إسلام ويب

تفسير سورة النساء (32)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة هي عمود الدين، ومن شرط إقامتها أن يكون الإنسان طاهراً من كل ما ينجسه، سواء في بدنه أو في نفسه، وقد نهى الله عز وجل عباده المؤمنين أن يقربوا الصلاة وفيهم أثر السكر، وذلك في أول الأمر قبل تحريم الخمر، لما في ذلك من عدم حضور العقل وعدم الشعور بالصلاة وما يقال فيها، كما أمرهم بالتطهر للصلاة من الجنابة بالغسل، ومن الغائط وغيره بالوضوء، ومن لم يجد الماء في الحالين، أو عجز عن استعماله فله أن يتيمم لرفع حدثه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ...)

    الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة النساء الميمونة المباركة، ومع هذه الآية أيضاً، هذه الآية يجب حفظها وفهم معانيها والعمل بها، ولا إخال أحدكم ينكر ذلك؛ لأنها تحمل مسائل علمية من الضروريات الفقهية، هيا نتلو الآية ونتغنى بها، ثم نأخذ في بيان هدايتها.

    قال تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:43].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء:43] هذا كان قبل أن يحرم الله شرب الخمر.

    سبب نزول الآية

    ولهذه الآية سبب لنزولها وهو: أن عبد الرحمن بن عوف

    رضي الله عنه وأرضاه أحد العشرة المبشرين بالجنة -حسب رواية الترمذي

    - أقام مأدبة وضيافة لبعض الأصحاب، فأكلوا وشربوا وحضرت الصلاة وآن وقتها فقاموا لها للصلاة وتقدم أحدهم يصلي بهم، فقرأ بسورة الكافرون: (( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ))[الكافرون:1] وكان ثملاً، سكران، فقرأ: (( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ))[الكافرون:1] أعبد ما تعبدون، وهذا باطل، وواصل قراءته بحذف حروف النفي فنزلت: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ))[النساء:43] حتى تزول السكرة والثملة وتصبحون واعين بما تقولون وتقرءون. وفي آية سورة النحل قال الله تعالى: (( وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ))[النحل:67] فيها منة الله على الناس بأن أوجد لهم ثمار النخيل والأعناب يتغذون ويأكلون ويشربون ويسكرون، وكان العرب بالذات يعظمون الخمر عجباً ويتنافسون في ذلك؛ لأنهم فارغون ما لهم أعمال وخاصة في مكة. فلما هاجر الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأخذ الإسلام ينتشر وأنواره تعلو حدثت هذه الحادثة أول ما حدثت، فأمرهم تعالى إذا كانوا قد شربوا الخمر ألا يدخلوا في صلاة حتى يذهب السكر عنهم، فأخذوا يتحفظون، معناه: لا يشربونها في الغداء إذ بعده صلاة الظهر، ولا يشربونها بعد المغرب إذ بعدها تأتي صلاة العشاء، فكانوا يشربونها بالليل، وأحدثت اضطراباً وأخذت التساؤلات، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه، كما أخبر تعالى بذلك في قوله من سورة البقرة: (( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ))[البقرة:219] فانكمش الناس وأخذوا يفرون من الخمر والميسر، وكان عمر

    رضي الله عنه يدعو الله ويقول: (اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً)، لأنه (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) معناه: تشربونها في غير أوقات الصلاة، الخمر فيها إثم وفيها منافع؟ ما شفي صدر عمر

    وما زال يرفع يديه إلى الله: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، حتى نزلت آية المائدة: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ ))[المائدة:90-91] قال عمر

    : انتهينا يا ربنا. فهذه الآية فصلت وقطعت الطريق، (( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ ))[المائدة:91] قالت العلماء: هذا أبلغ من قوله: (فانتهوا)؛ لأن (فهل أنتم منتهون) معناها: التهديد والوعيد، ما إن نزلت هذه الآية وقرأتها الألسن ودارت في الدور وفي كل مكان؛ أخذوا يهريقون الخمر من دنانها وقربها وبراميلها حتى جرت أزقة المدينة بها، من العتبة تفتح القربة يسيل الخمر، فجرت أزقة المدينة بالخمر. وكان مثلاً أعلى في امتثال أولئك المؤمنين لأمر الله تعالى، ما ترددوا. انتهينا يا ربنا فانتهوا. ويدخل في هذا الأمر كل ما يخامر العقل ويغطيه، الخمر من الخمار الذي يغطي الرأس، فكل ما يخمر العقل ويغطيه فيصبح لا يعي ولا يفهم فهو خمر، وسمه هيروين وإلا كوكاوين وإلا ما شئت أو حشيشة، هو خمر. ووضع الرسول لذلك حداً وهو جلد ثمانين جلدة؛ لأنه إذا شرب وسكر هذى، وإذا هذى قال ما لا يقال في الزنا وغير ذلك. إذاً: هذه الآية الكريمة أيام نزولها كانت الخمر مباحة، فقال تعالى للمؤمنين -ونحن إن شاء الله منهم-: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ))[النساء:43] وإلى اليوم إذا كان المرء مبتلى بهذا المسكر -والعياذ بالله- يجب ألا يدخل في الصلاة إلا بعد أن يصبح واعياً عليماً فاهماً ويتوضأ ويصلي، أما أن يدخل في الصلاة وهو ثملان فهذا حرام، يعظم الإثم مرتين، ما أطاع الله في هذا وما أطاعه في تحريم الخمر، فيا ويله! (( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ))[النساء:43] هذه جملة حالية، والحال أنكم سكارى. (( حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ))[النساء:43] إلى أن تزول تلك الغفاوة والغشاوة والعمى وتصحو وعندئذ صلوا.

