إسلام ويب

تفسير سورة النساء (41)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله عند الخصومة هو الطريق القويم لحل الخلافات، والناس في قبولهم لحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على مراتب بينها أهل العلم في مواطن؛ منهم من يتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ويقبل بالحكم على غضاضة في نفسه وهذا مسلم، ومنهم من لا يجد في نفسه حرجاً ولا غضاضة من قبول الحكم ولو صدر ضده وهو المؤمن، ومنهم من يسلم لحكم الله ورسوله فرحة به نفسه، مهما كان هذا الحكم، وهذا هو المؤمن الذي بلغ مرتبة الإحسان.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء

    الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    اللهم أعطنا وزدنا يا ولينا، إنه لا ولي لنا سواك!

    معاشر المستمعين والمستمعات! الآيتان الكريمتان اللتان تدارسناهما بالأمس ما وفيناهما حقهما من التفصيل والشرح والبيان، نعود إليهما.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا * وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:64-68].

    هذه الآيات الكريمة وإن نزلت في الرجلين: اليهودي والمنافق اللذين رفض أحدهما التحاكم إلى رسول الله -وهو المنافق- فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآيات كلها تتناولنا معشر المستمعين، ما من مؤمن إلا وهو من أهل هذه الآية.

    خطر معصية الله ورسوله

    قوله جل ذكره: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء:64]، أليست نصاً قطعي الدلالة صريح اللفظ ظاهر المعنى في أنه لابد من طاعة الرسول؟ فمعصية الرسول صلى الله عليه وسلم مهلكة وجريمة، وخروج عن منهج الكمال والإسعاد في الحياتين، فالرسول ما أرسل ليتلاعب الناس بأوامره ونواهيه، أو ليختار من شاء أن يختار أن يفعل ويترك، لا بد من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وطاعة الرسول من طاعة الله؛ إذ قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بما يأمر به الله، ولا ينهى إلا عما نهى عنه الله.

    إذاً: فطاعة الرسول من طاعة الله: و(من يطع الرسول فقد أطاع الله).

    وسبق أن ذكرتكم ونفسي بأن هذه الطاعة لن تخرج أبداً عن كونها عمل على إسعاد الإنسان وإكماله، ما هناك أمر ولا نهي لا يحقق للعبد المؤمن سعادة وكمالاً، إن شئت تحلف بالله ما أمر الله ولا رسوله بفعل شيء إلا من أجل إسعاد هذا المأمور وإكماله، والله العظيم! ولا نهى الله تعالى ولا رسوله عن شيء إلا لأنه ضار مفسد مهلك للإنسان، وإن أحببت أن تتعرف: أليس الله وليك، أليس الله مولاك، أليس سيدك وأنت عبده؟ فهل يرضى لعبده أن يشقى ويعذب؟ ما يرضى.

    فكل أوامر الله ونواهيه هي من أجل إكمال الآدمي وإسعاده في الدنيا أولاً وفي الآخرة ثانياً وأخيراً.

    وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء:64]، أي: بأمر الله وإعلامه لنا بذلك؛ لأن الله لا يخاطبنا فرداً فرداً، لابد من واسطة؛ رسول منا إنسي بشري يتكلم بلغتنا ويبلغنا أمر الله ونهيه من أجل أن نكمل في آدابنا وأخلاقنا ومعارفنا وأبداننا ونسعد حيث ننجو من الشقاء والخسران في الدنيا والآخرة.

    وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ [النساء:64] من الرسل، وهم ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً: إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ .

    وجوب التوبة على الفور من الذنوب

    قال الله: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا [النساء:64]، هذه خاصة باللذين رغبا عن التحاكم إلى رسول الله وتحاكما عند اليهودي كعب بن الأشرف أو عند الكاهن الجهني، ما وجه خصوصها؟ لأنه تعالى قال لهم في بيان توبتهم: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ [النساء:64]، ظلموا أنفسهم كيف؟ من يبين لنا وجه الظلم هذا؟ ظلموها لما أفرغوا عليها قناطير الأوساخ، إذ الذنوب كالمزابل والأوساخ، فهي لم تكن مسودة ولا مظلمة ولا منتنة ولا عفنة، بل كانت مستنيرة؛ لأنها نور، فأفرغوا عليها الأوساخ، ما وجه الظلم لها؟ لأنهم رغبوا عن التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحاكموا عند يهودي أو كاهن من الكهنة؛ عرضوها للخسار والدمار، ظلم هذا أو لا؟ نفسك يا بني أو يا أخي لما نزلت من الملكوت الأعلى، ونفخها الملك في تلك اللحمة أو المضغة كانت في ضوئها ونورها أكثر من هذا النور، وأهملت بأن تحافظ عليها كذلك، كلما وقع عليها دخن امسحه نظفه، حتى تبقى مستنيرة، حتى تنتهي هذه الدورة التي تعيشها وتعود إلى الملكوت الأعلى وهي نور يتلألأ.

    فكل من يذنب ذنباً أفرغ عليها قطعة من الوسخ، والرسول الحكيم أستاذ الحكمة ومعلمها صلى الله عليه وسلم يقول في هذا التمثيل العجيب: ( إذا أذنب العبد ذنباً )، ذنباً: نكرة، صغير هذا الذنب كان أو كبيراً أي ذنب، (نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب واستغفر انمسح ذاك السواد)، فإن هو لم يستغفر ولم يتب وأذنب وقع بجانب النقطة الأولى نقطة ثانية وثالثة ورابعة وخامسة وسادسة حتى يغطى القلب كاملاً.

    ثم قال: ( فذلكم الران الذي قال الله تعالى فيه: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] ).

    فلهذا بإجماع أهل السنة أن التوبة فريضة لازمة من كل من أذنب وعلى الفور، لا يقول: حتى أصبح، أو حتى أتغدى، أو حتى كذا.. لا. أذنبت ووقعت: أستغفر الله.. أستغفر الله أستغفر الله، وأنت نادم متحسر وعازم أن لا تعود لهذا الخطأ، ومن ثم على الفور يزول ذلك الأثر، والله العظيم ينمحي إن كنت صادقاً في توبتك!

    إذاً: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ [النساء:64] يا رسولنا صلى الله عليه وسلم: جَاءُوكَ [النساء:64]، لماذا؟ لأنهم أعرضوا عنك وصدوا عنك، وأنت صاحب الحق وأنت الوالي والحاكم، المفروض يأتوك، ثم لا يذهبون يتحاكمون إلى دولة أخرى، أو إلى يهودي أو كاهن من السحرة والدجالين! ظلم هذا أو لا؟

    وجوب التحاكم إلى الله ورسوله والرضا بحكمهما

    لو جاءوك معلنين عن ذنبهم وتوبتهم واستغفارهم منكسرين ذليلين فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ [النساء:64]. أولاً: يجيئون إلى رسول الله وهم يقولون: نستغفر الله.. نستغفر الله نستغفر الله ونتوب إليه، استغفر لنا يا رسول الله؛ لاستغفر لهم رسول الله: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ [النساء:64]، لماذا يستغفر لهم الرسول؟ لأنه صاحب الحق، ظلموه أو لا؟ أو قل: أهانوه، ما اعترفوا بدولته ولا سلطانه ولا حكمه؛ لأن مواطناً في دولة من الدول يرفض أن يتقاضى في دولته، ويتقاضى في سفارة أخرى، يرضى عنه الحاكم وأهل البلاد؟ ما يعقل هذا أبداً، كيف يتركون الحاكم العام؛ رسول الله ويتحاكمون عند يهودي؟! فالحق حق الرسول، فلهذا لن تقبل توبتهم إلا بهذه الشروط الثلاثة: أولاً: أن يأتوا مذعنين منكسرين؛ تكبرتم أمس واليوم تأتون وأنتم في ذل وذلة، ثانياً: مستغفرين الله تائبين إليه من التحاكم عند أعدائه، ثالثاً: ويستغفر لهم رسول الله، بمعنى: يتنازل عن حقه بالمعنى القريب، يستغفر لهم معناه أنه راض عنهم الآن، كان متأثراً وغاضباً وساخطاً عليهم: وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:64]، هذا جواب: لو: لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:64]، كثير التوبة يتوب على كل من تاب إليه ورجع، وقرع بابه واطرح بين يديه، ورحيماً، يرحم ولا يعذب.

    هذه الحادثة بعينها خاصة أو لا؟ لكن هل يجوز لنا نحن أن نتحاكم إلى غير الكتاب والسنة، ماذا تقولون؟ الذي يقول: يجوز لنا أن نتحاكم إلى غير الكتاب والسنة انسلخ من الإسلام فليراجع الطريق من جديد، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، كيف نواجه هذه المشكلة يا شيخ، استعمرتنا أوروبا وورثت فينا قوانينها السياسية والاجتماعية والمالية والحربية ونحن عالة على ذلك، كيف نصنع؟ من يجيبنا عن هذا السؤال؟

    الجواب: خطوتان: الخطوة الأولى -واشهد اللهم ونحن نبكي ونكرر هذا طول العام-: أن يسلم المواطنون لله قلوبهم ووجوههم، إذ لا ينكرون أنهم مسلمون، بل يغضبون إذا قلت لهم: أنتم غير مسلمين؟ أسلموا قلوبكم لله ووجوهكم، كيف نسلم ذلك يا شيخ؟ الجواب: أن نعرف أننا أذنبنا وأخطأنا وبعدنا، وهانحن تائبون، عائدون، دلونا، نسمع الجواب: اجتمعوا في بيت مولاكم، اجتمعوا في بيت ربكم وسيدكم؛ لتعطوه قلوبكم ووجوهكم، اجتمعوا في صدق، طالبين رضاه، مستمطرين رحماته، باحثين عن طريق موصل إلى حبه ورضاه، إلى أين نذهب؟ إلى بيته نطرح بين يديه، هو الذي يفرج ما بنا، هو الذي يكشف سيئاتنا ويرفع عنا ما ابتلينا به، إلى بيته فإذا اجتمع أهل القرية أو الحي في صدق واطرحوا بين يدي الله؛ يصلون المغرب ويجلسون جلوسنا هذا؛ النساء وراء الستائر ومكبرات الصوت بينهن، وأطفالنا نصففهم بين نسائنا ورجالنا، ونتلقى الكتاب والحكمة، الكتاب والسنة، حتى نعلم بم نطيع الله وفيم نطيعه؛ فنعرف محاب الله ومساخطه، ونعرف الجزاء والثواب، كما نعرف العقوبة على العصيان، ونأخذ نترقى يوماً بعد يوم، إيماننا ينمو ويزداد، وأخلاقنا تفضل، آدابنا تسمو، الأخوة تسود، المحبة تتحكم في نفوسنا، وإذا بنا كأسرة واحدة، ما هي من أسرنا الهابطة، أسرة حق لا يقوى الولد أن يرفع صوته على أبيه.

    حينئذ تأتي الخطوة الثانية: فإذا اختلف اثنان واختصم اثنان في القرية من أجل شاة أو شجرة أو دينار أو درهم، ما يحتاجون إلى أن يذهبوا إلى المحكمة لا العسكرية ولا المدنية، بل في المسجد، إمامهم مربيهم مؤدبهم لا يفارق هذا البيت، وهم كذلك: تعال يا فلان، ماذا حدث؟ أنا ظننت أو رأيته أخذ دجاجتي ولن يكون هذا، لا يمكن لعبد يجلس سنة بين يدي الله يبكي ويطرح ويسرق دجاجة أو نعجة أو بعيراً، ما يكون ولن يكون، إن فرضنا فقط، الإمام يقول: يا فلان استغفر الله، واطلب السماح من أخيك وقبل رأسه ويديه، يا فلان سامح أخاك واعف عنه، ثم يخرجان وكأنهم جسم واحد.

    وهكذا في كل قرية ومدينة هل بقينا في حاجة إلى القوانين والمحاكم، ماذا نصنع بها؟ لا حاجة لنا بها، تمضي السنة ما نسمع أن فلاناً زنا أو سرق أو كذب أو فجر أو فعل باطلاً، لا يمكن، سنة الله ما تتبدل؛ الطعام يشبع، الماء يروي، النار تحرق، الحديد يقطع.. سنن لا تتبدل، المعرفة بالله تنتج حب الله والخوف منه، وحب الله يمنع أن يعصي عبد الله الحبيب، والحياة ثابتة كلها قائمة، أعلمنا أصفانا وأطهرنا وأزكانا، هذه خطوة الأمة لو أرادت.

    حكم تكفير الحكام ورد شبه المكفرين

    لا يصح أن نكفر المسئولين والحكام ونتلذذ بذلك، ونثير سخطهم وغضبهم، ونحن في هذه الهوة وهذه السقطة، لأن هذا ما هو إلا تأجيج للنار والفتنة، ولن نفلح. كأننا نضحك على الله، نحن منغمسون في الباطل والشر والذنوب، ونقول: الحكومة.. الحاكم.. لماذا؟ سخرية هذه أو لا؟ وعندنا مثل عامي يُضرب للكسل في منتهاه، قالوا: الكسول أيام ما كان إلا الجدران يستظلون بظلالها، هذا الكسول ينام تحت الجدار فتأتي الشمس ويأخذ الظل في الانحسار، حتى تصل الشمس إلى رجليه، يمر به أحد الإخوان فيقول له: من فضلك أبعدني عن الشمس، يقول: سبحان الله اجذب رجليك أنت، يقول هذا: انظر إلى البخل، يمشي الثاني الشمس تطلع إلى ركبته إلى سرته يا عبد الله أنقذ أخاك أبعدني عن الشمس، يقول: سبحان الله أنت اجذب نفسك، يقول له: انظر إلى البخل، كيف يرحمنا الله ونحن نعيش على هذا البخل؟ فهمتم هذا الذوق أو لا؟ هو هذا المثل، مستبيحين للباطل والشر والفساد، نقول: الحكومة لماذا لم تمنع التلفاز؟ نضحك على من؟ نستحي من الله أن نقول هذا الكلام.

    نعم إذا الحاكم أجبرك بالسلاح تدخل التلفاز في بيتك أو تقتل، أو تنفى من البلاد، إذا كنت لا تستطيع الموت أدخله، الحاكم أجبر الذي ترى بنته أو امرأته عليها جلباب وغطت وجهها يسجن عشرين سنة، الله أكبر ماذا نصنع؟ المواطن الذي ما نراه يتعامل بالبنوك يأخذ ويعطي ويودع ويتسلف منها؛ الذي يعرض عن هذا يسجن أربعين سنة أو تصادر أمواله، حينئذ نقول: آه الحاكم، قرار آخر: الذي يشاهد خارج من بيته قبل طلوع الشمس يسجن عشرين سنة، لا صلاة للصبح! نقول عندها: الحاكم ظالم، ونحن مجبورون.

    أما ونحن نعيش مع الحكام ونعاشرهم خمسين سنة في الاستقلالات ما صدر حكم بالباطل، والشعوب هي الضائعة والتائهة والتي تتحدى الله ورسوله، ونسمع كلمة حاكم وحاكم..، لعلكم ما فهتم هذه البربرية؟ ما عندي أكثر مما أقول.

    أقول: نصرخ ونقول: الحاكم إذا ألزمني وأجبرني على أن أعصي ربي، وأخرج عن طاعة مولاي، حينئذ أنظر إذا وجدت لي طريقة للهجرة هاجرت، ما أبقى في بلد لا أعبد فيها ربي، حينها وجبت الهجرة، وإذا لم أستطع الهجرة فأنا مع الضعفة الذين قال الله فيهم: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ [النساء:98-99]، أما الحقيقة أن المسلمين من إندونيسيا إلى موريتانيا هم المعرضون، هم المتكالبون على الشر والفساد هم.. وهم.. ، ونبكي وندعي على الحاكم، لو كان بكاؤنا على الحاكم صحيح، لو كنا طاهرين أصفياء أنقياء؛ وجئنا أمام حضرته واطرحنا بين يديه: أنقذنا يا سيدنا والله لاستجاب، لكن فقط نثير المتاعب والمصاعب، ونزيد الحكام غضباً وسخطاً، ونقول: هذه هي الحياة!

