إسلام ويب

تفسير سورة الأنعام (47)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله عز وجل نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يتلو على المشركين ما حرم الله عليهم وعلى سائر عباده، فبدأ بذكر الشرك بالله في ربوبيته وألوهيته، وأنه مما حرم الله على عباده، ثم ذكر الوالدين وما يلزم في حقهما من الإحسان والبر، والأولاد وحرمة قتلهم خشية الفقر والعوز، وحرمة إتيان الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن من اجتنب هذه المحرمات كان على صراط مستقيم.

    1.   

    تأكيد تقرير سورة الأنعام للقواعد الشرعية العقدية الأربع

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع سورة الأنعام المكية المباركة الميمونة، تلكم السورة التي زفت بسبعين ألف ملك ولهم زجل وتسبيح، تلكم السورة التي تقرر ما يلي:

    أولاً: تقرير (لا إله إلا الله) بالحجج القطعية والبراهين الساطعة، وكل ذي عقل يسمع تلك الحجج والبراهين لا يسعه إلا أن يقول: لا إله إلا الله، ويقبل على عبادة الله فيعبده وحده بما شرع من العبادات.

    ثانياً: تقرير النبوة المحمدية بالحجج القطعية والبراهين الساطعة والأدلة العجب، فأيما ذو عقل يستعرض تلك الحجج والبراهين إلا قال: أشهد أن محمداً رسول الله.

    ثالثاً: تقرير مبدأ البعث الآخر والحياة الفانية حياة الجزاء على الكسب في هذه الدنيا، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات فزكت نفوسهم وطابت أرواحهم وطهرت جزاؤهم مجاورة ربهم في دار السلام مع مواكب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

    ومن أعرض عن الإيمان متكبراً أو معانداً محارباً ولم يعمل من الصالحات شيئاً فخبثت نفسه وتدست وأصبحت أهلاً لسخط الله وغضبه؛ فإنه يجزى بالخسران الأبدي حيث يلقى في عالم الشقاء فلا يخرج منه أبداً.

    رابعاً: بيان ما شرع الله لعباده أن يعبدوه به، بيان ما أحل الله وما حرم، فهذه السورة بينت ما حرم الله وما أحل، وأغلقت الباب في وجه من يريد أن يحلل أو يحرم؛ لأن هذا اعتداء على منصب الرب جل جلاله وعظم سلطانه، وردت على أولئك المشركين الذين حللوا وحرموا وقننوا وشرعوا ولا حق لهم في ذلك، وإنما الشيطان زين لهم الباطل وحسنه في قلوبهم فأصبحوا يحللون ويحرمون.

    والتحليل والتحريم من حق الله العليم الحكيم، عبيده يشرع لهم ما شاء، يحل لهم ما يشاء ويحرم عليهم ما يشاء لأنه مالكهم وسيدهم، وقبل ذلك أنه وليهم فيشرع لهم ما يكملون به ويسعدون عليه.

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث فاسمعوها، ثم نأخذ في شرحها وبيانها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً ...)

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام:151] هذه الآية الأولى.

    الثانية: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:152-153].

    بيان ما تضمنته الآيات من الوصايا العشر وتوجيه المسلمين بشأنها

    أتدرون ما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في هذه الآيات الثلاث؟ قال رضي الله عنه: (من سره أن يرى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ الآيات من آخر سورة الأنعام).

    من سره منكم وأفرحه وأثلج صدره أن يرى وصية رسول الله وعليها خاتمه فليقرأ هذه الآيات الثلاث من آخر سورة الأنعام، هذه الآيات الثلاث تحمل عشر وصايا إلهية، ومن تدبير الله أنها موجودة في أول التوراة، أول ما كان في التوراة كتاب الله هذه الوصايا العشر، وعبث بها اليهود وأهملوها وعكسوها فأبلسوا -والعياذ بالله- من رحمة الله.

    وهي عندنا ثلاث آيات من كتاب به ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية.

    أقول -والدين النصيحة-: يا أهل هذا الدرس! يجب أن تحفظوا هذه الوصايا العشر عن ظهر قلب.

