إسلام ويب

تفسير سورة النساء (13)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التوبة هي الرجوع إلى الحق بعد الإعراض عنه، بفعل الطاعات التي كان يتركها العبد، وترك المعاصي التي كان يأتيها، والندم على ما سلف منه، ولا تكون التوبة لمن سوّف فيها حتى بغته الموت، وبلغت الروح الحلقوم فإذا به يقول: تبت الآن، ولا من أدركته الساعة وقامت القيامة وهو عاكف على المعاصي والموبقات، فمثل هذا لا توبة له، وأعد الله له يوم القيامة عذاباً أليماً.

    1.   

    حكم النقاب وصفته الصحيحة

    الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي والعالم أجمع، وصلى الله عليه وسلم، قال: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    اللهم حقق لنا رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك!

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    جاءني مؤمن وقال: يا شيخ! بيّن لنا الوجه الصحيح في النقاب، لقد تأذينا بالنظر إلى النساء من ذوات النقاب، ويلح علي، ماذا عساي أن أقول؟

    نقول: النقاب حقيقته أن تستر المؤمنة التي ما قعدت عن الحيض والنكاح والزواج وجهها، هذه تجعل على وجهها شيئاً يسترها من أنفها إلى عنقها، وتبقي عينيها أو إحداهما هذا هو النقاب، انتقب ينتقب انتقاباً. هذا النقاب مفروض مشروع لا تخرج امرأة ممن لم يقعدن عن النكاح إلا منتقبة إذا خرجت لقضاء حاجتها.

    الآن ما دمتم تشعرون بفتنة النقاب لقد أراحكم الله منها، والنقاب كانت المرأة تضعه؛ لأنها لو وضعت على وجهها شيئاً من الصوف فلن ترى شيئاً أبداً، مضطرة إلى أن تستر وجهها وتبقي عينيها؛ لأن النقاب كان من الصوف أو من الكتان القديم الثقيل، الآن انتهينا منه، بعض المؤمنات يوزعن هذا النقاب أو هذه الخمر مجاناً في المسجد، بريال بريالين تشتري خرقة سوداء خفيفة تضعها على رأسها وتمشي، وإذا ابتعدت عن الرجال نزعته، ما تربطها في رأسها ولا تشدها عليها، خرقة سوداء خفيفة إذا خرجت إلى الشارع لأمر استدعى ذلك وضعتها على وجهها وقضت حاجتها وعادت إلى بيتها، انتهينا من النقاب، من يبلغ هذا؟

    كل ذي امرأة منا أيها الحاضرون يعلمها زوجها هذا، وعلى المؤمنات اللائي يسمعن هذا الكلام أن يبلغ بعضهن بعضاً، ولتواصل تلك المؤمنة التي كانت توزع هذه الخمر مجاناً في داخل المسجد، ولسان في حاجة الآن إلى النقاب، وتبدو العينان ظاهرتان فيفتن أصحاب الشهوات.

    1.   

    حكم التلفظ بالنية

    آخر يقول لي: التلفظ بالنية في الفريضة وفي النافلة، لا بد وأن تقول: نويت صلاة المغرب كذا: الله أكبر، وبقي مصراً على هذا.

    الجواب.. الجواب، وقد علمتموه وسمعتم به، وعرفتموه: أن النية من أعمال القلوب، ما هي من أعمال الجوارح، النية أن تعزم على فعل ما أردت فعله، فإن كانت صلاة تعزم على أدائها، وأنت تذكر أنها فريضة الله عليك وهذا وقتها، إن كانت المغرب في المغرب، وإن كانت العشاء في العشاء، أو الصبح في الصبح. ليس شرطاً أن تقول: نويت صلاة الظهر أربع ركعات حاضراً غير مسافر، هذا لا ينبغي بل منكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما مات وترك شيئاً تحتاجه الأمة إلا وبينه، حتى الخراء كما قال أبو هريرة ، وما يعلمهم كيف يدخلون في الصلاة؟ هذا منشؤه الوسواس، وإذا رأى العالم ما المصاب، من هو مصاب بالوسواس، يريد أن يدفعه عنه، فيقول له: قل نويت صلاة الظهر، عرفتم؟ لدفع الوسواس فقط، ومن أراد أن ينظر فليشاهد العوام في الصفوف وهم يقولون، يحاول أن يضبط النية ما تنضبط ثلاث أربع مرات! وسواس.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء

    درسنا فيما سبق آيتين وهما:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء:15] هذه معلمة الآن لديكم علماً واضحاً، إن لم تكونوا نسيتم.

