إسلام ويب

تفسير سورة النساء (53)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين الله عز وجل في هذه الآيات حال المنافقين المنتكسين عن منهج الحق، ووجوب قتلهم حيثما ثقفوا، إلا أنه سبحانه استثنى منهم صنفين؛ الأول قوم يرتبطون بمعاهدات مع قوم بينكم وبينهم ميثاق أمان، فهؤلاء لا يقتلون من أجل أولئك، والثاني قوم لا يريدون قتال المؤمنين ولا قتال قومهم، بل هم يريدون الأمان لأنفسهم، فهؤلاء أيضاً لا يقاتلون، وهذا الحال ينطبق على من كان في خارج جزيرة العرب، أما داخلها فقد نسخ هذا الحكم بآيات سورة براءة، فلا يبقى دينان في جزيرة العرب.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم حقق رجاءنا يا ولينا، إذ ليس لنا من ولي سواك.

    وما زلنا مع سورة النساء المدنية المباركة، ومع هذه الآيات الأربع، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا * فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا * سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:87-91].

    فأولاً: أذكركم أن الآية الأولى هي في تحقيق عقيدة الإيمان، بل في تحقيق أعظم أركانها وهو الإيمان بالله رباً وإلهاً لا رب غيره ولا إله سواه، والإيمان بالبعث الآخر، أي: للجزاء على أعمالنا هذه في هذه الدنيا، ثم الجزاء إما دار السلام وإما دار البوار، فاللهم اجعلنا من أهل دار السلام.

    وأما الآيات الأربع بعد ذلك فهي في غزوة أحد، وتذكرون أن ابن أبي رجع بثلاثمائة من المنافقين وضعاف الإيمان من الطريق، ولا شك أن رجوع هذا الرئيس مع ثلاثمائة قد أوجد هزة عنيفة في قلوب المؤمنين، ولا عجب أن يختلفوا فيهم، فمنهم من يقول: يجب أن نقتلهم ونقاتلهم، ومنهم من يقول: لا؛ رجاء أن يتوبوا، واسمع السياق: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ، أي: طائفتين، وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ، أي: نكسهم بما كسبوا، فبعد الإيمان عادوا إلى الكفر، وبعد الأمن عادوا إلى الخوف، وبعد الآداب والأخلاق عادوا إلى سوء الأخلاق والآداب، وهذا هو الارتكاس، فأركسهم لم؟ بِمَا كَسَبُوا [النساء:88]، فحاشا لله عز وجل أن يركس شخصاً وهو ما فعل ما يستوجب الارتكاس، ولكن بما كسبوا من نفاقهم وكفرهم ومكرهم واحتيالهم وبغضهم لرسول الله وللمؤمنين.

    أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ [النساء:88]، ما يهتدون، ما تستطيعون، إذ من أذله الله لا تستطيع الخليقة كلها أن تهديه؛ لأن فعل الله لا يقاوم، فكيف أراد الله إضلالهم وأنتم تهدونهم؟! ما تستطيعون، ولماذا أراد الله إضلالهم؟ لأنهم استوجبوا ذلك بالاستمرار على الكفر والكيد والمكر والأذى للمؤمنين والمؤمنات.

    إذاً: غضب الله عليهم فاستوجبوا عذاب الله، فتأملوا قوله تعالى: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:88]، أي: طريقاً إلى هدايته، والخطاب لرسول الله والمؤمنين.

    بل وزاد من أحوالهم فقال: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا [النساء:89]، فأطلعهم على ما في قلوبهم، وَدُّوا ، أي: أحبوا أشد الحب، لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89]، وقد قلت بالأمس وإني على يقين: إن عامة الكفار من المجوس من اليهود والنصارى والمشركين والوثنيين كلهم يودون أن نكون كافرين مثلهم، بل ولا توجد طائفة تقول: لا، هؤلاء على نور وعلى حق، اتركوهم هكذا، أو شجعوهم على هداية الناس، فهذا رمز لهذا المعنى، وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً .

    إذاً: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:89]، وقد ذكرنا أن بعضاً منهم كانوا في مكة، وقد كانوا يأتون إلى المدينة يعلنون إسلامهم ويعودون إلى مكة فينافقون ويجارون عبدة الأصنام والأوثان، فقال الله في شأنهم: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ ، أي: من هؤلاء الذين ذهبوا إلى مكة وعادوا، حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:89]، وذلك بأموالهم وأهليهم وأولادهم، ويستقيموا معكم في المدينة، أما أن يمسكوا الحبل أو العصا من جانبين أو من وسطه فلا.

    قال: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ [النساء:89]، وأولياء جمع ولي، فمن وليك؟ الذي تحبه ويحبك، وتنصره وينصرك، فلا تتخذوا منهم أحباء تحبونهم وتنصرونهم أبداً؛ لأنهم كفار منافقون، إلى متى؟ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:89]، ويصح أن نقول: يهاجروا في سبيل الله، أي: ينقطعوا عن عبادة الكفر والباطل والشر إلى الإيمان والعمل الصالح، أي: هجرة روحية، فيهجرون الكفر والضلال ويعودون إلى الإيمان والاستقامة، ويصح لفظ الهجرة بهذا المعنى؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( والمهاجر بحق -من هو؟- من هاجر ما نهى الله عنه ورسوله )، أي: أن المهاجر الحقيقي ليس الذي ينتقل من بلد إلى بلد، بل الذي يهجر ويتجنب ما يغضب الله ورسوله من الذنوب والآثام.

    قال: حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا ، عن الإيمان، إذاً فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:89]، وهذا توجيه الله عز وجل للرسول والمؤمنين إزاء هؤلاء المنافقين، سواء في المدينة أو خارج المدينة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق...)

    إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [النساء:90].

    ثم قال تعالى مستثنياً: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ [النساء:90]، فمثلاً قبيلة من القبائل أو جماعة من الجماعات مرتبطة بميثاق أو بعقد مع قبيلة أخرى، وتلك القبيلة بيننا وبينهم عهد وميثاق، فهؤلاء لا ننقض عهدنا وميثاقنا معهم من أجل أولئك، وإنما نتركهم فلا نقاتلهم.

    وتأملوا: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ [النساء:90]، يصلونهم بماذا؟ بمعاهدة، فمثلاً: خزاعة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وبني بكر مع قريش، فإذا كانت جماعة مع خزاعة فلا ننصر عليهم لا نقاتلهم، إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ، وهذا أولاً، أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ، أي: ضاقت، أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ [النساء:90]، أي: جاءوكم وصدورهم ضاقت ما استطاعوا أن يقاتلونكم ولا أن يقاتلوا قومهم، إذ إن قومهم لا يريدون أن يسلموا ويدخلوا في الإسلام، وأنتم ما تريدون أن يبقوا في الكفر، فضاقت بهم الحال، فماذا تصنعون معهم؟

    قال: أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ، اتركوهم، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ إذاً: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ، وهم كفار، وألقوا إليكم السلم، أي: وهو عدم الحرب، فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [النساء:90]، فلا تقاتلوهم، فهؤلاء مضطرون، فقومهم حاربوهم وأنتم كذلك، وصدورهم ضيقة، فإذا ما حاربوكم لا تحاربوهم، ثم يمن الله عليهم فيقول: ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم، إذاً: فإن اعتزلوكم ولم يقاتلوكم فاتركوهم، ولا تنس أن هذا كله قد نسخ بأن الجزيرة لا يجتمع فيها دينان، فقد نسخ بآيات آخر ما نزل من سورة التوبة، فقال تعالى: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة:5]، ووفاة الرسول صلى الله عليه وسلم قد أصبحت على الباب، فيموت الرسول ولم يبق في الجزيرة شرك ولا كفر؛ لأنها قبة الإسلام وبيضته، لكن هذه التعاليم يستخدمها أئمة المسلمين في خارج الجزيرة مع الأمم والشعوب، ولهم في ذلك حق، إذ إن هذا تعليم إلهي رباني.

    قال: وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [النساء:90]، أي: لتقتلوهم أو تقاتلوهم، وهؤلاء ما يريدون أن يقاتلوكم ولا يقاتلوا قومهم، فماذا يصنعون؟ هم في كرب وفي ضيق، إذاً اتركوهم فلا تقاتلوهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم...)

    سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:91].

    ثم قال تعالى: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ [النساء:91]، أي: يريدون أن يمسكوا العصا من الوسط، كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ [النساء:91]، أي: إلى الكفر والشرك، أُرْكِسُوا فِيهَا [النساء:91]، فاسمعوا، فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [النساء:91]، أي: تمكنتم منهم، وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:91]، وهذه جماعة أخرى.

    سَتَجِدُونَ آخَرِينَ [النساء:91]، أي: غير الأولين، كيف حالهم؟ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ [النساء:91]، في وقت واحد، كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ [النساء:91]، أي: فتنة الشرك والكفر، أُرْكِسُوا فِيهَا [النساء:91]، وهؤلاء، فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ [النساء:91]، أي: بمعاهدة أننا لا نحاربكم ولا تحاربونا، وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ [النساء:91]، بالفعل؛ لأنه قد يعاهدون ويخونون، فهؤلاء، فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [النساء:91]، حتى ولو كانوا في الكعبة، إذاً: وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:91].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معاشر المستمعين! ومع شرح هذه الآيات الأربع أو الثلاث، وذلك زيادة في الفهم والعلم إن شاء الله.

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولنا ولكم: [ أما الآيات الأربع الباقية فقد نزلت لسبب معين، وتعالج مسائل حربية معينة، أما السبب الذي نزلت فيه فهو اختلاف المؤمنين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في طائفة من المنافقين أظهروا الإسلام وهم ضليعون في موالاة الكافرين، وقد يكونون في مكة، وقد يكونون في المدينة، فرأى بعض الأصحاب أن من الحزم والعزم الضرب على أيديهم وإنهاء نفاقهم ]، وفعلاً فقد اختلفوا فيهم، قال تعالى مصوراً ذلك: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ [النساء:88].

    قال: [ ورأى آخرون تركهم والصبر عليهم ما داموا يدعون الإيمان لعلهم بمرور الأيام يتوبون، فلما اختلفوا واشتد الخلاف في شأنهم أنزل الله تعالى هذه الآيات فقال: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:88].

    ومعنى الآية: أي شيء صيركم في شأن المنافقين فئتين؟ والله تعالى قد أركسهم في الكفر بسبب ما كسبوه من الذنوب العظام، أتريدون أيها المسلمون أن تهدوا من أضل الله، وهل يقدر أحد على هداية من أضله الله؟ وكيف، ومن يضلل الله حسب سنته في إضلال البشر لا يوجد له هاد، ولا سبيل لهدايته بحال من الأحوال.

    ثم أخبر تعالى عن نفسية أولئك المنافقين المختلف فيهم فقال وهي الآية الثالثة: وَدُّوا [النساء:89] ]، أي: في نفوسهم، ثم قال: [ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89]، أي: أحبوا من قلوبهم كفركم لتكونوا مثلهم، وفيه لازم وهو انتهاء الإسلام ]، أي: يريدون إنهاء الإسلام، وهذا الذي قلت لكم: لا يوجد فريق في البشر من المشركين والوثنيين والكتابيين يريدون بقاء الإسلام أبداً؛ إذ لو وجدت أمة أعجبها الإسلام ورغبت فيه فإنها تدخل فيه، فلماذا تعيش بعيدة عنه؟ فكلهم يريدون ألا إسلام، لماذا؟ ليستووا مع المسلمين في الهبوط والسقوط وفي جهنم والعياذ بالله.

    قال: [ ومن هنا قال تعالى محرماً موالاتهم إلى أن يهاجروا ]، أي: يعودون إلى العمل الصالح والاستقامة، أو يعودوا إلى المدينة ولا يبقوا في مكة أو خارجها، قال: [ فقال: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ [النساء:89] تعولون عليهم في نصرتكم على إخوانهم في الكفر ]، يعني: يقاتلون معكم، قال: [ وظاهر هذا السياق أن هؤلاء المنافقين هم بمكة ]، وهذا ظاهر الآية، قال: [ وهو كذلك.