    ثانياً: يجب أن تعلموا مراد الله من كل وصية.

    ثالثاً: يجب أن تعملوا -ولا أخالكم إلا عاملين- بهذه الوصايا وتنفذوها ولو تكلفتم أصعب المشاق وأتعب المتاعب، ومن ظفر بها حفظاً وفهماً وعملاً فليأت نبشره بسعادة الدنيا والآخرة، وها نحن نطيل معكم الحبل ولا نستعجل حتى نتمكن جميعاً من حفظها وفهمها والعمل بها فنتخرج علماء ربانيين، فهيا مع الآية الأولى.

    خطاب المشركين ببيان ما حرم الله تعالى عليهم في الوصايا العشر

    قوله جل ذكره: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151] هذا الأمر موجه لمن؟

    أولاً: لأولئك المشركين المعاندين العادلين بربهم الذين حللوا وحرموا وشرعوا افتراءً على الله وكذباً، قل لهم يا رسولنا، يا نبينا، أيها المبلغ عنا، قل لهم: تعالوا، والتعبير بـ(تعالوا) في لغة العرب يدل على أن من ساد وعلا وارتفع يقول لمن تحته ودونه: تعال إن كنت أهلاً لأن تعلو وترتفع. ومقام النبوة أسمى المقامات ودرجة رسول الله أعلى الدرجات، والمشركون في أهبط وأسفل الدركات، فلهذا قال له: قُلْ تَعَالَوْا [الأنعام:151] أيها المشركون المشرعون بالباطل المحللون والمحرمون. أَتْلُ [الأنعام:151] بمعنى أقرأ، من تلا يتلو تلاوة: إذا قرأ الكلمات كلمة بعد كلمة، كلمة تتلو كلمة، وهذه هي التلاوة.

    أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ [الأنعام:151] ما حرمته أنا ولكن ما حرم ربكم، أي: خالقكم رازقكم مربيكم مدبر حياتكم إليه مصيركم، الذي يملكم ولا تملكون، فلهذا لا تغضبوا ولا تحزنوا ولا تكربوا، تعالوا أتل عليكم ما حرم ربكم وخالقكم وإلهكم الحق ومعبودكم الذي لا يستحق العبادة سواه.

    تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151] وعلى غيركم من سائر الناس، فلهذا أخر هنا الجار والمجرور، لو قال: (تعالوا أتل ما حرم عليكم ربكم) أي: أنتم فقط، لكن هذا التحريم هو حرام على كل إنسي وجني؛ لأنه إذا عمل به خبثت نفسه وأنتنت وتعفنت وأصبح من أهل الدركات السفلى من أهل الشقاء في عالم الخسران، فنحن -إذاً- يتلى علينا ما حرم ربنا تعالى علينا.

    قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151]، عرفنا من الآمر ومن المأمور، عرفنا معنى التلاوة والقراءة، عرفنا معنى الرب.

    قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151]، يا رسولنا! قل لهؤلاء المشركين وغيرهم من عباد الله: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، من جاء وحضر واستجاب للدعوة سوف يتلو عليه رسول الله ما حرم الله عليه في عشر وصايا تعدل الدنيا وما فيها.

    الوصية الأولى: اجتناب الشرك بالله تعالى

    الآن مع المحرم الأول، قال تعالى: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام:151] هذا المحرم الأول، ألا وهو الشرك بالله، حرمه الله في كتبه وعلى ألسنة رسله وتوعد عليه بأشد العذاب وأقساه، فما الشرك بالله؟ أن تشرك به أحداً في عبادته فتعبده معه، أن تشرك في عبادة الله غير الله ليكون معه شريكاً في تلك العبادة.

    أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام:151] أي: ألا تشركوا بالله عز وجل في عبادته شيئاً من الشرك والشركاء، وهذا معنى لا إله إلا الله.