    معنى قوله تعالى: (ولا جنباً إلا عابري سبيل)

    وقوله تعالى: وَلا جُنُبًا [النساء:43] ما الجنب؟ الجنب من قامت به جنابة، والجنابة سببها أحد أمرين: إما الجماع أو الاحتلام، من احتلم فأفرز المني الماء الثخين الأبيض أصبح جنباً، ومن واقع امرأته وأولج ذكره في فرجها وغاب رأس الذكر في فرجها ولو لم ينزل، ولو لم يخرج ماء أصبح جنباً، وهي أيضاً جنب.

    وهذا اللفظ (جنب) يطلق على الجماعة، والواحد جنب، المرأة جنب، ما تقول: (جنبة) من باب المصادر التي تطلق على الجميع الواحد والاثنين والذكر والأنثى على حد سواء، وأنتم جنب.

    وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43] الصلاة أين تقع؟ في المساجد، كذا وإلا لا؟ فإذا كان أحدنا جنباً أو كنا جماعة جنب هل يجوز لنا أن ندخل المسجد ونجلس؟ الجواب: لا؛ لأنه مكان الصلاة، والصلاة لا يدخلها سكران ولا ثملاً.

    إذاً: فمن كان جنباً لا يحل له أن يدخل بيت الله ويجلس فيه، اللهم إلا إذا كان ما له طريق إلى منزله إلا على المسجد؛، إذ كان هذا المسجد حوله بيوت الصحابة، وعندهم أبواب تدخل إلى المسجد، جدار بيته يفتح فيه باباً للمسجد، ويريد أن يذهب إلى البقيع، فبدل ما يلف على المدينة يخرج من بابه مع المسجد ليخرج مع الباب الثاني، ومع هذا صدر الأمر النبوي في آخر الأمر بإغلاق تلك الأبواب كلها إلا ما كان من باب أبي بكر ، ( أغلقوا تلك الخوخات إلا خوخة أبي بكر ) وفيه رمز وإشارة إلى الخلافة، باب الرسول الحجرة مفتوح وباب أبي بكر . الرسول شمال شرق وأبو بكر غرب، وما زال باب الصديق إلى الآن وخوخته موجودة.

    إذاً: هذه الكلمة الكريمة: وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43] حرمت علينا الجلوس في المساجد بيوت الله إذا كنا جنباً، وأذنت لنا بالمرور للحاجة، المرور عابر سبيل من العبور يدخل مع هذا الباب ويخرج مع الثاني، أما أن يجلس أو يقف يتحدث فلا يحل أبداً.

    وهكذا الحائض أيضاً؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( لا أحل المساجد أو المسجد لحائض ولا لجنب ) الحائض ما تدخل المسجد، قد يسيل دمها في المسجد وإن كانت عليها حفائظ عصرية لكن الحكم الشرعي يبقى دائماً، ما دامت حائض ما طهرت من حيضها لا تدخل المسجد، الجنب كذلك، إلا من اضطر اضطراراً وما وجد سبيلاً إلا المرور يمر ولكن لا يقف ولا يجلس.

    حكم الغسل من الجنابة وصفته

    ومن نام فاحتلم في المسجد بمجرد ما يستيقظ ويجد نفسه قد احتلم يخرج من المسجد على الفور: إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء:43] إلى أن تغتسلوا، كيف نغتسل؟ رسولنا يبين لكم كيف تغتسلون، هذه الآية مجملة، فالذين يسمون بالقرآنيين لا يريدون السنة أبداً، كيف يغتسلون؟ الله قال: ( حتى تغتسلوا )، ووكل أمر كيفية الاغتسال إلى رسوله ليبين لنا كيف نغتسل.

    كيف نغتسل؟ اسمعوا، بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية الاغتسال، احفظوا.

    يا جنب! إن جلست إلى الماء انو رفع الحدث الأكبر، انو رفع هذه الجنابة والتطهر منها، لا بد من إرادة قلبية أنك تريد أن تغتسل لأمر الله بذلك، هذه النية شرط في صحة الاغتسال، لو تدخل تسبح في البحر سبع ساعات وتخرج بدون ما قصدت الاغتسال والله لأنت جنب.

    إذاً: لما تجلس قل: بسم الله. إن كنت في غير مرحاض -حمام- واغسل كفيك ثلاث مرات، واستنج، والاستنجاء: قطع الأذى في الفرجين، أي: اغسل ذكرك ودبرك، وهما الفرجان، والمؤمنة تغسل أيضاً فرجها ودبرها، واغسل ما حولهما بنظافة، ثم إذا فرغت إن كان عندك صابون اغسل يديك بالصابون، ما عندك كما كان الرسول ما عنده حك كفك على الأرض أو الجدار لتذهب آثار الرائحة الكريهة من البول والعذرة، والآن الصابون متوفر، اغسل كفيك بالصابون.

    بعد ذلك توضأ وضوء الصلاة، اغسل كفيك ثلاثاً، تمضمض ثلاثاً، استنشق واستنثر ثلاثاً، اغسل وجهك ثلاثاً، اغسل يديك إلى المرفقين ثلاثاً، امسح برأسك وأذنيك مرة واحدة، واغسل رجليك إذا كنت في أرض غير طاهرة أو فيها تراب لا بأس أن تؤخر رجليك أي: قدميك؛ لأنك إذا غسلتهما ثم جلست تغتسل تتلطخان بالطين والتراب والماء قليل، فلا بأس بأن تؤخر غسل رجليك، ما المراد من الرجلين؟ القدمين، وإن غسلتهما فذاك، هذا الوضوء توضأته، حينئذ بُلَّ أصابعك أو أفرغ الماء على كفيك وخلل أصول شعرك، سواء كان لك شعر، أو كان لها شعر، المهم حتى البشرة تستأنس بالبلل، ولا يضرها الماء إذا صببت على رأسك الماء، فتصاب بالزكام، ذي تعاليم الطبيب الأول صلى الله عليه وسلم.

    فإذا خللت أصول الشعر واستأنست البشرة خذ غرفة بكفيك وصبها على الجهة اليمنى وادلك كل رأسك بتلك الحفنة، زد ثانية وضعها على الجهة اليسرى وعمم بها كامل الرأس، خذ الثالثة وضعها في وسط رأسك واغسل بها كل رأسك، ومن ذلك الأذنين ظاهراً وباطناً.

    الآن ننتقل إلى باقي الجسم: اغسل جنبك الأيمن من أذنك من رأسك إلى قدمك، وأنت تغسل تتبع أماكن ينبو الماء عنها كالإبط، والرسغ، وتحت الكعبين؛ لأن كل شعرة تحتها جنابة. فرغت من هذه الجهة اليمنى إلى اليسرى، تغسل من أذنك من رأسك إلى قدمك، وظهرك تصب الماء وتغسل بيديك ما استطعت.

    هذا هو الغسل الذي علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينه وكانت أم المؤمنين تبينه، وقد دخل الوضوء في الغسل، ما هناك حاجة إلى أن تتوضأ مرة أخرى، اللهم إلا إذا انتقض وضوءك، فسوت أو ضرطت أو مسست ذكرك بكفك وأنت تغتسل، انتقض الوضوء أم لا؟ لما تفرغ وتريد أن تلبس ملابسك توضأ للصلاة، فإن أنت ما انتقض وضوءك، لا بفساء ولا بضراط ولا بخارج من القبل أو الدبر ولا مسست ذكرك بكفك وأنت تدلك وتغتسل؛ فوضوءك صحيح، ولا تعده أبداً.

    يا من أجنبت! أجنبت بم؟ احتلمت البارحة أو جامعت أهلك، الجماع لا بد وأن يخفى رأس الذكر في الفرج، ومنه : ( إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ) أما إذا كان ما غاب الرأس فلا غسل إلا إذا تدفق الماء.

    إذاً: اغتسل. كيف تغتسل؟ أولاً: اعلم أنه لا يحل لك أن تدخل المسجد وتقوم فيه وأنت جنب، لا يحل لك أن تقرأ كلام الله، لا آية ولا آيتين ولا أكثر ولا أقل وأنت جنب، لا يحل لك أن تمس كتاب الله بيدك وأنت جنب، لا يحل أن تطوف ببيت الله وأنت جنب، يجوز فقط الذكر، والاستغفار والدعاء، أما تلاوة كتاب الله لا آية ولا أكثر، أما مس المصحف فلا، ولا طواف؛ لأنه جنب، حتى يغتسل، كم ساعة؟ هو وظروفه، فما هو الغسل؟

    لا يحل للجنب أن يقرأ آية من كتاب الله بالإجماع، ذاك المحدث حدث الوضوء ما هو متوضئ يقرأ القرآن كله غيباً، لكن ما يقرأ من المصحف، كلامنا على من أحدث حدثاً أكبر.

