إسلام ويب

تفسير سورة النساء (22)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فضل الله عز وجل بعض العباد على بعض في الرزق، ونهاهم سبحانه وتعالى عن التحاسد فيما بينهم، فلا ينظر الواحد إلى غيره من أصحاب الأموال الكثيرة، والمناصب الرفيعة، فيتمنى زوال ما عندهم حسداً من عند نفسه، فالله عز وجل هو مقسم الأرزاق لحكم بالغة عنده تعالى، وعلى كل عبد سؤال الله عز وجل من فضله، والسعي والكد والاكتساب من وجوه الحلال.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء

    الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ من أجل أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة النساء، والآية التي تدارسناها بالأمس تلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

    إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31].

    أبشّر كل مؤمن ومؤمنة كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرون أصحابهم، أبشّر كل مؤمن ومؤمنة قاما بأداء الواجبات وتجنبا كبائر الذنوب من المنهيات والمحرمات بأن لهم الجنة، لا يمنعهم عنها إلا الموت؛ إذ هذا وعد الله الصادق: إِنْ تَجْتَنِبُوا ، معاشر المؤمنين والمؤمنات، كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ، أي: الذي ينهاكم الله ورسوله عنه من كبائر الذنوب يكفر عنكم سيئاتكم الصغائر يسترها ولا يخاطبكم بها، ويدخلكم الجنة دار السلام.

    الكبائر: جمع كبيرة موبقة مهلكة.

    وواجب كل مؤمن ومؤمنة أن يحيط علماً بالكبائر كما نعرف أمور الدنيا بالتفصيل حتى أنواع الحلويات والطعام والشراب، ما نعرف هذه الكبائر!

    فالحبيب صلى الله عليه وسلم في كل مناسبة يذكر عدداً؛ مرة ستة .. مرة سبعة .. مرة ثلاثة، يلقيها إليهم؛ ليحفظوها شيئاً فشيئاً، لكن لا بأس أن نذكر ما ورد وما حفظناه عنه صلى الله عليه وسلم.

    أولاً: قلنا أكبر الكبائر الشرك بالله عز وجل، الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم هو الذي كان جالساً بين أصحابه في هذا المسجد يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم قال: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك بالله )؛ لأن الشرك ذنب عظيم، وإذا لم يتب العبد منه قبل موته.. قبل أن يغرغر فالجنة حرام عليه، آيس من دخولها، وهذا خبر الله عز وجل وهو حكم من أحكامه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48]، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48].

    ومن سورة الحج يبين تعالى خسران المشركين كيف يكون: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ [الحج:30-31]، سقط من السماء، من السماء مسيرة خمسمائة عام للطائر، خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ ، قبل أن يصل إلى الأرض فتمزقه، أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31]، لا يعثر عليه.

    وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31].

    وبعد الشرك بالله قتل النفس، ما بعد الشرك ذنب قبل قتل النفس، واقرءوا قول الله تعالى في صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان:68].

    الكبائر: الشرك، قتل النفس، الزنا.

    وهذا ابن مسعود يتعلم ويقف في طرف الحلقة ويقول: ( يا رسول الله! أي الذنب أعظم عند الله؟ فيقول: أن تجعل لله نداً وقد خلقك )، الند: تناده به وتضاده وتدعوه كما تدعو الله، وتتقرب إليه كما تتقرب إلى الله.

    ( ثم قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك؛ خشية أن يأكل معك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك )، وبعد هذا عقوق الوالدين، أي: قطعهما وقطع البر والخير والإحسان عنهما.

    ثم ماذا من الكبائر؟ أكل الربا، أكل مال اليتيم، أما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10].

    ثم قول الزور وشهادة الزور، يا من يشهد كاذباً فإنك من مرتكبي أعظم الكبائر، هل هناك مؤمن عبد الله أو أمة الله يشهد وهو يعلم أن الله يعلمه ويسمع شهادته ويراه ويقدم على شهادة الزور، والكذب ألا لعنة الله على الكاذبين!