    وقوله تعالى: حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:89]؛ لأن الهجرة إلى المدينة تقطع صلاتهم بدار الكفر، فيفتر عزمهم ويراجعوا الصدق في إيمانهم فيؤمنوا، فإن هاجروا ثم تولوا عن الإيمان الصحيح إلى النفاق والكفر فأعلنوا الحرب عليهم، فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:89]؛ لأنهم بارتكاسهم لا خير فيهم ولا يعول عليهم.

    ثم في الآية الأخيرة يقول: استثنى لهم الرب تعالى صنفين من المنافقين المذكورين ]، أي: استثنى الله تعالى لرسوله والمؤمنين صنفين من أولئك المنافقين المذكورين، قال: [ فلا يأخذونهم أسرى ولا يقاتلونهم:

    الصنف الأول: الذين ذكرهم تعالى بقوله: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ [النساء:90]، أي: يلجئون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، فبحكم استجارتهم بهم طالبين الأمان منهم، فأمنوهم أنتم حتى لا تنقضوا عهدكم.

    والصنف الثاني: قوم ضاقت صدورهم بقتالكم وقتال قومهم، فهؤلاء الذين لم يستسيغوا قتالكم ولا قتال قومهم، إن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم فلا تأخذوهم ولا تقتلوهم واصبروا عليهم؛ إذ لو شاء الله تعالى لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ]، إذاً فاتركوهم، [ وهذا الصنف هو المعني بقوله تعالى: أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ [النساء:90].

    فما دام الله تعالى قد كفهم عنكم فكفوا أنتم عنهم، هذا معنى قوله تعالى: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ [النساء:90]، أي: المسالمة والمهادنة، فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [النساء:90]، أي: لأخذهم وقتالهم.

    هذا وهناك صنف آخر: ذكر تعالى حكم معاملته في الآية الخامسة والأخيرة، وهي قوله تعالى: ستجدون قوماً آخرين غير الصنفين السابقين، يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ [النساء:91]، فهم إذاً يلعبون على الحبلين كما يقال، كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ [النساء:91]، أي: إلى الشرك، أُرْكِسُوا فِيهَا [النساء:91]، أي: وقعوا فيها منتكسين؛ إذ هم منافقون، إذا كانوا معكم عبدوا الله وحده، وإذا كانوا مع قومهم عبدوا الأوثان لمجرد دعوة يدعونها يلبون فيرتدون إلى الشرك-والعياذ بالله-وهو معنى قوله تعالى: كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا [النساء:91]، وقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ [النساء:91]، أي: إن لم يعتزلوا قتالكم، ويلقوا إليكم السلام، وهو الإذعان والانقياد لكم، ويكفوا أيديهم بالفعل عن قتالكم، إذاً: فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:91] ]، لا شك في الإذن في قتالهم، ثم قال: [ أي: حجة واضحة على جواز أخذهم وقتلهم حيثما تمكنتم منهم، وعلى أي حال كان، هذا ما دلت عليه الآيات الخمس مع العلم أن الكف عن قتال المشركين قد نسخ بآيات براءة، إلا أن لإمام المسلمين أن يأخذ بهذا النظام عند الحاجة إليه؛ فإنه نظام رباني ما أخذ به أحد وخاب أو خسر أبداً، ولكن خارج جزيرة العرب، إذ لا ينبغي أن يجتمع فيها دينان ].

    وقد عدنا من حيث بدأنا، إذ هذه الأحداث تمت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نسخ الله تعالى هذا السلم بين المسلمين والمشركين نهائياً، وله إعلان من قبل أعلن في الجزيرة بكاملها: من كان بينه وبين الرسول عهد، شهر أو شهرين أو ثلاثة إلى أربعة أشهر، فننتظر حتى تنقضي الأربعة الأشهر، فإذا انسلخت فالقتال، واسمعوا هذه الآيات المباركة: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [التوبة:1-2]، أيها المشركون! أي: عندكم أربعة أشهر، فإما أن تدخلوا في الإسلام أو تخرجون من الجزيرة أو تلتحقون بالهند أو بشرق الدنيا أو بغربها، فهذا شأنكم.

    لكن فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فالجواب: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة:5]، فهذه الآية نسخت العفو أو السلم بين الرسول والمؤمنين والمشركين بالجزيرة؛ لأن الإسلام قد انتشر ووفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أوشكت، إذاً هنا أعلن هذا الإعلان الإلهي وأعلنه حتى في الحج، وهو أن للمشركين فسحة أربعة أشهر، فمن أراد أن يدخل في الإسلام فليتفضل، ومن أراد أن يرحل إلى شرق الدنيا أو إلى غربها فليفعل، أما أن يصر على الشرك والكفر هنا فلا، إذ بمجرد أن تنتهي هذه الأربعة أشهر يقتلون.

    ويبقى أن هذه الآيات يستعملها إمام المسلمين مع الدول المجاورة، أي: قضية عهود ومواثيق وعدم اعتداء، وكل هذا واسع، أما في الجزيرة فلا يجتمع فيها دينان.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات: من هداية الآيات: أولاً: وجوب توحيد الله تعالى في عبادته ]، وأخذنا هذا من قوله تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [النساء:87]، أي: لا معبود بحق إلا هو، وقد سرحنا النظر والعقل في الملكوت كله، والله لا يوجد من يستحق أن يعبد إلا الله، فمن يدلل على هذا أو يبرهن؟ لا خالق للخلق ولا مكون للكون إلا الله، إذاً فكيف يعبد مخلوق مكون والخالق المكوِّن لا يُعبد؟! بأي عقل هذا؟! سرح النظر في الملكوت كله والله لن تجد من يستحق أن يعبد إلا الله عز وجل، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [النساء:87]، أي: لا معبود بحق يقتضي أن يعبد إلا الله عز وجل، وحق الله علينا لنعبده مقابل خلقنا ووهبنا حياتنا كلها، ووهب لنا الكون كله، ومع ذلك ننكر فضله ولا نطيعه؟!

    وأخرى أيضاً: هل الله عز وجل في حاجة إلى عبادتنا؟ لا والله، إذاً لم يكلفنا، هذا حرام، وهذا حلال، وقم بكذا، وافعل كذا؟! والجواب: والله لمن أجل إسعاد الإنسان وإكرامه، ولو عرف هذا البشر ما كفر أحد، فاليهود والنصارى والمشركون والمجوس لمَ هم هاربون من عبادة الله تعالى؟ ما فهموا، ولذلك هذا الإسلام من أجلكم لتكملوا آداباً وأخلاقاً وأبداناً وعقولاً، وتسعدوا في حياتكم هذه، وفي الحياة الأبدية الباقية، لكن ما فهموا هذا، والذين ما فهموا هذا ودخلوا في الإسلام يتألمون من هذه الواجبات ويشمئزون وينقبضون، ويقولون: كيف نصوم؟ كيف نصلي؟ لن تكمل ولن تسعد ولن تفضل ولن تشرف إلا بهذه العبادات، فهل يستطيع كائن من كان أن يقول: إن العبادة الفلانية ضارة غير نافعة؟ أو يقول: إن المحرم الفلاني ضار تحريمه، إذ لو أحل لكان أنفع؟ اترك علماء النفس والاجتماع والدنيا كلهم، ما حرم ولا أحل ولا أوجب إلا من أجل إسعاد البشرية وإكمالها، وهو في غنى مطلق عن الخلق، إذ كان ولم يكن شيء غيره.

    قال: [ وجوب توحيد الله عز وجل ]، في أي شيء؟ باللسان أو بالقول والعمل؟ الجهال عندنا المسبحة في يده: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لما يأخذه النعاس وتسقط المسبحة يقول: يا سيدي عبد القادر! والله قد عايشناهم ولا تقولوا: إن هذا الكلام باطل، فهو يذكر: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، وجزاه الله خيراً، ونعم الذكر هذا، لكن ما فهم معنى لا إله إلا الله، إذ تسقط المسبحة من يده فيقول: يا رسول الله!

    وقد قلت لكم: إني كنت مع سائق من السلفيين، لكن ما انشرح صدره بعد، فخرجت السيارة عن الطريق فقال: يا رسول الله! يا رسول الله! هل الرسول ينقذك؟ وهل يسمعك ويراك؟ وهل يمد يده إليك؟ لم تلعب يا عبد الله؟ إذ لو وقفت أمام قبر ألف سنة وأنت تدعوه والله ما رد عليك بشيء أبداً، وإن قلت: لا، فامش إلى سيدي البدوي، أو عبد القادر الجيلاني، وادعوه كم عاماً، والله لن تسمع صوته ولن يرد عليك، ولا قضى حاجتك أبداً، مع ما أفرغته على نفسك من غضب الله وسخطه، إذ ما يريد الله لك وأنت عبده أن تضل عاماً كاملاً ولا تعرف الطريق إليه.

