إسلام ويب

تفسير سورة النساء (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تقوى الله عز وجل هو سبيل الرشاد، فهو الذي يحمل العبد على طاعة الله عز وجل، وفعل ما أمر به من العبادات، وترك ما نهى عنه سبحانه من المعاصي والسيئات، إذ هو سبحانه المستحق لذلك فهو خالق الأكوان ومدبرها، وهو موجد الإنسان من نفس واحدة سبحانه وتعالى، وخلق منها زوجها، وبث منهما ذرية من الرجال والنساء، فاستحق سبحانه توحيده في ربوبيته وألوهيته.

    1.   

    تعليق على مؤتمر يطالب بحقوق المرأة

    الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيها المؤمنات المستمعات!

    إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذالكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، فالله تعلى نسأل أن يحقق لنا هذا المأمول على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم.

    وقد انتهى بنا الدرس إلى فاتحة سورة النساء، وهي السورة الرابعة من كتاب الله عز وجل، الأولى كانت الفاتحة، والثانية كانت البقرة، والثالثة كانت آل عمران عليهم السلام، والرابعة سورة النساء.

    وقبل الشروع في دراسة هذه الآية المباركة، بلغنا أن مؤتمراً مصرياً انعقد في العالم -ولا أدري في أي بلد انعقد- بالصين وإلا بالشين، في الشرق أو الغرب لا فرق بين هذا وذاك، كل ما نريد أن نقوله وتسمعونه أيها الصالحون! ويا أيتها الصالحات! أننا نخطّئ هؤلاء الذين اجتمعوا من الشرق والغرب ليطالبوا بحقوق النساء، نقول لهم: النساء مخلوقات وأنتم مخلوقون؟ فإن قالوا: لا، اعتبرناهم معاتيه مجانين سفهاء لا قيمة لهم؛ لأن الذي ينكر حقيقة كهذه لا يخاطب ولا يتكلم معه، فإن قالوا: نحن مخلوقون، ولا نشك أبداً في أننا مخلوقون، نقول لهم: من خالقكم؟ فإن قالوا: لا ندري، إلى الآن لا تدرون من خالقكم؟! أين كنتم تعيشون فإما أن تسألوا عن خالقكم؛ لتعرفوه وتعرفوا جماله وكماله، وتطلبوه الرضا، وإما أن تتجاهلوه ولا تريدون معرفته، قلنا: السر في هذا لتعيشوا كالبهائم وأنتم حقاً والله لشر من البهائم، وهذا الخالق للعوالم كلها للإنس والجن يحكم عليكم بأنكم شر الخليقة؛ إذ قال تعالى في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6]، البرية ، معناها: الخليقة، إذ البارئ: هو الخالق، والمبرور: المخلوق، والبرية: المخلوقة، هذا حكم الله عليكم أيها الكافرون من أهل الكتاب ومن غيركم، أنكم في قضائه وحكمه شر الخليقة.

    فهم إذاً: شر من القردة والخنازير؛ فضلاً عن الكلاب والذئاب والحيات والثعابين.

    وإن قالوا: لم نكون شر الخليقة؟ قلنا لهم: هيا نتعقل ونفهم، الذي يكفر ويجحد خالقه، وهو الذي أطعمه وسقاه وحفظه وكلأه إلى نهاية أمره يتجاهله ويعاديه ويعلن الحرب عليه، هل هذا فيه شيء من الخير؟ هذا الذي يعيش ستين سنة ما يسأل عن ربه وخالقه، ولا يتعرف إليه، ولا يطلب وده، ولا يسأل كيف يتزلف ويتقرب إليه، وتأتيه رسل الله تحمل الهداية والبيانات فيحاربها ويخرج عن طاعتها ليصر فقط على فسقه وفجوره وخروجه عن طاعة ربه.

