إسلام ويب

تفسير سورة المنافقون (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله تعالى في سورة (المنافقون) بعص صفات المنافقين التي استحقوا بها أن ينالوا العقاب الشديد في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أنهم شديدو الإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، فقد قالوا في غزوة المريسيع عن الرسول والمؤمنين بأنهم أذلة وهم الأعزة، فرد الله عليهم بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، كما دعوا قومهم إلى عدم الإنفاق على الرسول والمؤمنين، فرد الله عليهم بأن لله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ولا يعلمون.. وختم الله تعالى السورة بنهي المؤمنين عن أن تلهيهم أموالهم ولا أولادهم عن ذكر الله تعالى، كما أمرهم بالإنفاق من أموالهم قبل أن يأتي أحدهم الموت فيندم حيث لا ينفع الندم.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة المنافقون

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    وها نحن مع خاتمة سورة المنافقين المدنية المباركة، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:5-11].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! سورة المنافقون نزلت بالمدينة النبوية في السنة الخامسة، وذكرنا بعض أسباب نزولها في الدرس الماضي، وخلاصة ما علمناه ونعلمه إن شاء الله: أن بني المصطلق قبيلة وعلى رأسهم: الحارث بن أبي ضرار، تجمعوا ليقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وهم قريبون من قديد، بمكان فيه ماء يسمى: المريسيع، على ساحل البحر، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، جهز رجاله وخرج إليهم.

    فبدلاً من أن يأتوا ليقاتلوه في المدينة خرج إليهم ليقاتلهم؛ لأنهم مشركون كافرون، فلما وصل إليهم وقاتلهم، نصره الله نصراً مؤزراً، فهلكوا.

    ومن ثم قسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنيمة، فأعطى لكلٍ ما يستحق، وهو أخذ جويرية بنت الحارث ، أخذها أمة من الإماء؛ إذ كل الإماء مملوكات، ثم أعتقها وتزوجها في نفس الوقت؛ لأنها بنت الحاكم، بنت الأمير: الحارث بن أبي ضرار ؛ إكراماً لها أعتقها وتزوجها.

    وهنا تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: ما أسعدنا بهذه الجارية، إذ كل من كان تحته امرأة أعتقها. قالوا: كيف زوجة رسول الله وأم المؤمنين نأخذ أخواتها وقريباتها ويستعبدن؟! فحرروا كل من كان عنده جارية.

    وفي أثناء وجودهم حدثت حادثة، وهي أن جهجاه مولى عمر رضي الله عنه خادم لـعمر ، وآخر يسمى سنان خادم لـابن أبي المنافق، حصل بينهم نزاع على الماء، فضرب جهجاه بعصاه سناناً، فلما ضربه وبلغ ذلك ابن أبي صاح وقال كلمات منتنة. قال: سمن كلبك يأكلك. أي: سمناهم في المدينة وأطعمناهم -يعني المهاجرين- سمن كلبك يأكلك، هذه الكلمة والله قالها، ثم قال: لئن رجعنا المدينة لنفعل ونفعل ونفعل، لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [المنافقون:8].

    وبلغ هذا الرسول صلى الله عليه وسلم من طريق زيد بن أرقم -كما علمنا بالأمس- فبعث إليه رجاله، فأعلن أنه ما قال أبداً شيئاً من هذا. أي: ما قال هذا القول أبداً.

    فلما حصل الذي حصل قال له بعض الصالحين: يا فلان! تب إلى الله عز وجل واستغفره، أنت قلت هذا الكلام، لم تكذب؟ وها هي الآيات تحدثنا بهذا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم...)

    قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ [المنافقون:5]، قال لـابن أبي والجد بن قيس والجماعة المنافقة: تعالوا إلى رسول الله يستغفر لكم.

    لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ [المنافقون:5] كبرياء، لوى رأسه هكذا.. لا ينظر إليك ولا يسمع منك.

    الوفد الذين جاءوا لهم يطلبونهم أن يأتوا إلى رسول الله ويستغفروا من ذنبهم لووا رءوسهم، كما قال تعالى: وَرَأَيْتَهُمْ [المنافقون:5] أيها السامع! يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [المنافقون:5]، أبوا أن يستجيبوا في استكبار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم...)

    قال تعالى: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ [المنافقون:6] يا رسول الله أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [المنافقون:6].

    لماذا؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [المنافقون:6]، حرموا الهداية؛ لتوغلهم في النفاق والفسق والعياذ بالله تعالى، فالله لا يهديهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا...)

    ثم قال تعالى: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون:7]، إي والله! كان ابن أبي يقول لأهل المدينة: لا تنفقوا على المهاجرين، فإذا ما أنفقتم عليهم هربوا وتركوا محمداً، هو تقوى بهم بيننا، فلا تنفقوا عليهم ولا تعطوهم ريالاً ولا درهماً ولا صاع تمر أو شعير. هذا قول رئيس المنافقين.

    هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون:7] أي: حتى يهربوا عنه.

    وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [المنافقون:7] فالذي ينفق ويعطي هو الله، بيده خزائن السماوات والأرض، أما أنتم فماذا تنفقون؟ وماذا تعطون؟

    وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:7] حيوانات، بهائم، لا يعرفون شيئاً ولا يفهمون.

    الذي يعطي ويمنع هو الله، فهل أنتم تمنعون إذا أراد الله أن يعطيهم؟

    لهم خزائن ربهم، هم في غنىً عنكم أيها المنافقون وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:7].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل...)

    قال تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [المنافقون:8] من قال هذا؟

    عبد الله بن أبي أبو حباب ، حباب كان اسم ابن عبد الله بن أبي فأبدله الرسول بـعبد الله .

    فلما اشتد الكرب بـعبد الله بن عبد الله بن أبي جاء للرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: ( يا رسول الله! توضأ وأعطني فضلة الماء أسقي والدي لعل الله أن يتوب عليه )، توضأ الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعطاه فضل الماء فحمله وجاء به إلى أبيه أبي الحباب عبد الله بن أبي فقال: اشرب، قال: ماذا أشرب؟ فهلا جئتني ببول أمك خير من هذا. إلى هذا الحد! فما عفا الله عنه ولا غفر له.

    قال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8] العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، لكن المنافقين ما يعلمون هذا.. ما يعرفون، فكيف يقولون نقاتلهم؟ يخرج الأعز منها الأذل، هم الأذلاء والمؤمنون هم الأعزاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله...)

    ثم نادى الله تعالى المؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المنافقون:9]، أي: يا من آمنتم بالله ورسوله لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [المنافقون:9].

    وهذا يتناول ضعاف الإيمان في المدينة، الذين تأثروا بهذه الفتنة، إذ قال لهم رئيسهم: لا تنفقوا على المهاجرين حتى يخرجوا من المدينة.

    وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9]، وهذه في الحقيقة عامة لكل مؤمن ومؤمنة، لا تلهنا أموالنا ولا أولادنا عن ذكر الله، كما بينا بالأمس: المسحاة بيده يضرب الأرض وهو يذكر الله، نعم.

    القلم في يده يكتب وهو يذكر الله!

    يذكر الله سواء كان في التجارة أو في الصناعة.

    لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [المنافقون:9]، فاذكروه قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم، وفي الليل والنهار وفي كل أحوالكم.

    وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ [المنافقون:9]، أي: تلهيه أمواله وأولاده عن ذكر الله؛ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9] خسروا خسران الدنيا والآخرة، في الآخرة: جهنم خسروا الجنة، والدنيا: خسروا العز والكمال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت...)

    ثم قال تعالى للمؤمنين أيضاً: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ [المنافقون:10] أيها المؤمنون! أنفقوا مما رزقناكم، لا تستجيبوا لكلمة ابن أبي .

    وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ [المنافقون:10]، أنفق قبل أن يأتي الموت، فالموت آت ونحن في انتظاره.

    مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ [المنافقون:10] لما يشاهد ملك الموت ومن معه يقول: آه! رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون:10]، أي: ولا أكون من المنافقين والكاذبين، فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون:10].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها...)

    قال تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا [المنافقون:11] والله العظيم! إذا دقت ساعتك يا عبد الله ما يستطيع أحد أن يردها أبداً، لا بد من الوفاة، ومن هنا هذا التوجيه الرباني نأخذ نور الله فيه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [المنافقون:9]، فالغافلون مشغولون في تجارة.. في صناعة.. في زراعة ولا يذكرون الله، والمؤمنون ذاكرون لله في كل أحايينهم، على كل أوقاتهم، في كل أعمالهم.

    اذكروا الله كثيراً!

    لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ [المنافقون:9] أي: ينسى الذكر ويشتغل بالدنيا بأمواله وأولاده فَأُوْلَئِكَ هُمُ [المنافقون:9] لا غيرهم الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9] الذين يخسرون الدنيا والآخرة. الدنيا: لا كمال ولا سعادة. والآخرة: لا جنة ولكن جهنم، والعياذ بالله.

    وأمرنا أيضاً فقال: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ [المنافقون:10]، إذ ما في جيوبنا أو بيوتنا أو بنوكنا كل ذلك من الله، هو الذي أعطانا ورزقنا.

    مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [المنافقون:10] وهو على سرير الموت فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون:10] أزكي وأحج وأعبد الله عز وجل!

    لأن أكون من الصالحين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجون بيت الله!

    فَيَقُولَ رَبِّ [المنافقون:10] أي: يا رب.

    لَوْلا أَخَّرْتَنِي [المنافقون:10] أي: هلا أخرتني.

    إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ [المنافقون:10] بالمال، وأزكي وأنفق على الفقراء والمساكين.

    وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون:10] أجاهد وأحج.

    وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا [المنافقون:11] هذا خبر الله تعالى إلى يوم الدين.

    والنفس: هي الروح، والروح هي النفس، وسميت نفساً؛ لأنها تتنفس من الفم والأنف.

    وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:11] في الظاهر والباطن، في السر والعلن، من الخير والشر، كل ذلك الله به عليم، فاتقوا الله وأنفقوا مما رزقكم الله، ولا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله.

    اللهم حقق لنا ذلك يا رب العالمين!

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: لا ينفع الاستغفار للكافر ولا الصلاة عليه بحال ].

    من هداية الآيات: أنه لا ينفع الاستغفار للمنافق والكافر أبداً، حياً أو ميتاً، قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [المنافقون:6].فالاستغفار للكافر المنافق لا يجوز، ولن يغفر الله له أبداً، ولا يجوز أن تستغفر له.

    والاستغفار: طلب المغفرة، تقول: اللهم ارحم فلاناً. اللهم اغفر لفلان، فإذا كان كافراً فهذا لا يجوز.

    [ ثانياً: ذم الإعراض والاستكبار عن التوبة والاستغفار. فمن قيل له: استغفر الله فليستغفر ولا يتكبر، بل عليه أن يقول: أستغفر الله أو اللهم اغفر لي ].

    أي: من هداية الآيات: ذم التكبر والعياذ بالله، إذا قيل لك: يا فلان! اتق الله، استغفر الله، قل: أستغفر الله وأتوب إليه، لا تتكبر كما تكبروا، من دعي إلى أن يتوب فليتب، من دعي إلى أن يستغفر فليستغفر.

    [ ثالثاً: مصادر الرزق كلها بيد الله تعالى، فليطلب الرزق بطاعة الله ورسوله لا بمعصيتهما ]. أي: من هداية الآيات: لأن مصادر الرزق كلها في السماء والأرض بيد الله، فلا تطلب إلا من الله. إذاً: على العباد أن يعبدوا ربهم ويطيعوه ويطلبوه أن يعطيهم ما أراد أن يعطيهم أما غير الله فلا يعطيهم شيئاً.

    [ رابعاً: العزة الحقة لله ولرسوله وللمؤمنين، فلذا يجب على المؤمن ألا يذل ولا يهون لكافر ]. العزة لله ورسوله والمؤمنين، فالمؤمن لا يذل.. لا يهون.. لا يتحطم.. لا.. لا.. لا.. دائماً عزيز، رأسه مرفوع؛ لأنه معتز بالله عز وجل، فالعزة لله وللرسول والمؤمنين، فالمؤمنون الصادقون في إيمانهم والله ما يذلون، ولن يذلوا أبداً، دائماً رءوسهم مرفوعة، ما تنكسر رءوسهم أمام العدو بحال.

    [ خامساً: حرمة التشاغل بالمال والولد مع تضييع بعض الفرائض والواجبات ]. حرمة التشاغل بالمال والولد مع تضييع الفرائض والعبادات كما يفعل الجهال والضلال يشتغلون في أموالهم وينسون عبادة الله، يشتغلون بأولادهم وأزواجهم ولا يذكرون الله، نبرأ إلى الله من صنيعهم.

    [ سادساً: حرمة تأخير الحج مع القدرة على أدائه تسويفاً وتماطلاً مع الإيمان بفرضيته ]. من هداية الآيات: حرمة تأخير الحج مع القدرة عليه، أما من كان عاجزاً فلا حرج، أما القادر على الحج ومن يستطيع أن يركب راحلته وينفق على نفسه فلا يجوز له تأخير الحج أبداً.

    [ سابعاً: وجوب الزكاة والترغيب في الصدقات الخاصة، كصدقة الجهاد والعامة على الفقراء والمساكين ].

    من هداية الآيات: وجوب إخراج الزكاة، ومن لم يخرج الزكاة جاحداً لها كافر وليس بمؤمن، فإخراج الزكاة واجب، ثم الإنفاق على الفقراء والمساكين في حالة الفقر والعجز.

    [ قال القرطبي : وفي الآية دليل على وجوب تعجيل أداء الزكاة، ولا يجوز تأخيرها أصلاً، وكذلك سائر العبادات إذا تعين وقتها] وهو كما قال رحمه الله تعالى.

    أي: لا يجوز تأخير الزكاة، فإذا وجبت الزكاة عليك في شعبان فلا تقل: نؤجلها إلى رمضان.

    وإذا وجبت في رمضان فلا تقل: نؤجلها إلى شوال أو إلى محرم!

    وإذا وجبت وجبت، فأخرجها في وقتها فقط، وقد أفتى العلماء بجواز إخراج الزكاة قبل وقتها إذا دعت الحاجة إلى ذلك.

    [ ثامناً: تقرير عقيدة البعث والجزاء ]. قال تعالى: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:11]، تقرير عقيدة البعث والجزاء، وهو أن يبعثنا الله عز وجل أحياء كما نحن الآن، ثم يحاسبنا على أعمالنا حساباً دقيقاً، ثم يجزينا؛ إما بالجنة ولخلود فيها، وإما بالنار والعياذ بالله الجبار.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه.