولوا: نعم لا يستويان.

    فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ [النساء:95] لعذر، دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [النساء:95]، أي: القادرين والعاجزين.

    ثم قال تعالى: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ [النساء:95]، والقاعدون هنا هم الذين بخلوا وضنوا بأموالهم وهم مؤمنون.

    وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:95]، لا يقدر قدره إلا الله تعالى، دَرَجَاتٍ مِنْهُ [النساء:96]، أي: درجات عالية يعطيها لهم، إذ إنه مالكها ومعطيها وواهبها والمنعم بها.

    وَمَغْفِرَةً [النساء:96]، فلا تبقي أثراً للذنب في النفس.

    وَرَحْمَةً [النساء:96]، وهي دار السلام.

    وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:96]، فما سألت الله مغفرته إلا غفر لك، ولا سألت رحمته إلا رحمك؛ لأن هذا شأنه دائماً وأبداً، فهو غفور رحيم.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيتين: أولاً: بيان فضل المجاهدين على غيرهم من المؤمنين الذين لا يجاهدون ] والآن لماذا نحن لا نجاهد؟ والجواب أيها الأحباب: أن الله عز وجل قد كفانا مؤنة الجهاد بتدبيره وهو العليم الحكيم، وما أصبحنا والله في حاجة إلى أن نرسي سفننا الحربية على شاطئ أسبانيا أو إيطاليا أو فرنسا؛ لأن تلك الديار أصبحت مفتوحة الأبواب لنا، فلك أن تأذن فيها وتكبر وتدعو إلى ربك، ولا يصرفك صارف ولا يصدك صاد عن ذلك.

    فهذه أمريكا فيها ملايين المسلمين وعشرات المراكز والمساجد، وألمانيا فيها عشرات المساجد، والدعوة قائمة فيها، وهذه أيضاً بريطانيا أبواب الدعوة فيها مفتوحة، وكذلك فرنسا فيها ثلاثة آلاف مسجد، وإيطاليا معقل الصليبية فيها العديد من المساجد، إذاً فهيا نجاهد، لكن بم نجاهد؟ والجواب: أن الله قد أراحنا من المدفع والرشاش، وبالتالي فلنجاهد بالعلم والمال، فإن قيل: أي علم يا شيخ! نجاهد به؟

    أولاً: نترك حالنا نحن المسلمين، إذ نحن هابطون لاصقون بالأرض من إندونيسيا شرقاً إلى موريتانيا غرباً؛ لأننا كما يعلم الله هبطنا من علياء السماء إلى الأرض وأصبحنا كغيرنا، فملئت ديارنا بالخبث والظلم والشر والفساد والعبث، لكن مع هذا نحن نقول: يجب على المسلمين أن يعودوا إلى الله، أن يتوبوا إلى ربهم، إذ إنهم أحرار، فمن الذي يمنعهم وأغذيتهم وأكسيتهم متوفرة لديهم؟!

    فإن قيل: كيف نتوب؟ والجواب: نعبد الله وحده بما شرع، وعند ذلك تتجلى فينا حقائق الإيمان من الأخوة والمودة والحب والولاء، وينتهي كل مظهر من مظاهر الشر والخبث والفساد؛ لأن نور الله بيننا، ولأن سنة الرسول قائمة فينا، فنحتاج فقط إلى أن نصدق الله في أننا مسلمون، ونسلم القلوب والوجوه له عز وجل.

    فهيا نبدأ بالتوبة والرجوع إلى الله، وذلك أن أهل كل حي من أحياء مدينة من المدن يجتمعون كل ليلة ويتلقون الكتاب والحكمة من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، لا يتخلف رجل ولا امرأة إلا لعذر حقيقي، فيجتمعون ليتعلموا وليعرفوا، إذ من المستحيل أن يلتقوا وهم جاهلون، كيف يرغبون في الملكوت الأعلى وقلوبهم مظلمة ونفوسهم مدنسة؟

    ثم أي شيء يكلف المؤمنين إن عملوا هذا؟ إن اليهود والنصارى والمجوس والمشركين إذا دقت الساعة السادسة أوقفوا دولاب العمل، وأقبلوا بنسائهم وأطفالهم إلى الملاهي والملاعب ليروحوا عن أنفسهم، ونحن لماذا -إذا مالت الشمس إلى الغروب- لا نحمل نساءنا وأطفالنا إلى بيوت ربنا فنتعلم الكتاب والحكمة، وكلنا عزم على أن ما تعلمناه نعمل به؟ ويبقى الحال هكذا طول العام، فلا يبقى عند ذلك باطل أو شر أو فساد أو ضعف أو نقصان، إذ مستحيل أن يبقى ذلك كله، ونرقى بسلم الكمال إلى الملكوت الأعلى.

    نعود إلى قضية الجهاد فأقول: ما دام أن الله قد فتح لنا العالم من الصين إلى أمريكا، فيجب أن تكوَّن لجنة عليا تضم من كل إقليم من أقاليم المسلمين عالمين اثنين، هذه اللجنة تضع خارطة لتلك الجماعات والجاليات الإسلامية في كل العالم، وتقدر نفقاتها وكم تتحملها، وتضرب على كل مؤمن ديناراً أو درهماً في العام؛ ليساهم كل مؤمن في الجهاد في سبيل الله، فتكون أضخم وأعظم ميزانية في العالم، إذ إن كل مؤمن يدفع ريالاً واحداً.

    ثم إن كل مركز أو كل مسجد يبعث إليه بإمام رباني عالم -ويوحدون الكتاب الذي يدرس- فيعلمهم قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا مذهبية ولا حزيبة ولا طرقية ولا وطنية، وإنما مسلمون أمرهم واحد، وفي صمت وعدم تبجح كما هي عادتنا أيام الهبوط.

    فهذا هو الجهاد يا من يطالبون بالجهاد، أما الجهاد والعنترية وتكفير الحكام والقتال فهذا ظلم.. باطل.. منكر.. حرام.. شر.. فساد، والله لن ينتج إسلاماً، ولن يوجد خيراً قط؛ لأنه على سبيل غير سبيل محمد صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: ميدانان: ميدان الخارج، أي: تكون لجنة عليا فنعطيها قلوبنا وأموالنا، وميدان الداخل، أي: أننا نعطي قلوبنا ووجوهنا لله في صدق، وذلك بأن نجتمع في بيوت ربنا بصدق، سواء في قرانا أو في جبالنا أو في سهولنا، فنتعلم الكتاب والحكمة، ثم العزم على العمل بشرع الله عز وجل، فوالله ما تمضي سنة إلا والأنوار تغمر ديار العالم الإسلامي.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966301395

    عدد مرات الحفظ

    711252824