    ومن الأمثلة القريبة: أرأيتك لو كان لك خادم في بيتك تطعمه تسقيه تكسوه تكلأه تحفظه تحميه تناديه وهو لا يعترف لك بشيء، لا يفتح عينيه فيك، ولا ينظر إليك، ولا يقول فيك إلا أسوء القول، وليس يوماً ولا أسبوعاً ولا عاماً بل طوال حياته، كيف تنظر إلى هذا المخلوق، ماذا تقول فيه؟ تحكم عليه أن يعذب أشد العذاب وأشره وأبشعه، أليس كذلك؟

    إذاً: فهؤلاء التائهون في صحارى الحياة يريدون أن يحققوا ماذا؟ حقوق النساء.

    نسأل مرة ثانية: هل النساء مخلوقات؟

    إي نعم، لهن خالق؟ ما اسمه؟ الله، أين يوجد؟ فوق سماواته، فوق عرشه، هل أنزل كتاباً فيه تعاليم خاصة بالنساء؟ إي نعم، هل عرفتم هذه الحقوق النسوية التي في كتاب ربهن أو ما عرفتموها؟ ما عرفناها -أعوذ بالله- ثم ترضون بهذا الهبوط؟ لماذا لا تؤمنون به وبكتابه وبرسوله؟ وتطبقون حقوق النساء التي وهبها الخالق لهن ووضعها العليم الحكيم؛ لإسعاد النساء وإكرامهن في الدنيا والأخرى، تجهلون الله وتجهلون شرائعه وحقوق النساء في كتاب الله وشرعه وتريدون أن تطالبوا بحقوق النساء، أنتم صبية، أطفال صغار تلعبون؟ أم مجانين لا عقول لكم؟

    لو صحوا ساعة من سكرتهم لقالوا: نريد أن نطبق حقوق النساء التي شرعها لهن مولاهم وخالقهم، وأنتم هضمتم النساء حقوقهن، واستهنتم بها، وسخرتم منها؛ فنحن جئنا لنطالب بتحقيق تلك الحقوق التي أثبتها الخالق لهن، لقلنا: إي نعم، أما وأنتم ما عرفتم الخالق، ولا عرفتم الحق من الباطل، ولا الخير من الشر، ولا الصلاح من الفساد، وتعقدون مؤتمراً عالمياً للمطالبة بحقوق النساء؟!

    أسألكم بالله أيها العقلاء! أسخرية هذه واستهزاء أم ماذا؟ أضياع هذا أم ماذا؟

    وهذا كتاب الله.. من قال: لا. يرفع يده، هل هو كتابك أنت أو جدك الذي كتبه؟ وإن قال: ما أدري ، ما تدري إلى الآن؟ ادر وتعلم، واسمع التحدي الإلهي.

    قال تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:23]؛ ليساعدوكم على الإتيان بسورة فقط من مثل هذا القرآن، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24]، لن هذه زمخشرية طلبة العلم يعرفونها، تفيد النفي المؤبد، ومضى على هذا الخبر الإلهي والتحدي الرباني ألفاً وأربعمائة سنة وخمسة عشر عاماً، هل استطاع أحد أو جماعة أو أمة أن يأتوا بمثل القرآن أو أن تأتي بسورة منه، تقول: زنوها بالقرآن وانظروا هل هي تساويه أو هي فوقه أو دونه؟

    من ألجم البشرية ومنعها من أن تتكلم أو تحاول؟ الذي يملكها، إذ قال: وَلَنْ تَفْعَلُوا ، متى نزل هذا الخبر؟ منذ ألف وأربعمائة وخمسة عشر عاماً، من الأمثلة التي نقرر بها المعنى: هل تستطيع اليابان أو غيرها أن تحدث آلة من الآلات وتقول: أتحدى مصانع البشرية أن تنتج مثل هذه لمدة سبعين سنة؟

    مصانع أمريكا المتفوقة، هل تستطيع أن تنتج آلة أو شيئاً وتقول: أتحدى العالم لمدة مائة سنة أن ينتجوا مثل هذه؟ مستحيل.

    والله تحدى وإلا لا؟ كم عام؟ إلى ما لا نهاية؛ إذ قال: وَلَنْ تَفْعَلُوا .