    إذاً: أولاً: قلت لكم: يجب أن نسلم قلوبنا ووجوهنا لله، ونعبد الله بما شرع، نطيعه في أمره ونهيه. هذه الخطوة الأولى. سواء كان الحاكم كافراً أو مسلماً، أمر أو لم يأمر نهى أو لم ينه، لا نبالي بذلك لأننا مسلمون.

    ثانياً: الحاكم إذا أسلمنا فسوف يسلم معنا، أقسم بالله! ممكن لو كان إيطالي أسباني يهودي.. يشاهد أمة كلها مقبلة على الله تبكي، لا ظلم فيها ولا فجور ولا شر ولا فساد، يراجع نفسه ويدخل في الإسلام، أو ما هو ممكن هذا، كل الذين أسلموا من الأمم والشعوب في القرن الثاني والأول أسلموا لرؤية الإسلام فقط، هل أجبر واحد بأن يدخل في الإسلام؟ والله ما أجبر واحد، الحاكم برجاله يشاهدون أمة ربانية المحاكم ما يدخلها أحد، لا ظلم ولا اعتداء ولا فجور، والصلاة قائمة، والنعم توزع، والأمة مقبلة على الله، الحاكم لو كان شيطاناً يسلم، أو ما فهمتم هذا؟ أقسم بالله.

    وقد علمنا أن الحاكم قد يتملق الشعب بما يحب الشعب كلمة سياسية، إذا رأى الشعب يصفق يصفق معهم ليرضوا عنه، رأى الشعب يشرب الخمر يشربها معهم، هذا شأن البشر.. هذا شأن الضعف البشري.

    وجوب الرضا والاستسلام لحكم الله ورسوله

    بهذا نخرج من هذه الورطة التي تهددنا بعدم الإيمان: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ [النساء:65]، ماذا نقول؟ الله يكذب علينا، يخاطبنا بما هو غير واقع؟! حاشى وكلا، فوربك لا يؤمنون حق الإيمان، ولا يصدق عليهم أنهم مؤمنون حتى يحكموك يا رسولنا فيما شجر بينهم من خلافات وخصومات ونزاع مادي أو غيره، ثم تحكم عليهم ويخرجون وليس في أنفسهم حرج، قلوبهم طيبة ونفوسهم طاهرة: ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا [النساء:65] أي: ضيقاً: مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] كاملاً.

    غداً إن شاء الله أعطيك مفتاح السيارة، واسمح لي يا أخي، ويقبله بين عينه، آخر: غداً إن شاء الله آتي بصك العمارة والمفاتيح فيها، وأرجو أن تسمح لي ولا تذكرني إلا بخير؛ لأن القاضي حكم بسم الله، بكتاب الله وسنة رسوله أن العمارة لفلان وليست لفلان، يسلم المفاتيح وقلبه مطمئن ساكن، لا ضيق ولا ألم ولا حرج، فهمتم هذه؟ هذا هو الإيمان، هذا هو إسلام القلوب وإعطاؤها للرب تبارك وتعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ [النساء:65] به وحكمت: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]. أعطه حقه يا فلان يحاسبك على الفلس ويرد كل مالك إليك.

    مثالان حيان في دولتين إسلاميتين: الأولى دولة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه؛ ولى عمر بن الخطاب القضاء في المدينة، فجلس عمر في المسجد ما في محكمة بمليار ريال، ما جاء أحد يشتكي أبداً، قال: يا أبا بكر -بعد عام كامل- يا خليفة رسول الله ما فائدة من حبسي، ما تحاكم عندي أحد، لا يظلم مؤمن مؤمناً، كيف يتحاكمون؟ فعفا عنه، ما ذلك المجتمع الذي ما يحدث فيه خصومة؟ أي نعم، علموا، عرفوا، هذه دولة الخلفاء الراشدين.

    وفي دولة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود تغمده الله برحمته، خيال أو واقع؟ واقع، موجودة هذه الدولة أو لا؟ قبل هذا الخلط والخبط كان شيخنا محمد بن التركي عشنا معه وحضرنا جنازته وتوفي بالبقيع كان قاضياً، يجلس في المحكمة، ساعة ساعتين ما يجيء أحد، والله يخرج عند باب المحكمة، هل من متقاضٍ، هل من متقاض ثلاث مرات. فلا يجد أحداً ثم يمشي إلى المسجد، كيف هذا؟ لا ظلم، عرفوا الطريق إلى الله، لا اعتداء ولا سخط ولا غضب، فهتم هذا أو لا؟

    ومازالت هذه سنة الله، أيما مجتمع يستقيم أهله على منهج الله الكتاب والسنة إلا صفو وطابوا وطهروا وقل الظلم والفسق والفجور بينهم؛ لأنها سنة من سنن الله لا تتبدل.

