إسلام ويب

تفسير سورة النساء (45)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بالقتال في سبيله وحضهم عليه، لما في القتال في سبيل الله من رفع لراية دينه، وتبليغ شرعه، والتمكين لأهل الإيمان في الأرض، والدفاع عن المستضعفين والمغلوبين من المؤمنين في أرجاء المعمورة، ولا يمنع المؤمنين من الجهاد خوف عدوهم؛ لأنهم يقاتلون في سبيل الله، أما عدوهم فإنما يقاتل في سبيل الطاغوت، ويستمد قوته من الشيطان، وكان كيد الشيطان ضعيفاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ...)

    الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللاتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة النساء المدنية، وها نحن مع هذه الآيات الأربع، وعلنا ندرسها أو يبقى منها ما ندرسه في الليلة الآتية إن شاء الله.

    إليكم تلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

    فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا * الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء:74-76].

    هيا نتدبر هذه الآيات، ونصدق أنفسنا في طلب معرفتها والعمل بها:

    أولاً: اسمع هذا الخطاب: فَلْيُقَاتِلْ [النساء:74].

    بلام الأمر؛ فبناء على ما تقدم في السياق الكريم: فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:74].

    ما هي سبيل الله يا إخواننا؟ دلونا عليها، عرفونا بها، اهدونا إليها حتى نقاتل في سبيلها، لنعلم أن المراد من سبيل الله هو أن يعبد الله وحده ولا يعبد معه سواه، فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:74] أي: في الطريق المؤدي إلى أن يعبد الله وحده ولا يعبد معه سواه؛ لأن الله عز وجل خلق العوالم كلها علويها وسفليها من أجل هذا الآدمي، والآدمي من أجل أن يذكر الله ويشكره، أراد الله تعالى أن يذكر ويشكر، يذكر بالقلب واللسان، ويشكر بالجنان والجوارح، فأوجد هذه النعم، وأوجد هذا الآدمي من أجل أن يذكره ويشكره، فمن أعرض عن ذكره متكبراً أو جاهلاً ولم يشكره وجب أن يقاتل حتى يعترف بالحق، ويذكر الله ويشكره.

    إذاً: يقول تعالى لعباده المؤمنين: فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:74] من هم؟ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ [النساء:74] بمعنى: يبيعون الحياة الدنيا ويعتاضون عنها بالآخرة، شرى يشري بمعنى: باع يبيع، واشترى يشتري، اشترى إذا أخذ وباع وأعطى، هناك من يرى أن هذا يعود إلى أولئك الذين يتباطئون في القتال ولا يخرجون، وإذا فاز المؤمنون بالنصر والغنيمة تأسفوا وتحسروا: يا ليتنا كنا معهم، وإذا أصيبوا بهزيمة لأمر يريده الله يفرحون، ويقولون: الحمد لله أننا ما خرجنا معهم، إذاً هؤلاء لك أن تقول لهم: فقاتلوا في سبيل الله يا من تشترون الحياة الدنيا وتبيعون الآخرة، لكن التوجيه الأول هو الذي عليه أكثر المفسرين، والقرآن حمال الوجوه؛ إذ الوجه الأول صحيح وسليم، والثاني والله كذلك، لا فرق، فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [النساء:74] أي: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة ويأخذون الآخرة، والمراد من الآخرة الجنة دار السلام دار الأبرار دار المتقين، الجنة التي فيها أربعة مواكب، وقلنا: هيا نعمل على أن نواكبهم في دروس مضت، واشترط الله علينا شيئاً واحداً: أن نطيع الله ورسوله، إذ قال عز وجل: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]، اللهم اجعلنا منهم!

    إذاً: فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:74] أي: في الطريق الموصل إلى رضا الله، وذلك بأن يعبد وحده بذكره وشكره، من يقاتل في سبيل الله؟ الَّذِينَ يَشْرُونَ [النساء:74] أي: يبيعون، الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ [النساء:74]، لا يأخذون الحياة الدنيا بالآخرة بل يبيعون هذه الحياة ويأخذون الآخرة بدلها؛ لأن الحياة الدنيا فانية والآخرة باقية: وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:17]، حتى قال الرشداء البصراء: لو كانت الآخرة من خزف والدنيا من ذهب لاختار العقلاء الآخرة عن الأولى؛ لأن خزفاً يبقى أفضل من ذهب يفنى، فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ [النساء:74].

