إسلام ويب

تفسير سورة الأنعام (49)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه الآيات حرم الله عز وجل على عباده الإشراك معه سبحانه، وحرم عليهم عقوق الوالدين وقتل الأبناء، وحرم عليهم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وحرم عليهم أكل مال اليتيم، وتطفيف المكيال والميزان، وحرم عليهم نقض العهود والعدول عن كلمة الحق، ثم أمرهم سبحانه باتباع الصراط المستقيم الذي ينجيهم في الأولى والآخرة، وعدم اتباع السبل التي تخرج بهم عن هذا السبيل القويم.

    1.   

    توجيه لمعرفة الوصايا العشر والعمل بها

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس إن شاء الله كتاب الله، رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الأنعام المكية المباركة الميمونة، تلكم السورة التي زفت يوم نزولها بسبعين ألف ملك ولهم زجل وتسبيح، وها نحن مع الوصايا العشر، فلنستمع إلى تلاوة الآيات مجودة مرتلة ثم نأخذ في دراستها وشرحها وبيان ما جاء فيها، والله نسأل أن يجعلنا من أهل هذه الوصايا.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:151-153].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه عشر وصايا ربانية إلهية، أوصى الله تعالى بها عامة عباده، فهيا نحقق هذه الوصايا كما أراد الله تعالى منا، فأول خطوة أن نعرف هذه الوصايا العشر وصية بعد وصية، ثانياً: أن نجاهد أنفسنا والشيطان حتى لا نخل بوصية من هذه الوصايا العشر، وقد عرفتم ما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيها إذ قال: (من سره أن ينظر إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ الآيات الثلاث من آخر سورة الأنعام)، فهيا ندرسها في الكتاب، ثم نلخص ما شاء الله أن نلخصها، والله أسأل أن يجعلنا من أهلها.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [ معنى الآيات: ما زال السياق في إبطال باطل العادلين بربهم المتخذين له شركاء الذين يحرمون بأهوائهم ما لم يحرمه الله تعالى عليهم ]، والعادلون هم المشركون، والسورة كلها معهم، وهي تقرر المبادئ الأربعة التي ما ننساها: أولاً: توحيد الله، لا إله إلا الله. ثانياً: تقرير النبوة المحمدية، فمحمد رسول الله. ثالثاً: لا محلل ولا محرم ولا مقنن ولا مشرع إلا الله. رابعاً: البعث الآخر والجزاء على العمل في هذه الدنيا إما بالنعيم المقيم في جوار الله رب العالمين، وإما بالعذاب الأليم في دار البوار مع الكفار، والله نسأل أن يجعلنا من أهل الجنة. قال: [ فقد أمر تعالى رسوله في هذه الآيات الثلاث ]، وهي قوله: (( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ))[الأنعام:151] أي: بالله تعالى، (( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ))[الأنعام:151]. قال: [ فقد أمر تعالى رسوله في هذه الآيات الثلاث أن يقول لهم: (( تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ))[الأنعام:151]، لا ما حرمتموه أنتم بأهوائكم وزينه لكم شركاؤكم]

    ذكر الأمور الخمسة المحرمة في الآية الأولى من آيات الوصايا العشر

    قال: [ففي الآية الأولى جاء تحريم خمسة أمور ].

    الآية الأولى التي سمعناها الآن جاء فيها تحريم ومنع خمسة أمور: [ وهي: الشرك، وعقوق الوالدين، وقتل الأولاد، وارتكاب الفواحش، وقتل النفس ].

    الآيات ثلاث:الآية الأولى اشتملت على خمسة حرمات أو خمس وصايا، الأولى: الشرك بالله عز وجل، الثانية: عقوق الوالدين، الثالثة: قتل الأولاد، الرابعة: ارتكاب الفواحش، والخامسة: قتل النفس البشرية.

    [ فقال تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام:151]، فـ(أن) تفسيرية لا ناهية، وهذا أول محرم وهو الشرك بالله تعالى.

    وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الأنعام:151] وهذا أمر؛ إذ التقدير: وأحسنوا بالوالدين إحساناً، والأمر بالشيء نهي عن ضده ]، الأمر بالإحسان ضد العقوق، وهذا أمر على تقدير: وأحسنوا بالوالدين إحساناً، والأمر بشيء نهي عن ضده، [ فالأمر بالإحسان يقتضي تحريم الإساءة، والإساءة إلى الوالدين هي عقوقهما، فكان عقوق الوالدين محرماً داخلاً ضمن المحرمات المذكورة في هذه الآيات الثلاث.

    وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الأنعام:151] فهذا المحرم الثالث، وهو قتل الأولاد من الإملاق الذي هو الفقر، وهذا السبب غير معتبر، إذ لا يجوز قتل الأولاد بحال من الأحوال، وإنما ذكر] أي: الإملاق [لأن المشركين كانوا يقتلون أطفالهم لأجله ]، أي: لأجل الفاقة والإملاق.

    [ وقوله تعالى: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الأنعام:151] تعليل للنهي عن قتل الأولاد من الفقر؛ إذ ما دام الله تعالى يرزقكم أنتم أيها الآباء ويرزق أبناءكم فلم تقتلونهم؟! وفي الجملة بشارة للأب الفقير بأن الله تعالى سيرزقه هو وأطفاله، فليصبر وليرج ولا يقتل أطفاله.

    وقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام:151] هذا الأمر الرابع مما حرم الله تعالى، وهو فعل الفاحشة التي هي الزنا، وسواء ما كان منه ظاهراً أو باطناً، والتحريم شامل لكل خصلة قبيحة قد اشتد قبحها وفحش، فأصبح فاحشة قولاً كانت أو فعلاً أو اعتقاداً.

    وقوله: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الأنعام:151] هذا هو المحرم الخامس، وهو قتل النفس التي حرم الله قتلها، وهي كل نفس ما عدا نفس المحارب فإنها مباحة للقتل، والحق الذي تقتل به النفس المحرمة واحد من ثلاثة، وهي: القود والقصاص، فمن قتل نفساً متعمداً جاز قتله بها قصاصاً، والزنا بعد الإحصان، فمن زنى وهو محصن وجب قتله رجماً بالحجارة كفارة له ]، أي: لذنوبه. [ والردة عن الإسلام ] والخروج عنه.

    [ وقد بينت هذه الحقوق السنة، فقد قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح: ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ) ]، واحدة من ثلاث: [ ( النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة ).

    وقوله تعالى في ختام الآية: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام:151] أي: ليعدكم بترك هذه المحرمات الخمس لأن تكونوا في عداد العقلاء؛ لأن من يشرك بربه صنماً، أو يسيء إلى أبويه، أو يقتل أولاده، أو يفجر بنساء الناس أو يقتلهم لا يعتبر عاقلاً أبداً؛ إذ لو كان له عقل ما أقدم على هذه العظائم من الذنوب والآثام].

    ذكر الأمور الأربعة المحرمة في الآية الثانية من آيات الوصايا العشر

    قال: [وفي الآية الثانية وهي قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام:152] ]، أي: تتعظون. [ ففي هذه الآية جاء تحريم أربعة أمور وهي: أكل مال اليتيم، والتطفيف في الوزن، والجور في الأقوال والأحكام، ونكث العهد.

    فقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ [الأنعام:152] أي: بما ينقصه أو يفسده ] اللهم [ إلا بالحالة التي هي أحسن له نماء وحفظاً.

    وقوله: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [الأنعام:152] بيان لزمن اليتم، وهو من ولادته وموت والده إلى أن يبلغ زمن الأشد وهو البلوغ، والبلوغ يعرف بالاحتلام أو نبات شعر العانة، وفي الجارية ] يعرف [ بالحيض أو الحمل، وببلوغ الثامنة عشرة من العمر، وعلى شرط أن يبلغ اليتيم عاقلاً، فإن كان غير عاقل يبقى في كفالة كافله.

