إسلام ويب

تفسير سورة النساء (43)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن طاعة الله عز وجل ورسوله سبيل الهداية والرشاد، وتكون طاعته سبحانه وتعالى باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، وحب ما يحبه، وبغض ما يبغضه سبحانه، وكذلك اتباع هدي نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل ما أمر وترك ما نهى عنه وزجر، ومن كان هذا حاله فقد استحق موعود الله عز وجل، بأن يدخله سبحانه في رحمته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء

    الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إننا ما زلنا مع سورة النساء المباركة، وها نحن أيضاً ما زلنا مع الآيات الخمس التي شرعنا بالأمس في دراستها وما وفيناها ما تتطلبه من العلم والمعرفة، فهيا بنا نتلو هذه الآيات، ونتدبر أثناء تلاوتها معانيها، وما تحمله من هدى للمؤمنين والمؤمنات.

    قال تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

    وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا [النساء:66-70].

    معاشر المستمعين والمستمعات! أليس هذا كلام الله؟ هل هناك من ادعى أنه كلامه من الإنس والجن، هذا الكلام أين يوجد؟ في كتاب الله القرآن العظيم، كتاب الهداية، القرآن كتاب الهداية إلى سبل السلام.. إلى أبواب دار السلام إلى الصفاء والطهر في هذه الحياة، هذا الكتاب الكريم القرآن العظيم الكتاب العزيز الحكيم أعرض عنه المؤمنون والمؤمنات -إلا من رحم الله- وعاشوا على ظلمات الجهل يتخبطون في حيرة متى يعودون إلى هذا الكتاب؟

    هيا نتأمل!

    وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ [النساء:66]، أي: فرضنا عليهم، أي: على أولئك الذين يتهربون من التحاكم إلى رسولنا، والإذعان لما في كتابنا هؤلاء الذين يدعون الإيمان وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ [النساء:66]، هل يطيعوننا؟

    ما يستطيعون، ما أطاعوا الله في أبسط الأشياء كيف يطيعونه في أجلها وأعظمها، الذي ما يطيع الله في هذه العبادات، في هذه الآداب والأخلاق فيسمو بها، يستطيع أن يطيعه في عظائم التكاليف؟

    إلا قليل منهم، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لو أمرنا لفعلنا، وبلغ ذلك الخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( إن من أمتي رجالاً إيمانهم في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي ). هذا أولاً.

    وثانياً: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ [النساء:66]، لو أنهم فعلوا ما يؤمرون به، ويبين لهم فوائد هذا الأمر ونتائجه الطيبة، وانتهوا عما رغبوا عنه؛ ليتركوه من المحرمات والآثام، لو فعلوا لكان خيراً، لهم أليس كذلك؟ إي نعم.

    وشيء آخر قال: وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء:66]، أي: للإيمان في قلوبهم.

    ومن هنا عرفنا -زادنا الله معرفة-: أن العمل الصالح هو الذي يقوي الإيمان، ويزيد في أنواره وطاقته.

    ومن سنن الله تعالى: أن الحسنة تتولد عنها حسنة، وأن السيئة تتولد عنها سيئة، فأيما مؤمن يقوم آخر الليل يتطهر ويبكي بين يدي الله في صلاة ركعتين إلا ارتفع منسوب إيمانه من الإشارة إلى الخمسين إلى التسعين والمائة.

    ما من مؤمن في جيبه ريال أو عشرة وحاجته ملحة ويرى من هو ضعف وجوع أشد منه يخرج ذلك ويضعه في يد ذلك المؤمن وهو لا يعرفه ولا يعرف من هو إلا ارتفع منسوب إيمانه فوق ما نتصور.

    فقط تدفعه نفسه وهواه إلى ارتكاب معصية، فيذكر الله عز وجل، فترتعد فرائصه ويعلن عن توبته قبل أن يقدم على الجريمة نادماً إلا كان إيمانه فوق ما نتصور.

