إسلام ويب

تفسير سورة النساء (54)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما ذكر الله عز وجل فيما سبق قتال المنافقين متى يجوز ومتى لا يجوز، ناسب أن يذكر بعدها قتل المؤمن الصادق في إيمانه خطأ وعمداً، وبين سبحانه حكم ذلك، فذكر أنه لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا في حال الخطأ، أما في حال العمد فلا يكون ذلك منه ولا يتأتى له وهو مؤمن، ومن فعل ذلك فقد توعده الله عز وجل بوعيد شديد، وهو تعرضه لغضب الله وسخطه ولعنته وتخليده في النار عياذاً بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع هاتين الآيتين الكريمتين من سورة النساء المدنية المباركة، فهيا نتلو هاتين الآيتين ونتأملهما ونتدبرهما، ثم نشرح ونبين، ثم نعزم على أن نعمل، إذ إن هذا هو الطريق، وتلاوة هذه الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:92-93].

    وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء:92]، أي: أن قتل مؤمن لمؤمن آخر جائز في القتل الخطأ، أما مؤمن يقتل مؤمناً متعمداً فلا، إذ ليس هذا من شأنه أو مما يتهيأ له، بينما الخطأ يقع، كأن أراد أن يرمي غزالاً فرمى امرأة، أو أراد أن يضرب حماراً فضرب أخاه.

    وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء:92]، أي: اللهم إلا في حال الخطأ، أما عمداً وعدواناً فلا يصدر هذا عن مؤمن، وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً [النساء:92]، ماذا عليه؟ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، وتحرير الرقبة المؤمنة لأنه لوث نفسه وإن لم يكن عامداً، ولأن هذا المقتول كان يعبد مولاه، فأنت عندما تقتله فأنت تمنع تلك العبادة وتقطعها، ولأنه لا بد وأنه فرط، إذ لو تنبه واحترز ما كان ليقتل خطأ، لكن وجود غفلة وعدم مبالاة تسبب في هذا القتل، فلهذا لا بد من كفارة، وهذه الكفارة هي تحرير رقبة مؤمنة، أما الرقبة الكافرة فلا تنفع، إذ لو تعتق خمسين يهودياً فلا ينفع، بل لا بد وأن تعتق رقبة مؤمنة، وهذا أيام كانت الرقاب تباع في الأسواق، أما الآن فقد انتهت، لكن قد يدور الزمان كما كان وتوجد.

    وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92]، فعتق الرقبة حق الله، والدية حق أولياء الميت، ومعنى: مسلمة: أي: مؤداة كاملة بدون تباطؤ ولا تراخ، إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا [النساء:92]، أي: يتصدقوا بها على القاتل، ويقولون: ما نأخذ دية، أجرنا على الله.

    فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النساء:92]، أي: إن كان هذا المقتول خطأً من قوم عدو لنا، وبيننا وبينهم العداء والحرب، وليس بيننا وبينهم عهد ولا ميثاق وهو مؤمن، فعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة فقط، ولا دية، إذ لا نعطي لهم أموالنا لنعينهم على حربنا وقتالنا، وهذا تدبير ربنا العليم الحكيم.

    فَإِنْ كَانَ [النساء:92]، أي: المقتول، مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ [النساء:92]، أي: والحال أنه مؤمن، فماذا علينا؟ قال: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء:92]، أي: فتحرير رقبة مؤمنة، أما كافرة فلا تنفع.

    وهنا الإمام مالك رحمه الله يرى اجزاء الرقبة الصغيرة، سواء كانت بنتاً صغيرة أو ولداً صغيراً، وبعض أهل العلم يقول: لا بد أن يكون بالغاً، والآية عامة، فكون الصغير يجزي فلا بأس.

    وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ [النساء:92]، أي: إن قتل مؤمن مؤمناً آخر وهو من دولة أخرى، وبينكم وبينهم معاهدة وسلم وعدم اعتداء، فالحكم تحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله، وحينئذ يجوز أن نعطيهم الدية؛ لأنهم لا يقتلوننا بها أو يشترون بها السلاح لقتالنا، ولما بيننا وبينهم من عهد وميثاق، لكن إن كانت الدولة معادية فلا دية؛ لأن في ذلك إعانة منا لهم بالمال على حربنا، وهذا تشريع العليم الحكيم.

    فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [النساء:92]، أي: فمن لم يجد الرقبة التي يعتقها، أو ليس عنده مال ليشتري رقبة فيعتقها، فالواجب: فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ [النساء:92]، ويكفيه هذا، أما الدية فعلى العاقلة، والعاقلة هم الأعمام وأبناء الأعمام، أي: الرجال الذكور، فهم الذين يسددون دية القتيل، لكن إن لم يجد القاتل الرقبة فيصوم شهرين متتابعين، كأن يصوم رجب وشعبان، أو شوال وذي القعدة، أو ذي الحجة ومحرم، والمرأة إن حاضت أو نفست فتبني، كأن صامت عشرين يوماً ثم حاضت فتركت الصلاة والصيام سبعة أيام، فتبني على الماضي فتواصل صومها، وكذلك المريض إن صام شهراً ثم مرض عشرة أيام أو عشرين يوماً، ثم شفي من مرضه فيستأنف الصيام فيبني على ما مضى، اللهم إلا المسافر فلا عذر له، وإلا لكان كل واحد يسافر ليستريح من الصيام، فالمسافر يسافر وهو صائم أو يترك سفره نهائياً.

    تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ [النساء:92]، أي: هذه توبة يتوب الله بها عليه، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا [النساء:92]، أي: بخلقه، حَكِيمًا [النساء:92]، أي: في تشريعه، فلنسلم لله ولنطأطئ رءوسنا له، ولا حق لأحد أن يعمل على التأويل بالتبديل والتغيير؛ لأن الله أولاً عليم بكل شيء، وثانياً: أنه حكيم في شأنه كله، فلا يشرع أبداً إلا ما فيه صلاح العباد والأمة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم...)

    وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]. يقول تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا [النساء:93]، ما جزاؤه؟ قال: فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، فهذا الذي يقدم على قتل المؤمن ظلماً وعدواناً ما كان بالمؤمن الحق، ولهذا لا تقل: كيف؟ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، كالكفار.

    أعود فأقول: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء:92]، فنفهم من هذا الأسلوب الرباني أنه ليس والله من شأن المؤمن الحق ولا مما يكون وصفاً له أو مما يتأتى له أن يقتل مؤمناً اللهم إلا في حال الخطأ، وهنا يقول: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، شأنه شأن من مات على الكفر، أو كالكافر، فتأملوا هذه!

    والذي عليه الجمهور من أمتنا المرحومة: أنه من الجائز أن يقتل المؤمن أخاه المؤمن، لكن هل له توبة والله يقول: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]؟ كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وأرضاهما إذا سأله السائل: هل لقاتل النفس من توبة يا عبد الله بن عباس؟ فيقول له: قتلتَ أو لم تقتلْ؟ فإن قال: لم أقتل. قال: وأي توبة لقاتل النفس والله يقول: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]؟! اذهب، وإن قال: قد قتلتُ. فيقول له: وأي مانع يمنعك من أن تتوب وباب الله مفتوح، وهو القائل: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]؟! وهذا من الحكمة؛ لأنه لو قال له: لا توبة لك فإنه سيقتله، ولا ننسى ذاك الإسرائيلي الذي كمل المائة بالراهب الذي قال له: لا توبة لك، وإن لم يقتل المفتي فسيقتل غيره؛ لأن القاتل سيقول: ما دمت أنني إلى جهنم إذاً أشفي صدري، فيأخذ في القتل والفجور وما إلى ذلك.