    وقوله تعالى: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [الأنعام:152] أمر بتوفية الكيل والوزن، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وبذا حرم بخس الكيل والوزن والتطفيف فيهما.

    وقوله: بِالْقِسْطِ [الأنعام:152] أي: بالعدل بحيث لا يزيد ولا ينقص.

    وقوله: لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [الأنعام:152] أي: طاقتها؛ رفعاً للحرج عن المسلم في الكيل والوزن إذا هو نقص أو زاد بغير عمد ولا تساهل.

    وقوله تعالى: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [الأنعام:152] هذا المحرم الثالث، وهو قول الزور وشهادة الزور، إذ الأمر بالعدل في القول ولو كان المقول له أو فيه قريباً نهي عن ضده وهو الجور في القول.

    وقوله تعالى: وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا [الأنعام:152] متضمن للمحرم الرابع، وهو نكث العهد وخلف الوعد، إذ الأمر بالوفاء بالعهود نهي عن نكثها وعدم الوفاء بها.

    وقوله تعالى: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام:152] إشارة إلى ما تضمنته هذه الآية الثانية مما حرم تعالى على عباده ]، فقوله تعالى: (ذلكم) أي: المذكور في هذه الآية.

    [ وقوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام:152] أي: ليعدكم بذلك لأن تذكروا فتتعظوا فتجتنبوا ما حرم عليكم].

    ذكر المأمور به والمنهي عنه في الآية الثالثة من آيات الوصايا العشر

    قال: [وقوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153]، هذه هي الآية الثالثة من آيات الوصايا العشر، وقد تضمنت الأمر بالتزام الإسلام عقائداً وعبادات وأحكاماً وأخلاقاً وآداباً، كما تضمنت النهي عن اتباع غيره من سائر الملل والنحل المعبر عنها بالسبل، وما دام الأمر بالتزام الإسلام يتضمن النهي عن ترك الإسلام فقد تضمنت الآية تحريماً، ألا وهو ترك الإسلام واتباع غيره، هذا الذي حرم الله تعالى على عباده لا ما حرمه المشركون بأهوائهم وتزيين شركائهم.

    وقوله تعالى: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153] إشارة إلى التزام الإسلام وترك ما عداه ليعدكم بذلك للتقوى وهي اتقاء غضب الرب تعالى وعذابه ].

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: هذه الوصايا العشر عليها مدار الإسلام وسعادة الإنسان في الدارين ] والله العظيم. [ وكان عبد الله بن مسعود يقول فيها: (من سره أن ينظر إلى وصية رسول الله التي عليها خاتمه فليقرأ الآيات الثلاث من آخر سورة الأنعام.

    وقد أخبرتكم أمس بما نقلناه عن أحد الصالحين العالمين: أن اليهود كتبوها في حديدة ويعلقونها في أعناقهم، وهي قطعاً في أول التوراة، في كتاب التوراة في أول صفحاته موجودة الوصايا العشر، وأهملوها وفعلوا بضدها ليهلكوا والعياذ بالله.

    [ ثانياً: حرمة الشرك، وعقوق الوالدين ]، أي: وحرمة عقوق الوالدين. [ وقتل الأولاد، والزنا، واللواط، وكل قبيح من قول أو عمل أو اعتقاد، وقتل النفس إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وبخس الكيل والوزن، وقول الزور، وشهادة الزور، ونكث العهد، وخلف الوعد، والردة عن الإسلام، واتباع المذاهب الباطلة والطرق الضالة.

    ثالثاً: كمال العقل باجتناب المحرمات الخمس الأولى ].

    من اجتنبها كمل عقله وأصبح ذا عقل، ومن أشرك بالله، أو عق والديه، أو قتل أولاده، أو قال الفحش والباطل، أو قتل نفساً؛ فوالله لا يعتبر من أهل العقول، لا عقل له، إذ العقل من العقال يربط صاحبه ويمنعه من فعل الباطل والشر.

