إسلام ويب

تفسير سورة النساء (12)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الزنا إثم عظيم وجرم جسيم، وقد حذر الله عز وجل عباده من الوقوع فيه، وفرض جزاءً رادعاً لمن وقع فيه، فإن كان الزاني بكراً لم يسبق له الزواج جلد مائة جلدة وغرب عاماً، والمرأة تغرب إن أمنت الفتنة منها وعليها، وأما إن كان الزاني محصناً فإنه يرجم حتى الموت.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات في أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة.

    من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل. ‏

    معنى قوله تعالى: (تلك حدود الله ...)

    انتهى بنا الدرس إلى هاتين الآيتين الكريمتين، ونعود بالذاكرة إلى الآيتين اللتين درسناهما سابقاً وهما بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:13-14].

    فقد علمنا أن الله تعالى قد حد حدوداً، ونهانا عن تعديها، وتوعد من تعداها بما سمعتم: يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:14].

    والرسول الكريم يقول: ( إن الله تعالى قد فرض فرائض فلا تتركوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وترك أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها ).

    ومن ثم علمنا: أن حدود الله وفرائضه بمعنى واحد، أمر ونهي: ما أمر الله باعتقاده، أو قوله أو فعله، هذا فرض واجب يجب أن يطاع الله فيه، وهو حد أيضاً لا يجوز إهماله وتركه، وما حرمه تعالى ونهانا عنه وتوعدنا بالعذاب عليه يجب ألا نتجاوزه، وألا نتعداه بل نقف عنده.

    إذاً: فقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [النساء:13]، اشتملت على الأوامر والنواهي من أول السورة.

    إذاً: وواعدنا الوعد الكريم، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [النساء:13]، في أي شيء؟ في تلك الحدود، فلا يتعداها، لا يهمل واجباً أوجبه الله، ولا يغش ذنباً حرمه الله، ومن وفق لهذه الطاعة فوعد الله الصادق أنه: يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا [النساء:13]، يخلد فيها ولا يخرج منها، وهذا لعمر الله، الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [النساء:13]

    وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [النساء:14]، بأن يتعدى الحدود، ويهمل الفرائض والواجبات، هذا عقابه وعيد شديد، إذ قال تعالى: يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:14]، العذاب الأليم للأبدان، والعذاب المهين للأرواح، وعذاب الأرواح أشد على العبد من عذاب الجسم، والعذاب المهين يكون بالسخرية به والاستهزاء، بخلاف العذاب بالإحراق أو بتقطيع الجسم أو ما إلى ذلك.

    أهمية طلب العلم لبلوغ الحياة

    علمتم وزادكم الله علماً: أنه ليس بإمكان الآدمي إذا آمن وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأعلنها بصراحة ووضوح، لا يتأتى له أن يطيع الله ورسوله إلا بمعرفة فيم يطيع الله وفيم يعصيه، وفكروا! لا يتأتى لإنسان آمن وأراد أن يطيع الله ورسوله؛ ليكمل ويسعد في الدنيا والآخرة، لا يتأتى له ذلك إلا بالعلم، أي: بمعرفة ما يحب الله وما يكره الله، هل هناك من يشك في هذه الحقيقة من الأبناء؟

    لا، لا يتأتى ولا يتهيأ ولا يسهل على إنسان أن يطيع الله ورسوله وهو لم يؤمن بهما، وهذا قد آمن، ولا يستطيع أن يطيع الله ورسوله وقد آمن بهما، ولم يعرف أوامر الله ونواهيه، فوجدنا أنفسنا مضطرين اضطراراً إلى التعلم، إلى طلب العلم، سواء كان في ديارنا أو خارجها، في بلاد العرب أو العجم، اطلبوا العلم ولو في الصين، رددها السلف الصالح رحمهم الله تعالى.

    معشر المستمعين! هل أنتم على بصيرة في هذه القضية؟ بمعنى: أنه يمكن للعبد أن يطيع الله ورسوله، فينهض بالواجبات ويبتعد عن المحرمات بدون أن يعرف: ما هو الواجب وما هو الحرام؟ أيمكن هذا؟!

    لا، إذاً: طلب العلم هو الأول، قبل أن تقوم تغتسل اسأل كيف تغتسل، قبل أن تتناول لقمة الطعام اسأل كيف يتناولها المسلمون، وحسبنا من ذلك قول الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، أليس هذا أمراً؟

    بلى. فَاسْأَلُوا [النحل:43]، نسأل من؟ أَهْلَ الذِّكْرِ [النحل:43]، ما الذكر؟ القرآن، إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فكل من لا يعلم كيف يغتسل يجب أن يسأل كيف يغتسل، كل من لا يعرف الكلمات التي يبغضها الله ولا يرضى بها إلا ووجب أن يسأل أهل العلم: ما هي الكلمات التي يكرهها الله، والأفعال والصفات كذلك؟ ولا تقولن: إن الأمر ثقيل، هونه على نفسك؛ لأنك تريد أن تخترق السماوات السبع، وتنزل في الفردوس الأعلى، لو طلب منك عمل جهد بدن ومال، كم تبذل لتصبح في دار السلام؟ أو ما فهمتم هذه البربرية؟ إذا كان الأمل، الهدف، الغاية من هذا السمو والكمال والعلو والارتفاع، فما تبذله أنت من ساعات أو دقائق تسأل وتعمل ما هو بشيء أبداً.

    وهنا عندكم وزادكم الله علماً: هل تعرفون أن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أمرا به ونهيا عنه من الاعتقادات والأقوال والأعمال والصفات الذوات، هذه الطاعة تكسبنا سعادة الدنيا، والكمال فيها قبل الآخرة، ولنا آيتان كريمتان:

    الأولى يقول تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97]، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النحل:97]، الإيمان شرط أولي أو لا؟ فَلَنُحْيِيَنَّهُ [النحل:97]، فلعزتنا وجلالنا فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97]، هيا نبحث عن الحياة الطيبة، أين؟ في السويد.. في الدنمرك.. في بريطانيا.. في إيطاليا.. دلونا على إقليم نجد به الحياة الطيبة التي طابت وطهرت، وما أصبحت تشم فيها رائحة الخبث، بها أمن وسلام، إخاء ومودة وولاء، أهل الإقليم كأنهم أسرة واجدة، تعيش أربعين سنة لا تشاهد معصية ترتكب أمامك.

    والآية الثانية يقول تعالى من سورة النور: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ [النور:55]، أيها العرب، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [النور:55]، ماذا يفعل بهم؟

    لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذينَ مِن قَبلِهم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ [النور:55]، سمعتم ما تنتج طاعة الله وطاعة رسوله؟ تنتج حياة الطهر والصفاء، وتنتج حياة السيادة والقيادة والملك في الأرض، لا تظنوها مقصورة على النتائج الطيبة بعد هذه الحياة، كما أن معصية الله ورسوله تكسب أهلها الذل والخبث والتأخر والهبوط، والبلاء والشر فوق ما تتصور، لم؟ إنها تمضي مضي السنن الإلهية، هل الطعام يشبع أو لا؟ الماء يروي أو لا؟ الحديد يقطع أو لا؟ النار تحرق أو لا؟ الجواب: نعم.. نعم.. نعم.. أتتبدل هذه؟ سيأتي يوم تأكل الطعام ولا ما تشبع، هل يمكن أن تقف هذه السنة؟ أسيأتي يوم على النار لا تحرق، ادخل فيها وتمرغ ما تحرتق؟ أيمكن هذا؟!

    فكذلك طاعة الله وطاعة رسوله وهي الالتزام التام بهذه القواعد والتعاليم من شأنها أن تسعد وتكمل ولا تتخلف أبداً، ومعصيتهما بترك ما أوجبا وفعل ما حرما لن تتأخر سنة الله، بهم الذل والتخلف والعار والخبث والدمار والحياة السيئة الخبيثة، وقد شاهدناه، فلا نحتاج إلى برهنة ولا إلى دليل.

    الآن أعيد عليكم تلاوة الآيتين ونودعهما: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:13-14].

    مبلغات الوصول إلى الله تعالى

    معشر المستمعين والمستمعات! عرفتم الطريق إلى الله؟

    ما هي المساعدات يا أبا عبد العزيز التي تساعدنا على تحقيق هذه الطاعة لله ورسوله؟

    أولاً: ذكر الله عز وجل، ذكر الله تعالى بالقلب أولاً وباللسان ثانياً، هذه من أكبر المساعدات على طاعة الله ورسوله، أما الغفلة، والنسيان، والإعراض عن ذكر الله فمن مقتضيات الخروج عن طاعة الله ورسوله، ولك أن تحلف بالله على هذا، ما يستطيع ذاكر لربه بقلبه ولسانه أن يغشى ذنباً من الذنوب، ولا أن يقع ولا جريمة من الجرائم: الزنا، الربا، القتل، السب، الشر، الفساد إلا بعد أن ينسى الله تعالى، في تلك اللحظات أو الدقائق وقد استولى عليه الشيطان والشهوة يقع في تلك المعصية، أما وهو يذكر الله، وأنه بين يديه يعلم رقابته له، وعلمه به ما يستطيع أن يعصي الله تعالى، ماذا ترون في هذا المساعد، ولهذا أمرنا الله تعالى بالذكر الكثير، لم؟ من أجل أن يحفظنا لنبقى أهلاً لرضاه ودخول جنته، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب:41]، فالذي يجلس في مجلس ربع ساعة، نصف ساعة ما يذكر الله، لن يفارق المجلس إلا وقد قارف ذنباً من الذنوب.

    ثانياً: ذكر الموت والدار الآخرة، فالذي يعيش سبعة أيام ما يذكر الموت ولا يفكر به، ما يسلم، لا بد وأن يقع ذكر الموت، وهذا الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول لنا موجهاً مرشداً: ( أكثروا من ذكر هادم اللذات )، ذكر الموت، نقرأ له قول الله تعالى: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص:46]، قراءة سبعية، إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ [ص:46]، ما هذه الخالصة؟ ذِكْرَى الدَّارِ [ص:46]، ذكر صفوة الرسل والأنبياء، ثم ختم الحديث عنهم بقوله: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ [ص:46-47]، وهذا رسول الله في الليل ينام ويخرج في الظلام، ليقف على البقيع ويسلم على أهله، ذِكْرَى الدَّارِ [ص:46] الآخرة، فأهل الغفلة هم الهالكون.

    ثالثاً من المساعدات المقويات: مجالس الصالحين، والبعد عن مجالس الفاسدين، يجب أن تكون مجالسنا طاهرة، نقية، صالحة، ليس لمظاهر الخبث ولا الظلم ولا الشر ولا الحسد ولا الكبر أبداً لا يظهر فيها ذلك، كلها ابتسامات وكلمات طيبات، هذه تساعدك على طاعة الله ورسوله.

    والعكس ماذا نرى يا أرباب التلفزيونات والصحون الهوائية؟ تعالوا نتحاسب؛ لنر نتائج هذه المظاهر والمناظر عندكم، هاتوا؟ قلت غير ما مرة: إذا كنت تحب الله ورسوله كيف ترضى بأن يخرج الملائكة من بيتك، وينزل بها الشياطين؟ دلني عن فهمك، عن وعيك، عن بصيرتك، كيف ترضى بهذا الموقف، أو كذبت رسول الله؟ أما قال: ( إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة )، فأبعد المؤمنون الكلام من دورهم، ورموها في حظائرهم ومع مواشيهم، ما يرضى المؤمن أن يخرج الملائكة من بيته، فتتبعهم الخيرات والبركات، ويحل الشر والخبث والفساد. يا شيخ أنت ما تعرف السياسة، لا بد من تلفاز، ولا بد من آلة واسعة نطلع إلى ما يجري من أحداث في العالم.. تفضل أنت قد سمعت ورأيت وشاهدت المصائب والمحن و.. و.. في العالم بكامله ماذا فعلت أو ماذا تفعل؟ حتى أنك لا تقول: يارب قنا من هذا البلاء ما تعرفها وتنساها، ماذا تستفيد؟

    أزيدكم: الصحف ذات العشرين صفحة يومياً تضع بين يديك: البلاد، الرياض، الجزيرة، المسلمون، كذا.. وتقضي الساعة والساعتين وتخرج منها صفر اليدين، ولا شيء، أضعت الوقت فقط، من يقول: أنا اكتسبت من وراء ذلك مالاً، وبه أعيش وأعيش أسرتي؟ لا أحد.