    ماذا عسانا أن نقول؟ فقط الطلاق الذي يجري بين الرجال والنساء يدهش العقول، يقول أحد القضاة: عندنا أكثر من تسعين قضية في الطلاق، كيف هذا الطلاق؟ أنت مؤمن أو لا؟ مؤمن، هل المؤمن يؤذي مؤمناً في الشارع وإن عاش خمسين سنة، دلوني على مؤمن صادق آذى مؤمناً في عرضه، في ماله، في بدنه، لا بسبة ولا بشتمة أبداً، والله سبعين سنة، كيف إذاً: تؤذي المرأة التي بين يديك، وهي أم أولادك، وهي ربة بيتك، وهي الفقيرة المسكينة والمحتاجة إليك تؤذيها وتتعرض معها للخصام والطلاق؟ كيف يتم هذا؟ من يجيب على سبب هذا المشكل؟ الجهل بالله، الجهل بمحاب الله، الجهل بمساخط الله، الجهل بالوقوف بين يدي الله، والجزاء على الكسب في هذه الحياة، الجهل؟ إي والله؛ لأنهم قوم لا يفقهون، قوم لا يعلمون.

    إذاً: كيف نذهب بهذا البلاء؟ نبدأ من حيث بدأنا، هيا نسلم، ندخل في الإسلام من جديد، كيف نفعل يا شيخ؟ نعربن على ذلك، وندلل أن نقف بين يدي الله، ونطرح بين يديه كل يوم في بيته نبكي بين يديه، ونتعلم الكتاب والحكمة نساء ورجالاً وأطفالاً في صدق، نعم أسلمنا يومئذٍ، المحاكم إن شاءت تغلق أبوابها تغلق، ما بقي من يظلم ولا يفجر ولا يكذب ولا يسرق. والحكومة يتوصلها المال الكبير؛ الشرط والبوليس والأمن.. كل هذا استغنوا عنه، ماذا يفعلون بالمال؟ يعطونه الفقراء والمساكين ما بقي فقير.

    آه متى نفيق؟! قالوا: صحونا، أين الصحوة هذه؟!

    حكم طلب الاستغفار من الرسول بعد مماته

    ومسألة في هذه القضية أوجزنا الحديث فيها، وهي: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ [النساء:64]، هذه الآية استشهد بها كثير في القرون الوسطى من القرن الرابع إلى اليوم، استشهد بها علماء، وقاموا يكتبون رسائل في الحج، ويقولون للزائر إذا زار قبر الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية، ويقول: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:64]، وهأنذا قد أذنبت يا رسول الله وجئت مستغفراً الله، فاستغفر لي!! انتبهتم؟ تفيض بها كتب بالمئات، وهو جهل بهذه الآية الكريمة، وعدم علم وبصيرة.

    والقضية ليست مجرد بدعة، القضية قضية توحيد وشرك، فالذي يسأل رسول الله ويقول: يا رسول الله المدد، أو يا رسول الله ادع الله لي، أو يا رسول الله استغفر لي. هذا دعا غير الله، سأل غير الله، طلب حاجته من غير الله، والرسول في سورة الجن قل لهم: أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا [الجن:20]، فالجبار جل جلاله يغضب.. لم يغضب؟ لأنك سويت به مخلوق من مخلوقاته، مخلوق ممن خلقه، مصنوع ممن صنعه، عبد من عبيده، تنزله منزلة الله إلى جنبه: يا ألله! يا رسول الله! كيف يجوز هذا، يا ألله! يا رجال البلاد! يا ألله! يا أولياء الله!

    تكاتف اليهود والنصارى والمجوس في القضاء على أمة الإسلام

    عاشت أمة الإسلام قروناً إلا من نجى الله وهم مشركون بهذا الشرك، ما سبب ذلك يا شيخ؟ الجهل، ما سبب الجهل هذا؟ الثالوث الأسود؛ العدو المكون من ثلاثة أعداء، وهو مظلم لا ضوء فيه ولا نور؛ هو المكون أولاً: من المجوس، ثانياً: من اليهود، ثالثاً: من النصارى، تعاونوا على إطفاء نور الله، أما المجوس فعلتهم سقوط عرش كسرى، وانطفاء نار كانوا يعبدونها، فتكون منهم حزبٌ يعمل في الظلام للانتقام من الإسلام، وأول رصاصة أطلقت في جسم الإسلام من يد المجوس، قتل عمر في محراب رسول الله، في الوقت الذي كانت الجزيرة تعيش كلها النور، قتل عمر ، عمر قتل؟ إي والله العظيم كل الدنيا تعرف، أين قتل؟ في محراب رسول الله وهو يصلي بالمؤمنين، من قتله؟ أبو لؤلؤة المجوسي ، كان مولى لأحد الصحابة، وعبد من عبيده، وهو المغيرة بن شعبة ، وهو مدبر مهيأ. فقتل عمر في المحراب، ومن ثم اهتز العالم الإسلامي.

    اليهود ما إن أصدر عمر إجلاءهم الرسمي من الجزيرة تنفيذاً لأمر رسول الله: ( لا يجتمع دينان في الجزيرة )، رحلهم من خيبر وتيم وتبوك وكل المناطق.. ما إن خرجوا حتى استشاطوا غيظاً وغضباً، وبحثوا عمن يتعاونون، كيف يطفئون هذا النور؟ فوجدوا أولئك المجوس، وقام عبد الله بن سبأ اليهودي الصنعاني بالتعانق معهم، وهم الذين أحدثوا فتنة عثمان وعلي .

    النصارى شاهدوا أنوار الإسلام تغمر غرب أوروبا وشرقها، قالوا: كيف نصنع؟ فبحثوا عمن يتعاونون، فوجدوا المجوسية السرية واليهودية الخفية، فتعانق الثلاثة، ودخلوا في حروب فدمروا وفشلوا وتحطموا عشرات الحروب ومئاتها، قالوا: إذاً: ماذا نصنع، هيا نبحث عن السر في هذه القوة.

    وعثروا على السر؛ قالوا: إنه القرآن، القرآن هو الروح، حيت هذه البشرية به، كيف ننزع القرآن، اجتمعوا في السودان أو في الحبشة أكثر من ثلاثين صليبي كيف يسقطون كلمة قل فقط؟ ما استطاعوا: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ [الأعراف:158]، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، قالوا: إذا نزعنا (قل) نقنع العرب والمسلمون أن هذا ليس بكلام الله هذا كلام محمد فقط، لكن كلمة (قل) يقول المتكلم نفسه (قل)؟ لا بد من آخر يقول له: (قل)، إذاً: فماذا يصنعون؟ قالوا: إذاً نستطيع أن نصرفهم عن القرآن.

    قالوا: تفسير القرآن صوابه خطأ، إذا فسرت وأصبت أنت مخطئ تب إلى الله، وخطؤه كفر، فألجموا العالم الإسلامي عن قول: قال الله، ماذا نصنع به؟ اقرءوه على الموتى.

    حدثني شاب اليوم في البيت من في مصر، قال: فتحت إذاعة السيارة وإذا بقارئ يقرأ ونحن في وليمة عرس، آخذين الأشياء للعرس وكذا في السيارة، ما إن سمعوا القرآن حتى صاحوا: يا وليك.. يا وليك نحن في عرس تحولنا إلى الموت!! كيف نسمع القرآن؟ هذا يسمع في بيت الميت وليس في العرس، ويحلف بالله على هذا، قلت: سأحدث بها المؤمنين، سخطوا، كيف نحن حاملين أشياء العرس ونسمع القرآن، هذا يسمع في ليلة الموت، وأصبح القرآن يقرأ على الموتى، ولا يقوى أحد أن يقول: قال الله وقال رسوله، فقتلونا، مسحوا الإيمان من قلوبنا، هبطنا فحكمونا وسادونا، وإلى الله الشكوى.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.