    إذاً: من يبلغ أهل هذا المؤتمر بأن الأصابع التي جمعتهم وحركتهم؛ فهم يرقصون بكلامهم، هي أصابع بني عمنا اليهود، بنو عمنا؟ نعم. نحن أبناء إسماعيل وهم أبناء يعقوب، أبناء العمومة -لا تغضب- هي التي جمعتهم؛ لا تقولوا ولا تفعلوا، من باب أنهم يريدون أن تسود المرأة في العالم، فإذا سادت المرأة وهبط الرجل انقلب الوضع وساءت الحياة، وانقلبت أوضاعها وأصبحت البشرية كالبهائم، وحينئذ يتحقق الأمل الأعظم لبني إسرائيل في إعادة مملكة بني إسرائيل، ونواتها في قلب العالم الإسلامي، دولة إسرائيل، متى يسوسون البشرية كلها ويحكمونها كما حكمها سليمان؟ يوم ما تنمسخ البشرية وتصبح كالبهائم تركب وتساق حيث شاء صاحبها، يومئذٍ يحكمون ويسوسون.

    فهذه كلها من صنائعهم، والحمد لله أن فينا بقية من بقايا الإيمان والصبر والعلم والمعرفة.

    نكتفي بهذا القدر ونعود إلى درسنا من كتاب ربنا، لكن هل يبلغهم هذا الكلام؟ أين إذاعة لندن التي تنقل كل شيء إلا مثل هذا الكلام ما ينقل، ما سمعناها تقول مثل هذا، ونحن هنا نتكلم كلام حق كهذا ما ينقل أبداً؛ لأنهم يهود، وأصابع اليهود هي هي.

    1.   

    بين يدي سورة النساء

    هذه السورة -سورة النساء- لو لم يكن للنساء شأن عند الله ما ينزل سورة من كلامه خاصة بهن، وهي سورة مدنية اللهم إلا آية، وهي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء:58]، فالرسول صلى الله عليه وسلم عام الفتح طلب المفتاح من ناظر البيت، وهو عثمان بن طلحة رضي الله عنه، ودخل الكعبة وأخرج التماثيل، ومسح صورة إبراهيم وغيرها أيضاً، وأخرج الأنصاب والأصنام ورمى بها، ثم رد المفتاح لصاحبه، وقرأ قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]، فبعض المسلمين قالوا: هي نزلت هنا، والبعض قالوا: نزلت من قبل ولكن الرسول تمثلها وقرأها؛ ليبين أن عليه أن يعطي المفتاح لـعثمان بن طلحة ، ولا يضر أن نقول نزلت هنا أو بالمدينة، أما السورة فكلها مدنية؛ لأنها تتعلق بالأحكام الشخصية، وخاصة بالنساء.

    إذاً: للنساء شأن عظيم أم لا؟ هل عرفه الملاحدة والعلمانيون والكافرون والخرافيون والجهلاء؟ ما عرفوه، محجوبون عن المعرفة بالشهوات والأهواء، ودفع الشياطين لهم إلى الهلاك في الدارين.

    وآياتها مائة وستة وسبعون آية، وآيات آل عمران مائتين، أي: أطول من النساء.

    والقرآن كم آيته؟ ستة آلاف ومائتين وأربعين آية، كل آية تدل دلالة عقلية منطقية على وجود الله إلهاً ورباً عليماً حكيماً، وعلى أن محمداً رسوله، وخاتم أنبيائه ما تحتاج إلى ستة آلاف ومائتين وأربعين، آية واحدة تصرخ بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وما معنى الآية يا معشر الزوار والزائرات؟!

    معنى الآية في لغة العرب التي نزل بها القرآن: العلامة الدالة على الشيء، دلني على بيت (إبراهيم بن عثمان) أعطني آية؟ أقول له: العمود الفلاني الأخضر الذي بينه وبين الباب كذا متر، تلك الآية والعلامة، وكل آية في القرآن علامة على وجود الله رباً وإلهاً عليماً حكيماً، وعلى أن محمد بن عبد الله رسول الله ونبيه، وكيف تدل هذه الدلالة؟ أولاً: هذه الآية من أنزلها؟ من تكلم بها؟ إنه الله جل وعلا، إذاً: هل يوجد كلام بدون متكلم؟ أيعقل هذا؟

    كما أن هذه الآية تحمل النور والهداية؛ لأن هذا المتكلم عليم حكيم رحيم، وهي أيضاً دالة على وجود من أنزلها وأوحى بها.

    والذي نزلت إليه دون البشر كلهم، ما يكون رسوله؟ كيف ذلك؟ مستحيل ألا يكون رسوله وقد أنزل عليه الآيات ليبلغها، كل آية تدل دلالة قطعية على أنه لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة)

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    هذه آية واحدة، من يحفظ هذه الآية ويصلي بها النوافل والفرائض؟ ‏

    معنى قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم)

    أولاً: هذا النداء الإلهي: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، هذا نداء من؟ نداء الله رب العالمين، منزل الكتاب، ومرسل الرسول، هذا هو الله هو الذي وجه هذا النداء إلى الناس كافة مؤمنهم وكافرهم؛ لأن لفظ الناس هو بمعنى البشر، والناس مأخوذ: من ناس ينوس إذا تحرك فهو ناس، وأدخلت عليه (ال) فأصبح الناس.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، لبيك اللهم لبيك، مر نمتثل، انه نجتنب، مستعدون لطاعتك يا خالقنا يا رازقنا يا حافظنا يا من إليه مصيرنا، ناداهم ليأمرهم وإلا لا؟

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1]، اتقوا خالقكم سيدكم مالك أمركم موجد حياتكم .. هذا هو الرب وإلا لا، اتقوا ربكم ، أو تقول: لا.. لا.. لا رب لنا؟! سبحان الله! من أوجدكم؟ من أوجد هذه الأرض لكم؟ من رفع السماء فوقكم؟ من هيأ لكم هذه الأرض لتعيش على سطحها؟ ما نريد أن نعرف إذاً: أنتم خنازير يا بشر! ما تريدون أن تعرفوا ربكم حتى لا تعبدوه، ولا تطيعوه، إذاً: شر البرية هم الكفار، أو لا؟ من شر الخليقة؟ الكفار من عرب وعجم، من أهل الكتاب والمشركين، ما نحن الذين قضينا هذا القضاء بل هذا حكم الله العليم، ولكننا عرفنا كيف أصبحوا شر الخليقة؛ لأنهم جحدوا خالقهم ولم يعترفوا به، يغمرهم بالنعم، ويسقيهم ويحفظهم، ما نعترف به؛ حتى لا يسجدوا له سجدة، هؤلاء هم .شر الخليقة الذي يجحد خالقه حتى لا يعبده فقط.

    اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1].

    لو قال قائل: نتقيه بم؟ هل نحن خائفون منه؟ هل يقوى على تعذيبنا وإبادتنا وتجويعنا وتسليط الأمراض والأوبئة علينا؟ الجواب: نعم، أنتم في قبضته وتعيشون في كنفه، وبيده حياتكم ومماتكم، غناكم وفقركم، صحتكم ومرضكم، عزكم وذلكم، سعادتكم وشقاؤكم في هذا العالم المؤقت، وفي العالم الأبدي المخلد، كيف لا تتقونه؟! أما تخافون أن يغضب أو يسخط فيحيل سعادتكم إلى شقاء، ووجدوكم إلى فناء.

    حينئذٍ يقول: بم نتقيه؟ نقيم أسواراً عالية على قرانا ومدننا؟ ما تنفع، نوجد سراديب تحت الأرض ونهرب إليها؟ ما ينفع، نجهز جيوشاً جرارة تدفع عنا خطره؟ والله ما تنفع، يتقى الله بماذا؟

    فقط بطاعته، وطاعة رسوله، طاعته إذا قال: قم! قم، قال: اجلس! اجلس، قال: اسكت! لا تتكلم، قال: انطق! انطق، هذه هي الطاعة، قال: اشرب! باسم الله أشرب، قال: لا تشرب سم ... إلخ.

    هذه هي طاعة الله عز وجل، وبها يتقى عذابه وسخطه وبلاه، طاعته وطاعة رسوله، وطاعة رسوله من طاعة الله، وأوامر الله ونواهيه ما نعرفها بدون رسوله، فهو الذي يبين لنا ويشرح أو يفسر، هو الذي يتلقى البيان من الله: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]. ولذا أمر الرسول من أمر الله، وطاعة الرسول من طاعة الله، إذ قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ [النساء:1]، ونحن منهم: اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1]، اتقوا غضبه وسخطه وما ينتج عنهما من بلاء وشقاء وخسران أبدي.. اتقوه بطاعته فيما أمر به فعلاً، وفيما نهى عنه تركاً، فقط، وهذا إجمال كبير، ما هي أوامر الله؟ أوامر الله كثيرة، ونواهيه أكثر، فلا بد وأن نعرف، فالذي لا يعرف أوامر الله كيف يطيعه؟! والذي لا يعرف نواهيه كيف يطيعه؟! ومن لم يطع الله شقي وخسر، تعرفون الخسران الحقيقي؟

    جاء في كتابه في آيتين: قل يا رسولنا المبلغ عنا: إِنَّ الْخَاسِرِينَ ، بحق: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15] ، إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الشورى:45]، ما هو فقد بالشاة والبعير في أيامنا الأولى، ولا فقد الوظيفة والمنصب في أيامنا هذه.

    تريدون صورة؟

    يؤتى بالرجل فيوضع في صندوق من حديد ويطبق عليه ويلقى في عالم الشقاء، فوالله لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر ولا يأكل ولا يشرب ولا يموت بلايين السنين، لا يعرف أباً ولا أماً ولا إخوة ولا.. ولا.. في شقاء أبدي هذا نوع من العذاب.

    إذاً: هذا هو الخسران أم فقدك ابناً أو زوجة ماتت؟!

    كيفية معرفة محاب الله ومساخطه

    يجب أن يعرف المؤمن والمؤمنة محاب الله ومكارهه، وكيف يؤدون المحاب، وكيف يجتنبون المنهيات، وإلا فلا فائدة في إسلامهم، ولن ينتفعوا، مثلاً: قلت لك يا عبد الله! إن مركوباً يحملك إلى قريتك أو على بلدك اطلبه واركب هل تسأل عن هذا المركوب ما هو؟ هل تقول: أين يوجد؟ وإذا قلت: لا تعرف كيف تركب ما تسأل كيف تركب؟ قطعاً هذا لا بد ضروري.

    فإذا آمنا بوجوب تقوى الله للنجاة والخلاص من عذاب الدنيا والآخرة، يجب أن نعرف محاب الله ومساخطه، إذا أمر بما يحب ونهى عما يكره.

    وهنا نجد أنفسنا يجب أن نطلب العلم، ولما كان القرآن ينزل، والشرائع تتوالى، والناس في مكة فرض الله عليهم الهجرة لأنهم لا يمكنهم أن يعبدوا الله، والقرآن ينزل في المدينة، والأحكام تتوالى يوماً بعد يوم، يجب أن تهاجروا، هذه وحدها كافية.

    أسألكم بالله: هل المسلمون وهم ألف مليون يوجد منهم عشرة في المائة عرفوا ما يحب الله وما يكره؟

    ممكن، لكن العشرة هذه في المائة تنفع؟ تنفع أنفسها، تلك العشرة تنجو والتسعون إلى الهاوية.

    تريد منا يا شيخ أن نعود إلى تعلم العلم بعد بلوغنا سن الأربعين والخمسين سنة؟! ما هناك أبداً مانع، بل يجب أن تتعلم ولو كنت تموت بعد ساعة من الآن، وطريق التعلم عندنا لا تحتاج فيه أبداً إلى المدارس والكليات والجامعات، وسيارات الإركاب والأموال تنفق بالملايين، لا أبداً، هذا نحتاج إليها في الصناعات، والمواد الدنيوية، أما كوننا نعرف ما يحب سيدنا وما يكره فهذا ما يحتاج إلى هذا أبداً.

    كيف يا شيخ إذاً؟

    نعيد القول: إذا دقت الساعة السادسة مساءً يجب على أهل القرية المسلمة أن يوقفوا العمل.. صاحب المسحاة يرمي مسحاته، صاحب المنجل يلقي منجله... صاحب المطرقة الحداد يلقيها، صاحب المتجر يغلقه، ويتوضئون ويأتون المسجد الإلهي بنسائهم وأطفالهم، ولا يتخلف إلا من كان مريضاً أو ممرضاً فقط، أما الحيض من نسائنا فإلى جنب حائط المسجد ومكبر الصوت عندهن ويتعلمن.

    نصلي المغرب كما صلينا ونجتمع كما اجتمعنا، ويجلس لنا المربي وندرس كتاب الله، ليلة آية كهذه وأخرى حديثاً، ونتعلم مراد الله وما يطلب منا وكيف نتملقه ونتزلف إليه، والله ما نلبث إلا يسيراً إلا ومن في القرية كلهم يعرف محاب الله ولا مكارهه، كل ليلة نتعلم مكروهاً أو محبوباً لله، ونعزم على التنفيذ والتطبيق، عام كامل وإذا بأهل القرية كلهم علماء عارفون عابدون أطهار أصفياء.

    وإن سألتني وقلت: أعطني صورة لهذه القرية، نقول: اسمع! لا يبقى فيها من يخون إخوانه ولا يغشهم ولا يفسد عليهم نسائهم ولا ببناتهم ولا يأكل أموالهم ولا يهينهم ولا يسبهم ولا يشتمهم ولا يكرههم أبداً، كيف هذا؟ نعم. العلم نور الله إذا ملأ القلب وفاضت تلك الأنوار على الشوارع؛ فلا العين تنظر ما حرم الله، ولا الأذن تسمع ما حرم الله، ولا اليد تأخذ وتعطي ما نهى الله، ولا الفرج يأتي ما حرم الله؛ لأن الأنوار تشع منها.

    وإن قلت: هذا ما هو معقول؟ الآن في قريتكم أعلمكم بالله أتقاكم لله، ابحث عن رجل العلم في قريتك هل تجده فاجراً؟ لصاً؟ فتاناً؟ مغتاباً؟ والله ما كان؛ لأنه علم عرف.. عرفتم هذا وإلا لا؟

    أهل المدن كذلك، كل حي من الأحياء فيه مسجد عظيم يتسع لنساء الحي ورجالهم، إذا دقت الساعة السادسة وقف العمل وأقبلوا على بيت ربهم يستمطرون رحماته، يبكون بين يديه، فضلاً أن يتعلموا الهدى والنور الذي يغمرهم، وحينئذٍ عام واحد والله إن ميزانية الدولة لتنقص إلى النصف، الشره والتكالب على الدنيا ينتهي، يكثر المال، أهل القرية ما يبقى بينهم جائع أبداً، ولا يمد يده أو يحتال عليهم ليأكل أموالهم لأنه في غنى، وتستغني الدولة بنصف الأمن ورجاله، بل بثلاثة أرباعه، لم؟ كل مواطن هو حارس للأمن.. هل هذا معقول؟ والله لهو الحق، كيف تقول هذا يا شيخ؟ نقول: دولة رسول الله عشر سنين في المدينة كم من زاني زنا وقتل؟ واحد أو اثنين، كم من سارق حصل؟ لا أحد، كم بوليس للرسول؟ والله لا أحد، قولوا: الرسول أنوار النبوة.

    دولة أبي بكر ثلاث سنوات من سرق في المدينة؟ من زنا؟ من فجر في مكة وغيرها؟ دولة عمر ثلاثة عشر عاماً، كان عندهم بوليس وشرط؟ والله ما عندهم، أبعد هذا تشك يا عبد الله!

    ما نستطيع يا شيخ نترك أعمالنا، ونقبل على بيت الله نجلس فيه مع النساء والأطفال.. ما نستطيع هذا، إذاً تتوقف الحياة، نقول لهم: أنتم تقتدون بالغرب أم لا؟ في كل شيء حتى في اللقمة تتناولها بيدك اليسرى، تقتدون بهم أم لا؟ إي نعم، إذا دقت الساعة السادسة وأنت في باريس أو برلين أو لندن أو نيويورك يقف العمل.