    إذاً: عرفتم مجالس الصالحين يجب أن تكون في بيوتنا، بيت المسلم غير بيت الكافر والله العظيم، بيت المسلم مملوء بذكر الله. الله.. الله.. كان أحدهم إذا مر بأزقة المدينة يسمع في البيوت دوياً كدوي النحل طول الليل من التهجد وقراءة كتاب الله، جاءت فترة -والعياذ بالله- كنا إذا مررنا بأزقة المدينة لا نسمع إلا العواهر يغنين من أم كلثوم إلى الأطرش إلى كذا، وهبطنا.. هبطنا.. هبطنا.. بهذه الأذن، إذاعة لندن تقول: إن فلاناً في المدينة المنورة يطلب الأغنية الفلانية. بأذني أسمع، ويطلبها ليهديها إلى صديقة فلان، ومرت بنا فترة عشرين، ثلاثين سنة، عشنا في كرب، كيف ننمسخ هذا الانمساخ؟ وشاء الله بالبكاء والدعاء وانتهت تلك الفتنة، الآن تمشي في أزقة المدينة في دكاكينها ما تسمع أغنية، كنا إذا كانا راكبين إلى العمرة أو الحج، نتحرق نتألم فينا من يقول: ما نسوق إلا بالأغاني؟ الآن الحمد لله، تمر بين يديك وعليك مائة سيارة ما فيها سيارة تغني.

    هذا سببه دعوة الله، أقبلنا على أن نسمع الهدى ففهمنا عن ربنا، فتخلينا عن الغناء، والأباطيل، جاءت فتنة هذه الأدشاش، ها نحن نبكي، وسوف يأتي يوم تنتهي. إن شاء الله ما واصلنا الدموع والبكاء، حسبك أن تقول: إن بيتاً ترى فيه عاهرة تغني وتمسك بيديها ورأسها، وفي من يقبلها ومسها بين نسائك وبناتك وأولادك. هذا يعقل أن يكون في بيت مؤمن؟ أسألكم بالله؟ المؤمن كالمؤمنة مأمور بأمر الله أن يغض بصره، ويطأطئ رأسه، كيف يفتح عينيه في عاهرة تغني في بيته؟

    وخلاصة القول: إن هناك مساعدات على مواصلة طاعة الله ورسوله، وهناك مقويات للخروج عن طاعة الله ورسوله. هذا هو الواقع، فاطلب المساعدات وتجنب المفسدات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ...)

    يقول الله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ [النساء:15]، قراءة سبعية، وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء:15].

    الآية الثانية: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:16].

    الآيتان مدنيتان، ونزلتا قبل نزول آيات سورة النور.

    وَاللَّاتِي [النساء:15]، التي: هذا اسم إشارة لواحدة أثنى، جمعتاها قل: اللاتي، اللائي جمع، مقابل الذي في المذكر والذين.

    وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ [النساء:15]، الفاحشة هنا: القبيحة وهي الزنا، سمي فاحشة لقبحه ودماره وآثاره السيئة؛ فهو يدمر النفس، ويقضي على النسب، ويدمر الأسرة، ويقلب الإنسان إلى حيوان.

    وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ [النساء:15]، أيها المؤمنون! ماذا تفعلون معهن؟ قال: فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً [النساء:15]، رجال منكم، لا نساء، ما قال: أربعة من النسوة، (أَرْبَعَةً)، لأن المرأة لا تطيق مناظر كهذه، ذات حياء، وعفة ولين، فلهذا ما نشهدها على رجل إلا في قضية الدين فقط، أما في القصاص والحدود ما تحضر، ما تقوى على هذه المناظر.

    (أَرْبَعَةً)، أي: من رجالكم، (مِنْكُمْ)، يشهدون أنهم رأوا الفرج بالفرج كالمرود في المكحلة، أربعة، فَإِنْ شَهِدُوا [النساء:15]، فماذا تصنعون بهؤلاء النسوة، فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ [النساء:15]، السجن والبعد عن الرجال، إلى متى؟ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ [النساء:15]، يجيء الموت ويوفيها أيامها ولياليها، ومرحباً به، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء:15]، مخرجاً وطريقاً ننتظر أمر الله ماذا يصنع، وكذلك كان، هكذا كانوا في عهد الإسلام الأول، وقد يكون موروثاً من الجاهلية، إذا زنت المرأة، وثبت الزنا ماذا يصنعون؟ المرأة تحبس والرجل ما يحبس؛ لأنه شغال وعامل، فلاح، أو تاجر، احبسوها هي؛ إذ لو لا المرأة ما زنى الرجل.

    ثم قال تعالى في الآية الثانية: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ [النساء:16]، أيها المسلمون المؤمنون، وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ [النساء:16]، في الأول ما ذكر الرجال، وهل يقع زنى بدون رجال؟ ما يقع، وهنا ذكر الرجال، وهل يقع أيضاً زنى بدون نساء؟ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا [النساء:16]، أي: الفاحشة منكم، فَآذُوهُمَا [النساء:16]، بالسب، بالتعيير، بالشتم، بالصيحة في وجوههم، فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:16].

    علاقة الآية بحكم اللواط، وبعد العرب عنه

    والآية قد تتحمل معنى اللواط، وذكر كثير من المفسرين هذا مثل جلال الدين السيوطي ، لكن الذي نعرف ونقوله: بأن الجمهور على أن هذا ليس في اللواط أبداً، ونحن على يقين؛ لأن اللواط ما كان يعرف في هذه الديار أبداً، ولما حدث أن أعجمياً لاط في البحرين اضطرب أصحاب رسول الله في الحكم عليه، منهم من قال: يرمى من أعلى مكان إلى الأرض ثم يرجم بالحجارة، أي: نفعل به ما فعل الله بقوم لوط.

    وقد ذكرت لكم أن أحد أئمة الأمويين وهو يخطب الناس على المنبر في مسجد دمشق واسمه عبد الملك : أقسم بالله على أنه لولا أن الله تعالى أخبرنا عن قوم لوط ما كان يخطر ببالنا أن الذكر ينزو على الذكر.

    وأزيدكم أيضاً فضيلة عندهم: ما كان يوجد في ديارنا هذه، ديار الطهر بغلة، ولا بغل، حمار، فرس، وأول بغلة دخلت هي بغلة المقوقس المصري أهداها لرسول الله مع مارية القبطية وسميت: الدلدل، أول بغلة، لماذا؟ لأنهم يتأففون: كيف ينزو الحمار على الفرس؟ ما يقبلون هذا أبداً؛ لأن البغل يتولد من الحمار والفرس.. أبوه الحمار وأمه الفرس، كيف يتم؟ لا بد من إنزاء وحمل الحمار على أن ينزو على الفرس، هذا لا يقبلونه.

    إذاً: فكيف يخطر ببالهم أن ينزو الذكر على الذكر؟ هذا من باب أولى ما يكون أبداً.

    والحمد لله أقل بلاد العالم في هذه الفاحشة بلاد المسلمين، إذا يوجد أندية للواط في فرسنا، وفي العالم يوجد نادي العراة، إلا أن البلاد الإسلامية البلد الذي يكثر فيه الإيمان والصالحون تقل فيه هذه الفاحشة، والذي يكثر فيه الخبث والشر والفساد تظهر فيه.

    حكم البكر والثيب إذا زنيا

    إذاً: نقول: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ [النساء:16]، أي: الفاحشة، بدون إقامة الحجة عليهم، ما هناك شهود أربعة، فماذا نصنع؟ قال: فَآذُوهُمَا [النساء:16]، بالسب، بالشتم، بالتعيير، بالضرب غير المبرح.. حتى يتوبا.

    واستمر ذلك فترة من الزمن، حتى جيء بزان وزانية من اليهود، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أبعدوهما عني، أبعدوهما أبعدوهما.. الثيب بالثيب جلد مائة والرجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ). ونزلت آية: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة، نكالاً من الله والله عليكم حكيم)، وتليت الآية ونسخت، وبقي حكمها طبقه رسول الله، وطبقه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي .

    (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة)، هذه الآية نسخت إي والله، نسخ اللفظ والحكم طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم، جاء باليهوديين فسألهما: ماذا عندكم؟ أستحلفكما بالله ألم يكن عندكم رجم الزاني والزانية؟ قالوا: نعم، لكن لما سقطت دولتنا وما بقي لنا دولة ولا سلطان تركنا هذا، فأمر الرسول برجم اليهودية واليهودي.

    إذاً: وأما البكر غير الثيب، لأن الآية الأولى في الثيب، والثانية: (وَاللَّذَانِ) في البكر، قال تعالى: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:1-2]، الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي [النور:2]، أي: غير المحصنين، غير الثيبين، يعني: البكرين اللذان ما عرفا النكاح ولا الزواج، وهما بالغان قطعاً، مكلفون، فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2]، والرسول سن سنة: غربوهما عاماً، يجلد مائة جلدة ويغرب سنة كاملة، ينقل من إقليم إلى إقليم، من بلد إلى بلد، وبينت لكم علة ذلك، وهي: حتى لا تنتشر الفاحشة بحديث الناس، سبحان الله! إذا أصبح الناس يتكلمون عن فاحشة، والله تقع، ما يسلمون منها إلا إذا اختبأت مناظرها ومظاهر الحديث عنها، فمن هنا عرف العدو هذا ويأتيكم بالمجلات والجرائد التي فيها صور الخلاعة والداعرات، ثم في التلفاز وشاشاته؛ لأجل إثارة الغريزة وبعث الناس على أن يتكالبوا ويهلكوا ويفسدوا.

    حكم تغريب الزاني والزانية

    لو أننا جلدنا شاباً عند باب السلام، وتركناه يغدوا ويروح، وكل من رآه يقول: هذا جلدوه، لماذا؟ لأنه زنى، ويأخذ الحديث، وهذا والله ليثير الغرائز، ويبعث على إتيان الفاحشة؛ لأن الله عليم حكيم، غربوهما سنة كاملة؛ حتى تنسى هذه الفاحشة.

    إذاً: واستقر حكم الله إلى اليوم، الزاني والزانية إذا كانا محصنين، أي: سبق أن تزوجا، وطلقا، أو مات الزوج أو الزوجة، فما الحكم؟ الرجم حتى الموت: (فارجموهما ألبتة). فإن كانا غير محصنين بكرين، فالحكم: الجلد مائة جلدة والتغريب عام.

    يبقى: هل المرأة تغرب؟ إذا كنا نستطيع أن نغربها ولا تؤذى ولا تؤذي غربناها، مثلاً: عمها في الشام، أخوها في الأردن نبعث بها إليه، أما إذا ما عندنا، أين نحفظها؟ ما يجوز تغريبها، تبقى عند أبيها، الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ [النور:2].

    مرة ثانية:

    هاتان الآيتان منسوخ حكمهما، وعلى هذا أئمة المسلمين وجماهيرهم، أما الأقوال الشاذة كثيرة ولا يسلم منها قول.

    وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء:15] وقد جعل الله السبيل وهو الرجم.

    وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ من غير المحصنين فَآذُوهُمَا [النساء:16] الأذية تكون بالسب، بالتعيير، بالتقبيح.. حتى يندم ويستغفر ويتوب، نسخت هذه أو لا؟ نسختها آية النور فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2].

    وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا [النساء:16] اتركوه إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:16]، ولهذا أرشد عباده المؤمنين إلى الرأفة والرحمة بإخوانهم إذا زلت أقدامهم وارتكبوا هذه الفاحشة، إن الله كان تواباً وما زال، رحيماً بأوليائه وصالحي عباده.

    مرة ثانية:

    هاتان الآيتان نسختا، والآية الأولى نسخت آية المحصنات بآية (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله)، نسخ اللفظ وبقي الحكم، طبقه رسول الله، طبقه أبو بكر ، طبقه أصحابه.. من جلد الغامدية؟ أليس على عهد الرسول وهو الذي جلدها؟ وماعز من جلده؟ قطعاً هو الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وأما غير المحصنين البكرين، وهذا على شرط البلوغ أيضاً، لا بد وأنه بلغ سن التكليف.

    الشاهد عندنا: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا [النساء:16] انتهى هذا الحكم، ما يكفي الأذية بالصفع أو بالضرب بعصا، يخوفه! لا، يحضران ويجلدان أمام المسلمين مائة جلدة بعصا من جريد النخل، ما يرفع يده ولا يخفضها، تطهيراً لهما وتعذيباً، لما يفرغ الجالد لهما على الفور يكتب مثلاً فلان ينقل إلى البلد الفلاني، يغرب سنة.

    وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ [النساء:15] ما المراد بالفاحشة هنا؟ وأين الرجال هنا؟ قال: النساء ما ترتكب الفاحشة إلا مع رجل.

    والغريب أن بعض المفسرين يقولون: والسحاق يدخل في هذه، ما نتكلم عن السحاق؛ لأن أكثر السامعين ما يعرفونه، لا سيما المؤمنات، والجواب الصحيح: أن الآيتان منسوختان: الأولى في المحصنين والمحصنات، والثانية في الأبكار فقط، الأولى نسخت بآية (الشيخ والشيخة إذا زنيا)، والثانية نسخت بآية فاتحة النور، فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2] وتبقى الآيتان تتليان ويتقرب بتلاوتهما إلى الله عز وجل، ونحمد الله على أن أتانا بحكم فاصل، فطرد هذا الخبث من بيننا ومن ديارنا.

    نكتفي بهذا، وصل اللهم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.