إسلام ويب

تفسير سورة الأنعام (50)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن ذكر الله نبيه موسى عليه السلام وإنزاله عليه الكتاب، امتن الله على هذه الأمة بنزول القرآن على نبيها صلى الله عليه وسلم، وما فيه من البركة التي ينالها كل مؤمن به وعامل بما فيه، وليقطع سبحانه وتعالى الحجة على الكافرين حتى لا يحتجوا بعدم إنزال الله كتاباً عليهم كما أنزل على الذين كانوا من قبلهم، ثم يتوعدهم سبحانه وكل من يصدف عن آيات الله بالعذاب الأليم يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن وتفصيلاً لكل شيء ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله إن شاء الله، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الأنعام المكية المباركة الميمونة، تلكم السورة التي زفت بسبعين ألف ملك لهم زجل وتسبيح، وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فلنستمع إلى تلاوتها مجودة مرتلة ثم نأخذ في شرحها وبيان ما فيها من الهدى، فليتفضل الطالب بتلاوتها.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ [الأنعام:154-157].

    مناسبة الآية لما قبلها من آيات الوصايا العشر

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الأنعام:154].

    تذكرون الآيات الثلاث السابقة والحاوية للوصايا العشر، وتذكرون أن هذه الوصايا العشر نزلت على بني إسرائيل قبلنا، وأنهم لعنايتهم بها يجعلونها قراطيس من حديد ويعلقونها في أعناقهم، فهذه الوصايا العشر كانت قبل التوراة، فالله عز وجل أنزل الوصايا العشر ثم أنزل التوراة، فقوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151] وعلى من كان قبلكم من بني إسرائيل وغيرهم، وأن الوصايا نزلت على موسى وكانت في بني إسرائيل، ثم أعطى الله عز وجل موسى الكتاب: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ [الأنعام:154] الذي هو التوراة.

    معنى قوله تعالى: (تماماً على الذي أحسن وتفصيلاً لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون)

    وقوله: تَمَامًا [الأنعام:154] تماماً لنعمة الله عز وجل وإحسانه وإفضاله، عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ [الأنعام:154] عبادة الله وطاعة الله ورسله، وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:154] مما هو في حاجة البشر إليه من العبادات.. الأخلاق.. الآداب.. الأحكام الشرعية، كل متطلبات الحياة كانت في هذا الكتاب الذي هو التوراة، والتوراة فيها ألف سورة.

    وَهُدًى وَرَحْمَةً [الأنعام:154]، والهدى ما به تبين الطريق وتظهر للسالكين، ورحمة ترحمهم وتنالهم في دنياهم وأخراهم، وهذا شأن كتاب الله عز وجل سواء كان التوراة أو الإنجيل أو الزبور أو القرآن أو صحف موسى أو إبراهيم، لا تخلو من كونها هدى ورحمة.

    وقوله: لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الأنعام:154]، فهذه التوراة وما فيها من الشرائع والأحكام والهدايات البينات من شأنها أن تعدهم لأن يؤمنوا بلقاء الله عز وجل، لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الأنعام:154] أي: يؤمنون بالبعث الآخر والحياة الثانية التي يحشر فيها الخلائق ويحكم الله بينهم، ويدخل الجنة أهل الأرواح الطيبة ويدخل النار أهل الأرواح الخبيثة.

    هذا معنى قوله تعالى: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ [الأنعام:154] بعد الوصايا العشر، تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الأنعام:154]، واذكروا أن الإيمان بالبعث الآخر والحياة الثانية والجزاء فيها على الكسب في الدنيا؛ هذا الركن من أركان العقيدة عندنا وعند كل البشر، هو من أجل الأركان إذا ضعف في نفس صاحبه انهار وسقط، وإذا قوي كمل واستقام ونهض، الإيمان بالله عز وجل رباً وإلهاً، ثم الإيمان بالبعث الآخر والحياة الثانية من أعظم أركان الإيمان، فإذا كان قد حل قلب امرئ أصبح أقوى ما يكون على الطاعة، وإذا انعدم أو ضعف ضعف ذلك الإنسان وأصبح أعجز ما يكون عن فعل الخير وعن التخلي عن الشر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون)