    ففعل الأمر كترك النهي من شأنهما أن يثبتا الإيمان في قلب صاحبهما، واقرءوا: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [النساء:66]، في دنياهم وأخراهم، وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء:66]، أي: للإيمان في قلوبهم، فلا زعزعة ولا انتفاض ولا ولا..، ولكن ثبات واستقرار.

    وشيء آخر وعطية أخرى: وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:68]، هذه الآيات هيا نقرأها على مسلمي اليوم هم أحق بها من الأولين؟ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ [النساء:66]، على منابر الجمع في العالم الإسلامي، كل جمعة، بيان الحلال والحرام، بيان سبل السلام، فهل عمل المسلمون بذلك وانتهت الجرائم والخيانات والخبث والسرقة والحسد والبغضاء والكبر والعناد؟

    وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء:66]، وإذاً: وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:68].

    وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ [النساء:66]، ما معنى: ( يوعظون به )؟

    الرسول أولياؤه خلفاؤه الدعاة يأمرون بما هو خير وإلا لا؟ وينهون عما هو شر ويذكرون نتائج المعصية ونتائج الطاعة هذا هو الوعظ، لو أن السامعين الموعوظين استجابوا ماذا ينتج لهم؟ قال: لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [النساء:66]، تطهر نفوسهم وتسمو أخلاقهم، وتتحد كلمتهم ويصبحون كواكب السماء في الأرض، وأشد تثبيتاً للإيمان في قلوبهم.

    وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:67]، لا يقادر قدره ولا يعرف منتهاه، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:68]، ذي كلها عروض إلهية معروضة علينا، ونحن معرضون ما نريد أن نسمع هذا الكلام مشغولون، أليس هذا من كتاب الله؟

    من الأحق بالإجابة في هذه الآيات منا نحن، أولى الخلق نحن أهل الإيمان والإسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ...)

    وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء:69]، هذا عرض آخر: من يطع الله والرسول محمداً صلى الله عليه وسلم، فيم نطيع الله والرسول؟ فيما أمرا بفعله، وفيما نهيا عن فعله، هل هناك شيء آخر؟ لا، طاعتهما فيما أمر بقوله أو اعتقاده أو عمله؛ إذ أعمال القلوب والألسن والجوارح هي الطاعات، وانتهوا عما نهى الله عنه ورسوله من المعتقدات الباطلة الكافرة، والأقوال الفاسدة السيئة، ومن الأعمال الطالحة الخاسرة.

    والسؤال: هل في الإمكان ذكراً أو أنثى بلغه أن طاعة الله وطاعة الرسول هي التي ترفع الآدمية على الملكوت الأعلى، ثم يعزم على أن يطيع والرسول، ثم يبقى في مزرعته أو في بستانه ولا يسأل عن أوامر الله ما هي؛ حتى أطيعه فيها، ما نواهيه؛ حتى أتجنبها، يمكن هذا؟ ومن المستحيل أن يتحقق لك يا ابن آدم طاعة الله وطاعة الرسول قبل أن تعرف فيما تطيع الله وفيما تطيع الرسول، وكيف حال أمة الإسلام ذات المئات الآلاف بل الملايين؟ ما نسبة العالمين بأوامر الله ونواهيه؟ قدروها! ولا عشرة في المائة، ومن أراد البرهنة والتدليل فنقول: أليست خمت سمائنا وأرضنا من الخبث والشر والفساد؟ فما سبب ذلك؟ ما عرفوا، أولاً: ما عرفوا الله معرفة من شأنها توجد لهم حب الله في قلوبهم والرهبة في نفوسهم؛ حتى يتهيئوا لطاعته، ما سألوا عن الله ولا أرادوا أن يعرفوه، ثم من لم يعرف الله المعرفة الحقيقة يطيعه؟ ما يطيعه، معرفة إجمالية تمشي، لكن هل سألوا عن محابِّ الله في صدق، وعزموا على فعلها؟ هل صدقوا في البحث عن مكاره الله فعرفوها مكروهاً بعد مكروه؟ وما عرفوا مكروهاً إلا تركوه؟ ولو رحلوا من بلادهم لا يستطيعون أن يقعوا في هذا المكروه؟ الجواب: لا والله.

    نسبة العالمين من أهل الإيمان والتقوى نسبة جزئية فقط، فلهذا ما أثرت في المجتمعات، وبعد نبكي، وهل يجدي البكاء؟ ما الحيلة؟ ماذا نصنع؟ نصرخ آمنا بالله، يا ورثة النبي علمونا دلونا ماذا نصنع؟ هذا الصوت ما نستطيع نرفعه؛ لأنهم يقولون: تعالوا بنسائكم وأطفالكم تتعلموا دينكم؛ لتكملوا وتسعدوا، ونحن غير مستعدين؛ فعدنا من حيث بدأنا؛ ليمضي حكم الله فينا.

    وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء:69]، العظيم صلى الله عليه وسلم طاعة حقيقة: فعل ما أمرا به وترك ما نهيا عنه، وقد علمنا وزادنا الله علماً حقيقة يسألها بلايين البشر، وهي: أن أوامر الله هي عبارة عن أدوات الإصلاح والإكمال والإسعاد، ما فيها أمراً يضر بك أبداً، وأن منهيات الله والرسول ما هي إلا منهيات كنهي الطبيب عن شرب السم وأكل الجيفة المنتنة، إياك أن تفهم أن هذه الأوامر تنغص حياتك، أو تكدر صفو حياتك، والله ما هي إلا أدوات رفعتك وكمالك وإسعادك.

    وأن المنهيات ما هي إلا قاذورات وأوساخ منتنة عفنة؛ ليتجنبها عبد الله ووليه، أو نشرح؟

    هل في الزنا واللواط شيء طاهر طيب؟ هل في الكذب والخيانة والتلصص والإجرام.. هل في الكفر والشرك ما يسعد؟

    ما هي أوساخ دنسة، لكن لا نلوم إخواننا؛ ما علموهم.. ما عرفوهم. ‏

    درجة النبيين

    وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ ، هذا الشرط، أين الجزاء؟ قال تعالى: فَأُوْلَئِكَ ، السامون الأعلون المطيعون مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، ونحن في كل صلاة، بل وفي كل ركعة نقول سائلين ضارعين متوسلين إلى الله بحمده وثنائه وتمجيده والتملق إليه بعبادته وحده دون سواه، نقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، هذا حمد الله، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، ثناء على الله، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، تمجيد لله، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] تملق إليه وإلا لا؟ وتزلف، ثم نقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:6-7]، لا المغضوب عليهم ولا الضالين.

    إذاً: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69]؛ لأن طاعة الله والرسول هي الصراط المستقيم، والله العظيم! إن طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم وهي فعل الأمر وترك المنهي هي الصراط المستقيم لن ينتهي إلا بباب الجنة.

    وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69]، وإن سئلت وقلت: يا رب من هم الذين أنعمت عليهم؟ كيف أنت كل صلاة تقول: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، وما سألت في يوم من الأيام: من هؤلاء الذين أنعم عليهم؟! يصلي خمسين سنة ويقرأ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، اهدنا صراطهم، ولا يسأل من هم هؤلاء، بنو هاشم.. بنو تميم.. من هؤلاء؟ ويجوز أن يقرأ وما يفهم ما لا يستفيد ، هذه الآية بينت لنا فقال تعالى: مِنَ النَّبِيِّينَ ، فالأنبياء كلهم والرسل على رءوسهم ممن أنعم الله عليهم.

    أنعم عليهم أولاً: بمعرفته ومعرفة محابه ومكارهه ثم بهدايته وتوفيقه، ثم بقبولهم ورضاه عنهم، من النبيين.

    سبحان الله! نحن صعاليك المدينة نصبح مع النبيين! إن أطعت الله والرسول الطاعة الحقة فأنت معهم.