    ثم التولي يوم الزحف، أين الزحف يا شيخ؟ قد يأتي، إذا تقابل الفريقان فريق المؤمنين وفريق الكافرين في ساحة القتال وزحف الكل، فالذي يفر من ساحة الزحف ارتكب أكبر كبيرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال:15-16].

    ومن الكبائر الواردة في السنة: قذف المحصنات الغافلات المؤمنات، مؤمنة غافلة في بيتها تعبد الله يتهمها ويشيع عنها أنها زنت أو أنها تتعاطى كذا.. أو كذا.. كذا. وهي أمة الله المستورة في بيتها، هذه من أكبر الكبائر قذف المحصنات الغافلات المؤمنات.

    من هذه الكبائر: اليمين الغموس التي تغمس صاحبها من قمة رأسه إلى قدميه في أوساخ الإثم، ثم في جهنم، ما هي اليمين الغموس؟ هي التي يحلف صاحبها كاذباً؛ ليأخذ حق الناس، يقول: بالذي لا إله غيره ما رأيت هذا الذي تقول ولا علمته، وهي في جيبه، اليمين الغموس يحلف صاحبها كاذباً من أجل أن يبطل الحق أو يأخذ الحق لنفسه.

    إذاً: ومن هذه الكبائر في الحديث: ثلاثة هي: اليأس من روح الله، إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ [يوسف:87].

    القنوط من رحمة الله.

    الكذب على الله.

    إذاً: يجب أن نحفظ هذه الكبائر.

    وعندنا ضابط أعطاه لنا أهل العلم .. أهل البصيرة ينتفعون به، الكبائر قالوا: تعرف بالحد لا بالعد؛ إذ تجاوزت السبعمائة؛ فالحد فيصل فيه، تعرفون الحد وإلا لا؟

    حد المسجد النبوي جنوباً كذا، شمالاً كذا، غرباً كذا، شرقاً كذا، هكذا الحد وإلا لا؟ يعرف بالحد أو ما يعرف؟ أما أن تعرف بالذرة وبحبة الشعير، الشعير ما تستطيع، كانوا يقيسون بحبة الشعير، الروضة هذه من حجرة الرسول إلى المحراب إلى المنبر حسبوها بحب الشعير، حبة شعيرة إلى أخرى إلى أخرى أقل من السنتيمتر.

    إذاً: الشاهد عندنا في الكبائر تعرف بالحد لا بالعد؛ لأنها بالعد كثيرة.

    هذا الحد قالوا: كل ما توعد الله به عبده بعذاب الآخرة فهو كبيرة، أيما إثم .. أيما ذنب جاء النهي عنه مربوطاً بوعيد الله فهو من كبائر الذنوب.

    ثانياً: كل ما ورد فيه لعن الله ورسوله: أيما إثم يلعن الله أو رسوله صاحبه إلا وهذا الإثم كبيرة من كبائر الذنوب.

    ثالثاً: كل ما فيه حد يقام على فاعله، مثاله: القذف، القذف: فلان يفعل كذا، فلان يرتكب كذا، يتهمه بالزنا أو باللواط، هذا القاذف هذا يريد يشوه المجتمع ويلطخه، إما أن يأتي بأربعة شهود يشهدون على أنهم شاهدوه كالميل في المكحلة، وإلا يجلد ثمانين جلدة أمام الناس، ويساهم كل من يستطيع الجلد؛ هذا من أجل إنهاء الفاحشة وعدم ظهورها، هذا حد إذاً، القذف كبيرة وإلا لا؟

    فلان يزني، هات البينة؟ ما عندك حرام أن تتكلم؛ لأن الحديث بالزنا أو الفاحشة ينشرها؛ لأن القلوب البشرية مستعدة إذا لم تكن لها حماية.

    الزنا كبيرة أم لا؟ أما يرجم حتى يموت إن كان محصناً؟

    قتل النفس أليس فيه القصاص؟ وهكذا اللعن الوعيد الحد. هذه حدود ما ورد فيها من إثم ملعون أو مقام عليه حد أو موعود بالعذاب فهو كبيرة من كبائر الذنوب، ولكن دراستنا لحديث الرسول وسماعنا لكلامه نتعلم الكثير من الكبائر.

    إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ، أي: الصغائر، وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31]، ألا وهو الجنة، ويدخلنا مدخلاً كريماً ما فيه إهانة ولا تعذيب ولا عنت ولا.. إلى الجنة دار السلام.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [من هداية الآية:

    أولاً: وجوب الابتعاد عن سائر الكبائر، والصبر على ذلك حتى الموت. ]

    من أين أخذنا هذا؟ إِنْ تَجْتَنِبُوا [النساء:31].

    [ وجوب الابتعاد عن سائر الكبائر، والصبر على ذلك ] إلى متى؟ [ إلى الموت.

    ثانياً: الذنوب قسمان: كبائر، وصغائر. ]

    من أين عرفنا هذا؟ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31].

    [ الذنوب قسمان: كبائر، وصغائر.

    ولذا وجب العلم بها ]، لماذا؟ قال: [ لاجتناب كبائرها وصغائرها ما أمكن ذلك، ومن زل ]، سقط في الكبيرة [ فليتب فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ]

    التائب من الذنب كالذي لا ذنب له، لم؟ لأنه اتسخ ثم غسل ينظف أم لا؟

    هذا الغترة البيضاء لو تغمسها في الطين وإلا في الدم تتلطخ تغسلها بالماء والصابون جيداً تنظف أم لا؟ تنظف، بشرط ألا تتركها عاماً كاملاً، جئت تغسله تمزق، فلهذا يجب التوبة على الفور، ما في كلمة حتى نحج أو حتى نتزوج أو حتى يغنينا الله، هذه الكلمة باطلة، أنت ماش في طريقك إلى الجنة إلى الله زلت القدم وسقط على الفور ارفع رأسك الله أكبر أستغفر الله، وابق الهج بالاستغفار حتى يزول الأثر.

    [ ثالثاً: الجنة ]، تعرفون عن الجنة وإلا لا؟

    عندكم بساتين فيها الرمان والتفاح والعنب موجودة أم لا؟ من أوجدها لكم؟ الله.

    إذاً: أوجد لأوليائه جنة هذه الفواكه عبارة عن الاسم فقط، أما النوع والطعم والله لا شبه، وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة:25]، إلا في الأسماء، رمان هذه الجنة أين هي؟ ما طلعنا للسماء، ولما ما طلعت يعني: تكذب، نمتحنه: أنت يا أستاذ عدنان أنت رأيت طوكيو؟

    كيف أستاذ كامل وما تعرف طوكيو؟! إذا: طوكيو ما هي موجودة، قل للناس يسمعوك إن طوكيو كذبة ما هي موجودة؛ لأننا ما رأيناها، يعقل هذا الكلام، فكونك ما رأيت الجنة تقول ما فيه؟ مرض هذا هبوط، ومع هذا أخبر عنها خالقها، ونعتها وفصلها وبين كل ما فيها وهذا كتابه بين أيدينا، هو الذي رسمها تكذبه، مهندس يرسم لك خريطة في العمارة ويبنيها وتقول: لا ما أنت، كيف تعرف هذا؟ هو الذي رسمها وبناها، وفوق ذلك لقد ارتادها الرائد العظيم محمد صلى الله عليه وسلم، ومشى عليها وشاهد حورها، شاهد حواري عمر بن الخطاب فاستحيا أن ينظر إليها، قال: ( يا عمر

    ! رأيتك حورائك في الجنة فطأطأت رأسي وخشيت أن تغضب، قال: أعنك يا رسول الله أغار، قال: ذكرت غيرتك يا عمر

    !
    )؛ لأن عمر امرأته في المدينة تبكي خليني أصلي في المسجد؟ ما فيش، ما تخرج امرأة عمر لا بالليل ولا بالنهار، يا عمر نصلي، يسكت، عام عامين، وسمعت الرسول يقول: ( لا تمنعوا إماء الله من بيوت الله )، قالت له: والله إن لم تقل لي لا تخرجي أخرج، هو ما يريد أن يقول لها: لا تخرجي فيعصي رسول الله، لكن لما تقول له: يسكت، ما تمشي، لما بلغها الحديث، فقالت: إذاً يا عمر أنا ذاهبة أصلي في المسجد النبوي فسكت.

    قال: [ الجنة لا يدخلها إلا ذوو النفوس الزكية الطاهرة، وذلك باجتنابهم المدنسات لها من كبائر الذنوب والآثام والفواحش ].

    النفس تزكو تطيب تطهر كما يزكو الثوب ويطيب ويطهر بالماء الحار والصابون وإلا لا؟ هذه سنة الله، كذلك الجسم نفسه جسم الإنسان يطيب ويطهر بالماء والصابون، والروح إي والله تزكو على مادتين وتخبث على مادتين، فإن أنت عملت بالمادتين الأوليين الإيمان وصالح الأعمال زكت، فإن حافظت على ذلك الزكاة والطهر ما قارفت ذنباً من الذنوب الكبائر نفسك زكية طاهرة.

    الشرك والمعاصي تخبث النفس وتلوثها وتدنسها وتدسيها، الإيمان والعمل الصالح يزكيان النفس ويطيبان ويطهرانها.

    البارح ذكرت حكم الله فينا، فيكم من يذكره الليلة؟

    لا ما نريد الذين يدرسون العلم، نريد الزوار الذين حضروا البارحة يقول: أنا سمعت البارحة حكم الله، ولهذا أنا بلغته إلى أهلي، من؟

    قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    كن ابن من شئت إذا لم تزك نفسك لن ترح رائحة الجنة ولو كنت ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كنت بنت فرعون أو ابن فرعون لا يضرك نسب أبداً، وإنما الأمر يعود: هل زكيت نفسك أو لا؟ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. أحلف لكم.

    الشيخ هذا يكثر من اليمين يحلف! ينتقدونني المساكين يبلغوني: ليش تحلف؟ أنا ربي يحلف وإلا لا؟

    نحن نحلف بالكذب أو نلعب؛ حتى يطمئن السامع إلى صدق الخبر الذي يلقى إليه، هذه سنة الله ورسوله، الرسول يقول: والذي لا إله غيره ما كان كذا وكذا، تحلف والله ما يقبلون هذا كلامك ويصدقونك فكيف إذا ما حلفت؟

    أقول: لو أن شخصاً واعٍ يحسن التجارة يحسن الفلاحة يحسن السياسة يحسن الآداب ويسمع هذا الحكم: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، ثم نسكت، والله ما يستطيع أن يذهب إلى بيته أو يعود إلى عمله قبل أن يعرف بم نزكي النفس وكيف نزكيها، بما تدسا النفس وكيف تدسا، وإذا الشيخ قال هكذا وأراد أن يخرج يقولوا: والله لا تخرجن من المسجد حتى تعلمنا ما هي مزكيات النفس وما مدسياتها، فهمتم هذا أم لا؟

    والآن اجمع الناس في عرفات وقل هذا الكلام، ولا واحد يأخذ بثوبك يقول: علمني كيف أتزكى ، مظهر من مظاهر الموت أم لا؟

    علينا السلام، أو فيكم من يشك فيما أقول؟

    المفروض هذه يرددها كل واحد ما كان يعلمها في بيته مع جيرانه: يا جماعة! حكم الله صادر علينا أن من زكى نفسه نجاه وأسعده، ومن خبثها دمره وخسره، يبدءوا يتساءلون كيف نزكيها؟ هل فهمتم؟

    أو تشكون في حكم الله؟ أما حلف عليه بثمانية أيمان؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ...)