    والحائض إذا كان لها محفوظات وخافت نسيانها أذن لها في تلاوتها بهذا الشرط، عندها سور محفوظة لها وخافت تنساها أذن لها أهل العلم بقراءتها.

    إذاً: الحدثان منهما حدث أكبر والثاني أصغر، ما هو الأكبر؟ الجنابة، وما هو الأصغر، الوضوء.

    إذاً: اجلس عند الماء ناوياً عازماً على طاعة ربك، إذ أمرك بقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة:6] أسأحضر هذا، اغسل كفيك ثم استنج وأزل النجاسة من على فرجيك، واغسل ما حولهما حتى لا تعود إليه، ثم توضأ وضوءك للصلاة، كأنك أمام الناس، أم أن وضوء الصلاة ما نعرفه أيضاً؟ اغسل كفيك ثلاثاً، نبهنا إلى أنك لو باشرت الأذى والنجاسة في الفرجين اغسل يدك بالصابون، وإلا حكها بالتراب والأرض أو الجدار، عملاً بهداية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم توضأ، اغسل كفيك ثلاثاً، تمضمض ثلاثاً، استنشق ثلاثاً واستنثر، كلما يستنشق يستنثر، ولا يبقي الماء في أنفه، اغسل وجهك ثلاثاً، يدك اليمنى مع المرفق، اليسرى كذلك، امسح رأسك وأذنيك، وإن شئت غسلت رجليك أو أخرتهما، لم التأخير؟ الماء قليل، والمكان فيه طين وتراب، وإذا غسلتهما فأنت محتاج إلى غسلة أخرى، فأخرهما إلى آخر غسلك.

    إذاً: توضأ أم لا؟ ماذا يصنع الآن ليتم غسله؟ يخلل أصول شعر رأسه، وإن كانت امرأة تجمع شعرها كاملاً وتخلخله وتخضخضه؛ حتى يدخل الماء، ثم تأخذ الحفنة الأولى وتغسل بها كل رأسك وضعها من الجهة اليمنى، تأخذ الثانية من الجهة اليسرى، الثالثة من الوسط وكل حفنة تغسل بها عامة الرأس والأذنين معه.

    الآن بقي البدن: اغسل يمينك إلى قدمك وشمالك أو يسارك إلى الظاهر والباطن على حد سواء، ولا تبق لمعة بدون غسل، ولا يحملك الوسواس على أن تغتسل ساعتين ثلاثة، احذر الوسواس، توكل على الله، غسلت ما تلتفت إليه، في بعض الناس يبكي حتى يغتسل!

    هذا معنى قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة:6].

    معنى قوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر ...)

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ [النساء:43] وأماكنها ومواطنها المساجد وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء:43] وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى [النساء:43] والمرضى: جمع مريض، من به علة تمنعه من الغسل، جراحات آلام عجز كامل ما يستطيع أن يغتسل، وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ [النساء:43] أي: مسافرين؛ لأن السفر في الغالب يفقد صاحبه الماء، أيام كنا نسافر أربعين يوماً تحمل الماء في قربة لشرابك وطعامك، كيف تتوضأ بها؟

    إذاً: السفر كان مظنة انعدام الماء، ولا نلتفت إلى من قال: السفر مبيح للتيمم ولو كان الماء معه، هذا أخذ بظاهر اللفظ ونسي الفقه، يوجد من الفقهاء من يقول: السفر مبيح للتيمم، والصحيح: لا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سافر وأصحابه سافروا عشرات المرات وكانوا يتوضئون، وإنما ذكر السفر لأن الغالب في المسافر ما يجد الماء، أيام كنا نسافر على بهائم وعلى أرجلنا.

    وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء:43] ما الغائط هذا الذي يجيء منه؟ بستان أم دكان؟ الغائط: مكان التغوط، وسمي الغائط لأنه غوط الأرض، من الآداب ألا تأتي على تل وتشمر على ثيابك وتبول، بل تبحث عن مكان منخفض وغوط من الأرض تختفي فيه، هذا الكلام ليس لأيامكم هذه، إنما لأيام كان فيها أهل المدينة ليس عندهم مراحيض في بيوتهم، النساء يخرجن مرة واحدة في الأربعة والعشرين ساعة إلى ما وراء البقيع .