    مظاهر وصور الشرك بالله تعالى

    معاشر المستمعين! الشرك به تعالى له مظاهر تظهر وتشاهدها أيها العاقل، فالذي يتخذ إلهاً يعبده مع الله كما اتخذ النصارى عيسى بن مريم ووالدته البتول وعبدوهما مع الله هذا الشرك واضح لا جلاء فيه.

    والذين يتخذون تماثيل وصوراً وهياكل ويعبدونها مع الله بالتقرب إليها، بالاستعاذة بهاو بتقريب القربان لها كمشركي العرب وغيرهم أشركوا في عبادة الله غير الله، الذي يتقرب إلى ميت من الموتى بأن ينذر له نذراً، بأن يعكف على قبره يتعبد بذلك، بأن يحلف به، بأن يجعل له من الحرث والأنعام شيئاً كما كان المشركون عبدة غير الله مع الله.

    الذي يعتقد أن هناك من يخلق أو يرزق أو يدبر أو يعطي أو يمنع دون الله قد أشرك في ربوبية الله آخر وجعله مثل الرب، الذي يعطي صفات الرب تعالى لمخلوق من مخلوقاته، فيعتقد أنه يسمع السر والنجوى ويعلم الغيب ويعلم الظاهر والباطن ويحيي ويميت؛ فقد اتخذ هذا المخلوق رباً، وأخذ صفات الله وأسبلها عليه.

    أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام:151] قل أو كثر من الشركاء ومن الشرك؛ إذ الحقيقة هي لا إله إلا الله، لا خالق ولا رازق ولا مدبر في العوالم إلا الله، إذاً فلا يحب ولا يعظم ولا يركع له ولا يسجد ولا يحلف إلا لله وبالله.

    ومن مظاهر الشرك عند عوام المسلمين من قرون: الحلف بغير الله: والنبي، والكعبة، ورأس فلان، هذا شرك في عبادة الله؛ لأن الحلف تعظيم، ومن الذي يعظم؟ الله وحده هو الله الأكبر وهو الأعظم والعظيمو فكيف ترفع مخلوقاً إلى مستوى الله وتجعله مثله وتحلف به.

    وكذلك الاستغاثة: يا سيدي فلان .. يا مولاي فلان .. يا رجال البلاد .. يا أهل الله! ويناديهم ويطلب حاجته منهمو فهذا -والله- هو الشرك الذي حرمه الله على لسان رسوله.

    الذي يقول: هذه الشاة لسيدي عبد القادر، هذه النخلة أو شجرة الزيتون لسيدي فلان أشرك في عبادة ربه.

    فالحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا أنه لا يستحق أن يعبد إلا الله، فجميع ما تعبدنا الله به من الذكر والشكر يجب أن لا نعطي منه شيئاً لغير الله، حتى خفضك رأسك ما يجوز، هذا هو المحرم الأول، ألا وهو الشرك في ربوبية الله في عبادة الله في أسماء الله وصفاته، يجب أن نعرف هذا.

    لو وقف أحدنا الآن على الحجرة الشريفة وقال: يا رسول الله! المدد .. يا رسول الله! الغوث.. يا رسول الله! إني في كرب وهم وغم، فماذا تقولون فيه؟ لقد جعل الرسول مثل الله وأقبل عليه يدعوه ويستغيث به، فهل أشرك هذا أم وحد؟

    أشرك، والله لقد أشرك، ولا يفعل هذا إلا جاهل لا نور له ولا بصيرة أبداً، أو مقلد قلد غيره في هذا الباطل.

    إذاً: هذه الوصايا العشر أولاها ألا نشرك بالله شيئاً، وهي أعظمها، نعيد لفظ الآية: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151] ما هو؟ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام:151] أي: من الشرك أو الشركاء، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي صالح فضلاً عن الجمادات والقباب والأحجار والأشجار؛ إذ ما خلقنا إلا الله ولا رزقنا إلا الله ولا وهبنا عقولنا إلا الله ولا نرجع إلا إلى الله ولا ينفع ولا يضر إلا الله، فهو ربنا معبودنا الحق لا نعترف بعبادة غيره أبداً ولا نقرها ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

    قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام:151] أي: بأن لا تشركوا، وتحذف الباء للتخفيف: (أن لا تشركوا به شيئاً)، أي: حرم عليكم الشرك به تعالى، سواء كان شركاً خفياً أو جلياً، فمن الشرك الخفي أن تقول: ما شاء الله وشئت، حيث أشركت بمشيئة الله عز وجل مشيئة المخلوق.

    هذه الكلمة ردها الرسول صلى الله عليه وسلم، قال له أحد أصحابه وهو يتحدث معه: ( ما شاء الله وشئت يا رسول الله. قال: أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله وحده ).

    فالرسول لما قال للمشركين: بعد كذا سأعطيكم الجواب وما قال: إلا أن يشاء الله عوقب من الله بانقطاع الوحي خمسة عشر يوماً، ونزل فيه: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24] حتى تقول: إلا أن يشاء الله. ومن ثم ما قال: سأفعل كذا إلا قال: إن شاء الله، ونحن في أخبار الإذاعات نقول: غداً سيكون كذا وكذا سينزل كذا وكذا! كأنهم لا يؤمنون بالله، أكثر إذاعات العرب والمسلمين، إنه يستحي المؤمن أن يقول: سأسافر غداً ولا يقول: إن شاء الله، وهل يملك أن يسافر إذا لم يشأ الله؟

    إذاً: هذه الوصية الأولى، لا يسمع الله منكم كلمة شرك ولا حركة شرك أبداً، ومن اشتبه عليه شيء فليسأل أهل العلم ويقول: هل هذا القول شرك أم لا؟ حتى يتعلم.

    الوصية الثانية: الإحسان بالوالدين وبرهما

    ثم قال تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الأنعام:151] أي: وحرم عليكم عقوق الوالدين، وحرم أذية الوالدين بأي أذى، قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:151] أولاً: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام:151] وثانياً: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الأنعام:151] أي: وأحسنوا بوالديكم إحساناً.

    والأمر بالشيء نهي عن ضده أم لا؟ الأمر بالبر بالوالدين نهي عن أذى الوالدين، والوالدان الأب والأم والجد والجدة، آباؤك وأمهاتك ليسوا واحداً، فمن كان حياً من آبائك أو أمهاتك فالكل يجب أن تبر به، والبر: الطاعة وإسداء المعروف للغير ودفع الشر والأذى.

    البر بالوالدين: طاعتهما في المعروف، بذل المعروف لهما من طعام من شراب من كساء من مركب من مسكن من دواء، من كل ما يحتاجون إليه وأنت قادر على ذلك، وكف الأذى عنهما حتى صوتك لا ترفعه فوق صوتهما، حتى مشيتك إذا مشيت لا تمشي أمام أبيك، امش وراءه أو إلى جنبه، وإذا كنت طويلاً وأبوك قصيراً فتقاصر ولا تتظاهر فوقه بل انكسر.

    سر عطف الأمر بالإحسان بالوالدين على النهي عن الشرك بالله تعالى

    والسر في ذكر الإحسان بالوالدين بعد عبادة الله وحده أنا نعبد الله تعالى لأنه واهبنا حياتنا وخالقنا ورازقنا ومدبر حياتنا وإليه مصيرنا، والوالدان ماذا بذلا؟

    أولاً: هما علة وجودك، والله لولاهما ما وجدت.

    ثانياً: ما تحملاه، أولاً: الأم تحملك في بطنها تسعة أشهر، أيكم يستطيع أن يربط حجراً أو نحوه على بطنه فقط ثلاثة أيام ينام به يمشي به يجلس به؟ لا أحد يقبل هذا، فكيف بالشهر والشهرين والثلاثة وتسعة أشهر وهو في بطنها، كيف تجازيها؟ ثم دمها القاني الأحمر يتحول إلى لبن أبيض من عاطفتها عليك فترضعك.

    ثم كيف تربيك؟ لو أوكل إليك أنت فقط غسل هذا الولد من خرئه وبوله يومياً أربع مرات فماذا ستفعل؟ ما تستطيع.