    في جبل طارق ركبنا الطائرة من طنجا؛ لنلقي كلمة مع العصر، والمسافة ربع ساعة، وإذا بأحد إخواننا الذين دعوننا يقول لأخيه: عجل بإعداد العشاء، لم؟ قال: لأنها الساعة السادسة ما يبقى مطعم ولا دكان ولا.. لم؟ قال: النظام. الله أكبر! لم؟ قال: الناس يستريحون، يذهبون إلى المسارح والمسابح، ويذهبون المقاصف والمراقص ودور السينما يروحون على أنفسهم، هذا واقع وإلا لا؟ إي ورب الكعبة.

    ولم نحن ما نستطيع أن نغلق أبواب العمل ونقدم على ربنا نسأله رضاه ونعمه علينا؟ مسحورون أظن، نعم.

    جهلتنا العصابة اليهودية وساقتنا كالبهائم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    حادثة معينة أقولها لمن يبلغ هذا الكلام؛ لأننا سمعنا من يسخر من هذا الكلام سمعتم؟ يقول: كيف نأتي كلنا إلى المسجد ونترك العمل.

    الآن أنتم تشتغلون عمالاً في الخارج، وأولادكم بالفجور والباطل والشر في دياركم، لو كانوا معكم كلهم من يفجر في الخارج؟ من يتلصص ويجرم؟ هذه وحدها كافية لو كنا نعقل.

    علمت يقيناً: أن الشيوعية الحمراء في بعض البلاد.. هنا في حضرموت أو في عدن حدثني الأبناء يومها، يوم الفتنة قال لي: والله ليجمعون أهل القرية نساء وأطفال ورجال بالقوة في القرية ويلقنونهم تعاليم الشيوعية ومبادئها من بعد العصر إلى بعد العشاء كل ليلة، يعلمونهم مبادئهم وإيمانهم بمعتقدهم، في من يلومهم؟ لا، يريدون أن يحولوا هذا الشعب إلى ما يريدونه، ووقع هذا في مصر وكل المستعمرات يومئٍذ، لا بد من جمع الناس بالقوة وتعليمهم الكفر والإلحاد، وإلا كيف يعيشون معهم، فعلوا هذا أو ما فعلوا؟

    والله فعلوا، وهذا أبو عبد العزيز يحلف لكم: لقد كان السلطان عبد العزيز تغمده الله برحمته على هذا المنهج، يجمع أهل البادية في القرى ويلزمهم بأن يجتمعوا بعد المغرب وبعد الصبح؛ ليتعلموا العقيدة، فما هي إلا سنوات والتوحيد يلوح في آفاق هذا البلاد، وأصبح العوام موحدين أفضل من علمائكم في دياركم من طريق الكلمة فقط. عرفتم قيمة هذا الاجتماع وإلا لا؟

    كيف يجمع تلك الأمة يطهرها؟ يبدأ بالمدارس يعلم أولادها، يجمعهم لصلاة الصبح والإمام يقرأ قائمة: فلان فلان فلان، إذا علم أن شخصاً ما حضر يمشي إلى بيته: لِمَ لم تحضر؟ إن كان مريضاً عادوه، إن كان غائباً عذروه، إن كان الشيطان سخر منه يؤدبه، فلا يتخلف رجل عن صلاة الصبح.

    ويعلمونهم التوحيد وهم عوام لا يعرفون الألف من الباء، وأصبحوا موحدين. هذا أؤكد به هذه الدعوة للعالم الإسلامي إذا أرادوا أن يسعدوا أن يجتمعوا بعد المغرب في مساجدهم بنسائهم وأطفالهم ويتعلمون الكتاب والحكمة، قال الله وقال رسوله وكلهم عزم وصدق في أن يعمل، والله ما هي إلا سنة وقد تغير العالم الإسلامي تماماً، وأصبحوا لو يرفعون أكفهم إلى الله ما ردها خائبة.

    وهذا لا يمنع أن ينشطوا في الصناعات والماديات طول النهار، بل يزيدهم قوة، أليس كذلك؟

    نكتفي بهذا القدر، ونعود للآية غداً إن شاء الله.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله.