إسلام ويب

تفسير سورة النساء (24)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قرر الله عز وجل القوامة للرجل على المرأة، وآتاه سبحانه السلطان عليها، وبعد هذه القوامة وهذا السلطان الممنوح للرجل أمره الله بإكرام المرأة والإحسان إليها، والرفق بها لضعفها، ثم أثنى سبحانه على المرأة الصالحة، وذكر عز وجل صفاتها، ومن ذلك أنها مطيعة لربها وزوجها، وحافظة لزوجها في ماله وعرضه، في حضوره وغيبته، مستعينة على ذلك بالله عز وجل الذي يمنح العون لعباده الصالحين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء ...)

    الحمد لله؛ نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة؛ ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي والعالم أجمع، صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة النساء ومع هاتين الآيتين الكريمتين:

    وتلاوتهما بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

    الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، يذكر الحكم وعلته، آمنا بالله: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء:34]، هذه الآية الأولى، نكتفي بها، ونترك الثانية إلى يوم آخر إن شاء الله.

    ختامها: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء:34]، هيا نتغنى بهذه الآية مرات، وكلنا يُعمل فكره في الفهم وما يريد الله من هذا الكلام الإلهي.

    الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء:34].

    من معاني القوامة وسبب كونها للرجال

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34]، الرجال: جمع رجل، وعندنا لطيفة، أنفس بها عن ضيق بعض النفوس، ولا بأس، كان في الديار المغربية عالم سلفي كبير توفي رحمة الله عليه، ومن عجائبه: أنه كان مسئولاً عن المدرسين في المسجد النبوي أيام دخول السلطان عبد العزيز رحمة الله عليه.

    أحد تلامذته قال له: لقيت رجلاً في كذا.. قال: تأدب، أين الرجال؟ قل: لقيت ذكراً، أين الرجال؟ لقيت ذكراً في الشارع، ويشهد لهذا قول الله تعالى: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [القصص:20]، إذاً: فكلمة (رجل) تدل على الفحولة وكمال الرجولة.

    الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34]، ومعنى: (قوامون): قائمون، الرجل قيم على امرأته، قائم عليها، قوام عليها؛ إذ هو الذي يحفظها، وهو الذي يطعمها ويسقيها، وهو الذي يدخل السرور والفرح على نفسها، فحياة المرأة مرتبطة بحياة الرجل، وهما كجسم واحد بعضهم من بعض.

    إذاً: فالرجل قيم لكمال خلقته وفطرته وما أودع الله فيه من قوى لا توجد في المرأة، والخالق عز وجل فرق في الخلقة بين الرجل والمرأة، بين الذكر والأنثى، وهذا مشاهد في الحيوانات، فهل الديك كالدجاجة؟ الدجاجة تملك تلك العنترية وذاك الصوت؟ فهل التيس ذكر العنز كالعنزة؟ هل الكبش كالنعجة؟ هل الثور كالبقرة؟ هل الجمل كالناقة؟ من يقول: إيه، من فرق بينهما؟ الخالق العليم الحكيم، فكذلك الرجل يختلف عن المرأة في أشياء وصفات كثيرة، وتلك الصفات أهلته للقيام بشئون المرأة، وجعلته أقدر منها وأقوى على ذلك.

    قال تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34] بسبب ماذا؟ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:34]، أي: بتفضيل الله تعالى بعضهم على بعض في الخلقة وفي الفطرة، وفي غيرها من الصفات، ومن قال: المساواة، فهو كافر.. كافر.. كافر لا يقبل منه انتساب إلى ملة الإسلام ولا إلى اليهودية والنصرانية، الله يقول: فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:34] وأنت تقول: لا.. لا.. لا. يبقى إيمان أو إسلام؟

    هذا النغم، هذا الصوت صوت يهودي لفتنة البشرية وإهباطها؛ لتصبح قابلة لأن تسودها الماسونية وتقودها إلى جهنم، وإنما العجب لمن يعرضون عن كتاب الله ويجهلون ما فيه، ويمشون وراء تعاليم الماسونية في المجلات والصحف، وفي المحاضرات والكلام، من قرر هذا التقرير؟ أليس الله، هذا كلام من؟ في من يقول كلام غير الله؟

    إذاً: كلام أمك أم أبيك، هل رفع إنسان رأسه وقال: هذا كلامي أو كلام فلان؟ هذا كلام الله.