    الثانية: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:16] هذه آية أمس.

    قبل الانتقال للآيتين بعد ذلك أريد أن أسأل، ومن أراد أن يجيب: هل ما تضمنت هاتان الآيتان من حكم نسخ أو لم ينسخ؟

    أقول: الآيتان ما تحملانه من حكم نسخ، أما الآيتان فيتقرب بتلاوتهما إلى الله عز وجل، بل إنكار واحدة منها يخرج العبد من الملة، الذي نسخ الحكم، والحكم الأول ما هو؟

    كانوا إذا زنت المرأة يحبسونها، والرجل ما يحبسونه؛ لأنه شغال ويعمل كما يزعمون.

    وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ التي هي أقبح الفواحش وهي الزنا مِنْ نِسَائِكُمْ يا معشر المؤمنين فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ [النساء:15] فإن شهدوا أنها زنت تسجن، أين تسجن؟ في البيت ما عندنا سجون ولا بيت مال، تحبس، حتى يفرج الله، إما أن تموت أو ينزل حكم الله في ذلك، وهذا واضح وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ إلى متى؟ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء:15].

    وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ [النساء:16] هناك ذكر النساء وترك الرجل، وهنا ذكر الرجل وغلبه على النساء، وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ [النساء:16] من غير الثيبين، هؤلاء الأبكار الشبان والشابات قبل الزواج وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا أي: الفاحشة مِنْكُمْ ماذا تفعلون؟ فَآذُوهُمَا [النساء:16] الأذية تكون بماذا؟ بالشتم، بالسب، بالصفع على خده.. هكذا تكون الأذية، ما يجلد، فَإِنْ تَابَا عن هذه الفاحشة وَأَصْلَحَا [النساء:16] أصلحا ما علق بنفوسهما من الآثام، أصلحا فساد قلبيهما بالتوبة والعمل الصالح فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا [النساء:16] اتركوهما إلى أن يحكم الله إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:16] وهذه مظاهر توبته ورحمته، هذه الآيتين منسوخة بآية: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور:2] وزاد رسول الله باسم الله: تغريب عام.

    وأما المحصنين والمحصنات فماذا قال فيهم أبو القاسم؟ ( الثيب بالثيب جلد مائة، والرجم بالحجارة ) وذلك بعد نزول هاتين الآيتين بفترة، وإذا بالرسول يقول: ( خذوا عني.. خذوا عني )، ما بقي حبس ولا سجن ( خذوا عني.. خذوا عني، الثيب بالثيب جلد مائة والرجم بالحجارة ) ونزلت سورة النور، وبينت أن الزاني والزانية من غير المحصنين اجلدوهما مائة جلدة، والتغريب سنة للرجال أو للذكور دون الإناث، لم؟ لأن المرأة إذا غربناها ممكن تتأذى، كيف نبعث بها إلى بلاد ما عندها فيه أحد؟ تبقى في بيتها، والمرأة أيضاً ما لها ضرر؛ لأنها في بيت أهلها، لكن الرجل والذكر يمشي في الشوارع، يدخل المسجد، يقال: من هذا؟ هذا الذي جلدناه بالأمس، لم جلدوه؟ زنى، التحدث بالزنا يحمل النفس البشرية على طلبه.