    [ رابعاً: الحصول على ملكة المراقبة باجتناب المحرمات الأربع الثانية ]، لقوله تعالى: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام:152] تتعظون، إذاً: الحصول على ملكة المراقبة، ما المراد بالمراقبة؟ أن تعبد الله كأنك تراه، إذا أصبح العبد لا يقول حتى يذكر هل الله راض عن هذا القول، لا ينظر حتى يذكر هل الله يرضى بهذا، لا يأكل ولا يشرب.. لا يعطي ولا يأخذ.. لا يسافر ولا يقيم.. لا يقوم ولا يقعد إلا وهو يراقب الله، أي: هل هذا يرضي الله أذن الله لي فيه؟ فمن فاز بهذه الملكة فبشره بالنجاة، فاجتناب تلك الأربع تكسب الإنسان المراقبة، ويصبح له ملكة في مراقبة الله عز وجل، والرسول يقول: ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )، فلهذا أنت ذاكر لله بقلبك نائماً ويقظاناً، دائماً مع الله، تريد أن تخرج من المسجد تقدم رجلك اليمنى، لماذا ذكرت هذا؟ لأنه من هدي رسول الله، سلمت على أحد فما سلمت حتى عرفت أن هذا أمر الله به، وهكذا غضضت بصرك عرفت أنك مأمور، قلت كلمة حق علمت أنك مأمور، وهكذا من حصل على هذه الملكة -ملكة المراقبة- فاز والله ونجا، وهذه تحصل بالذكر وعدم الغفلة والنسيان.

    قال: [ خامساً: النجاة من النار والخزي والعار في الدارين ] بم تكون؟ [ بالتزام الإسلام حتى الموت ].

    النجاة من النار ومن الخزي والعار في الدارين الدنيا والآخرة يكونان بالتزام الإسلام حتى الموت [ والبراءة من غيره من سائر المذاهب والملل والطرق ].

    1.   

    خلاصة الوصايا العشر

    أذكر هنا خلاصة العشر الوصايا: فأول موصى بتركه في هذه الوصايا العشر هو الشرك بالله، يوصينا ربنا بعدم الشرك بالله.

    ثم الإحسان بالوالدين وضده العقوق، وجب الإحسان وحرم العقوق، إذ الأمر بالشيء نهي عن ضده.

    ثم قتل الأولاد، أوصانا بعدم قتل الأولاد.

    ثم نهانا عن قرب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، كل ما قبح واشتد قبحه حتى من كلمة تقولها فهي فاحشة فضلاً عن الزنا واللواط.

    ثم قتل النفس إلا بالحق، والنفس سواء كانت كافرة أو مؤمنة، فاللفظ عام، إذا كانت كافرة يصح قتالها عندما يعلن إمام المسلمين الحرب عليهم وندخل في المعركة فقط، فلا يقتل كافر لكفره أبداً إلا في حال إعلان الحرب والتقاء الصفوف في المعركة، سواء كان مجوسياً أو يهودياً أو نصرانياً.

    ثم ثلاثة أمور بينها الرسول صلى الله عليه وسلم:

    أولاً: ( النفس بالنفس )، من قتل مسلماً عمداً وعدواناً وجب قتله، إلا إذا عفا أهل الميت أو قبلوا الدية فأمر الله واسع في هذه الأمة، اليهود ليس لهم أبداً مطالبة بالدية وليس لهم حق العفو، من قتل يجب أن يقتل، شدد الله عليهم لأنهم شددوا على أنفسهم، والنصارى لا قتل ولا دية، بل العفو، الذي جاء به المسيح عليه السلام: أن من قتل لا يقتل أبداً ولا تؤخذ منه دية، بل العفو الكامل، والمسلمون شريعتهم أن يقتص منه ويقتاد، أو يأخذ دية أو يعفو لوجه الله تعالى، والحمد لله.

    ثانياً: ( والثيب الزاني )، والثيب هو المحصن الذي تزوج زواجاً شرعياً وعقد وبنى بزوجته ثم طلقها أو ماتت أو أو بقيت عنده، فهو محصن محفوظ، من الحصانة، فإن زنا مع إحصانه فالقتل، فإن زنا قبل الزواج والعقد والدخول حكم الله فيه بجلد مائة جلدة ويغرب سنة كاملة؛ حتى لا يراه أحد، من المدينة يغرب إلى الرياض، وسر هذا التغريب: أننا إذا جلدناه عند المسجد وتركناه يمشي بيننا فكل من ينظر إليه يقول: هذا الذي رجم بالأمس، لماذا؟ يقول: للزنا، فهذا يحدث فكرة الزنا في النفوس، فلقطع دابر القضية يبعد حتى تنسى، هذا تشريع العليم الحكيم: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النور:2].

    أما المرأة فإلى أين نغربها؟ نبعث بها إلى أين؟ لا يصح تغريبها أبداً، لأن الناس ما يرونها في الشوارع فيقال: هذه زنت، هذه خفية مستورة فلا معنى لتغريبها، الذي يغرب هو الرجل الذكر؛ حتى لا يذكر الناس برؤيته الفاحشة.

    ثالثاً: كل من ارتد عن الإسلام وانتكس وعاد إلى اليهودية أو النصرانية أو المجوسية، يستتاب فإن تاب وإلا قتل، واستتابته ثلاثة أيام يحبس ويعرض عليه الإسلام فيقال له: ترجع إلى دينك، قم فتوضأ وصل، فإن أصر على ردته قتل، وهذا الحد حد كفر، لا حد إسلام.

    والمفارق للجماعة هو كل من ارتد وفارق الجماعة، كل من خرج عن الإسلام فارق المسلمين.

    الوصية السادسة: عدم أكل مال اليتيم، فلا يصح أكل مال اليتيم قل أو كثر ولو حبة عنب؛ لأن اليتيم فقد والده وأصبح أمانة عندك يا وليه أو يا كفيله، فلا تخن ربك في مال هذا اليتيم، لكن إذا كنت -كما قدمنا- فقيراً وكنت تعمل في هذا المال تجلبه إلى السوق، تجنيه من النخل فخذ على قدر عملك فقط، وإن كنت غنياً فلا تأخذ شيئاً بل تعمل في سبيل الله.

    ثم وجوب أيفاء الكيل والوزن، وصية الله بحرمة التطفيف في الكيل والوزن، وآية: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1] فيمن نزلت؟ في أهل المدينة، قالوا: كنا أسوأ الناس كيلاً ووزناً حتى نزلت هذه السورة في المدينة: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1] فأصبحنا أعدل الناس كيلاً ووزناً، ووالله إنهم لكذلك.

    ثم الوصية بالعدل في القول والحكم؛ لأن القول الحكم والشهادة، ولو كان المقول فيه أو المحكوم عليه من ذوي قرابتك، إذا قلت قولاً فاعدل فيه، وإذا حكمت حكماً فاعدل فيه، وإذا شهدت شهادة فاعدل فيها، كل هذا تابع للعدل في القول والحكم.

    ثم الوفاء بعهد الله، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا [الأنعام:152]، واعلموا أن من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله؛ فقد أعلن عن التزامه بالإسلام، وعليه فكل ما يترك من الإسلام مؤاخذ به، والله يقول: وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا [الأنعام:152]، وعهد الله أن تدخل في الإسلام ولا تخرج منه أو تنقض شرائعه وأحكامه وعقائده.

    ثم اتباع دين الله الذي هو الإسلام وعدم الردة عنه وحرمة اتباع الأديان الأخرى والمذاهب والبدع.

    ثمرة العمل بالوصايا العشر

    والثمرة لهذه الوصايا العشر حصولك على تقوى الله، ومن حصل على تقوى الله فاز أولاً بولاية الله، ثانياً: بالنجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار، فماذا بقي غير هذا؟ والله تعالى أسأل أن يرزقنا هذا كله.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.