    والوالد ألست أنت من صلبه ومن مائه ودمه؟ لا تسأل عن عاطفته عليك ورحمته بك وتقديره لك كأنك جزء منه، أنت فلذة وقطعة من كبده فانظر ماذا ينفق عليك ويسهر الليالي والأيام تعباً من أجل أن يعيشك وأن يهيئك لأن تكون رجلاً، خمسة عشر عاماً أو أكثر وهو ينفق عليك، فكيف تجازيه؟ ولهذا كان عقوق الوالدين من أكبر الذنوب والعياذ بالله.

    صور من البر بالوالدين بعد موتهما

    إذاً: فخذوا بوصية مولانا عز وجل أن نبر بوالدينا أحياءً وأمواتاً، الأموات لهم حقوق، منها: أن تصلي عليهم، منها أن تستغفر لهم وتدعو لهم طول حياتك، منها أن تتصدق عليهم، منها أن تبر قريبهم وذوي أرحامهم، منها أن تصل من كانوا يصلون حتى لو كان لأبيك صديق ينبغي أن تصله وتكرمه.

    ثبت أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان في طريقه من الحج إلى المدينة، وكان له حمار يركبه حين يتعب من الجمل، فيركب الحمار يتروح به، فنزل منزلاً والمسافة عشر ليال وإذا ببدوي أعرابي يقف على ابن عمر، ومولاه نافع بعيد يشاهد الحركة، فيقوم ابن عمر فيعطيه عمامة كان يربط بها رأسه ويعطيه ذاك الحمار، فجاء مولاه نافع يقول: يا مولاي! هذا الحمار تروح به على نفسك وهذه العمامة تشد بها رأسك تعطيها لهذا الأعرابي! هذا حفنة تمر تكفيه فكيف تعطيه هذا؟ قال: اسكت، فإن هذا كان والده صديقاً لـعمر .

    ولهذا إذا كان لأبيك فصله كما كان والدك، أو كما كانت أمك، والحمد لله، فقد كانت لأمي صديقة عجوز وصلناها حتى ماتت.

    إذاً: وبالوالدين إحساناً. هذه الوصية الثانية أو المحرم الثاني، وصية بالطاعة وتحريم المعصية ولو بالكلمة القاسية، أما قال تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:23-24].

    فربنا تعالى يقول: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الأنعام:151]، وفي آية الإسراء: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:23-24]. فهل عرفتم حقوق والديكم؟

    وما معنى (خفض الجناح)؟ إذا كنت طويلاً فتقاصر وذل لأبيك لا تتعنتر عليه وتتفوق، كلمة (أف) دالة على عدم الرضا فلا تقلها، قل: يا أبي. ولا ترفع صوتك أبداً، دائماً صوتك دون صوت أبيك.

    الوصية الثالثة: النهي عن قتل الأولاد مخافة الفقر

    ثالثاً: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ [الأنعام:151]، مما حرمه الله عليكم قتل أولادكم من الخوف من الفقر، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ [الأنعام:151]، والإملاق: شدة الفقر، أملق يملق: ما بقي في جيبه شيء. أي: ولا تقتلوا أولادكم خشية الفقر؛ إذ كانوا إذا أجدبوا أو انقطع المطر أو أصابتهم جائعة قتلوا الأولاد حتى لا يتعبوهم.

    وقتلوا أولادهم -كما تقدم- نذوراً ينذرونها للآلهة، وقتلوا أولادهم خشية العار.

    فالعرب في الجاهلية كانوا يقتلون أبناءهم لما يلي:

    أولاً: ينذرون بعض أولادهم لآلهتهم، فإذا تحقق المنذور قرب له الولد.

    ثانياً: إذا كانت السنة ليست سنة رخاء وإنما جدب وقحط يستعجلون الأطفال فيقتلونهم حتى لا يضايقوهم.

    ثالثاً: أن يخاف من هذه البنت إذا كبرت بأن يختطفها شخص من قبيلة أخرى أو يغزوهم فيأخذ بناتهم، فيخافون من هذا العار والشنار فيقتلون البنات الصغيرات.

    وهذا اللفظ دال على أنهم يقتلونهم خشية الفقر: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ [الأنعام:151]، أي: من أجل الفقر الذي تخافون أو تعانونه.

    حكم قطع النسل والعزل

    وهنا من يستعمل الحبوب لقطع النسل كالذي يقتل أولاده خشية الفقر، فلهذا لا يحل تحديد النسل بحجة أن الشعب كثر أفراده والحكومة عاجزة عن إعاشته، وأنه من الحكمة أن نصدر قراراً أنه لا يحل لمواطن أن يزيد على ولد أو ولدين! فهذا كفر صراح ونقمة الله على أهله ما هي ببعيدة.

    فالرزاق هو الله، والذي خلق الهواء والأغذية والطعام هو الله عز وجل قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [يونس:31]؟الله عز وجل. وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ [الذاريات:56-58].

    فلا يصح استعمال الحبوب لمنع الحمل إلا من ضرورة كالمرض ونحوه، ولا يصح العزل، والعزل: إنزال ماء الرجل خارج الفرج، زوان قديماً، وسماه الرسول الموءودة الصغرى: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9].

    فعزل ماء الرجل عن ماء المرأة حتى لا يكون الولد ضرب من قتل الأولاد، فلا يحل إلا من ضرورة تقتضي، ذلك أما خشية الفقر فلا يصح أبداً لأن الله هو الرزاق.

    وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الأنعام:151] نحن نرزقكم، ما قال: نحن نرزقهم وإياكم، أولاً: أنتم الذين تريدون أن تقتلوا الأولاد نحن نرزقكم وإياهم، فهل الآباء والأمهات ما رزقهم الله؟ لو لم يرزقهم الله فكيف سيعيشون؟ فما دام رزقكم على الله فالأولاد في البطون رزقهم على الله، فلم تقتلونهم؟ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الأنعام:151]، فهذا محرم ثالث وهو قتل الأولاد، ويدخل في هذا الإسقاط والإجهاض.

    الوصية الرابعة: النهي عن قربان الفواحش ما ظهر منها وما بطن

    وقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام:151] هذا المحرم الرابع: وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ [الأنعام:151] لا تدنو منها، والفواحش: جمع فاحشة، كل قول أو فعل قبح واشتد قبحه فهو فاحشة، ويدخل أول ما يدخل في هذا اللفظ الزنا واللواط والعياذ بالله تعالى.

    وكل قول وكل عمل وكل تصرف قبيح شديد القبح تنفر منه الطباع السليمة فهو فاحشة، وما قال: لا تفعلوا. بل قال: (لا تقربوا).

    وكان العرب في الجاهلية لا يزنون الزنا العلني، وكانوا يتخذون الأخدان وهو الزنا السري، مودة وصحبة بين إنسان وامرأة ويستحي أن يعلم الناس به، فلهذا قال تعالى: مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام:151].

    كان الإماء الرقيقات يتخذن دوراً للزنا وعلى الدور علامات في الجاهلية، أما الحرائر فما يزنين والأحرار ما يزنون أيضاً إلا في حالات سرية خاصة، فلهذا حرم تعالى الفواحش ما ظهر منها وما بطن لا فرق بين الظاهر والخفي.

    فالفواحش: جمع فاحشة، الكلمة القبيحة فاحشة، كل خصلة ذميمة شديدة القبح فهي فاحشة، ومنه فحش القول يتكلم بالكلام السيء، فحرم الله تعالى علينا القول الفحش والعمل الفحش، وكل عمل فيه قبح وسوء محرم علينا بهذه الآية الكريمة: وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام:151].

    معاشر المستمعين! نعيد تلاوة الآية على أننا عازمون على حفظ الآيات الثلاث وفهم معناها والعمل بما فيها وإن جلسنا أسبوعاً أو أسبوعين:

    الآية الأولى التي بدأنا فيها قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام:151].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.