    أوما فهمتم هذه؟

    لماذا نغربه ونبعده من البلد سنة كاملة؟

    حتى ما يذكر لفظ الفاحشة، وأنتم أيها المسلمون اليوم الأغاني من أولها إلى آخرها وهي دعوة واضحة وصريحة إلى الفحش والباطل، مع أن الكلمة ممنوع النطق بها ولا يحل أبداً؛ خشية أن تتأثر النفوس الضعيفة، وتظهر الفاحشة، وتهلك الأمة، وتهبط من عليائها، فلهذا تتحدث مع أولادك سبعين سنة لا تذكر كلمة الفاحشة، ولا تنطق بها، ولا يحل لمؤمن أبداً أن يذكر كلمة الفاحشة لغير الضرورة الداعية إلى ذلك.

    إذاً: الحمد لله عرفنا هذا الحكم الجليل الخالد بخلود الأمة الإسلامية، وهو: أن الزاني والزانية إذا كانا محصنين ،أي: ثيبين، تزوجا سواء طلقا أو مات الزوج .. إلى غير ذلك، ثبت له عقد نكاح وخلوة. هذا الثيب، هذا المحصن إذا زنى يجلد مائة ويرجم بالحجارة حتى يموت، هذا الذي يطهره، أما رجم ماعز في مدينة رسوله والغامدية؟

    نقول: دائماً مطالبة لإخواننا الغامديين هذه امرأة واحدة سجلت تاريخكم، وكل أهل الإسلام يعرفونه بسبب هذه المؤمنة الغامدية .

    والأبكار الذين ما عرفوا الزواج ولا عقد لهم ولا بنو ولا دخلوا ولا طلقوا - بشرط أن يكونوا بالغين- إذا حدثت منهم هذه الجريمة، بم نحكم عليهم؟ بجلد مائة جلدة وتغريب عام، والمرأة ما قلنا تغرب خشية أن يحدث الفساد أكثر، ثم ما هناك حاجة إلى تغريبها، ليست كالشباب كلما يراه واحد يقول: هذا جلدناه لأنه زنى، فيذكر الناس بالفاحشة، نريد أن تموت هذه الكلمة ولا تذكر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ...)

    والآن مع الآيتين بعد هذه، إليكم تلاوتهما بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:17-18].

    معنى قوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة)

    يقول الله: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ [النساء:17] أولاً التوبة ما هي؟

    التوبة: الرجوع إلى الحق بعد الإعراض عنه، التوبة فعل الواجب الذي تركته يا عبد الله، التوبة هي أن تتخلى عما حرم الله بعد أن لامسته ولامسته، الرجعة هي التوبة، من تاب يتوب فلان إذا رجع إلى أمره أو بلده أو عمله، فهو تائب.

    إِنَّمَا التَّوْبَةُ [النساء:17] بصيغة الحصر إِنَّمَا التَّوْبَةُ [النساء:17] مقصورة، التوبة التي هي على الله، وهل هناك من يوجب على الله شيئاً؟ لا أبداً، مستحيل؛ إذ الخلق كلهم ملكه وفي يده من يكون أقوى من الله حتى يوجب عليه أمراً؟ لا أحد؛ إذ لا إله إلا الله، وإنما هو يتبرع، ويعد وينجز ما وعد، فيجعل لك حقاً على نفسه يا عبده.

    ووعد الله لا يتخلف لمن عمل سوءاً بجهالة ثم تاب من قريب يقبل الله توبته ويتوب عليه.

    إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ [النساء:17].

    ما السوء هذا؟ السوء ما يسوء إليك أو يسوء إلى غيرك، فقد تعمل سوءاً تؤذي غيرك به، وتؤذي نفسك أيضاً.

    ما الذي يسوؤنا؟ ترك الأحكام الشرعية تسوء، ترك الصلاة، منع الزكاة، عقوق الوالدين، ترك الغسل من الجنابة، السب للمؤمنين، الشتم، قتلهم، سفك دمائهم.. ماذا نقول؟ كل معصية تسوء، وتحدث المساءة والسيئة في نفسك، بعد ما كانت النفس نقية طاهرة تصبح عفنة منتنة.

    أعيد القول: فأقول: السيئات: كل من ترك واجباً أوجبه الله، أو فعل منهياً نهى الله عنه إلا والله لهو السوء، ويحدث ذلك سوء غُرمة وعفناً في نفس العبد، ولا يزول ذلك إلا التوبة الصادقة.

    إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ [النساء:17] أولاً: بِجَهَالَةٍ [النساء:17]، أما من يقول: أنت نبي الله ولعنة الله عليك، هذا لا يتاب عليه، من يعلم أن هذه الصلاة فريضة الله وتركها فقد كفر ..يسخر ويتركها؟ هذا ما هو أهل لأن يتوب الله عليه، التوبة التي هي حق على الله أوجبها على نفسه لأوليائه المؤمنين: أن يفعل المعصية بنوع من الجهالة، إما جهلاً: بأن هذا واجب أو بأن هذا حرام، يحدث مؤمن يصلي يزكي، ما يعرف هذا العمل حلال أو حرام فيفعله بدون إذن، هذا نوع من الجهالة، كأن يقول: الله يغفر لي، والله يتوب علي، أو إن شاء الله أتوب. هذا فيه نوع من الجهالة وعدم البصيرة والعلم، وإلا ما يفعل المؤمن معصية على عمد، ويقول: سيغفرها الله لي، دعني أفعلها والله غفور رحيم.

    من أنواع الجهالة أيضاً: أن العدو إبليس يثير شهوته ويدفعه، وفي تلك الحال نسي الله ونسي المعصية ونسي الإثم، حتى وقع فيها، أو لشدة الغضب يلعن يسب، وبعدها يتراجع.

    هذه أنواع الجهالات؛ لأن الله تعالى قال: يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17]، أما مع العلم وعدم الغضب، وعدم غريزة دافعة، وهو على بصيرة، ويتعدى حدود الله؛ مثل هذا لا يتاب عليه، وقد عرفنا كثيرين ممن فسقوا على علم، وحاربوا هذا الدين ما ماتوا إلا على كفرهم وضلالهم.

    إنما التوبة على الله واجبة أوجبها على نفسه تبرعاً منه وإحساناً لأوليائه لمن؟ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17].

    معنى قوله تعالى: (ثم يتوبون من قريب)

    يقول الله تعالى بعد ذلك: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17].

    إذاً: ثانياً: يتوبون من قريب.

    إياكم أن تفوتكم هذه المعلومة: أولاً: يقدم على الجريمة بجهالة، ثانياً: أن يتوب من قريب، بمجرد ما تذهب تلك الصورة كأنما أفاق من نومه: أستغفر الله وأتوب إليه.. أستغفر الله وأتوب إليه، على الفور يمحى ذلك الأثر يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17] من القائل؟ الله أو لا؟ فلهذا يقول أهل ملة الإسلام: التوبة تجب على الفور، ولن تجد من يقول: يجوز أن يؤخر توبته إلى يوم الجمعة وهو في يوم الخميس، أو يؤخر توبته إلى أن يعتمر، أو حتى يعود إلى أهله، والله ما يوجد إجماع، التوبة على الفور.

    زلت القدم سقط أفاق وقام ومشى، وما سر ذلك؟ سر ذلك أن المرء رجل أو امرأة إذا فعل المعصية من كبائر الذنوب بترك واجب أو فعل حرام، ثم واصل ذلك يوماً بعد يوم، شهراً بعد آخر، عاماً بعد عام، قد تأتي ساعة إذا قلت له تب إلى الله يسخر منك، وهذا مجرب ومشاهد، الذي يستمر على معصية يوماً بعد يوم بعد يوم وتصبح طبعاً من طباعه وسجية من سجاياه، وخليقة من أخلاقه، ويصعب عليه أن يتركه، هذا توجيه العليم الحكيم.

    لم يقول: يتوبون من قريب؟ من بعيد قد لا يتوب الله عليهم؛ لأن الخطايا تحوط بنفوسهم، ثم لا يبقى مجال للتوبة منها، واسمع البيان النبوي الشريف، يقول: ( إن العبد إذا أذنب ذنباً ) أي: عمل وقال ما يؤاخذ به من ذنبه ويعاقب، وقع على قلبه نكتة سوداء، فإن تاب على الفور واستغفر وندم صقل ومسح، وإن لم يتب وزاد الذنب الثاني إلى جنب الأول وما تاب، وزاد الثالث والرابع.. يتغطى القلب بذلكم الران الذي قال الله تعالى فيه: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] انتهى أمرهم، وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة:81] إذا أحاطت الخطايا بالقلب ما بقي مجال لأن يقبل الحق أو يسمع صوته، أو يتوب إلى ربه ويقلع عن معصيته، انتهى أمره.

    والمثال الذي كررناه لو كنا نذكر: المرض، يبتدر أحدنا -واللهم عافنا- فإن عاجل العلاج وذهب إلى الطبيب بإذن الله تعالى يشفى، فإن استمر على عدم العلاج؛ فإن المرض ينخر في جسمه وترتفع نسبته، ويأتي إلى الطبيب فيقول له: مع الأسف فات الحال، ما بقي مجال لعلاجك أيضاً، انتشر هذا الداء.

    وهذا أمر معلوم في العالم بأسره، يقول: آه! لم يبق للدواء مجال، انتشر الداء في هذا الجسم، كالسرطان وغيره عافانا الله وإياكم منه، هذه مادية أو لا؟ محسوسة، فالذي يعتاد جريمة، وآسف أن أقول: إنها اللواط، هذه ثبت عند أولي البصائر أن من تعاطاها لا يقوى على أن يتوب منها، وأقرب ما عندنا بالمشاهدة الدخان والشيشة والحشيش، الذي يتعاطاها في العام الأول يمكن أن يتوب، والذي يستمر خمسين عاماً وهو يشيش ما يتوب، إن فرضنا أن واحداً في العرب ما ينفع، هذه القضية معروفة بحسب سجايا البشر وطباعهم، الذي يتعود فقط الكذب يصعب عليه أن يتوب منه، ما يستريح حتى يكذب، الذي يعتاد خلف الوعد ويتمرن عليه، يصبح مهما كان يتلذذ بخلف الوعد.

    خلاصة القول معاشر المستمعين والمستمعات: إننا نتطهر، نتطيب، نتزكى من أجل أن نرقى إلى الملكوت الأعلى، فلا تلوموننا، لا تقولوا: اليابان، والصين، والأمريكان.. هذا لأولئك الذين يريدون أن ينتقلوا من عالم الأرض إلى عالم السماء، فلا بد إذاً من الطهارة الكاملة حتى يصبحوا كالملائكة في طهارة أرواحهم، فلا لوم ولا عتاب، الكلمة الباطلة حرام تحمل إثماً ودماراً للنفس، النظرة المحرمة كذلك، إخراج اللسان تخرج من مؤمن يهبط بروحك ويلوثها فضلاً عن كبائر الذنوب والآثام.

    كل ما في الأمر أنك تستعين بربك على مجاهدة هواك وشهوتك ودنياك وعدوك إبليس، مستعيناً بالله، فإن زلت القدم ووقعت على المعصية إياك أن تبيت عليها، على الفور قم وأنت تصرخ: أستغفر الله.. أستغفر الله وأتوب إليه.

    أذكركم بحادثة التمار، أين أبو عبد العزيز؟ أنت تعرف التمارين، التمار عندنا بائع التمر في السوق، جاءت مؤمنة تشتري تمراً لأولادها؛ لأن زوجها في غزوة من غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم.

    دخلت السوق ما عندها من يشتري لها الطعام، فجاءت متحزبة مستترة، وأخرجت يدها فيها الدرهم، ما عندها قفاز ما تملكه، ما إن رأى التمار بياض اليد حتى دفعته الشهوة دفعاً فأكب على كفها يقبله، ما إن جذبت يدها وقالت: أما تتقي الله؟ حتى أخذته الرعدة، وانتفض ومشى من هذا السوق والله وهو يحثو التراب على رأسه، ويبكي ويصرخ ويستغفر الله، ثم عاد فجاء المغرب فدخل الرسول في الروضة، أولاً تكلم عمر فزجره، وانتظر حتى صلى النبي صلى الله عليه وسلم المغرب، فبكى على مصيبته، فقال: هل حضرت الصلاة معنا؟ قال: نعم، قال: إن الحسنات يذهبن السيئات.

    عرفتم كيف تكون التوبة؟ فقد شعوره، مشى في الشوارع يصرخ ويحثو التراب على رأسه، أما أن يباشر العبد الذنب ويعاوده ويعاوده.. ويأتي في فصوله وأوقاته، هذا قل من يتوب من هذا النوع، لقد بلغنا -إن صح كلام إخواننا- أن من هذا النوع من يقولون: لا إله إلا الله وهو يغني، يذكرون له لا إله إلا الله وهو يغني في أغنية عاهرة حتى مات على ذلك.

    الآن عزمنا إن شاء الله على التوبة؟

    نعم يا شيخ من قبل، لكن ازددنا عزماً لا أقل ولا أكثر إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ [النساء:17] ما معنى على الله؟ أوجبها على نفسه لنا، ولكن من هم الذين أوجب على نفسه التوبة لهم؟ الذين يعملون السوء بجهالة، ما هو علماً وعمداً وتحد لهذا الدين وهذه الأمة، هؤلاء لن يتاب عليهم وما تابوا، نوع من الجهالة ما عرفوا الحكم غمض الشيطان عينيه، كذا قال أتوب، قال كذا .. قال العالم الفلاني يعمل في كذا وكذا، يجد سحائب دخان تغشيه فيفعل الجريمة.

    ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17] كم نسبة القرب، بعد يوم.. يومين.. عشرة؟ الله أعلم، كل ما في الأمر أن من واصل جريمة ومشى وراءه اليوم بعد اليوم، إن طالت المدة العام والأعوام قل من يتوب ويرجع، وقد حذرنا الله من هذا، فقال المسلمون: التوبة واجبة على الفور، ما فيه حتى ينتهي رمضان، ما فيه حتى أتزوج، ما فيه حتى نعود إلى بلادنا، لا وجود لهذا، زلت القدم فعلت السوء .. أستغفر الله وأتوب إليه.

    هل عرفتم أركان التوبة؟

    أولاً: الإقلاع، أن يقلع عن الذنب على الفور، هذا أولاً.

    ثانياً: الندم الذي يحصل به ألم، ما هو ندم كأنما فاتك غداء أو عشاء، ندم كأنما مات ولدك أو أباك.

    ثالثاً: التصميم والعزم ألا نعود لهذا الذنب وإن حرقنا وإن صلبنا وإن قطعنا.

    إذاً شروط التوبة هي:

    أولاً: ترك الذنب والإقلاع عنه والبعد عنه.

    ثانياً: الندم المؤلم، وإن من أصحاب التوبة من أذنب منذ خمسين سنة، وكلما ذكر ذلك الذنب استغفر الله وتاب إليه، واقرءوا لذلك من سورة (ق) يا أهل القرآن: لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ [ق:32] ما معنى أواب؟ تواب، رجاع، ما معنى حفيظ؟ ما ينسى ذنبه، كلما ذكر ذلك الذنب: أستغفر الله.. أستغفر الله، وإن كان تاب منه من أربعين عام أو خمسين سنة، هذا الأواب الحفيظ، تريدون أن تكونوا أوابين حافظين؟ باسم الله، باب الله مفتوح، ما منا معصوم، فإذا زلت القدم في يوم من الأيام وقلت معصية أو فعلتها كلما ذكرت تقول: أستغفر الله.. أستغفر الله وأتوب إليه.

    إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17] لا يستطيع أحد أن يحدد لك القرب بعام عامين بعشرين، كل ما يجب أن تعلم: أن العبد إذا استمر على ذنب قد يأتي وقت ما يستطيع تركه، ويموت عليه، هذا واضح، ومثاله المرض.

    معنى قوله تعالى: (فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً)

    ثم قال تعالى: فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:17] أبشروا هذا خبر الله؛ فأولئك التائبون من قريب العاملون للسوء بجهالة هؤلاء يتوب الله عليهم، أي يقبل توبتهم ويهديهم إليها ويوفقهم إلى طلبها وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:17] انتبه! لو كان ما يعلم، يعلم توبة إبراهيم وعثمان ما يدريها، يعلم توبة من كبيرة وذنوب وأخرى ما يدريها، ما يصلح لنا هذا ما نستفيد؟ لكنه عليم بالبواطن والظواهر والماضي والآتي والحاضر، لا يخفى عليه من الكون شيء، عليم بالخواطر والنيات فضلاً عن الحركات والسكنات.

    حكيم، تعرفون الحكيم؟ ذاك الذي يضع الشيء في موضعه، فعبد رغب فيه وهابه وخاف منه وقرع بابه: تب علي، حاشاه تعالى أن يقول: اذهب لا نتوب عليك.

    معنى قوله تعالى: (وليست التوبة للذين يموتون وهم كفار ...)

    اسمع نهاية البيان: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ [النساء:18] هذا النفي ككلام العوام، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [النساء:18] لا توبة لهم، لا يقبلها الله ولا يوفقون لها، ولا يتوبون.

    وتعرفون الزعيم فرعون الذي قال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] ما كأنه تجول في العوالم، قال: ما وجدت إلهاً إلا أنا، كذب لعنة الله عليه، أخذه الله نكال الآخرة والأولى، فرعون لما خرج موسى ببني إسرائيل من البحر، ودخل فرعون برجاله وجيوشه، وأطبق الله عليهم البحر، فلما نجا موسى وبنو إسرائيل أطبق الله البحر على الزعيم فرعون وبقي على فرسه، فلما وصل الماء وغرق قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:90] آمنت وما عرف لا إله إلا الله؛ لأنه كان يكرهها، فلهذا بحث كيف يقول، فقال: آمنت بالذي آمن به بنو إسرائيل، من هو؟ فرد الرحمن عليه بقوله: آلآنَ [يونس:91] هذا وقت التوبة؟ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:91] من المفسدين: أصحاب السيئات، شارب الخمر مفسد أو لا؟ الزاني مفسد أو لا؟ الذي يشرك بربه أصناماً وأحجاراً وقبوراً مفسد أو لا؟ وهكذا.

    فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لا بروحك لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ [يونس:92] إي والله يا رب، كثير من الناس عن آيات الله لغافلون، ما يفكرون فيها!

    وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ [النساء:18] جمع سيئة، ما يشير إلى النفس بالسيئة والظلمة والخبث والعياذ بالله، حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء:18] شاهد ملك الموت، شاهد أعوانه، حشرجت قَالَ إِنِّي تُبْتُ [النساء:18] انتهى أمر التوبة.

    قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [النساء:18] هذه التوبة مردودة.

    ثانية أخرى: الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:18] يهود، نصارى، بوذى، مجوس مشركون عندما يأتي ملك الموت ويشاهد يعلن عن توبته، عرفتم؟ ما من يهودي ولا نصراني يموت إلا ويعرف الحق عند موته، واقرءوا آية النساء: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:159] يعرف أن عيسى عبد الله ورسوله، ما هو ابن زنا ولا ساحر، والنصارى يعرفون أنه عبد الله ورسوله، ما هو بإله ولا ابن الله، لكن هل ينفع الآن التوبة؟

    أُوْلَئِكَ البعداء أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:18] يبتدئهم من ساعة معالجة إخراج أنفسهم من أجسادهم، ويستمر العذاب للأرواح إلى أن تقوم الساعة، ويخلق الله الأرواح من جديد، ويدخل بها ويواصلون عذاباً أبدياً لا ينتهي، والعياذ بالله.

    الحمد لله أننا مؤمنون.. الحمد لله أننا مؤمنون.. الحمد لله أننا مؤمنون.

    إن ملايين البشر من الصين والشرق والغرب آيسون يأساً كاملاً لا يرون ربهم ولا يسعدون بلقاه، ولا ينعمون في جنات عدن ودار السلام، فلهذا لو نحمد الله طول الليل والنهار، على نعمة أننا مسلمون في إمكاننا أن نتوب.

    معاشر المستمعين أعيد تلاوة الآيتين، قال تعالى:

    إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:17-18].

    وصل اللهم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.