    وقد ذكرنا: أن كثيراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كـثوبان مولى رسول الله، وعبد الله بن زيد الذي أري الأذان في المنام وغيرهم بكوا وقالوا: يموت الرسول، حتى عائشة.. كيف نستطيع أن نفارق الرسول الآن، غداً يموت الرسول وكيف نعيش، فأنزل الله تعالى قطعاً لحيرتهم: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، قالوا: ندخل الجنة بفضل الله، ولكن منازلنا ليست منازل النبيين، وقد علمنا أن أهل الجنة يتراءون منازلهم كما نتراءى نحن الكواكب في السماء، أو الكوكب المضيء في السماء، وقد علمتم ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينه القرآن: أنهم يجتمعون في مجالس على الأرائك متكئون.

    ثم بعد ذلك يذهب كل ذي درجة عالية إلى درجته، إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:22-26]، هذا يصوم ثلاثة أيام في الشهر، هذا يصوم الخميس والاثنين، هذا يصوم يوماً بعد يوم، وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26].

    درجة الصديقين

    بعد النبيين يليهم في السمو والعلو وسمو المقام الصديقون.

    قال العلماء: هذه الآية شاهد على خلافة أبي بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجه ذلك: أنه ذكر النبيين أولاً والرسول منهم وسيدهم، وأعقب ذلك بالصديقين، من أسماه الصديق ؟ الرسول صلى الله عليه وسلم، هل فاز بهذا اللقب صحابي؟ أبو بكر الصديق .

    أما منزلة الأنبياء فقد أغلق هذا الباب وما نحن بأهل له، لكن الصدّيقية هل ممكن أن نصبح صديقين؟ من يرغب؟ أبشروا إنكم منهم إن صدقتم، اسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين الطريق للوصول إلى هذه الدرجة العالية التي بعد النبوة، يقول: ( عليكم بالصدق )، ما معنى: ( عليكم بالصدق )؟ شدوا عليه، تمسكوا به، لا تفارقوه، لا يبعد عنكم، وهو الصدق في المعتقد والقول والعمل، لا كذب أبداً.

    ( عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر )، الصدق في القول والعمل والتفكير يهدي ويقود عبد الله إلى البر والخير، أي: إلى طاعة الله والرسول، وأيُّ بر أعظم من طاعة الله والرسول؟ يهدي إلى البر وإلا لا؟ بالمعنى العام: الخير، خير الدنيا والآخرة.

    ( وإن البر يهدي إلى الجنة ) ، إي والله، اسمع هذا البيان من سورة آل عمران: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ [آل عمران:92]، يا عباد الله! أيها المسلمون! حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92].

    عرفتم؟ أيام كان الجوع والحاجة، والمسلمون محاصرون، والكفار من كل جانب، وهم يعيشون، ماذا أقول؟ والله ما شبع رسول الله في يوم مرتين حتى توفاه الله، الآن يغمى علينا، والله ليشد الحجر على بطنه؛ ليتماسك ويقوى على المشي والعمل، ونحن نرمي العيش في الشوارع، ولا نقول باسم الله، ولا الحمد لله، إننا نتعرض لنقمة إلهية ما تطاق إلا أن يتوب الله علينا، ولن يتوب علينا حتى نقرع بابه، ونطرح بين يديه نساءً ورجالاً نبكي أن يتوب علينا.

    ( إن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند صديقاً )، عام وعامين وثلاثة وعشرة وعشرين، ولا يزال الرجل المؤمن يصدق في قوله وعمله وتفكيره حتى يكتب عند الله صديقا، فلان من الصديقين مرتبة دون النبوة، هيا نعمل؟ ما نستطيع؛ ما ربينا في حجور الصالحين، ما تعودنا على الصدق.

    ماذا نقول؟ ما نرغب أن نكون مع الصديقين؟

    فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [النساء:69]، والحمد لله باب النبوة مغلق لا طمع فيها، وختمت النبوات بخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، لكن الصديقية موجودة، قد يوجد بيننا.. بين نسائنا ورجالنا من لم يعرف الكذب قط حتى في السخرية والاستهزاء، لا يكذب، ولكن يأخذ يتدرج في الصدق، ولا يزال يصدق، ويتحرى الصدق ويطلبه ويبحث عنه ويقصده، حتى يأتي الوسام الإلهي: عبدنا أصبح صديقاً.

    درجة الشهداء

    مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ [النساء:69].

    الشهداء: جمع شهيد، والشهادة متنوعة، أهل الاستقامة أهل العدل أهل الخير يتخذهم الله شهداء يوم القيامة يشهدون على غيرهم؛ لعدلهم وكمالهم، ولنقرأ لذلك قول الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ ... [آل عمران:110]، لا لا.

    وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143]، أي: خياراً عدولاً؛ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]، وأنت في قريتك بين إخوانك تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتشهد حطوط هذا وارتفاع هذا، أنت شهيد عليهم، وتقبل شهادتك، فالداعي إلى الله على علم وصدق من الشهداء.

    ويدخل أولاً في هذا الموكب الذي استشهدوا في قتال المشركين، الذين استشهدوا في الجهاد الإيماني الإسلامي الرباني، والآن ظلت هذه الأمة وتخبطت وهي تتخبط وما عرفوا ما هو الجهاد، الحماس في نفوس الشبيبة والحيرة والقلق وا.. وا.. الجهاد.

    1.   

    مشوبات الجهاد في بلاد الأفغان

    من منكم يذكر أيام بدأ الجهاد في الديار الأفغانية؟ ماذا كان يقول هذا الشيخ المريض؟ كنت أقول: معشر المستمعين والمستمعات! اعلموا أنه ينبغي أن يرانا الله تعالى في هذا الجهاد؛ لأنه جهاد قتال البلاشفة الحمر الملاحدة الشيوعيين الذين أرادوا أن ينشروا مذهبهم في العالم لإفساد البشرية وفطرها، فلا بد وأن يراك الله في هذا الجهاد إما بنفسك إن كنت أهلاً لذلك، وإما بمالك إن كنت ذا مال، وإما بدعوتك إخوانك ليجاهدوا بأنفسهم أو أموالهم، وعلى الأقل بدعائك، قُم في الليل، وادع الله لهم بالنصر.

    وكنت أقول: إنه جهاد ولكن فيه دخن، والشبيبة الضائعة، والذين يدّعون المعرفة وهم جهّال: أيش هذا، لم يقول هذا الكلام فيه دخن؟ قلنا لهم: اصبروا دخنه سيتحول إلى نار، ما هذا الدخان؟ هو أنه جهاد ما قام على أسس الجهاد الذي شرعه الله، ألا وهو بيعة إمامٍ تبايعه أمة الإسلام؛ ليقودها بأمر الله وإذنه، فأيما قتال لا إمام ولا بيعة فيه لإمام هو باطل حرام وظلم شر فساد، لا تفهمن يا بني أن هذا الشيخ يتكلم بما لا يعلم، والله لا يحل لي أن أقول كلمة بدون علم، هذا مسجد رسول الله.

    إذاً: وذهبت مع أحد الإخوان بطلب من سماحة الشيخ: عبد العزيز وعرضنا على تلك المعسكرات معسكراً بعد آخر: اتفقوا على بيعة إمام لكم، وقاتلوا تحت راية واحدة، ماذا نقول؟ أنتم تعرفون أنفسكم، وتحدثوا مع إخوانكم وأهليكم، كل واحد عنده رأي وعنده.

    هيا نذوب من النظريات والأفكار؛ لنكون جسماً واحداً، المعسكر: يقول الفلاني يريد كذا، معسكر محترم قال: المعسكر الفلاني ما هو إلا مصيدة للفلوس فقط، والمؤمنون مساهمون، جاءتني صرة أو زنبيل من اليمن كلها فضة، امرأة أخرجت كل ما عندها، أم أولادي تغمدها الله برحمته مرتين وهي تنزع ذهبها من يديها.

