إسلام ويب

تفسير سورة النساء (3)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يوصي الله عز وجل عباده المؤمنين بالأيتام، بأن يرعوهم كما يرعون أبناءهم، وإن كان لهم مال أن يحفظوا لهم أموالهم، وألا يأكلوها إسرافاً وبداراً، وألا يضموها إلى أموالهم فتضيع، ومن كان في حجره يتيمة فلا يتزوجها إن خشي أن يظلمها، وليعدل عنها إلى غيرها من النساء فيتزوج مثنى وثلاث ورباع إن شاء.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الأحد من يوم السبت والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم حقق رجاءنا إنك ولينا ولا ولي لنا سواك!

    وها نحن مع فاتحة سورة النساء -بعد أن درسنا الفاتحة والبقرة وآل عمران بفضل الله الرحمن- وقد درسنا الآية الأولى منها، والآن أسمعكم تلاوتها، وأستعرض معكم هدايتها تذكيراً للناسين، وتعليماً لغير العالمين.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    هداية الآية

    قال: [ من هداية هذه الآية:

    أولاً: فضل هذه الآية؛ إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب في حاجة تلا آية آل عمران] وهي[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]وتلا هذه الآية]: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء:1][ ثم آية الأحزاب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ * وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]، ثم يقول: أما بعد. ويذكر حاجته.

    ثانياً: أهمية الأمر بتقوى الله تعالى؛ إذ كررت في آية واحدة مرتين، في أولها وفي آخرها.]

    أولها: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1]، وآخرها: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء:1].

    أقول: (أهمية الأمر بتقوى الله تعالى إذ كررت) التقوى (في آية واحدة مرتين، في أولها وفي آخرها).

    [ ثالثاً: وجوب صلة الأرحام وحرمة قطعها ] لأن الله قال: وَالأَرْحَامَ [النساء:1] أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها.

    [ رابعاً: مراعاة الأخوة البشرية بين الناس واعتبارها في المعاملات ].

    يهودي.. نصراني.. بوذي.. مشرك.. مجوسي.. عربي.. عجمي.. غني.. فقير، لا بد من مراعاة البشرية، فلا ظلم ولا جور ولا غش ولا خداع ولا كذب، لا تقل: هذا يهودي أكذب عليه، والله ما يجوز، أو تقول: هذا صليبي أخدعه، أو هذا مجوسي أمكر به، هذا لا يجوز، من أين اهتدينا إلى هذه؟

    من قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [النساء:1] أبيضكم وأسودكم، كافركم ومؤمنكم، خطاب عام لكل البشر، تذكرون هذه، أو تقول: لا بأس. هذا عدو أمكر به؟ فقط لا تحب غير المؤمنين، ولا يأكل طعامك غير المؤمن، أما أنك تؤذي المرء لكونه كافراً لا يصح أبداً، إلا في حال واحدة، وهي إعلان الحرب بيننا وبينهم، استبيحت الدماء فكيف بالأموال؟ أما في حال السلم وعدم الحرب والمعاهدات لا يحل لمؤمن أن يؤذي إنساناً من أي جنس كان، العدل هو المطلوب.

    إذاً: هذه الآية الكريمة أفادتنا ما علمتم، فضلها كذا؟ أهمية الأمر بتقوى الله.

    ثالثاً: وجوب صلة الأرحام وحرمة قطعها.

    رابعاً: مراعاة الأخوة الإنسانية أو البشرية، لا قبلية ولا عنصرية ولا وطنية ولا كفر ولا إيمان، لا يحل لإنسان أن يؤذي أخاه الإنسان بأي أذى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ...)

    الآن مع ثلاث آيات كريمات، إليكم تلاوتها ورددوها في أنفسكم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

    وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا * وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:2-4].

    ممكن نشرح آية أو آيتين أما الثلاث فطويلة:

    قال تعالى: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ [النساء:2].

    أي مؤمن عربي ما يفهم معنى هذه الآية؟ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ [النساء:2]، يا من في حجورهم يتامى كفلوهم وتولوا أمرهم لفقد وليهم من أب، أعطوهم أموالهم عند بلوغهم سن الرشد.

    واليتامى جمع يتيم ويجمع على أيتام، واليتيم بمعنى: المنفرد، ومنها اليتيمة الغراء.

    فمن فقد أباه فهو يتيم. هذا من الناس، أما من الحيوانات فمن فقد أمه فهو اليتيم؛ لأن البقر والناقة والشاة وما إلى ذلك هي التي تحتضن ولدها، وتقوم على رعايته وإطعامه وحفظه، أما الأب فلا علاقة له بأولاده، أما الإنسان -وهو في مستوى أعلى من مستوى الحيوان إن آمن وأسلم- فاليتيم عنده هو من مات أباه، أما لو ماتت أمه فلا يقال عنه يتيم.

    معنى قوله تعالى: (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب)

    قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [النساء:2].

    أنتم لا تعرفون هذا، لما تكون كافلاً لليتيم وعنده بستان وعندك بستان، في إمكانك إن هبطت من درجة الكمال إلى أسفل أن تأخذ العجوة التي عنده وتعطيه البرني، تبيع عجواه بسبعين ريال الكيلو وتبيع تمرك أنت البرني بعشرة ريالات، استبدلت الخبيث بالطيب.

    قد يكون في غنمك الماعز، وتحتاج إلى بيعه فتستبدل وتعطيه العنزة وتبيع الشاة الطيبة لتستفيد من ثمنها، وكذلك في الدقيق والبر، وفي كل ما هو مال، إياك أن تستبدل الطيب الذي عند يتيمك لجهله وعدم معرفته، وتعطيه الخبيث من مالك، لولا أن هذا وقع ما أنزله الله، ويقع إلى اليوم، إلا من عرف الله فخافه وأحبه، أما أهل الجهل فإنه يفعلون أكثر من هذا.

    وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [النساء:2] كل مال، مطلق مال؛ لأن اليتيم في عمر ستة أشهر أو سنة أو خمس سنوات أنت مالكه .. أنت كافله .. أنت وليه لا يعرف شيئاً، فتغرك نفسك فتستبدل ماله الطيب وتضع له الخبيث، هذا حرام، ولا يحل، وصاحبه ارتكب كبيرة، وإن لم يتب منها هلك.

    معنى قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً)

    وقوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا [النساء:2].

    الحُوب اسم، والحَوب مصدر من حاب يحوب إذا تأثم وتلطخ بالإثم، الحوب الإثم الكبير، كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2].

    ما هذا الاستبدال؟ لا تأكلوا أموالهم وتتركوا أموالكم، هات الشاة الفلانية يا إبراهيم للضيف، هذه الشاة من مال اليتيم يذبحونها، أيش في؟ نزل علينا ضيف وكلنا سواء، وتبقى شاته هو لا يذبحها، يأكل أموالهم ليبقي أمواله ويحافظ عليه، يا أحمد هات كذا كيس من تمر ابن عمك إبراهيم قدمه للناس أو للبيت، فيأكل مال اليتيم ويبقي ماله هو، هذا يقع من ضعاف القلوب وإلا لا؟ ضعاف النفوس.. الجهلة الذين لا بصيرة لهم، يقول: هذا صغير، يعيش أو يموت الله أعلم، ونحن في حاجة، إذاً سيأكل مال اليتيم ليوفر ويبقي ماله هو، وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ [النساء:2].

    ثم قال تعالى: إِنَّهُ كَانَ [النساء:2] أي: هذا الأكل، أكل مال اليتيم والإبقاء على مالك أنت أيها الكفيل، حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2] انتبه!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء...)

    الآية الثانية: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3] هذه مسألة أخرى لها علاقة بأكل مال اليتيم.

    سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من ابن أختها عن هذه الآية فأجابته إجابة هي الحق بعينه فقالت: يكون للرجل يتيمة في بيته.

    عرفتم؟ مات أبوها وكفلها، ولا كفيل لها إلا هو، إذاً ويكون لها مال ورثته من أبيها، فيعمل على أن يتزوجها ليأخذها هي ومالها.

    انتبهتم؟ يتيمة في حجره كبرت وبلغت، وآن أوان زواجها وهي ذات مال.. بساتين.. أو أنعام.. أو ما إلى ذلك، فيرى وليها -كافلها- أن يتزوجها لأجل مالها، وقد تكون دميمة غير جميلة، ولكن لأجل المال، وبعد ذلك يسيء إليها؛ لأنه ما يحبها.

    إذاً: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتيماتكم اللائي في حجوركم فزوجوا هذه المؤمنة من غيركم ولا تتزوجوها أنتم، وانكحوا ما طاب لكم من النساء من غيرهن. هذا بيان الله عز وجل وهدايته.

    وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا [النساء:3].أي: تعدلوا. وقد عرفنا أن أقسط إذا عدل، وقسط إذا جار، وآية: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن:15]، والجن قالوا: مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ [الجن:14]، والقاسط: الظالم الجائر. والمقسط: العادل، وكأن الهمزة للسلب أقسط أزال الظلم والجور.

    وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا [النساء:3] أي: تعدلوا فِي الْيَتَامَى [النساء:3] فلا تنكحوهن بل زوجوهن من غيركم، وتزوجوا أنتم ما شئتم: مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3].

    واسمع الآية: وَإِنْ خِفْتُمْ [النساء:3] أيها المؤمنون الكافلون لليتامى أَلَّا تُقْسِطُوا [النساء:3] ألا تعدلوا إن أنتم تزوجتم بهؤلاء اليتيمات لمالهن وعدم العدل.

    وقد قلت لكم: لما يتزوجها لأجل مالها لا يرغب في جماعها.. ما يرغب في الإحسان إليها؛ إذ همه أنه فاز بمالها؛ فمن خاف منكم ألا يعدل فليزوج هذه المؤمنة من رجل آخر ويتزوج هو ما شاء، أما أن يحتضنها وهي صغيرة ولما تكبر ويعرف أن لها مالاً ورثته يتزوجها فقط لأجل مالها ويفضل عليها زوجة أخرى، ولا يقسط ولا يعدل بينها وبين الأخرى بل همه أنه يأخذ مالها فهذا الخلق فاسد وباطل حرمه الله ومنعه على المؤمنين، وحينئذ: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3]. مثنى أي: اثنتين اثنتين، ثلاث: ثلاث. رباع: أربع.

    وهبط بعض المسلمين وقال: يجوز أن يتزوج الرجل تسعاً. قالوا: الآية شاهدة: (مثنى) يعني: اثنتين، و(ثلاث) صارت خمس، أربع صارت تسع، وعندنا أيام كنا هناك في عالم من هذا النوع تزوج تسع، لكن الناس كلهم أبغضوه وهددوه، وهو يحتج بهذه الآية.

    والآية من يتولى بيانها؟ أليس رسول الله؟

    إذاً: فَانكِحُوا [النساء:3] والنكاح هنا بمعنى: التزوج، أي: فتزوجوا مَا طَابَ لَكُمْ [النساء:3].

    طاب يطيب إذا لذ وحسن وكان صالحاً مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3] و(من) بيانية، و(النساء) لفظ دال على متعدد ولا مفرد له من اللفظ، وواحدة نساء: امرأة،كلفظ إنسان واحده رجل، لكن وجد الآن من النساء المتعلمات من قلن: إنسانة، وهذا لا يصح لكن تقول: امرأة، فإنسان اسم جنس يدخل فيه الذكر والأنثى، رجل وامرأة، واحده رجل أو امرأة، أما إنسانة فهي لغة عصرية.

    قال: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى [النساء:3] أي: اثنتين ويكفي، وثلاث لا بأس، وأربع لا بأس، وأما فوق الأربع فحرام بالإجماع ولا يحل لمؤمن أن يتزوج خامسة.

    وهناك لطيفة وهي: هل على الرجل عدة كما تعتد المرأة؟

    إي نعم. كيف هذا؟ الرجل الفحل يعتد. قالوا: نعم يعتد بمعنى: يتربص. من هو؟

    الجواب: رجل تزوج زينب وأراد أن يتزوج من أختها بعد أن طلقها فيجب أن يتربص وينتظر حتى تنتهي عدتها؛ إذ لو تزوجها في العدة يكون قد جمع بين الأختين. إذاً: اعتد ثلاثة أشهر تقريباً.

    كذلك لو تزوج أربعاً ثم طلق الرابعة فهل يتزوج الخامسة أو ينتظر حتى تنتهي العدة؟

    الجواب: ينتطر حتى تنتهي العدة، وبعد ذلك يتزوج، والتي هي خامسة هي رابعة. ‏

    معنى قوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)

    قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء:3].أي: فتزوجوا واحدة فقط، (فإن خفتم ألا تعدلوا) في أي شيء بين النساء.. بين الضرات، أو الضرتين، أو الثلاث ضرائر.

    والضرة هي التي تضر بأختها، أو تضرها أختها، ما تضر هي فقط، وهذه اللغة عند العوام من النساء عرب وعجم، الضرة اسمها وليس الطبينة، والطبينة لا ندري من أين جاءت ؟ تطبن ماذا؟ أما تضر فإي نعم.

    وهنا بلغني عن بعض الأفاضل العلماء عندنا أنهم قالوا: الأصل هو التعدد، وأنا لا أرى أبداً في الآية ما يدل على أن الأصل التعدد، بل الأصل عدم التعدد، فإن احتاج إلى التعدد عدد، وإن استغنى بواحدة فهي الواحدة، الأصل أن يتزوج الرجل امرأة كما تزوج آدم حواء، هذا هو الأصل؛ فإن لم تسد حاجته أو اضطر لأحوال تقتضي التعدد عدد وينتهي إلى الرابعة ويقف عندها.

    وأما تزوج الحبيب صلى الله عليه وسلم بتسع، واجتمعن في حجراته- وإن كان تزوج إحدى عشرة خديجة ماتت، وأخرى طلقها- فأقول: ذاك خاص بإذن الملك جل جلاله وعظم سلطانه: إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ [الأحزاب:50]، الملك الحاكم الرحمن الرحيم الذي قصرنا على أربع فتح الباب لرسوله فتزوج تسعاً.

    ونحن نقول: نحن مع تعدد الزوجات، ولقد شنع القسس والعلماء البريطانيون والألمانيون والفرنسيون وبشعوا الإسلام ولاموا وعتبوا وصاحوا وضجوا وكتبوا وألفوا: كيف يتزوج الرجل أربع نسوة؟ كيف يتزوج اثنتين؟ يؤذي هذه المرأة ويفعل ويفعل ويفعل، وطبقوا ما أوحاه الشيطان؛ فلا يوجد في أوروبا ولا أمريكا من يتزوج اثنتين إلا نادراً.

    وفي بلد عربي هبط وتمزق وانتهى قننوا بأنه لا يحل لمواطن أن يتزوج اثنتين. ممنوع، وإن شاء يقول: هذه خليلتي، يأذن له القضاء الإسلامي في الدولة العربية الإسلامية أن يتخذ عاهرة يزني بها في بيت آخر، وإن عقد عليها يقول: لا. هذه صديقتنا خليلة. فهمتم هذه اللغة البربرية أم لا؟!

    أقول: هذا كفر، والذين ما أنكروه وصفقوا له ورضوا به كفروا، وأغلب البلاد الإسلامية لا يمنعون التعدد، وإن كان بعض القضاة يضعون عوارض لكن لا يهم، وهذا البلد هو الوحيد الذي شاع فيه وعرف علناً: ممنوع أن تتزوج باثنتين، ومن اضطر أن يقول: هذه صديقتي خليلتي، ولا يقول: زوجتي أبداً، والعالم الإسلامي سكت ما صاحوا، ولا رفعوا أصواتهم، ومنهم من علم ومنهم من لم يعلم.

    والشاهد عندنا: علماء الغرب الملاحدة والمتدينين من اليهود والنصارى شنعوا تشنيعاً عجيباً على تزوج اثنتين أو ثلاث وأربع، ورد عليهم علماء الإسلام ردوداً، ومن أراد أن يقف على ذلك فعليه بتفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا تغمده الله برحمته، ففي هذه الآية بالذات ذكر أقوال المستشرقين وتشنيعهم وسخطهم، وذكر الرد الملزم المفحم لهم، ونحن والله لسنا في حاجة إلى أن نرد عليهم إلا بكلمة واحدة هي: أن الذي شرع هذا التشريع أليس هو الله، العليم الحكيم، البر الرحيم، الذي تجب طاعته، والانقياد له، وقبول أمره ونهيه واعتقاد ما أمر باعتقاده؟ مع العلم اليقيني أنه لا يشرع إلا ما فيه خير وصلاح وهداية ورحمة وعدل، ولا يمنع ولا يحرم إلا ما فيه أذى وشر وظلم وخبث وفساد، فمن هنا إذا قال هذا الملحد أو هذا القس أو هذا المستشرق هذا نقول له: تأدب أنت يا هذا، أنت كافر بالله، هذا شرع الله وما هو شرع المسلمين، هذا ما وضعه علماء الإسلام وشرعوه، بل هذا تشريع الرحمن الرحيم، فيستحيل أن يكون غير نافع .. أن يكون غير مصلح، أن يكون غير مثمر .. أن يكون غير رضا له عز وجل.

    الذي يقف ويقول: الإسلام يفعل كذا، معناه: ازداد في كفره وضلاله وعمى بصيرته، ولا نرهق أنفسنا ولا نتعب ونأخذ نذكر المبررات والمسوغات، كل ما عندنا: أنه لا يحل لك أن تجمع بين اثنتين أو ثلاث أو أربع إلا إذا كنت موقناً من العدالة، ومتوفر لك أن تعدل بين هؤلاء المؤمنات؛ فإن خفت ألا تعدل لضعفك وقدرتك الضعيفة نفسياً أو مالياً وتعجز عن العدل حرام أن تعدد، أما قال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء:3] فقط؟ أبعد هذا يشنع الهابطون، ويتكلمون على الإسلام والمسلمين؟

    كون المسلمين جاروا وما أقسطوا وما عدلوا فذنوبهم ليس ذنب الإسلام هذا ولا شريعة الله، فالمسلم الجاهل الذي أخذته نفسه وهواه وأضر بإحدى المؤمنات أقبل على هذه وأدبر عن هذه، يضحك في وجه هذه ويغضب في وجه هذه، فيعطي هذه الحلل ويعطي هذه الحبال. هذا ما هو ذنب الإسلام ولا المسلمين، هذا ذنب هذا العبد الجاهل؛ لأن الله العليم الحكيم قال: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء:3].

    بداية: قال: اعدلوا في أيتامكم اللائي في حجوركم، لا تتزوجها لمالها ثم لا تعدل بينها وبين ضرتها.

    أي: لا تحسن إليها لدمامتها أو لعدم أهليتها، إذاً: زوجها من غيرك، ولا تأخذ مالها، وأنت تزوج ما شئت إما اثنتين وإما ثلاث وإما أربع؛ فإن خفت ألا تعدل وخفت الميل فحرام عليك التعدد، ولا يحل لك إلا أن تتزوج بواحدة.

    ما هو العدل؟

    العدل: ضد الميل والانحراف، وأما الأمور التي يجب فيها العدل فهي:

    أولاً: العدل في السكن. هذه لها غرفتها وهذه لها غرفتها، فإذا كان البيت ذا غرف وحجر فكل زوجة في حجرتها، ولا تجمع بينهما في حجرة واحدة أبداً، عندك حجرة واحدة حرام أن تتزوج اثنتين، ولا يحل أبداً.

    ثانياً: القسمة في المبيت: الخميس في ليلة زينب، والجمعة في ليلة خديجة، وإياك أن تتجاوز هذه الليلة وتذهب رأساً إلى ليلة الجمعة! حرام عليك ولا يحل.

    ويكفينا مثلاً أعلى ضربه أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، لما مرض - فداه أبي وأمي - كانوا يحملونه على أكتافهم ليبيت في حجرة فلانة، والليلة الثانية يحملونه ليبيت في بيت زينب .. ليبيت في بيت حفصة .. ليبيت في بيت عائشة .

    وهذا لتعرفوا العدالة ما هي! ثم عرفت المؤمنات أن هذا يتأذى به رسول الله، وعرفن أنه يرغب في أن يمرض في بيت عائشة ، وطلب منهن بعد رضاهن أن يعلنن عن رضاهن بأن يمرض في بيت عائشة الصديقة فأعلنَّ عن رضاهن، وكيف لا يرضين وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    أما قضية القلب فقد ضرب لذلك المثل، وقال: ( يا رب! هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك )، قضية ميل النفس هذه يملكها الله، أما أن تأتي للمؤمنة وتضطجع معها على فراشها فهذا الحق الواجب، قضية الجماع إذا ما استطعت فمعذور.

    ثالثاً: العدل في الطعام والشراب، لا أن تأكل البقلاوة عند خديجة وتأكل الكراث في بيت عائشة .. في بيت خديجة المشوي والمصلي هذه الليلة خاصة، وفي بيت المسكينة الأخرى رز حاف بلا مرق أو سليق، بل يجب أن يكون الطعام هو هو.

    نعم. إذا كانت هذه تحسن الطبخ فهذا شأنها، وأنا علي أن آتي بكيس رز وكيس رز هنا، واللحم الأسبوعي كيلو هنا وآخر هنا، لكن كونها هي تجيد ذلك فشأنها.

    ثالثاً: العدل في اللباس، في الكسوة، في الفراش، لا أن هذه تفترش حصيرة وهذه تفترش قطيفة .. هذه تستصبح بكهرباء وهذه بفانوس لأنها غير ذات قيمة. لا يحل هذا.

    رابعاً: العدل حتى في النظرة والابتسامة فلا تنظر إلى هذه وتبتسم وإلى هذه تعبس وتقطب.

    هذا العدل من فرضه؟

    الله جل جلاله ولي المؤمنين والمؤمنات؛ لأنه أعدل العادلين وأرحم الراحمين، ومع هذا يتبجح يهودي أو نصراني هابط ويقول: كيف يتزوج المسلم أربع ليؤذي النساء ويفعل ويفعل ويفعل؟

    فلو جاءني هذا المستشرق يريد أن يتكلم بمثل هذا الكلام نقول له: الذي شرع هذه الشريعة الله وإلا أنت أو أبي أو أبيك؟ شرعها الله رب العالمين، أليس تعرفونه بأنه أرحم الراحمين وأنه منزل العدل وفارضه على الخلق، فكيف إذاً يأذن في هذا الذي تقول؟

    أأنت أعلم من الله؟ فإن قال: نعم فهو مجنون تقول له: اذهب عن وجهي، ولا نقبل جداله.

    والآية نص صريح: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ [النساء:3]، هذا أذن إباحة، فما فرض الله علينا أن نعدد الزوجات، فإن كانت الزوجة قد عجزت وضعفت فاتفق معها وهي التي تخطب لك، وتأتي بزوجة أخرى.

    امرأة مات عنها زوجها فأصبحت أرملة تبيت تبكي خائفة، فتقول الزوجة لزوجها: يا فلان! نأتي بهذه تعيش معنا لوجه الله، لا نستطيع أن نتركها بدون زواج، فيقول لها: لا يحل لي أن أنظر إليها ولا أن أخلو بها، فمضطر لا بد من عقد نعقد عليها وتعيش معكم، ولا بأس أن تكون لها غرفتها وليلتها، وكلنا أولياء الله وعبيد الله.

    أي مانع؟ فكل أزواج الرسول تزوجهن -ما عدا خديجة- من أجل هذا الإحسان، المرأة يموت زوجها في الجهاد وتبقى تبكي من يؤويها؟ يؤويها رسول الله؛ إذ لا تسكن نفسها ولا تستريح إلا في بيت النبوة.

    كم تزوج الرسول من بكر؟ والله ما تزوج إلا عائشة فقط، وما كان تزوجه للغريزة الجنسية أبداً.

    والآن غلبناكم، يأتي بخادمة وما تكفيه يأتي بأخرى وثالثة، وتظهر لأول مرة أنها متزوجة، تترك زوجها في إندونيسيا في أفريقيا وتأتي، كيف هذا؟ في أي كتاب أو سنة هذا؟ امرأة تترك زوجها وتذهب تشتغل وراء البحر في أسرة؟ هذا يدمي القلب هذا، ومؤمنة، ورضينا بهذا، فبدل ما تأتي بخادمة أو خادمتين تزوج أرملة من النساء وآوها وضمها إلى بيتك واحفظها وعلى زوجتك أن تفرح بذلك وتقر عينها، ويجب أن تتطامن وتذل لله عز وجل.

    المهم إن شكونا نشكو جهلنا، وعدم بصيرتنا، وعدم يقيننا وجهلنا، هذا الذي صب علينا هذا البلاء، أما تشريع الله فإنه أعظم تشريع يحقق البر والخير والرحمة والعدالة والإخاء والمودة، وأما العلة فنحن.

    1.   

    الرد على من يقول بدوران الأرض

    وصلتني رسالة من أحد الطلبة، وهو كتاب يريد أن يقنعني به أن الأرض تدور، فنقول: إن الله عز وجل يقول: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس:38].

    العزيز: القوي الذي لا يقهر، الذي لا يمانع في شيء أراده، الله الذي يقول للشيء كن فيكون.

    العليم: الذي أحاط علمه بكل ذرات الكون قبل أن يكون الكون.

    لما يخبر بهذا الخبر يأتيني عالم كوني، ويقول: اسمعوا! خطأ. الشمس ثابتة والأرض هي التي تدور حولها.

    ما تقولون يرحمكم الله؟ أتكفرون من أجل هذا الملحد.. هذا الكافر الذي يبول ولا يستنجي؟

    هل نرضى بالكفر من أجل نظرية شخص ساقط هابط الخنزير أفضل منه عند الله؟

    ثانياً: هناك آيات يقول الله فيها: جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا [النمل:61]، قال: (الأرض قراراً) يعني: أن الناس هم القارون أما هي فليست قارة.

    الرسول جهل هذا وما عرفه؟ ما قال: أيها المؤمنون إن مراد الله من قرار الأرض أنكم أنتم القارون، أما هي فليست بقارة؟ والرسول حاشاه أن يقف هذا الموقف، فهذا الموقف لا يقفه إلا مجنون.. إلا ملحد.. إلا ماكر خادع.

    نحن لنا الحواس الخمس وإلا لا؟ بأبصارنا هل شاهدنا الأرض تدور؟

    نحن الآن ساعة وربع على الكرسي هل نجد أنفسنا قريبين من الرياض مشت؟!

    هذا المسجد النبوي ألف وأربعمائة سنة ما تزحزح أبداً، باق في مكانه، فهل نقول: قار وإلا نقول: طائر؟ قار.

    إذاً: كيف نفعل؟ والحقيقة التي يجب أن تعتقد: أن ما أخبر الله تعالى به يستحيل أن يكون خلاف ما أخبر؛ وذلك لسابق علمه وقدرته.

    ثالثاً: ثم إذا بحثوا وعرفوا أعطونا نتائج يستنتجونها للبشرية، إذا قال الأرض: ليست بقارة والشمس واقفة أعطونا النتائج، ما نمرض، يتوفر الطعام والشراب. أعطونا النتيجة؟ لا شيء قط، لا مطر يكثر ولا يقل، ولا شمس تستحر ولا تبرد، ولا ولا، الأرض هي هي والعالم هو هو.