    الرِّجَالُ [النساء:34] الفحول الأقوياء القادرون، أولو البصائر والنهى: قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34]، أولاً: بتفضيل الله تعالى بعضهم على بعض في الخِلقة والفطرة والعلم والمعرفة، والطاقات المختلفة.

    ثانياً: وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34] أي: وبإنفاقهم عليهن من أموالهم، فالذي ينفق هو الذي يسود أو لا؟ أو الذي ينفق عليه هو السيد، أيعقل هذا الكلام؟

    إذاً: وبإنفاقهم وليس خاصاً هذا بالمهر فقط، وإن كان المقصود المهر، وهو يشمل لكل النفقات التي ينفقها الرجل على المرأة، يسود هذا أو لا؟

    واذكروا قول الحبيب صلى الله عليه وسلم، وهو كلام فوق مستويات البشر، يقول: ( خادم القوم سيدهم )، هاتوا علماء النفس والاجتماع ينقضون هذه؟ والله ما ينقضونها؛ لأنها نبعت من مصدر الحكمة، من أستاذ الحكمة ومعلمها، هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( سيد القوم خادمهم )، تريد أن تسودنا؟ اخدمنا، فلما كان الرجل هو الذي يخدم المرأة، إذاً كان سيدها أو لا؟

    الآن في البيت ينزل ضيوفك، فالذي يقوم بسقيهم وإطعامهم هو السيد، أليس هو السيد؟ إذاً: من أراد أن يسود فليعمل الخير وليبذل المعروف لغيره، ومن تفسير كلمة الصمد، وهي اسم من أسماء الله تعالى: سئل بعض العرب بماذا ساد فيكم فلان؟ قال الأعرابي بالفطرة: احتجنا إليه واستغنى عنا، بهذا سادنا، والله تعالى هو الصمد الذي استغنى عن كل مخلوقاته، وافتقر إليه كل مخلوق من مخلوقاته، فكان الصمد.

    (خادم القوم سيدهم) إذاً: الرجل يخدم المرأة أو لا؟ يكفي أنه يموت دونها، إذاً: فساد أو لا؟ فهو سيد.

    الرجال قوامون على النساء بشيئين:

    أولاً: بما فضل الله بعضهم على بعض في الخلقة والفطرة والفهم وكل الطاقات، تفاوت كبير، ومن أراد أن يستبصر: هل المرأة تبعث نبياً أو ترسل رسولاً؟

    الجواب: لا، هل المرأة تعين أميرة وتحكم الناس؟ الجواب: لا.

    هل المرأة تعين قاضية تقضي بين الناس؟ الجواب: لا، يا شيخ! جعلوها وزيرة وقاضية، من هؤلاء؟ أنبياء الله أم رسله، أهل ولايته أم عالمو شريعته؟ هؤلاء ممن ذابوا في تيار العلمانية والصليبية والماسونية، يستشهد بهم؟ الرسول هناك قال: ( لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة )، أشيروا لي، الإقليم الفلاني أفلحوا؟ هاتوا، لأن رئيسة الوزراء امرأة! أو الحاكمة امرأة، أشيروا، موجود؟ أو تفسرون الفلاح بالطعام والشراب والنكاح، هذا هو الفلاح؟

    الفلاح: أن يسود البلاد الطهر والصفاء، والمودة والإخاء والمحبة والولاء، والتعاون على البر والتقوى، فتتجلى حقائق الطهر والكمال البشري في الدنيا، والنجاة من النار ودخول الجنة يوم القيامة.

    الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34]، بسبب ماذا؟ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:34] أولاً، وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34] ثانياً.

    العجيب: أن هناك نساء في ديار الكفر هي التي تدفع المهر، نزغة شيطانية يهودية، الآن في أوروبا وفي أمريكا واليابان بعض النساء ما تجد من يتزوجها، هي التي تدفع المهر، كم تأخذ وأتزوجك؟ يقول: ألفين جنيه أو ألفين دولار يتزوجها، هي التي تدفع، هل هذه يصبح سيداً عليها، هي التي تسوده وتقوده كالطفل أو الكلب وراءها، هي التي دفعت، وهذا شأن البشرية إذا انقطعت صلتها برب البرية، وأعرضت عن كتابه وهدي نبيه، تهبط تهبط، حتى لا تصبح أهلاً حتى لدخول منزل طاهر.

    صفات الصالحات من النساء

    ثم قال تعالى: فَالصَّالِحَاتُ [النساء:34] يا مؤمنة: لا تقولي: أذلني ربي وأهانني، وعين عليّ قيماً يقوم عليّ، هذا من إفضال الله عليك، هذا من رحمته بك، هذا من إشفاقه عليك، أنت ضعيفة، فولى أمرك رجلاً يقدر على ذلك.

    وثانياً: فَالصَّالِحَاتُ [النساء:34] من النسوة، الصالحات: جمع صالحة، والرجال واحدهم: صالح، والجمع صالحون، من هم الصالحون؟

    هذا موكب من مواكب الجنة الأربعة، هل الجنة لها مواكب؟ اللهم عجل لنا باللحوق بهم!

    أربعة مواكب، قال تعالى في بيانهم من سورتنا هذه، سورة النساء: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ [النساء:69] أي: المطيعون مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69] من أين؟ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]، وفي مناجاتنا لربنا تعالى ونحن بين يديه وقد نصب وجهه لنا نقول: (التحيات لله، والصلوات والطيبات -أي: كلها لله- السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)؛ بسببه عرفنا الله والطريق الموصلة إليه، (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، فنسلم على كل عبد لله صالحاً، ويدخل فيه الصالحات بلا جدال.

    من هم الصالحون؟ أولاً: أقول: من منكم يريد أن يكون صالحاً؟ كلنا.

    بإيجاز: الصالح: من أدى حقوق الله كاملة، ولم ينقص منها حقاً، وأدى حقوق الناس كاملة، فلم يبخسهم حقاً من حقوقهم، ذاك والله العبد الصالح، والذي بخس الحقوق ونقصها فاسد هذا ما يقال فيه صالح، وأما المصلِح فدرجة أخرى.

    إذاً: فالصالحات المؤمنات الذين أدين حقوق الله عز وجل، وأدين حقوق عباده، إن كانت ذات زوج أدت حقوق زوجها، إن كانت ذات أبوين أدت حقوق أبويها، ذات أولاد أدت حقوق أولادها.. وهكذا أدت حقوق الله وعاشت على طاعة الله ورسول الله.

    (الصالحات) انعتهن؟ قَانِتَاتٌ [النساء:34] أما الفاسدات يقنتن؟ ما يقنتن، فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ [النساء:34] جمع قانتة، والمراد من القنوت دائماً وأبداً: طاعة الله فيما أمر به يفعل وفيما نهى عنه يترك، الصالحات قانتات، أي: مطيعات لله في أمره ونهيه، ومطيعات لأزواجهن في الأمر والنهي كذلك.

    فإذا أردت امرأة تطيعك تزوج صالحة؛ فإن تزوجت طالحة فاسدة والله ما أطاعتك، وإن أطاعتك في باب أغلقت عليك سبعة! أنصح لك بنصيحة الله: يا من يرغب أن يتزوج، تزوج الصالحة، كيف نعرفها؟ اسأل، ابعث أمك، جدتك تسأل، اسأل الجيران، كيف هذه المرأة، فإن قالوا: صالحة إذاً تزوجها، فإنها تطيعك بعد طاعة الله ورسوله، هذا خبر إلهي أو لا؟

    الفاسدات عاصيات أبداً، الفاسدة ما تطيع، وإن أطاعتك في جانب عصتك في جوانب أخرى، فعليك بالصالحة، والرسول يقول: ( خير النساء من إذا نظرت إليها سرتك -أفرحتك- وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ) خير النساء، هذا إعلان محمدي: (خير النساء من إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ونفسك).

    قال: حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ [النساء:34]، من يحفظ الغيب؟ ولكن بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34]، حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ [النساء:34] هذه العبارة من أرقى العبارات، بالشرح والتوضيح: تحفظك في فرجها، وفي عفتها وطهارتها، لا تسمح لرجل أجنبي أن ينظر إليها، ولا أن تتكلم معه أو يكلمها، ولا أن يلمسها بيده فضلاً أن يجامعها، هذا حفظ الغيب؛ لأن مغازلة النساء والمكالمة والمجالسة والاتصال.. هذه كلها تقع في الغيب أو في العلن؟ تقع في الغيب حتى في الجاهلية، أما الآن في الديار التي هبطت، يقبل وهو في الشارع! هذا النوع هبطوا، شر الخلائق ما يذكرون.

    بدلاً من أن أقول: تحفظه في غيبته، في عفتها، في طهارتها، في صيانة نفسها في كذا وكذا، تصبح العبارة إذا رأتها فتاة تستحي وهي أمام أبيها وأمها، لكن: حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ [النساء:34]، ومع هذا ليست لهن القدرة الكافية، لابد من عون الله عز وجل (بما حفظ الله) والميم هنا مصدر (بحفظ الله تعالى)، والمحفوظ من حفظه الله.

    كيف يحفظك الله؟ إذا قرعت بابه، واطرحت بين يديه وفي كل لقاء معه: رب احفظني بما تحفظ الصالحين من عبادك! يحفظك، أما أنت معرض ولا تبالي به ولا تفتقر إليه ولا تطلب حفظه أيحفظك؟

    (بما حفظ الله) أي: بحفظ الله تعالى، والله حفظهن لما علم من صلاحهن وقنوتهن، وطاعتهن.

    إذاً: تولى حفظهن، فيسر لهن أمر الحفظ، فتعيش المرأة ستين سنة ما تتكلم مع أجنبي ولا يراها أجنبي.

    حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34] عز وجل، أي: بحفظ الله تعالى لهن، حتى لا تعرف أننا نستغني عن الله بمعارفنا، بطاقاتنا بجهدنا، انزع هذا من بالك، لا بد وأن تعلن افتقارك إلى الله وحاجتك إليه.

    ثم قال تعالى: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ [النساء:34]، هذه صفحة أخرى، فرغنا من الأولى.

    أولاً: عرفنا: أن للرجال قوامة على النساء، وعرفنا أن لذلك علتان، الأولى: التفضيل الفطري، الثانية: بما أنفقوا عليهن من مهور ونفقات.

    ثم قضية أخرى: هي إعلان شأن النساء حتى لا تتألم من هذا الحكم، فقال تعالى: فَالصَّالِحَاتُ [النساء:34] هذا ثناء أو لا؟ فَالصَّالِحَاتُ [النساء:34] ما شأنهن؟ قَانِتَاتٌ [النساء:34] ما معنى قانتات؟ مطيعات، والقنوت: الطاعة لله ورسوله، وللزوج حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ [النساء:34]، هل فهمنا: حافظات للغيب، ما هذا الغيب؟ صائنات أعراض الرجال لا تتعرض أبداً للزنا ولا لأسبابه ولا لدواعيه.

    وهذا بدون عون الله؟ الجواب: لا.

    ما يستطيع أحد أن يستعصم هكذا ولا يعصي الله عاماً أو عشرة أو مائة بدون عون الله تعالى له، بحفظ الله تعالى.