    ثم جاء وعد الله عز وجل: وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:74].

    لا في سبيل الدنيا.. لا في سبيل الوطن.. لا في سبيل الرياسة.. لا في سبيل المال.. لا في سبيل الشهرة والسمعة، كل هذه ممسوحة من قلب هذا المؤمن، لا يريد إلا أن يعبد الله وحده.

    وَمَنْ يُقَاتِلْ [النساء:74] منكم معشر المؤمنين، فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ [النساء:74] يستشهد، أَوْ يَغْلِبْ [النساء:74] وينتصر ويظفر بالغنيمة، على كلا الحالين الجزاء: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:74]، من قال: (فسوف نؤتيه أجراً عظيماً)؟ الله، إذاً إذا كان الله العظيم فعطيته كيف تكون وقد استعظمها، وقال: (فسوف نؤتيه أجراً عظيماً)؟

    إن أهل الجنة في تفاوتهم.. في درجاتهم.. في قصورهم ينظرون إلى بعضهم البعض كما ننظر إلى الكواكب في السماء، وأقل ما يعطاه أحدهم مثل الدنيا مرتين.. هذا الكوكب يعطى مثله كوكبين.

    إذاً: فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ [النساء:74] أي: يبيعون، الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ [النساء:74] إما أن يستشهد أو ينتصر ويغلب العدو وما مات، فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:74].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ...)

    يقول الله تعالى: وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ [النساء:75].

    وهذه تدفع أصحاب رسول الله المهاجرين والأنصار لإنقاذ إخوانهم بمكة، وهم يعيشون أذلاء مضطهدين معذبين ينكل بهم من قبل المشركين، ومن هنا وجب على المؤمنين في كل عصورهم وأزمنتهم ألا يسمحوا أن يبقى مؤمن تحت أيدي الكفار، لو نخرج من أموالنا كلها ونطلق أسر هذا المؤمن ونبعده عن أسر الكافرين.

    إذاً: وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:75] أي شيء منعكم أو حال دون القتال في سبيل الله ليعبد وحده، وفي سبيل المستضعفين من الرجال الذين هم تحت قبضة أبي جهل وعقبة بن معيط وفلان يعبدونهم الليل والنهار، وسبيل المستضعفين أيضاً من الولدان الصغار والنساء، عجلوا جاهدوا.

    ثم قال: أولئك الضعفة من الرجال والنساء والولدان يسألون الله ويدعونه قائلين: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ [النساء:75]، يعنون مكة الظَّالِمِ أَهْلُهَا [النساء:75]، ظلموهم لما منعوهم من قولة لا إله إلا الله، بلال يسحبونه على الرمضاء ويقولون له: اكفر، وهو يقول: أحد أحد ، ياسر قتلوه تحت الضرب والغمس في الماء، سمية زوجته ، عمار عذبوه.. أنقذوا إخوانكم، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا [النساء:75].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ...)

    قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا [النساء:76].

    آمنوا ما الإيمان؟ دعوى ادعاها البشر والإنس والجن، آمنوا الإيمان الحق، صدقوا الله ورسوله في كل ما أخبر به من شأن الغيب والشهادة في العوالم العلوية والسفلية، في هذه الحياة وفي الأخرى، صدقوا الله ورسوله، هؤلاء يقاتلون في سبيل الله، لن يخرجوا أبداً، ولن يحملوا سلاحاً لغير أن يعبد الله تعالى وحده.

    وَالَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:76].

    كذبوا الله ورسوله جحدوا بما شرعه الله وبينه لعباده لإكمالهم وإسعادهم، هؤلاء يقاتلون في سبيل من؟ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ [النساء:76] والطاغوت: الشيطان، وكل من طغى وارتفع وتكبر وتجاوز مستواه الآدمي، وأمر أن يعبد ويقدس، أو أمر أن يعبد غير الله فهو طاغوت، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ [النساء:76]، وبناء على هذا يقول تعالى: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ [النساء:76]، كل من يدعو إلى معصية الله عز وجل والخروج عن طاعته فهو يدعو بدعوة إبليس؛ لأن الشيطان همه ألا يرى مؤمناً صالحاً يدخل الجنة، كل ما يحمله ألا يرى مؤمناً أو مؤمنة يعبد الله ويوحده ليدخل الجنة؛ لأنه يقول: دخلت النار بسببهم، لأنه أبلس من الخير، وطرد من الجنة بسبب ما فعل لآدم؟ لا، بسبب كبريائه وعدم خضوعه لله وسجوده لآدم.

    إذاً: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ [النساء:76] إذاً: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء:76] ينهزم وينهزمون.

    والله ما وقف مؤمنون ربانيون صحيحو الإيمان والإسلام وانهزموا إلا إذا اختل موقفهم بسبب معصية ارتكبوها؛ لأن كيد الشيطان ضعيف جداً لا وزن له ولا قيمة، ما يمكر به ويكيد ويبينه لأوليائه ويغرقهم أيضاً في المفاسد والشرور.

    وجوب القتال تحت راية إمام واحد واتباع أوامره

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! وهنا مناسبة كبيرة: أمرنا الله تعالى أن نقاتل في سبيله هيا نقاتل، كيف نقاتل؟ يجب أن نطيع ربنا بما أمرنا به، كيف نقاتل؟ من نقاتل؟

    الجواب: نقاتل تحت راية إمام بايعته أمة الإسلام، نقاتل تحت إمام رباني بايعته أمة الإسلام، هذا الإمام تحمل المسئولية، وأصبح أهلاً لها فهو بحسب قدرته، وبحسب قدرة الكافر الذي يريد أن يغزو داره، وينشر رحمة الله في بلاده، فإن رأى أنه قادر بجيشه الرباني الإيماني الإسلامي حينئذ ماذا يصنع؟ أرشدنا الله عز وجل إلى كيفية الجهاد، وهو من أخريات ما نزل، اسمعوا من سورة التوبة المدنية، يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة:123] لا الفاجرين، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [التوبة:123] لبيك اللهم لبيك، قَاتِلُوا [التوبة:123]، من؟ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [التوبة:123]، لم الذين يلوننا؟ لأنهم أقرب إلينا، وأولى بالمعروف ممن هم بعيدون عنا، فلنقاتل الأمم والشعوب التي تلي بلادنا، فإذا دخلت هذه الأمة يصبح وجودنا وراءها هم الذين يلوننا، وهكذا حتى ننتظم هذه الأرض بدعوة الله عز وجل، وهناك مثل ضربناه عشرات المرات، انظر تأمل: بركة واسعة مملوءة بالماء خذ حصاة حجر وارمها في وسطها؛ فإن البقعة التي وقعت فيها الحجر على قدرها، ثم تأخذ في الاتساع إلى أن يصل الاضطراب إلى أطراف البركة، هذا مراد الله من هذه الآية: قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ [التوبة:123] تلينا إيطاليا فرغنا منها دخلت في رحمة الله وحدودنا ألمانيا، دخلت ألمانيا وحدودنا يوغسلافيا، قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة:123] شدة، لا يحل أبداً للمسلمين أن يكونوا أضعف من عدوهم الكافر، بل يجب أن يكونوا أقوى وأقدر؛ لأن الكافر ضائع هابط كالميت، والمؤمنون أحياء والله عز وجل يرشدهم ويهديهم إلى السبيل القويم، وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ [الأنفال:60].

    إذاً: حتى لا يلتبس على السامعين والسامعات، نحن مأمورون بأن نقاتل الليلة وإلا لا؟ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:74] كيف نقاتل؟

    الجواب: لا بد من بيعة إمام مسلم، بيعة كيف تتم؟ نعم لا إقليمية ولا عنصرية ولا قبلية ولا وطنية، المؤمنون أمرهم واحد، المسلم أخو المسلم، بايعناك يا إمام المسلمين لا يحل لمؤمن أن يقول كلمة سوء تشير إلى عدم الطاعة أو الخروج عن إمام المسلمين، وإذا نفخك إبليس وانتفخت فاستعذ بالله منه وانزل حتى تطمئن، أنت ما أطعت إمام المسلمين لذاته أنت أطعته لله هو الذي أمرك، فإذا وجد الإمام -كما قلنا- يطبق هذه الآية الكريمة: قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ [التوبة:123] كيف؟ إن كانت لنا سبل تحمل الرجال والسلاح نرسيها على الشاطئ المقابل له، إن كانت جيوشنا تمشي على أرجلها أو تركب على خيولها كذلك ننزل بحدود هذه الدولة أو هذه الأمة أو هذا الإقليم الكافر، وتجري سفارة بيننا وبينهم، وهي سفارة ذات ثلاثة بنود: يا أهل هذا الإقليم! جئناكم بسم الله ربنا وربكم لننقذكم مما أنتم فيه من الخبث والشر والفساد والظلم والطغيان كفار -هذا في الدنيا- ولننقذكم من عذاب الآخرة التي أنتم سائرون إليها ليل نهار، فادخلوا في رحمة الله، قولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، واعبدوا الله بما بين الله ورسوله فتزدهر بلادكم وتستنير ويختفي الظلم والخبث والشر والفساد والجهل والباطل بكل أنواعه، والله العظيم، فإن قالوا: مرحباً تفضلوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، أمست تلك البلاد أو أصبحت وهي جزء من الخلافة الإسلامية، ويأخذ رجالنا في تعليم الرجال والنساء والأطفال، التعليم الحقيقي الذي ينتج زكاة النفس، وتهذيب الروح، ورفع الآداب والأخلاق.

    فإن رفضوا قالوا: لا نستبدل بديننا ديناً آخر، قلنا لهم: إذاً اسمحوا لنا أن ندخل معلمين مربين مهذبين، بمعاهدة بيننا وبينكم أنتم في ذمتنا، ونحن نحمي بلادكم، ونصون أموالكم وأعراضكم ووجودكم، ولا ترفعوا سلاحاً أبداً نحن الحماة، فإن قالوا: تفضلوا أصبح هذا الإقليم في ذمة المسلمين لا يؤذى فيه عبد ولا يظلم آخر، لا رجل ولا امرأة ولا طفل، فإذا غزاهم عدو نحن الذين نقاتل هذا العدو، ونقول لهم: الزموا أماكنكم نحن المسئولون عن حفظ دمائكم وأعراضكم وأموالكم، فما هي إلا أيام أو أشهر أو أعوام إلا ويأخذ أهل البلاد يدخلون في رحمة الله يوماً بعد يوم؛ لأنهم يشاهدون الأنوار، وقد عاشوا في الظلام وشاهدوا آثاره من الشر والخبث والفساد؛ لأن أولئك المؤمنون الذين نزلوا في ديارهم تصور كيف يكونون كـأبي هريرة كـمعاذ بن جبل كفلان، لا ينطق إلا بالمعروف، ولا يتناول إلا بالمعروف، ولا يقول إلا المعروف، فيعشقونهم ويحبونهم ويدخلون في قلوبهم، لا يلبثون أن يدخلوا في رحمة الله.

    فإن رفضوا، وقالوا: لا نقبل إلا بالسيف هو الذي يحكم بيننا وبينكم، هنا وجب القتال، جيوشنا متهيئة والإنجادات متصلة، إذاً فلنقاتل في سبيل الله، فإن انتصرنا وفزنا فالجنة، وإن انهزمنا لذنوبنا نصحح خطأنا ونعود مرة أخرى لقتال هذا الكافر.

    أتدرون ما الخطأ؟ اسمعوا: أين كسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أين شج وجهه؟ أين دخل المغفر في رأسه؟ أين استشهد عمه حمزة رضي الله عنه؟ في معركة أحد، ما سبب هذه الهزيمة، اقرءوا كلام الله عز وجل: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165]، كيف ننهزم وننكسر؟ هو أي: الانهزام والانكسار من عند أنفسكم.

    ماذا فعلوا: شربوا الخمر، خرجوا على الإمام، تركوا الصلاة؟ كل ما في الأمر لما انهزم المشركون رآهم الرماة الذين وضعهم القائد الأعظم صلى الله عليه وسلم على جبل الرماة وقال لهم: لا تبرحوا أماكنكم انتصرنا أو انهزمنا، لكن وساوس إبليس لما شاهدوا المشركين مهزومين فارين يتركون أموالهم وغنائمهم وما معهم وأخذ المسلمون يجمعون الغنائم، قالوا: لم نبق نحن، انتهت المعركة، قال قائدهم عبد الله : أمرنا رسول الله ألا نبرح أماكننا، قالوا: فسر الموقف، أمرنا بالثبات من أجل الانتصار وإلا لا؟ وقد انتصرنا، ما الفائدة في بقائنا؟ هذا يسمى تأويلاً وإلا لا؟ وباطل، فهبطوا ولم يبق إلا عدد قليل قتل وكانت الهزيمة، واقرءوا: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ [آل عمران:153] الآيات، معصية.

    ولطيفة: تغمد الله الشيخ رشيد رضا برحمته ذكرها في تفسيره المنار: قال: يقول شيخي محمد عبده : رأيتني في المدينة والرسول صلى الله عليه وسلم على بغلته والجيش الإسلامي وراءه وهو يقول: لو خيرت بين النصر والهزيمة لاخترت الهزيمة على النصر، عائد من أحد مع الهزيمة التي أصابتهم وهو يقول: لو خيرت، أي: لو خيرني ربي بين النصر والهزيمة لاخترت الهزيمة، لماذا؟ لأنهم لو انتصروا مع الخروج عن طاعة الرسول يقولون: نحن أولياء الله، نقاتل في سبيل الله، كيف ننهزم؟ وحينئذ لا ينتصرون في معركة إذا استباحوا ما حرم الله معتمدين على كونهم أولياء الله ومع رسول الله، عرفتم؟ ذنب واحد.. خطيئة واحدة أرتهم ما يدبره الله لأوليائه.

    إذاً: ماذا نصنع الآن؟ يا عباد الله كيف نقاتل؟ هيا نسلم قلوبنا ووجوهنا لله ونقبل في صدق على الله، وينمسح تماماً من قلوبنا العنصريات والقبليات والشهوات والأهواء والماديات، ونقبل على الله، أربعين يوماً لا أقول عاماً وأمة الإسلام أمرها واحد، عرفت الطريق، وقالوا: بايعناك يا إمام المسلمين، ولا يتخلف واحد، انتهت الأطماع والشهوات والدنيا والتكالب عليها، وإذا بهم أمة واحدة، حينئذ بحسب قدرة إمام المسلمين يطبق قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة:123].

    1.   

    حكم القتال الدائر بين المسلمين في أفغانستان والجزائر

    أين أخي؟ أين ضيفي الليلة الجزائري؟ يبكي، منذ أسبوعين قتلت أسرته بكاملها رجالاً ونساء وأطفالاً في الديار الجزائرية، الرجل في عمر خمس وسبعين سنة، والمرأة حوالي خمس وستين، وأطفالهم بعض الأطفال في عامين ونصف، أهذا قتال في سبيل الله؟ أبكاني وآلمني أكثر بعدما انتشرت دعوة الإسلام بفضل الله عز وجل، وبسبب جماعة التبليغ الهندية، وأصبحت فرنسا فيها قرابة الثلاثة آلاف مسجد، وانتشر الإسلام في كل أوروبا بالدعوة الهادئة الربانية السليمة، يقول الرجل: أصبحنا في فرنسا لا نقول: نحن مسلمون، يقولون له: مسلم! نحن المسيحيون ما نقتل النساء، ما نذبح الأطفال، وأنتم تقتلون وتذبحون النساء والأطفال، حتى العابدات والرهبانيات، وإننا لننتظر غضبة في أوروبا فيلقون بكل المسلمين في البحر، ويبعدونهم من ديارهم، ما سبب هذه المحنة؟

    سببها الجهل، أمة أعرضت عن كتاب الله، أعرضت عن هدي رسول الله، ابتعدت عن النور فعاشت في الظلام فأخذ الرجل يقول: الجهاد، كيف نجاهد؟ نجاهد هؤلاء الحكام الكفار، وانتشرت تلك المحنة المسماة بالتكفير والهجرة، وغذاها ونماها وزاد في ظلامها المجوس واليهود والنصارى من وراء الظلام، ومددنا أعناقنا وأصبح هيجان على من؟ على المسلمين، على قتال المسلمين، ونسوا وأبوا أن يفهموا أن المسلمَين إذا التقيا بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار، نسوا أن من كفَّر مؤمناً فقد كفر، جهلوا أن الحاكم إذا لم يحكم بالشريعة ولم يقل هي باطلة ولا لا تنفع ولكن قال: ما عرفنا، هكذا وجدنا الحكم، فعلنا. تكفيره يكفر من كفره، لا يكفر مؤمن إلا إذا صاحب قوله اعتقاده، لو قال: أنا لا أؤمن بالإسلام ولا بشرائعه ودينه فهذا كفر، وقل: إنه كافر، أما وهو يشهد أن لا إله إلا الله ويقيم الصلاة ويصوم رمضان وتقول كافر، وإذا أنكرت أنت وقلت: كيف؟ قال: أنت الكافر، وسادت هذه الفكرة، الحكام كفار، والعلماء داهنهم وسكتوا كفار، والأمة ما رفعت السلاح وقاتلت وهي راضية فهي كافرة، ولم يبق إيمان ولا إسلام إلا جماعة التكفير، وانتشرت في العالم الإسلامي واستباحت سفك الدماء وقتل الأرواح وإزهاقها.

    إذاً: ما المخرج؟ إن أردتم أن يعبد الله عز وجل: ادعوا عباده إلى عبادته، لا تطلعوا إلى الكراسي وإلى الحكم والسيادة تحت شعار يعبد الله، أمامكم أمم في حاجة إلى من يلقنها لا إله إلا الله، وقد قلت لكم: دعوة أولئك الهنود جزاهم الله خيراً نشرت الإسلام في أوروبا وفي أمريكا بالاغتيالات.. بالتفجير.. بالسب والشتم، بماذا؟ بالابتسامة والكلمة الطيبة، ادعوا إلى الله ليعبد، لا الحاكمية، وزغرد إبليس في آذانهم، واحتل قلوبهم، وأصبحوا لا يرون مسلماً، العلماء يقول لهم أعداء الإسلام: هؤلاء ماذا؟ علماء السلاطين، العالم الفلاني عميل.. ذنب، يعمل لكذا، والأمة هابطة تربي ذلك الكلام وتفرح به، وأخذنا في المحنة فظهرت أول ما ظهرت في الأفغان بكينا وصرخنا وجمعنا الأموال، وقلنا: الجهاد، ونستغفر الله، وعرضنا عليهم أن يبايعوا إمامهم، وأن يلتفوا حول رايته ليذوب فيها كل مؤمن ومؤمنة، فيقاتلون بسم الله وتحت راية لا إله إلا الله، رفضوا، كل جماعة وكل حزب تقاتل باسمها، وتجمع الأموال لها، وتعذب المؤمنون، وقتل من الشرق والغرب الشبان والرجال، وانتهت على الحرب الدائرة الآن، ما سببها؟

    التكفير، والفهم السيئ، والجهل الهابط، حرام أن تقاتلوا بدون إمامة، الإمام تبايعونه بنسائكم ورجالكم، تمشون وراءه إن قال: احبسوا فاحبسوا، إن قال: تقدموا تقدموا.

    هذه آية من الآيات وإلا لا؟ وهم عنها عميان لا يبصرون، صم لا يسمعون، بكم لا ينطقون، وهاهم يثيرونها من بلد إلى بلد، وانتهت إلى الديار الجزائرية، لقد هلك من النساء والأطفال والرجال قرابة الستين ألفاً خلال أربع سنوات، هذه حروب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين أو ما يقاربها القتلى من الجانبين من الكافرين والمؤمنين ألفان وخمسمائة قتيل ما بينهم امرأة ولا طفل، وهذه الستون ألفاً في أربع سنوات لا تسأل عن أعداد النساء والأطفال فيها، ومن القتلى رهبانيتين مسيحيتين يقتلان، بأي إيمان أو إسلام تقتل المرأة والمسيحية؟ من أين لك أن تقتل الأطفال وتمزق أكباد أمهاتهم وآبائهم؟ هذا هو الإسلام؟ أصبح الآن الكفار يسخرون من الإسلام، من دفعهم إلى هذا؟ بل نرغبهم فيه ونحببه إليهم ونقدمه لهم طاهراً منيراً أصبحوا يرعبون، مسلم يذبح هذا.

    والكلمة الأخيرة أقولها ويا حبذا لو يغتالوني ويقتلونني، والله لا أسعد لي من ذلك، أقول: لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة في أي الديار أن يسمع كلمة من هذا النوع، لا طعن ولا سب ولا نقد أبداً، لا يسمعون من مؤمن ولا مؤمنة كلمة تؤيد موقفهم أو تشجعهم على باطلهم ومنكرهم، ومن جاءه منهم من يسأل ويريد أن يعرف الحقيقة يجب أن تعرفه أن هذا ظلم وجهل وكفر وفسق وخروج عن طاعة الله ورسوله، وصاحبه خالد في جهنم، يجب على كل مؤمن ومؤمنة في أي بلد من العالم الإسلامي أو خارج العالم الإسلامي ألا يقف إلى جنب هؤلاء الخوارج الكفرة المجرمون.. أن يقف إلى جنبهم ولو بكلمة واحدة، حتى يتوب من يتوب ويرجع من يرجع إلى الصواب ويبكي ويندم طول حياته عن الدماء التي أراقها والأرواح التي أزهقها ولو بكلمته، الذي ضرب بالمسدس أو فجر كذا كالذي وافقه وساعده بكلمة.

    هل سمعتم يا عباد الله؟ أو تقولون: الشيخ عميل وذنب وكذا؟ يجب أن ننتزع هذه الأوصاف الهابطة من أوساط الهابطين والضلال والكافرين والمجرمين، لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة في مملكة النور وهداية المسلمين أو خارجها من ديارنا أن يؤيد هذا الباطل بكلمة، ومن أيده بكلمة فهو مساهم مشارك في كل الأرواح التي تزهق والدماء التي تسيل، ولو اجتمع -كما قال عمر - أهل صنعاء على واحد لقتلتهم عليه.

    مرة ثانية: حاصروهم ضيقوا الجو عليهم.. اخنقوهم بألا تذكروهم بخير، وألا تلتفوا إليهم، لا في الجزائر ولا في المدينة ولا في باكستان ولا في إستانبول ولا في أي بلد، ما هكذا الدعوة إلى الله، ما هكذا القتال في سبيل الله، ولنقبل في صدق على دعوة الله، ما أحوج المسلمين في ديارهم، هيا نصلح أمر المسلمين قبل أن نصلح أمر الكافرين، ديار المسلمين علاها الفسق والفجور والظلم والخبث والشر والفساد، ونريد أن ننقل الإسلام إلى إيطاليا، هيا نصلح أولاً ديارنا.. نطهر ديارنا فإذا لاحت أنوارنا ورآها العالم، والعالم الآن كأنه بلد واحد، والله ليقبلون على الإسلام بأنفسهم بدون ما خوف ولا تهديد، في حاجة إلى أن يكملوا ويسعدوا، ملت الأمم البشرية هذه الحضارة الهابطة فلنريهم هذا هو الإسلام صدق وفهم.. إخاء.. تعاون.. مودة.. محبة.. طهر.. صفاء.. تلاقي على ذكر الله.

    معاشر المستمعين! سمعتم هذه الكلمة: لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة في أي ديار العالم يقول كلمة تؤيد هذه الفئات الهابطة التي أشعلت النار وما زالت تشعلها حتى في الحرمين والعياذ بالله تعالى.

    اللهم إنا نبرأ إليك من صنيعهم، اللهم إنا نبرأ إليك من صنيعهم، اللهم إنا نبرأ إليك من صنيعهم، واللهم لا تجعلنا أبداً ممن يميل حتى بقلبه إليهم، واللهم تب عليهم وعلينا معهم.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.