    وسر القضية وهي: أن هؤلاء الملاحدة أرادوا أن يكفروا البشرية بربها؛ لأن هذا من وضع اليهود، هم الذين أوجدوا هذه المبادئ لتكفير من يؤمنون بالله؛ فخرجوا على العالم - منذ خمسين سنة أو سبعين سنة فقط- بمقولة: أن الأرض تدور والشمس واقفة، وهذا القرآن خرافة، وقد اكتشفنا واطلعنا وليس هذا صحيحاً والقرآن كله خرافة.

    إذاً: والله خرافة في أذهانكم فقط!

    والله العظيم لهذا هو الباعث لهم، والدافع لهم على أن يقولوا هذا!

    وقلنا: لو كانوا ربانيين ووجدوا فائدة عظيمة في إفادة البشرية بأن الأرض تدور وليست بقارة لكانوا يقولون، لو وجدوا في هذا ما يزيد في إيمان المؤمنين لقالوا: سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! الأرض اكتشف أنها تدور في فلكها، ومن عجيب قدرة الله، من عجيب رحمة الله، من عجيب ألطاف الله، من عجيب إحكام الله، أن ذلك الدوران الدائر بذاتها، وأقر الله كل شيء فوقها، لا تتزعزع ولا تزول حتى يأتي أمر الله، الله أكبر! يجب أن نؤمن بالله، يجب أن نركع ونسجد. هذا هو الموقف لو كانوا يريدون الإيمان بالله، هم لا يريدون إلا زعزعة الإيمان، وقد نجحوا فثلاثة أرباع المسيحيين ملاحدة بلاشفة لا يؤمنون بالله، وعامة من تعلم عنهم أيضاً من المسلمين عقيدته مزعزعة وهابطة.

    الله يخبرنا بالواقع: الأرض أرساها لئلا تميد بكم، لو كانت تميد وتميل لانهدم البناء في كل أسبوع، ثابتة في مكانها شرق غرب أنت عليها، تريد أن تتجاهل هذا كله وتفيد الناس بشيء آخر ماذا تفيدهم؟ إلا أنك تكذب الله، وتكفر به.

    معشر المستمعين فهمتم كلامي وإلا لا؟ نحن نبحث عما يزيد في إيماننا بالله وحبنا فيه، لسنا في حاجة إلى نظريات لا تغني.

    أنا قلت لهم: إلى الآن عرفتم كذا، ماذا أفدتم البشرية؟ أكثرتم الأمطار، حولتم الجو الحار إلى بارد؟ أفيدونا، ماذا استفدنا من هذه النظريات؛ إذ منشؤها والله ما هو إلا تكفير البشرية بربها؟

    وأنتم تعرفون قضية القمر كيف تبجحوا وطاروا وهبطوا، ما مضت ثلاثون سنة حتى كذبوها، قرأناها يوم ما بدأت في الجرائد المصرية: احجز رحلة إلى القمر! ونحن نصفق كالبهائم، الآن الرائد الأمريكي منذ سنتين أعلن رسمياً أنه كذب وما طلع القمر، ولن يطلع إليه.

    فتلك النظريات من أسوأ ما تكون، ما هي فائدة الطلوع إلى القمر؟ ننزل هناك ونسكن؟ مستحيل أن تموت يا ابن آدم في غير الأرض التي خرجت منها: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ [طه:55]، هذا ابن مريم .. هذا عيسى مخلوق من الأرض، والله ليعودن ليموت عليها ويدفن فيها، إذاً: ما فائدة التبجح في إلى الطلوع إلى القمر؟

    القضية عرفناها وبينا أنها لزعزعة الإيمان، يريدوا من البشرية أن تصبح بهائم ينزو بعضها على بعض؛ لأن من كفر بالله وما أيقن به لا فرق بينه وبين البهائم.

    هذا والله تعالى أسأل أن يثبتنا، وأن يرزقنا نوره وهدايته، اللهم آمين.