    علاج النشوز

    قال تعالى: وَاللَّاتِي [النساء:34] هذا جمع التي، التي يجمع على اللاتي أو اللواتي، عدد فوق الواحد.

    وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ [النساء:34] هذا خبر من أخبار الله أو لا؟ (واللاتي) أي: والنسوة من أزواجكم اللاتي تخافون نشوزهن، الخوف هنا: هو توقع لوجود علامات أفهمتك أن هذه تريد أن تعلو فوقك، تريد أن تسودك، تخرق نظام الله عز وجل وترتفع فوقك؛ لأن النشز من الأرض المرتفع منها، ونشز الرجل: قام، ومنه في آداب طلب العلم: وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا [المجادلة:11] ارتفعوا.

    إذا أنت لاحظت من امرأتك علامات خفت بها من هذه العلامات أنها تريد أن تعلوك وتسود عليك وتترفع، أو تفقد القيادة، وحينئذٍ تصبح تحتها ماذا تصنع؟

    وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ [النساء:34] هذا الخوف لابد له علامات أو لا؟ من علاماته: يا أم فلان، اسكت عني أنا مشغولة! السلام عليكم! مثلك ما يرد عليه السلام؛ لأنك تأخرت علينا ما جئت بالخبز!

    المهم: تظهر له علامات النشوز، فإذا خافها وظهرت فقد أرشده وليه ومولاه إلى طريقة إصلاح هذه الناشز حتى تعود إلى مستواها اللائق بها، وهي صالحة قانتة حافظة للغيب: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ [النساء:34]، ماذا تعملون معهن؟ قال: فَعِظُوهُنَّ [النساء:34] يا شيخ: نعظها ما تفهم الوعظ، إي نعم. مرت ظروف بالعالم الإسلامي من حوالي ألف سنة، ما في من يفهم الوعظ أو يتأثر به إلا 1% أو في الألف، الذي يقبل الوعظ هو ذو الضمير الحي، وإن شئتم قولوا: ذو النفس البشرية الطيبة، إذا وعظته اتعظ واستجاب، وبما أن المؤمنات صالحات قانتان فالوعظ ينفع فيهن.

    والوعظ معناه: التذكير بما أمر الله تعالى بفعله: من ذلك طاعة الزوج، الإحسان إليه، عدم الترفع عنه، التذكير بما أعد الله للصالحين والصالحات، التذكير بالعواقب السيئة التي تنجم عن الفراق والطلاق.. وهكذا هذا هو الوعظ بالأمر والنهي شيئاً فشيئاً.

    فإن هبطت إلى مستواها وتخلت عن الترفع والنشوز فالحمد لله؛ فإذا ما استجابت، ما نفع فيها الوعظ، خوفها بالله، بالدار الآخرة، بعواقب الطلاق، بآلام الفراق بسوء العشرة ما نفع، ماذا يصنع؟ ييئس؟ لا، قال له سيده: اهجرها: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء:34]، المضاجع جمع مضجع: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16] أي: فراش النوم.

    فاهجروهن في فراش النوم، لا تهجرها في البيت، تدخل لا تسلم عليها، تناديك ما تجبها، تغمض عينيك ما تنظر إليها، ما أمر تعالى بهذا، هذا ما ينفع؟ الهجران في الفراش، لا تعتزلها وتنام في غرفة أخرى، أو تذهب إلى جدة، تبقى في البيت وتنام معها في فراشها وتعطيها ظهرك لا وجهك، ما تطيق يومين ثلاثة، تقبل رجليك ورأسك، عدنا.

    وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء:34] في الفرش، كم؟ قالت العلماء: شهر، ما تزيد حتى ترجع إليك، إذا تركتها شهراً كاملاً وأنت صابر وتعطيها ظهرك فقط، لا بد وأن تفتحك بمفاتحها.

    ما نفعت هذه الوسيلة أيضاً كانت شديدة هذه، ممكن جامعية!!