    وقد بينا للصالحين والصالحات أمثلة حية: فلو مررت يا أخي أو يا بني برجل أمام دار خربة، فالباب والسقف موجود لكن ما فيها سكان، إذ إنها متهدمة، فرأيته يقول: يا أهل الدار! إني جائع، يا أهل البيت! أخوكم ظمآن، ومررت به، فأسألكم بالله تقولون: دعه يدعو أو ماذا تقولون؟ تقول: يا بني! يا أخي! ما في الدار أحد أبداً، لكن امش إلى دار فيها سكان، أليس هذا هو؟ والآن يمر إخواننا بالواقفين على الأضرحة والقبور: يا سيدي فلان! يا مولاي فلان! وليس هناك من يقول لهم: يا جماعة أنتم غالطون، إن هؤلاء أموات لا يمدونكم بشيء أبداً، ولا يقدرون عليه، بل ولا يعرفون نداءكم ولا طلبكم، فهل عرفتم معنى التوحيد؟ أي: توحيد الله في العبادة، بحيث لا يعبد معه غيره بأي نوع من أنواع العبادة، فالذي تعبدنا الله به معروف، وقد جاء في الكتاب وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى كل مؤمن ومؤمنة أن يعرف العبادة.

    فهل الدعاء عبادة؟ فيه تعب؟ فيه أموال تنفقها؟ سفر تقطعه؟ إذاً كيف أن الدعاء عبادة؟ العبادة: الركوع، والسجود، والطواف، وإنفاق المال، والذكر، أما الدعاء فكيف يكون عبادة؟ أولاً: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( الدعاء هو العبادة )، وهذه صيغة حصر، وورد بسند ضعيف: ( الدعاء مخ العبادة )، وهو كذلك؛ لأن الحيوان إذا نزع مخه هل يبقى حياً؟ وكذلك العبادة إذا أخذ منها الدعاء ماتت، وما بقيت صلاة ولا حج ولا جهاد، وإليكم الصورة لتعرفوا أن الدعاء هو العبادة: قم يا إسماعيل وارفع يديك، وأنا الآن أقرأ لكم حاله: هذا العبد فقير ومحتاج ومضطر، وهو في هم وكرب، ما الدليل؟ لولا فقره يمد يديه؟ والله لفقير، والله عز وجل هو الغني، فقد رفع يديه إلى الله، والله فوق سمواته، فهو رفع يديه فوق، ولو كان يعرف أن من يجيب دعاءه ليس بفوق، لنكس يديه إلى الأرض، أو لقال هكذا عن يمينه أو هكذا عن شماله، لكنه عرف أنه لا يجيب دعاءه إلا الله الذي فوق سماواته، فوق عرشه، بائن من خلقه، ولهذا رفع كفيه إليه يطلبه ويسأله حاجاته العاجلة والآجلة، وثانياً: أن هذا الذي رفع يديه يسأل ربه، هل سمعتم صوته؟ لا، إذاً كيف يسمع الله صوته؟ هذا لعلمه أن الله عز وجل لا يخفى عليه من أمر الخليقة شيئاً، فهو يعلم السر وأخفى، فقد أيقن هذا العبد أن الله قد سمعه ويسمعه وهو يناديه ويناجيه، وثالثاً: لو كان هذا العبد يعلم أن الله عز وجل لا يسمعه، فهل سيكلمه؟ لا، لكن هو يدعو: يا رب! يا رب! فمعناه إيمان يقيني أن الله يسمعه، كما لو كان هذا العبد أيضاً يعلم أن هناك من يقضي حاجاته ويعطيه سؤله، والله لما افتقر إلى الله ولا رفع كفيه إليه.