    إذاً: فمن الرحمة بالقاتل أن يقال له: تب إلى الله عز وجل، أكثر من الدموع والبكاء والصدقات، وأعتق الرقاب ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ويبقى هذا إعلان عن القضاء الإلهي، ثم بعد ذلك إن شاء الله أنفذه وإن شاء ما أنفذه،

    واسمع إلى صيغة هذا الحكم الإلهي، يقول تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ [النساء:93]، أي: مقابل جريمته: جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، لكن هل الله ملزم بأن ينفذ هذا؟ الوعد ثق بأن الله لا يتخلف وعده، لكن الوعيد قد الله تعالى يرحم عبده، قد يتوب عليه.

    إذاً: أساساً لا يوجد مؤمن بحق يقتل مؤمناً أبداً؛ لأن الله تعالى قال: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء:92]، أي: ليس من شأنه أو من وصفه أو مما يتأتى له أو يقع منه اللهم إلا في حال الخطأ فنعم، وهنا يقول في الآية الأخيرة: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ [النساء:93]، أي: مقابل جريمته: جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ [النساء:93]، أي: هيأ له، عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، وهو عذاب النار.

    ونعود إلى كلمة الحبر ابن عباس رضي الله عنه، فإذا جاءك من يسألك: هل لقاتل النفس من توبة؟ فاسأله: هل قتلت أم لا؟ فإن قال: أنا ما قتلت، وإنما أسأل عن الحكم، فقل له: أي توبة تكون له وحكم الله معلن عنه ومفروغ منه: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]؟! وإن قال: أنا قتلت، فقل له: فأي شيء يمنعك من التوبة؟ تب إلى الله عز وجل، وأكثر من الصلاة والدموع والبكاء بين يديه، وأكثر من الصدقات وعتق الرقاب عسى الله عز وجل أن يعفو عنك فهو أرحم الراحمين.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    اسمعوا إلى تفسير هاتين الآيتين مرة أخرى وتأملوا، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء:92]، أي: في حال الخطأ، إذ إن هذا ممكن وجائز.

    وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً [النساء:92]، فماذا عليه؟ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، ولا يصح تحرير رقبة كافرة، بل لو أعتق ألف رقبة كافرة فلا ينفع؛ لأن الله نص على الإيمان في الرقبة، والسر في ذلك أن الرقبة المؤمنة إذا أعتقها عبدت الله تعالى، فتحررت من رق العبودية لغير الله، وأصبح وقتها كافياً لأن تعبد الله عز وجل، وأما الرقبة الكافرة لما تعتقها فإنها تزيد في الكفر والمعاصي، فأنت تحرر الرقبة المؤمنة لتتمكن من عبادة الله عز وجل، كما أن الرقبة فيها إحياء روح، إذ إن القاتل قد أمات روحاً، وبعتقه هذه الرقبة المؤمنة فقد أحيا روحاً، وهيئ الفرصة لهذه الروح حتى تعبد الله عز وجل.

    ثم قال: وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92]، والدية بيانها كالآتي: إما أن تكون مائة بعير، أو ألف دينار ذهباً، أو اثنا عشر ألف درهم فضة، وهذه هي الدية المطلقة، والعاقلة هي التي تقوم بها لا القاتل وحده، وهذا في حال القتل الخطأ، كأن رمى غزالاً فأصاب إنساناً، فيشاركه أقرباؤه في الدية، والآن ممكن يقومونها بالريالات، وأما القتل شبه العمد كأن يضرب إنساناً بعصا، أو يأخذ حجراً فيضربه بها، فالغالب أن الإنسان لا يموت من الضرب بالعصا أو بالحجر، لكن هذه الحال تستدعي أنه أراد قتله، وهنا تغلظ دية شبه العمد.

    قال: ومن الغنم ألف شاة، ثم قال: وهل الإبل تخمس أو لا؟ قال: في هذا خلاف، ومذهب الشافعي ومالك أنها تخمس، ووجه تخميسها: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون ذكوراً، ففي الحكم الأول مائة من الإبل ولو كانت ابن لبون أو من نوع واحد؛ لأن فيها تخفيفاً، لكن ما دام القتل شبه عمد فيجعلونه بهذه الطريقة: عشرون حقة، والحقة هي الناقة الكبيرة التي تلد، وعشرون جذعة دونها في السن، وعشرون بنات مخاض لها سنة فقط أو سنتين، وعشرون ابن لبون، وهذا عند الشافعي ومالك رحمهما الله.

    قال: ويغلظ دية شبه العمد، بأن يكون أربعون منها في بطونها أولادها، أي: كلها حبالى حاملات، وشبه العمد ما كان بأداة لا تقتل عادة كالعصا ونحوها؛ لحديث: ( إلا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها ).

    إذاً: فالتخميس عام، وهو ما ذهب إليه الشافعي ومالك ، أي: عشرون من كذا، وعشرون من كذا، وذلك مطلقاً في غير شبه العمد، أما مع شبه العمد وهو القتل بالعصا ونحوها، فهذا الذي تغلظ فيه الدية، وذلك أربعون منها في بطونها أولادها.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    نعود إلى دراسة الآيات في الشرح الذي بين أيدينا.

    معنى الآيات

    يقول المؤلف: [ لما ذكر تعالى في الآيات السابقة قتال المنافقين متى يجوز ومتى لا يجوز، ناسب-إذاً-ذكر قتل المؤمن الصادق في إيمانه خطأ وعمداً وبيان حكم ذلك، فذكر تعالى في الآية الأولى أنه لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا في حال الخطأ، أما في حال العمد فلا يكون ذلك منه ولا يتأتى له وهو مؤمن؛ لأن الإيمان نور يكشف عن مدى قبح جريمة قتل المؤمن وما وراءها من غضب الله تعالى وعذابه، فلذا لا يقدم على ذلك اللهم إلا في حال الخطأ، فهذا وارد وواقع ] أي: في حال الخطأ.

    قال: [ وحكم من قتل خطأ: أن يعتق رقبة ذكراً كانت أو أنثى مؤمنة، وأن يدفع الدية لأولياء القتيل إلا أن يتصدقوا بها فلا يطالبوا بها ولا يقبلونها-بالمرة-والدية مائة من الإبل، أو ألف دينار ذهب، أو اثنا عشر ألف درهم فضة، هذا معنى قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا [النساء:92]، فإن كان القتيل مؤمناً ولكن من قوم هم عدو للمسلمين محاربين، فالواجب على القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير ] أي: لا دية حتى لا يستعين بها العدو علينا.

    قال : [ إذ لا تعطى الدية لعدو يستعين بها على حرب المسلمين، وإن كان القتيل من قوم كافرين وهو مؤمن أو كافر-لا فرق بينهما-ولكن بيننا وبين قومه معاهدة، على القاتل تحرير رقبة ودية مسلمة إلى أهله، فمن لم يجد الرقبة ] أي: ما قدر على شرائها أو ليست بموجودة.

    قال: [ صام شهرين متتابعين، فذلك توبته لقول الله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:92]، عليماً بما يحقق المصلحة لعباده، حكيماً في تشريعه-وتقنينه-فلا يشرع إلا ما كان نافعاً غير ضار، ومحققاً للخير في الحال والمآل ] وهذا شأن العليم الحكيم.

    قال: [ هذا ما دلت عليه الآية الأولى، أما الثانية فإنها بينت حكم من قتل مؤمناً عمداً عدواناً، وهو أن الكفارة لا تغني عنه شيئاً ] أي: أن الكفارة بالعتق لا تغني عنه شيئاً.

    قال: [ لما قضى الله تعالى له باللعن والخلود في جهنم، إذ قال تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] ] ولهذا قد تعيش في مدينة أو في قرية مائة سنة فلا تجد مؤمناً قد قتل مؤمناً، بل أسر قديمة منذ القرون ما ثبت عنهم أن فرداً منهم قتل مؤمناً، وذلك لعظم هذه التبعة.

    قال: [ إلا أن الدية أو القصاص لازمان ] أي: إن قتل عمداً فلا بد من الدية والقصاص أيضاً، والقتل الخطأ فيه الدية، فمن باب أولى القتل العمد، إذ فيه القصاص والدية، قال تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ [المائدة:45]، فالقبيلة أو العائلة تدفع الدية وهو يقتل إلا أن يعفوا أولياء القتيل فهذا شأنهم.

    قال: [ إلا أن الدية أو القصاص لازمان ما لم يعف أولياء الدم ] أي: إذا عفا أولياء الدم عن القصاص فلهم ذلك، وإن عفوا عن الدية فكذلك، وهنا أذكر السامعين بقول الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143]، يوم القيامة، ومعنى (وسطاً): خياراً عدولاً، وهذه الوسطية لها مثل شائع بين ألسنة العلماء، فاليهود بنو إسرائيل قبل نزول عيسى عليه السلام وقبل نزول الإنجيل؛ كان إذا قتل أحدهم إنساناً فلا دية ولا عفو، بل يجب أن يقتل، فشددوا فشدد الله عليهم، وذلك لغلظ أكبادهم وشدة عنادهم، فأدبهم الله تعالى، ثم جاء عيسى بن مريم عليه السلام في بني إسرائيل ونسخ الكثير من أحكام التوراة بالإنجيل، وفرض الله عليهم أن من قتل لا يقتل ولا يدفع دية، وعلى أهل الميت أن يعفوا عن الدية وعن القاتل، فانظر إلى هذا الإفراط والتفريط عند هؤلاء الناس، فالإفراط عند النصارى، إذ فرطوا فلا دية ولا قتل، والتفريط عند اليهود، ثم جاء المسلمون فخيرهم: إن شئتم خذوا الدية واعفوا، وإن شئتم اقتلوا، فهم مخيرون، فجئنا وسطاً لا إفراط ولا تفريط، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143].

    فإذا قتل الرجل آخر فأهل الميت بالخيار، فإن شاءوا عفوا عن القاتل لله تعالى، وأعتقوه ليعبد الله وأجرهم على الله.، والدية إن شاءوا أخذوها وإلا فلا.

    قال: [ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:92]، عليماً بما يحقق المصلحة لعباده، حكيماً في تشريعه، فلا يشرع إلا ما كان نافعاً غير ضار ومحققاً للخير في الحال والمآل ] في الدنيا والآخرة.

    قال: [ هذا ما دلت عليه الآية الأولى، أما الثانية فإنها بينت حكم من قتل مؤمناً عمداً عدواناً، وهو أن الكفارة لا تغني عنه شيئاً ] أبداً، فلا عتق ولا صيام.

    قال: [ لما قضى الله تعالى له باللعن والخلود في جهنم، إذ قال تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، إلا أن الدية أو القصاص لازمان ما لم يعف أولياء الدم، فإن عفوا عن القصاص ورضوا بالدية أعطوها، وإن طالبوا بالقصاص اقتصوا، إذ هذا حقهم، وأما حق الله تعالى فإن القتيل عبده خلقه ليعبده، فمن قتله فالله تعالى رب العبد خصمه، وقد توعده بأشد العقوبات وأفظعها ].

    أقول: أولياء المقتول بالخيار، إن شاءوا عفوا وإلا فلا، وحق الله تعالى ما هو؟ لنستمع إلى هذه الجملة:

    قال: [ إلا أن الدية أو القصاص لازمان ما لم يعف أولياء الدم، فإن عفوا عن القصاص ورضوا بالدية أعطوها، وإن طالبوا بالقصاص اقتصوا، إذ هذا حقهم، أما حق الله تعالى فإن القتيل عبده خلقه ليعبده، فمن قتله فالله تعالى رب العبد-هو-خصمه، وقد توعد بأشد العقوبات وأفظعها والعياذ بالله تعالى وذلك حقه، قال تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] ] وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن فتناً ستقع، وقال لـعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ( يا عبد الله

    ! كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل )، فإذا اشتعلت نار الفتنة في قرية أو في مدينة أو في إقليم، أو في جماعات، فإن الرسول يختار لك أن تكون المقتول ولا تكون القاتل؛ لما علمنا مما توعد الله به، فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، فذهبت صلاته وجهاده وحجه وعبادته لعشرات السنين.

    هداية الآيات

    وهنا قال: [ من هداية الآيتين: أولاً: بيان أن المؤمن الحق لا يقع منه القتل العمد للمؤمن ] واستنبطنا هذا من قول الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء:92]، إذاً: بيان أن المؤمن الحق الصادق الإيمان لا يقع منه القتل العمد للمؤمن أبداً، أما قتل الكافر في الجهاد فواجب.

    قال: [ ثانياً: بيان جزاء القتل الخطأ ] ما هو؟ قال: [ وهو تحرير رقبة ودية مسلمة إلى أهله ] وأخذنا هذا من قوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92].

    قال: [ ثالثاً: إذا كان القتيل مؤمناً وكان من قوم كافرين محاربين، فالجزاء ] ما هو؟ قال: [ تحرير رقبة ] مؤمنة فقط، ثم قال: [ ولا دية ]؛ لئلا نعينهم بالأموال، ولو نفقه هذه لتخلينا عن كل الكمالات التي نستوردها منهم، سواء في الأكل أو في الشرب أو في اللباس وغيرها، ولو كنا نشتريها من المسلمين فلا بأس، أما نشتريها من اليهود والنصارى والمشركين فنعطيهم أموالنا من أجل ألا شيء إلا للشهوات والأهواء فقد أعناهم، ولو أخذنا بهذه الآية والله ما فعلنا، وهذه الدية ما نعطيهم أبداً، وذلك حتى لا يتقووا بها علينا وهم أعداء لنا.

    إذاً: هذه الكماليات في الطعام أو في الشراب أو في اللباس أو في المركوب، هذه الزائدة عن الحاجة لا قيمة لها، وبالتالي لا نستوردها من أعدائنا، لكن لو كنا نستوردها من ديار المؤمنين فلا بأس، إذ إنها تقوي إخواننا، أما أن نشتريها من اليهود والنصارى فنعطيهم الأموال من أجل أن نترفه حتى نهبط ونلصق بالأرض فلا.

    قال: [ رابعاً: إذا كان القتيل من قوم بين المسلمين مثياق، فالواجب الدية وتحرير رقبة ] فمثلاً إيطاليا أو اليونان بيننا وبينهم عهد وسلم وعدم اعتداء، ومات مؤمن هناك فلا بد من الدية وعتق رقبة، لكن لو كانت الحرب معلنة بيننا وبين اليهود مثلاً فلا دية، وهذا مثال، وإلا فاليهود ما بيننا وبينهم حرب، إذ عندنا معاهدات من الأمم المتحدة فيما إذا أعلنت الحرب.

    قال: [ رابعاً: إذا كان القتيل من قوم بين المسلمين ميثاق، فالواجب الدية وتحرير رقبة ].

    قال: [ خامساً: فمن لم يجد الرقبة ] ماذا يصنع؟ قال: [ صام شهرين متتابعين ] وهذا التتابع ضروري، فلو حاضت أو نفست فإنها تبني ولا تستأنف، وكذلك إذا مرض الرجل وقد صام عشرين يوماً، فإنه لما يشفى يبني، مثله مثل الطائف إذا طاف ثلاثة أشواط ثم رعف أو تعب، فذهب بعيداً ليستريح، فإنه يبني ولا يستأنف.

    قال: [ سادساً وأخيراً: القتل العمد العدوان يجب له أحد شيئين: القصاص أو الدية حسب رغبة أولياء الدم ] أي: أن أولياء الدم مخيرون، فإن شاءوا خذوا الدية، وإن شاءوا خذوا الرجل وقتلوه.

    قال: [ وإن عفوا فلهم ذلك-أيضاً-وأجرهم على الله تعالى، وعذاب الآخرة وعيد الله إن شاء الله أنجزه، وإن شاء عفا عنه ] وله الحمد والمنة.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.