    إذاً: قال تعالى: وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34] اضربوهن، الضرب معروف، ولكن بين الرسول المبين لكتاب الله: أن هذا الضرب هو ضرب التأديب، فمن حقائقه أنه لا يكسر عضواً ولا يشين جارحة، ما يظهر فيها زرقة أو انتفاخاً أبداً، كضرب الرجل لابنه، والمربي لتلميذه فقط.

    لطيفة فقهية! لو أن الرجل ضرب امرأة فكسر سنها، أو كسر أصبعها أو رجلها، هل يجري القصاص بينهما، أو ما يجري؟

    الجواب: لا يجري القصاص إلا في العقل والدية، العقل إذا كسر سنها يعطيها قيمة السنة، كسر رجلها أو يدها يعطيها قيمتها؛ إذ هي موجودة في القضاء، السن واليد.. وإلى غير ذلك.

    فإن قتلها، نعم يقتل بها، في الجوارح: العقل، الدية، وفي الروح القتل، قتل يقتل.

    وهنا: ذكر لنزول هذه الآية سبب:

    قال: [ يروى في سبب نزول هذه الآية: أن سعد بن الربيع رضي الله عنه أغضبته امرأته فلطمها بيده، فشكاه وليها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه يريد القصاص بعدما نزلت آية القصاص، فأنزل الله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34].. إلى آخر الآية ].

    فلم يبق مطمع في أن تقتص منك امرأتك، وأنت مأذون لك في ضربها، فإن كان الضرب شائناً أو جارحاً لا يجوز، فإن كسر عضواً أو كذا ففيه دية، فإن قتل يقتل النفس بالنفس.

    قال: وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34] الضرب غير المبرح، المشين المكسر، ضرب التأديب.

    هذه كم من مرحلة مضت؟ مرحلتان أو لا؟

    الأولى: الوعظ، ممكن سنة وأنت تعظ، ما رجعت، إذاً: ماذا تصنع؟ اهجرها في الفراش لا في البيت، شهر كامل سوف ترجع، لكن إن فرضنا شديدة أو.. إذاً: هذه تضرب، المرحلة الأخير: الضرب: الضرب غير المبرح لا يكسر عضواً ولا يشين جارحة من جوارحه، وهل للإنسان جوارح؟ كم؟ سبعة.

    قال تعالى: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ [النساء:34]، في الوعظ، في الهجران، في الضرب: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ [النساء:34] أيها الفحول، أيها الرجال: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ [النساء:34] أي: النساء، استجبن للأمر وأطعن الطاعة المأمور بها، إذاً: فَلا تَبْغُوا [النساء:34] أي: لا تطلبوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء:34] لأذيتهن، يوجد بعض الصعاليك من الرجال هو الذي يبدأ يبحث عن الأسباب، ويوجد أسباباً ويضربها انتقاماً منها، وهذا لا يجوز أبداً. هذه امرأتك جزء منك، بضعة منك، أنت وهي تكونان جسماً واحداً، إذاً: فلا يحل أبداً أن تخترع الأسباب وتوجدها.. وكذا.. وكذا، من أجل أن تتوصل إلى ضربها، وتقول: عندي إذن، قال تعالى: وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34]، الضرب في الدرجة الثالثة، ثم إذا لم توجد عوامل مقتضية له،و أسباب تتطلبه لا يصح أبداً، هذا كلام الله: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ [النساء:34] أيها الرجال: فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء:34] تتوصلون به إلى أذاهن وإلى ضربهن، أو هجرانهن.

    تحذير الله للمعتدين على النساء بدون حق

    وختم تعالى هذه الآية بقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء:34]، أعلى منك مليون مرة بلا مناسبة، لا تظهر أنك أعلى وأنك أقدر؛ تضربها وتخترع أسباب الأذى والضرب لها، فاعلم أن الله أعلى منك، لا تضرب المؤمنة، توجد أسباب لا وجود لها، وتقول: سمعتها تقول، رأيتها تفعل كذا، فعلت كذا وضربتها، حرام على عبد الله أن يوجد أسباباً باطلة ويضرب بها امرأته، يقول: سمعتها تتكلم في التلفون وهو يكذب.

    فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء:34] إلى أذاهن وضربهن، أو هجرانهن، لِم؟ إن أطعنكم.

    فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ [النساء:34] فما بقي إذاً: إلا الولاء والمودة والحب: فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء:34]، اسمعوا الآية الآن هل فهمتم هذا؟

    الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، إذاً: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء:34]، لماذا؟ إِنَّ اللَّهَ كَانَ [النساء:34] وما زال عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء:34].

    اعرف قيمتك يا عبد الله ولا تؤذ أمة الله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [ يروى في سبب نزول هذه الآية أن: سعد بن الربيع ] هذا من سادات الصحابة الأنصار رضوان الله عليهم [أغضبته امرأته فلطمها، فشكاه وليها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه يريد القصاص، فأنزل الله تعالى هذه الآية: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، فقال ولي المرأة: أردنا أمراً وأراد الله غيره ]، هذا هو المؤمن.

    [ أردنا أمراً وأراد الله غيره، وما أراده الله خير، ورضي بحكم الله تعالى، وهو أن الرجل مادام قواماً على المرأة يرعاها ويربيها ويصلحها بما أوتي من عقل أكمل من عقلها، وعلم أغزر من علمها -في الغالب- وبعد نظر في مبادئ الأمور ونهايتها أبعد من نظرها، يضاف إلى ذلك أنه دفع مهراً لم تدفعه، والتزم بنفقات لم تلتزم هي بشيء منها، فلما وجبت له الرئاسة عليها، وهي رئاسة شرعية كان له الحق أن يضربها بما لا يشين جارحة أو يكسر عضواً، فيكون ضربه لها كضرب المؤدب لمن يؤدبه ويربيه.

    وبعد تقرير هذا السلطان للزوج على زوجته أمر الله تعالى بإكرام المرأة والإحسان إليها والرفق بها لضعفها وأثنى عليها فقال: فَالصَّالِحَاتُ [النساء:34]، وهن: اللائي يؤدين حقوق الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحقوق أزواجهن من الطاعة والتقدير والاحترام: قَانِتَاتٌ [النساء:34] أي: مطيعات لله تعالى وللزوج، حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ [النساء:34] أي: حافظات مال الزوج وعرضه ].

    كلمة (عرض) يعرفها كل الناس.

    [ لحديث: ( وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله ) ]، قرأنا الحديث الآن أو لا؟ ( خير النساء من أن إذا نظرت إليها أسرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها وماله ).

    قال: [ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34] أي: بحفظ الله تعالى لها وإعانته لها، إذ لو وكلت إلى نفسها لا تستطيع حفظ شيء وإن قلّ ] أليس كذلك؟ قررنا هذه القضية.

    قال: [ وفي سياق الكلام ما يشير إلى محذوف يفهم ضمناً؛ وذلك: أن الثناء عليهن من قبل الله تعالى يستوجب من الرجل إكرام المرأة الصالحة ]، مادام الله أثنى عليها أنت تؤذيها؟ أعوذ بالله، أيثني ربك على شخص ويكرمه وأنت تؤذيه؟ أعلنت الحرب على الله إذاً.

    [ وفي سياق الكلام ما يشير إلى محذوف يفهم ضمناً؛ وذلك: أن الثناء عليهن من قبل الله تعالى يستوجب من الرجل إكرام المرأة الصالحة، والإحسان إليها والرفق بها لضعفها، وهذا ما ذكرته أولاً، نبهت عليه هنا ليعلم أنه من دلالة الآية الكريمة، وقد ذكره غير واحد من السلف ].

    رب صل على نبيك ورسولك محمد وصحابته أجمعين.