    وصورة حقيقية أخرى: أنت الآن تقول لأخيك: من فضلك ناولني عصاي، أو ناولني نعلي من فضلك، فهل يجوز هذا أو لا يجوز؟ يجوز، لم؟ لأنه يسمعك ويراك ويقدر على أن يعطيك، أو فلان من فضلك أعطني عشرة ريال نريد أن نتعشى بها، فهل هذا يجوز أو لا؟ نعم يجوز لأنه دعا حياً يسمع ويقدر على أن يعطي، أما دعاء الأموات من عيسى ومريم إلى العزير إلى عبد القادر إلى البدوي إلى رسول الله وفاطمة والحسين، كل هؤلاء كيف يعطونك؟! كيف يسمعون عنك؟! كيف يعرفون حالك يا عبد الله؟! إذاً عليك بالله عز وجل القائل: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].

    فهل عرفتم أن الدعاء هو العبادة؟ أظهر فقره وربه هو الغني، وسأل ربه لعلمه بأنه يسمع صوته ويقدر على إعطائه، فأغمض عينيه عن الكون والحياة كلها، إذ لم يجد غير الله تعالى يرفع كفيه إليه.

    ولهذا فإن الدعاء هو العبادة، والحمد لله فهناك يقظة وعودة، وإلا قبل خمسين سنة والله لولا هذه الدولة القرآنية لرأيتم الركع والسجد والطائفين والسائلين بأعلى الأصوات: يا رسول الله! يا أبا فاطمة! يا كذا! وكأنهم ما قرءوا القرآن، وهكذا كانت أمتنا خلال ثلاث أو أربعمائة سنة بهذه الطريقة، تزور ضريح سيدي فلان الخميس أو الاثنين، نساء ورجالاً، بل وينقلون المرضى، ووالله لقد نقلت والدتي ابنتها سعدية وهي مصابة بمرض جنون إلى سيدي عبد الرحمن الأخضري على حمارة أكثر من ثمانية كيلو، ووضعتها في ضريح عبد الرحمن الأخضري للشفاء، وهذا قبل أن تتعلم والدتي من طريقي، وذلك أيام كنا يتامى، أما وقد تعلمت وأصبحت موحدة فإنها ماتت على لا إله إلا الله، فهذه أمور كالشمس، ومن أراد أن يتفضل فليذهب إلى الأضرحة في أي بلد، كالأضرحة الممتازة كسيدي أحمد البدوي، وكسيدي عبد القادر، وسيجد الآن أمماً جاثمة على ركبها تدعو وتسأل.

    ما سبب ذلك؟ والله إنه الجهل، حتى لو كان مضللين ما يستطيعون أن يضللوا العالمين أبداً، وإنما يضللون الجاهل، أما الذي عرف كيف يضللونه؟! فهيا نقضي على هذا الجهل، فما الطريق؟ وما السلاح الذي نقضي به على الجهل؟ بالأموال؟! والله لا مال ولا سلاح ولا هرج ولا مرج إلا فقط أن نسلم أنفسنا لله تعالى، فنقول: يارب! خذ قلبي ولساني ووجهي لك، وأهل القرية أو أهل مكان ما يجتمعون في بيت ربهم كاجتماعنا هذا، فالنساء وراءنا والرجال أمامنا، وليلة يأخذون آية كليلتنا، وأخرى حديثاً من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وطول العام وهم كذلك، والله ما تمضي سنون إلا ولا يوجد جاهل ولا جاهلة، وذلك بدون كتابة ولا قلم، فيتعلمون ويعملون، ولا تسأل عن ثمار ذلك ونتائجه الطيبة، فينتهي الحسد والبغض والعداء والشرك والباطل، ويظهر الخير والولاء والصفاء والمحبة.

    فكم يكلفهم هذا؟ لا شيء، وقد قلنا لهم: إن اليهود والنصارى في أمريكا وأوروبا إذا دقت عندهم الساعة السادسة أوقفوا العمل والله العظيم، وذهبوا إلى دور السينما والمراقص والملاهي، وأنتم يا ربانيون لمَ لا توقفون العمل في السادسة وتأتون إلى بيوت ربكم بنسائكم وأطفالكم، فتتعلمون الهدى، وترتقون إلى سماء الكمالات من طريق قال الله قال رسوله صلى الله عليه وسلم؟

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.