    ثم قال تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ [الأنعام:155] يشير إلى القرآن الكريم، وهذا كتاب عظيم، والتنكير للتعظيم، أنزلناه فضلاً منا ورحمة، وهو مبارك، أي: كثير الخير والبركة لا يفارقه الخير أبداً ما دام في صدور الناس وما داموا يعملون به، كله بركة وخير، إذاً: فاتبعوه أيها المؤمنون، فاتبعوه يا معشر المشركين والكافرين، إذ الآيات نزلت في مكة والسورة مكية.

    إذاً: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ [الأنعام:155] أنزلنا على عبدنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو مبارك وكله خير لا تفارقه الخيرات أبداً.

    وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:155] أيها العرب، فاتبعوه أيها الناس أجمعون، اتبعوا ما جاء فيه من العقائد والعبادات والآداب والأخلاق والأحكام والأخبار المبشرة والمحذرة والمنذرة.

    وَاتَّقُوا [الأنعام:155] الخروج عنه أو الكفر به أو عدم العمل به، فإن أنتم اتبعتم واتقيتم تهيأتم للرحمة، وأصبحتم أهلاً لرحمة الله في الدنيا وفي الآخرة.

    وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:155]، نعم، فالإيمان والعمل الصالح من موجبات الرحمة، والكفر والعمل الفاسد من موجبات النقمة والعذاب، فأيما مؤمن آمن بكتاب الله واتبع ما فيه فأحل ما أحل وحرم ما حرم واعتقد ما أمر باعتقاده وتحلى بما أمر بالتحلي به، وترك الخروج عنه والبعد والانحراف فقد أعد نفسه لرحمة الله في الدنيا والآخرة، لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:155]، هذه (لعل) الإعدادية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين)

    ثم قال تعالى: أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام:156].

    لماذا أنزل هذا الكتاب؟ كراهية أن تقولوا أيها المشركون من قريش وغيرها: إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا [الأنعام:156] -وهم اليهود والنصارى- ونحن ما أنزل علينا كتاب؛ فلهذا لنا العذر فكيف نعذب يوم القيامة؟

    أنزلنا هذا الكتاب قطعاً لحجتكم التي قد تقولون، وهي أنه لو أنزل علينا الكتاب كما أنزل على بني إسرائيل وعلى النصارى لكنا نؤمن ونستقيم ونعتدل. فقطع الله عذرهم، أنهى ما يقولون، بل كانوا يتبجحون فيقولون: لو أنزل علينا الكتاب أو بعث فينا رسول كما في بني إسرائيل لكنا أكمل الناس وأسلمهم وأسعدهم، فهذه الآية قطع الله بها حجتهم وأغلق باب العذر عنهم، وهي قوله: أَنْ تَقُولُوا [الأنعام:156] أي: أنزلنا هذا الكتاب الذي هو هدى وبركة كاملة لئلا تقولوا: إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا [الأنعام:156] يعني: اليهود والنصارى، وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام:156]، ما درسنا التوراة ولا الإنجيل؛ لأنهما بلغات غير لغتنا، وليس عندنا من العلماء من يدرسون هذين الكتاب، فلهذا لا يعذبنا الله يوم القيامة. إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام:156]، بل كانوا يقولون هذا أيضاً لليهود في المدينة، فقطع الله هذا العذر وأنهاه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة ...)

    ثم قال تعالى: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ [الأنعام:157].

    من الجائز أن يقولوا: لو أنزل علينا الكتاب كما أنزل على اليهود والنصارى لكنا أهدى منهم وأحسن استقامة وكمالاً في الحياة الدنيا، فقطع الله هذه المعذرة أيضاً فقال: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ [الأنعام:157].

    البينة هنا تصلح أن تكون القرآن وأن تكون النبي صلى الله عليه وسلم، فالقرآن -والله- بينة أكثر من الشمس في الدلالة على وجود الله وألوهيته وعلمه وقدرته ورحمته، وهي أيضاً بينة على أن محمداً رسول الله، كيف بأمي لا يقرأ ولا يكتب ولم يجلس بين يدي مرب ولا معلم أربعين سنة ثم يتكلم بما لم يقو عليه مخلوق من علوم الأولين والآخرين؟ هذه أعظم بينة على أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وفي سورة البينة جاء لفظ البينة بمعنى الرسول: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ [البينة:1-2]؛ فلهذا يصح أن تقول: البينة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ [الأنعام:157] أي: من اليهود والنصارى. فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [الأنعام:157] هو الذي أرسلها، هو الذي أنزلها، هو الذي أرسل رسوله وبعثه إليكم بعد أن نبأه وأرسله.

    وَهُدًى وَرَحْمَةٌ [الأنعام:157]، وهل هناك هدى ورحمة أكثر من محمد صلى الله عليه وسلم؟ أما قال تعالى: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، وقال: رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]؟ والقرآن الكريم كله هداية وكله رحمة، ما أقبلت عليه جماعة ولا أمة إلا واهتدوا وعاشوا على أحسن ما تكون حياتهم.

    معنى قوله تعالى: (فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ...)

    ثم قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ [الأنعام:157] الاستفهام للنفي: لا أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها. وكان القوم يكذبون بآيات الله ويتكبرون عنها ويصرفون الناس عنها، ويتهمون رسول الله بالتدجيل والسحر والشعر والجنون إلى غير ذلك، فهم بذلك أظلم من ظلم، فقال عز وجل: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ [الأنعام:157] القرآنية التنزيلية المعجزة المنزلة على رسول الله، والرسول نفسه معجزة وآية من آيات الله.

    وَصَدَفَ عَنْهَا [الأنعام:157]، أي: صرف الناس عنها. وكان المشركون غلاتهم ورؤساؤهم يصرفون الناس عن الإسلام صرفاً، ينصرفون بأنفسهم ويصرفون غيرهم، وهذا يتناول إلى يوم القيامة كل من كذب بآيات الله القرآنية وصدف عنها وانصرف وصرف غيره عنها، فلا أظلم منه.

    فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا [الأنعام:157] أي: صرف عنها نفسه وصرف عنها غيره من الناس.

    معنى قوله تعالى: (سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذب بما كانوا يصدفون)

    ثم قال تعالى: سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ [الأنعام:157]، هذا وعيد رباني، (سنجزي) من؟ (الذين يصدفون عن آياتنا)، ما معنى: يصدفون عن آيات الله؟ يصرفون أنفسهم وغيرهم عنها، يقولون: لا تسمعوها، إذا قرأ محمد فلا تسمعوا، إذا قرأ الصديق فقوموا من المجلس. وهذا هو الصدف والصرف، سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا [الأنعام:157]، والمراد الآيات القرآنية، سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ [الأنعام:157]، أقبح العذاب وأسوؤه ألا وهو عذاب النار بالخلود فيها أبد الآبدين، ويكون عذاباً في الدنيا أيضاً، وقد نالهم ومسهم العذاب، وها نحن -المسلمين- في الشرق والغرب معنا العذاب، بل سوء العذاب بسبب إعراضنا عن كتاب الله، ألقيناه جانباً وراء ظهورنا، لا يطبق ولا يحكم ولا يرجع إليه ولا يجتمع عليه في أقصى الدنيا، هذا وعيد -والله- نال المسلمين.

    سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ [الأنعام:157]، أما أصابنا الاستعمار؟ سلط الله علينا الكفار بسبب ماذا؟ بسبب الصدوف عن القرآن، حولناه على الموتى يقرأ، لا نطبقه في محاكم ولا شرائع ولا قضايا، ولا نتلوه تعبداً، وكل ما في الأمر أننا نقرؤه على الموتى، وإلى الآن متى يرفع هذا البلاء عن أمة الإسلام وتعود إليها سعادتها وكمالها وسيادتها وقيادتها؟ والله لن يعود شيء إلا إذا عدنا إلى القرآن، إلى آيات الله، نقرؤها في صدق وجد، ونعلمها ونعمل بما فيها، ونطبق الشرائع كما هي والأحكام والقوانين والآداب والأخلاق والعقائد والعبادات، وهذا لن يتم أيضاً إلا إذا رجعنا إلى بيوت الله بنسائنا وأطفالنا نتعلم الكتاب والحكمة ونزكي أنفسنا، ولا نزال كذلك حتى نزكو ونطيب ونطهر.

    سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا [الأنعام:157] هذا الوعيد خاص؛ ما قال: سنجزيكم. وما معنى: يصدفون عنها؟ يتركونها يعرضون عنها ما يقرءون ولا يتعلمون ولا يعملون، ويصرفون غيرهم أيضاً عنها حتى لا تقرأ ولا يعمل بها.

    سَنَجْزِي الَّذِينَ سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ [الأنعام:157]، أي: بسبب صدفهم عن القرآن وبعدهم عنه وإبعاد الناس عنه أيضاً.

    أسمعكم الآيات مرة ثانية فتأملوا، يقول تعالى: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ [الأنعام:154-157] أي: بسبب صدفهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    إليكم شرح الآيات من الكتاب فتأملوها.

    قال: [ هذا الكلام متصل بما قبله، فـ(ثم) حرف عطف، والمعطوف عليه هو قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ [الأنعام:151].. الآيات، ثم قل يا رسولنا: آتى ربي موسى الكتاب تماماً لنعمه عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ [الأنعام:154] طاعة ربه وهو موسى عليه السلام، وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:154] مما تحتاج إليه أمة بني إسرائيل في عقائدها وعباداتها وأحكامها العامة والخاصة، وَهُدًى [الأنعام:154] يتبينون به الحق والصواب، وَرَحْمَةً [الأنعام:154] لهم في دنياهم لما يحمله من الدعوة إلى العدل والخير رجاء أن يوقنوا بلقاء ربهم.

    هذا ما دلت عليه الآية الأولى، وهي قوله تعالى: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ [الأنعام:154] أي: بني إسرائيل، يُؤْمِنُونَ [الأنعام:154] فيعملون الصالحات ويتخلون عن المفاسد والشرور لما تجلبه لهم من غضب الله تعالى وعذابه.

    أما الآية الثانية فقد أشاد الله تعالى بالقرآن الكريم ممتناً بإنزاله وما أودع فيه من البركة التي ينالها كل من يؤمن به ويعمل به ويتلوه تعبداً وتقرباً وتعلماً، هذا معنى قوله تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ [الأنعام:155]، وقوله: فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:155] أمر للعباد باتباع ما جاء في القرآن الكريم من عقائد وعبادات وشرائع وأحكام فإن من اتبعه ] أي: القرآن [ قاده إلى السعادة والكمال في الحياتين ] الدنيا والآخرة.

    [ وقوله: وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:155] أي: اتقوا ترك العمل به ليعدكم ذلك الذي هو متابعة القرآن والتقوى للرحمة فترحمون في الدنيا والآخرة.

    وأما الآية الثالثة وهي قوله تعالى: أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام:156] فمعناها: إن الله تعالى أنزل الكتاب على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأمره بتلاوته وإبلاغه الناس لئلا يقول الكافرون من العرب: إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا [الأنعام:156] اليهود والنصارى، والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل، وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ [الأنعام:156] إذ لم نعرف لغتهم، ولم نعرف ما يقرءونه في كتابهم ] يعنون اليهود والنصارى، [ فتقوم الحجة لكم علينا، فقطعاً لهذه الحجة أنزلنا الكتاب.

    وقوله تعالى في الآية الرابعة: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ [الأنعام:157] كما قطع تعالى عذرهم بإنزال كتابه الكريم لو قالوا يوم القيامة: إنما أنزل الكتاب على اليهود والنصارى ونحن لم ينزل إلينا شيء، فلذا ما عرفنا ربنا ولا عرفنا محابه ومكارهه، فنطيعه بفعل محابه وترك مكارهه، قطع كذلك عذرهم لو قالوا: لو أنا أنزل علينا الكتاب الهادي إلى الحق المعرف بالهدى لكنا أهدى من اليهود والنصارى الذين أوتوا الكتاب قبلنا، فقال تعالى: فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [الأنعام:157] وهو القرآن الكريم ورسوله المبلغ ] عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

    [ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ [الأنعام:157] أي: وجاءكم الهدى والرحمة يحملهما القرآن الكريم، فأي حجة بقيت لكم تحتجون بها عند الله يوم القيامة؟ إنكم إن لم تقبلوا هذه البينة وما تحمله من هدى ورحمة فقد كذبتم بآيات الله وصدفتم عنها، ولا أحد أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها، وسيجزيكم بما يجزي به المكذبين بآيات الله الصادفين عنها. هذا ما دلت عليه الآية الرابعة: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ [الأنعام:157] أي: كراهية أن تقولوا ] هذا.[ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ [الأنعام:157] ].

    هداية الآيات

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! لهذه الآيات هدايات، فهيا نسمع هذه الهدايات:

    [ أولاً: بيان منة الله تعالى على موسى والثناء عليه لإحسانه ]؛ لقوله تعالى: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ [الأنعام:154]، ففيه منة على موسى وإحسان إليه.

    [ ثانياً: تقرير عقيدة البعث والجزاء يوم القيامة ]؛ لقوله تعالى: لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الأنعام:154]، (تقرير عقيدة البعث) من القبور (والجزاء) على العمل الدنيوي في (يوم القيامة).

    أعيد القول: هذا المعتقد يجب أن نقويه في أنفسنا، فمن قوي اعتقاده أنه سيبعث بعد موته وسيحاسب على عمله ويجزى به أمكنه وقدر على أن يستقيم على منهج الله، فلا تزل قدمه ولا يسقط في المعاصي والجرائم، ومن ضعف في نفسه هذا المعتقد أو تناساه ولم يلتفت إليه فهو كالمريض، وهو الركن السادس من أركان الإيمان.

    [ ثالثاً: الإشادة بالقرآن الكريم، وما أودع الله فيه من البركة والهدى والرحمة والخير ]، أما قال تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:155]؟

    [ رابعاً: قطع حجة المشركين بإنزال الله تعالى كتابه وإرسال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ]؛ إذ لولا أن الله أنزل القرآن وبعث الرسول لقالوا: نحن معذورون، ما أنزل الله علينا كتاباً ولا بعث فينا رسولاً كبني إسرائيل وكذا وكذا، فقطع الله هذه الحجة، فماذا قال تعالى فيها: أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ [الأنعام:157] إذاً: فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ [الأنعام:156-157].

    [ خامساً: التنديد بالظلم، وبيان جزاء الظالمين ]، وفي الحديث: ( الظلم ظلمات يوم القيامة )، وفي الحديث: ( الظلم يذر الديار بلاقع )، الظلم يترك الديار بلاقع خالية ليس فيها أحد.

    [التنديد بالظلم وبيان جزاء الظالمين المكذبين بآيات الله المعرضين عنها] الذين ما آمنوا بهذا الكتاب ولا عملوا بما فيه، بل صدفوا عنه وأعرضوا عنه.

    هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما نقرأ وندرس ونسمع، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.