    ولما كان القتال على غير مراد الله ومنهجه كيف كانت النتيجة؟ هل ارتفعت راية لا إله إلا الله، محمد رسول الله؟ هل اجتمعت الكلمة وسارت أمة رسول الله إلى كمالها؟

    إلى الآن والنار مشتعلة، وزارني جميل الرحمن -سلفي يقود الجماعة السلفية- زارني في البيت وقلت له: يا شيخ! إنك بين أمرين: إما أن تتخلى عن المطالبة بالحكم، وتمثيل الشريعة، وادع إلى الله عز وجل بين إخوانك تطهيراً لقلوبهم وتزكية لنفوسهم.

    أو تصر على أن تطالب والله ليقتلنك، ما هو إلا شهرين وذبحوه، كيف يذبحون رجلاً يدعو إلى قيام الشريعة الإسلامية، كلهم يدعوا إلى قيام الدولة الإسلامية.

    إذاً: فالجهاد الذي قتلاه يكونون شهداء:

    أولاً: أن يكون تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ لإقامة دين الله ويكون القتال بين المؤمنين الموحدين وبين الكافرين والمشركين، أما القتال بين المؤمنين تحت النعرات والنزعات والأطماع؛ فهذا القاتل والمقتول في النار: ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ).

    وهذا الكلام تكرر وإلى الآن ما زالت الفتنة قائمة هنا وهناك بالاغتيالات وسفك الدماء والتفجيرات تحت شعار الجهاد، يا ضلال! يا جهال! هل قرأتم كتاب الله؟ هل التففتم حول عالم رباني فهداكم وبين الطريق لكم؟ الجواب: لا، العلماء يقولون فيهم عملاء، وإبليس يوحي بهذه الكلمات، العلماء علماء السلاطين، جماعة المجوس يقولون هذا الكلام والعرب يتلقون هذه الكلمات في عمى وضلال، بدل أن يأخذ أهل القرية التحاب والتلاقي والتعاون، ومقاسمة الخير، والغير نثير بينهم العداء والفتنة والبلاء، وهذا مراد أعداء الإسلام.

    والشاهد عندنا بدون إطالة: ما هو الجهاد الذي يصبح قتيله شهيداً؟ أن يكون تحت راية لا إله إلا الله، محمد رسول الله، والإمام -إمام بايعه- المسلمون وهو يقاتل الكافرين، بعدما يعسكر قريباً من ديارهم يعرض عليهم: تدخلون في الإسلام؛ لتسعدوا وتكملوا، وتطهروا وتصفوا، وهو والله لكذلك، فإن رفضوا: تسمحون أن ندخل؛ لنعلم إخوانكم وننقذهم من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فإن قالوا: ادخلوا، دخلنا، وبين الهداية والطريق إلى الله، وإن رفضوا الأولى والثانية لم يبق إلا القتال فباسم الله نقاتلهم، فكل من وقع على الأرض ميتاً فهو والله شهيد، إلا إذا كان قلبه مريضاً هذا يعود إلى الله، همه الدنيا أو المال، أو ما آمن حق الإيمان، لكن الظاهر كل من صرع في المعركة هو الشهيد، لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ويدفن عليه هكذا، ما هو في حاجة إلى هذه المزكيات طابت نفسه.

    عرفتم الشهداء؟

    يبقى باب الرجاء، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( من سأل الشهادة في صدق أنزله الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه )، خذوها: ( من سأل الله في صدق )، اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك! ولو ما وقع جهاد، ولا وقع قتال ومات على فراشه هو في عداد الشهداء، من سأل الله الشهادة في صدق أنزله الله منازل الشهداء وإن كان قد مات على فراشه، إذا عرفتم هذه الحقيقة حافظوا عليها!

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.