    قال تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

    وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:32]، هذه تعاليم الله لأوليائه.. هذه تعاليم لعباده؛ ليعلموا ويعملوا فيكملوا ويسعدوا.

    ولا تتمنوا يا عباد الله! ما فضل الله به بعضكم على بعض، ما معنى هذا؟ ينهانا ربنا تعالى عن الحسد، وعن التمني الذي يوجد حزازة في نفوسنا أو آلاماً في قلوبنا، ما يريد مولانا لنا هذا، حرم علينا تمني ما فضل الله به بعضنا على بعض من أجل الابتلاء، من أجل أن نصلي ونشكر أو لا؟

    هذه هي تزكية النفوس، لا يحل لمؤمن أن يرى صاحب عمارة أو سيارة أو مال أو كذا يقول: آه ليتني أنا، ليت هذا لي، يرى عالماً كذا يقول: آه، يرى شريفاً عالياً سامياً: آه. هذا الألم قال تعالى انزعوه من قلوبكم؛ فالمعطي والمانع هو الله، ما حصل هذا العلم إلا بالكد والسهر والطلب والتشريق والتغريب فاطلب مثلما يطلب، وما حصل هذا على هذا المال إلا بالكدح والليل والعمل الليل والنهار وأنت جاثم على ركبتيك في بيتك وتتمنى ما كان لفلان ولفلان، هذا يقتلع جذور الحسد من قلوب الناس، يمشي صاحب المال صاحب الجاه صاحب السلطان ولا يحسده أحد أبداً، لم هذا أعطاه الله؟

    وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:32]

    كل من فضله الله عليك بشيء لا تحسده، لا تتمن ذلك لك، اللهم إلا ما هو معروف بالغبطة، أذن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال: ( لا حسد )، أي: أنه جائز ( إلا في اثنتين ) فقط في شيئين: ( لا حسد )، يحل أو يجوز أبداً ( إلا في اثنتين )، الأولى: ( رجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه الليل والنهار )، فتسأل الله لو أعطاك مثل هذا المال لفعلت مثلما يفعل، تعطى مثلما يعطى من الأجر، ( ورجل آتاه الله الحكمة القرآن فهو يعلمه ويعمل به )، فتقول: لو أن الله أعطاني هذا العلم لفعلت كما يفعل فلان تكون في الأجر مثله، هذا اغتباط؛ لأن ليس فيه زوال ما عنده إليك أنت، الحسد: أن تتمنى زوال ما عنده؛ ليكون لك.

    وورد أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (ليتنا كنا رجالاً فجاهدنا وكان لنا مثل أجر الرجال).

    أم سلمة رضي الله عنها أمنا قالت: (ليتنا كنا كالرجال نجاهد كما يجاهدون ونموت في سبيل الله فنحظى بما يحظون به من الأجر والدرجات)؛ فأنزل الله هذه الآية بسبب هذا التمني أو هذا السؤال، وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ [النساء:32]، من الخير من الحسنات من السيئات من الدنيا من الآخرة، وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ [النساء:32]، انظر كيف ربط الله المرأة بحبل العمل، لهذا قالوا: أماني النوكى! حمقى أو كما يقولون، الأحمق هذا يتمنى، ما فيه تمني فيه عمل، هذا وعد الله: للرجال نصيب مما كسبوا بأيديهم وعقولهم وجهودهم، كذا وإلا لا؟

    وللنساء أيضاً نصيب مما اكتسبن بجهودهن وعقولهن.

    عرفتم اللطيفة قال: مِمَّا اكْتَسَبُوا وإلا لا؟ أو بالتمني وجالس؟

    ما الكسب؟ تعرفون التجارة فلان كسب كذا وكذا.. فظفر به وكسبه وأصبح في جيبه أو في يده.

    الآية الكريمة تربي .. تعلم .. ترفع من شأن المؤمنين أن ينزعوا من قلوبهم الأماني الباطلة الكاذبة وعلى رأسها الحسد والعياذ بالله، وتحملهم من أراد شيئاً يطلبه بالأسباب التي وضعها الله عز وجل، لا يجلسون للأضاحيك والألاعيب، ثم يقول: آه فلان بنى العمارة الفلانية، فلان يملك كذا وكذا. هذه أباطيل وحرام بين المسلمين، هل عرف المسلمون هذا؟ والله ما عرفوا، هل درسوا هذه الآية؟ ما درسوها أبداً؛ أولاً: ما هي من السور التي تقرأ على الموتى، وثانياً: ما يجتمعون ويقرءون أبداً.

    وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ [النساء:32]، أجر الدنيا والآخرة، ما هي تمنت لو كانت مثل الرجال وتجاهد أم لا؟ كذا للرجال نصيب في الجهاد وهي نصيبها في عمل البيت وطاعة زوجها بقدر عملها، لم تتمن الجهاد؟!

    ثم قال: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:32]، بدلاً ما تتململ وتحسد الناس وتنظر إلى ما أعطاهم اشتغل بالدعاء، وواصل الدعاء والبكاء بين يدي الله العام والعامين؛ يعطيك ما شاء أن يعطيك، هذا هو الباب المفتوح، وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:32]، ما واظب أحد على دعاء يدعو الله في شيء إلا أعطاه، وإذا ما أعطاه بعد الدعاء الطويل والأيام والليالي فليعلم أن هذا الذي طلبه والله لا خير له فيه، وما هو إلا مهلك له، فهمتم هذه أم لا؟

    أفضل العبادات: الرجاء بالله عز وجل، أن تربط قلبك بربك لا تنظر إلا إلى الله هو الذي يفرج كربك، هو الذي يقضي حاجتك، هو الذي يعطيك كذا.. مع الدعاء والإلحاح والبكاء العام والأعوام، إن رأى الله في ذلك خيراً حققه لك، والله لأعطاك هو، وإن رآه لا خير لك فيه، كم من إنسان كان فقيراً لما استغنى انتكس وإلا لا؟ كم من إنسان كان مريضاً لما صح عربد، كم وكم.

    فالمؤمنون والمؤمنات لا يحسدون ولا يتمنون لا بليت ولا بغيرها وإنما إذا رغبوا في شيء لازموا الشيء وسؤال ربهم ليل نهار، فإن أعطاهم فذاك وإن لم يعطيهم فقد ادخر لهم أعظم مما طلبوه، وفي هذا ضمانة: ما من مؤمن موحد من أهل لا إله إلا الله إلا أعطاه واحدة من ثلاثة:

    إما أن يعطيه ما طلب إذا كان في صالحه، وإذا لم يكن في صالحه وما أعطاه: إما أن يدفع عنه بلاء بهذا الدعاء كان قد ينزل عليه ويصيبه، إن لم يكن هناك بلاء رفعه درجات في الجنة ما كان ليصل إليها إلا بهذا الدعاء، فلهذا يدعون ربهم خوفاً وطعماً.

    ونحن الدعاء إذا ما ندعو في الحلقة أظن ما تدعون، الغالب ما يدعون الله، ليسوا مشغولين بالدعاء!

    الدعاء هو العبادة هو مخها، لا أفضل من الدعاء والرجاء أبداً؛ لأنه تعليق القلب بالله تنزهت عن الخلق كلهم، وارتفعت إلى مستوى أصبحت مع الله.

    أبشركم أو ما تفرحون بالبشائر؟

    لقد استجاب الله لنا البارحة في دعائنا بالغيب هذا أحد المحبين قال: سحابتان فقط غطتا المنطقة وإذا بالوادي مملوء بالمياه.

    إذاً: نحمده ونشكره وندعوه أيضاً.

    وصل اللهم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966331785

    عدد مرات الحفظ

    711474390