إسلام ويب

تفسير سورة الأنعام (46)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لو شاء الله عز وجل أن يخلق الناس كلهم مؤمنين لفعل، ولو شاء أن يخلقهم كافرين لفعل، ولكنه وهبهم عقولاً، ومنحهم إرادة واختياراً، فمن شاء منهم آمن ومن شاء منهم كفر، فلا حجة بهذا لمن أشركوا بالله عز وجل ثم قالوا: لو شاء الله ما أشركنا مع الله، ولا أشرك آباؤنا من قبل، ولا حرمنا شيئاً من الأنعام دونه، بل قولهم هذا محض افتراء وتخرص.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضرُ إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الإثنين من يوم الأحد- ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الأنعام المكية، والتي زفت يوم نزولها بسبعين ألف ملك ولهم زجل وتسبيح، هذه السورة المباركة تقرر ما يلي:

    أولاً: توحيد الله عز وجل، فلا إله إلا الله، أي: لا يستحق أن يعبد إلا الله الخالق الرازق المدبر المعطي المانع الضار النافع، المحيي المميت، وأما ما عدا الله فليسوا بأهل لأن يؤلهوا ويعبدوا، إذ هم ما خلقوا ولا رزقوا ولا دبروا الحياة ولا عرفوا مستقبل البشر.

    ثانياً: تقرير النبوة المحمدية، وهي أن محمد بن عبد الله حقاً هو رسول الله أرسله إلى الناس كافة، صلى الله عليه وسلم.

    ثالثاً: تقرير مبدأ الحياة الثانية البعث والنشور والجزاء.

    رابعاً: تقرير التشريع وأنه حق الله وحده، فلا يحلل ولا يحرم إلا الله، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، من المأكولات وغيرها، إذ لا حق لكائن أن يحلل أو يحرم إلا الله، إذ هو الذي خلق الأشياء ويعلم مضارها ومنافعها، أما المخلوق فإنه لا يحيط علمه بهذه الأشياء حتى يحلل أو يحرم.

    وها نحن الآن مع هذه الآيات الثلاث، فلنصغ إليها ترتل علينا وتجود، ثم بعد ذلك نأخذ في بيان ما فيها من النور والهداية الإلهية.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ * قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:148-150].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:148]، هذا إخبار بالمستقبل، (سيقول) في المستقبل، والله يعلم بهذا رسوله، ليهيئه ويعده للدفاع عن حقيقة يجب أن يدافع عنها كل مؤمن، وهي ألا يعبد إلا الله، وألا يشرع إلا هو جل جلاله، وعظم سلطانه.

    وجاء من سورة النحل أنهم قالوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [النحل:35]، وقال هنا: سَيَقُولُ [الأنعام:148]، وقد قالوا بالفعل، والسورة مكية، وبعدها سور كثيرة نزلت بمكة.

    سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [الأنعام:148]، أي: بربهم غيره، وهي أصنامهم وآلهتهم ومعبوداتهم، أشركوها في أي شيء؟ في عبادة الله، عبدوها بما يعبد به الله عز وجل، والعبادة حق الله، وجبت له مقابل أنه خلقك ورزقك، وكلأك طول حياتك، مقابل ذلك أنك تعبده، فكيف إذاً تعبد غيره وهو ما خلق ولا رزق ولا أمات ولا أحيا، ولا ضر ولا نفع؟ يا ابن آدم! كيف تعبد من ليس له حق في هذه العبادة؟

    احتجاج المشركين بالمشيئة الإلهية على شركهم كلمة حق أريد بها باطل

    إن لهم أن يقولوا: الشيطان هو الذي زين لنا هذه العبادة وصرفنا عن عبادة الله عز وجل.ولكن قالوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:148]، هذه الجملة لك أن تقول: كلمة حق أريد بها باطل، فقولهم: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام:148]، هل هم عالمون بربهم عارفون بجلاله وكماله معرفة حقيقية؟ لو عرفوا الله عز وجل المعرفة الحقيقية ما عبدوا غيره، لكنه مجرد التخلص من الطلب والإعراض عن المطلوب، بدل أن يقولوا: لا إله إلا الله، ويتخلوا عن عبادة غير الله كيف يصنعون، وكيف يحاجون؟ قالوا للرسول: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:148]، فهل الله عز وجل شاء شركهم، أمرهم به، فرضه عليهم، وعدهم خيراً به؟ فكيف نقول: شاءه؟ هل الله يحب الشرك؟ والشرك باطل وظلم، والله يكره الظلم والظالمين.

    يريدون أن يتخلصوا من موقفهم أمام دعوة الحق فقالوا كالمعتذرين: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:148] مما حرمناه، وهي: السوائب والوصائل وغير ذلك مما تقدم.

    هي كلمة حق: لو شاء الله عز وجل أن يعبدوه وحده وأراده والله لكان، الملائكة خلقهم لا يعرفون إلا الله، لا يعبدون إلا الله، طبعهم على ذلك، لكن الإنس والجن خلقهم ليعبدوه، ووعد العابدين بخير، وتوعد الكافرين المشركين بشر.

    هكذا أراد، لو شاء أن يخلقهم مؤمنين لخلقهم مؤمنين، لو شاء أن يخلقهم كافرين لخلقهم كافرين، ولكن خلقهم ووهبهم عقولهم، ووهبهم إراداتهم وقدراتهم، والواحد منهم إن شاء قال الباطل، وإن شاء قال الحق، له قدرة على ذلك، من وهبه القدرة؟ الله القادر، وهبه من أجل التكليف، فإما نعيم مقيم في دار السلام، وإما عذاب أليم في دار البوار.

    ومرة ثانية نتأمل -معشر المستمعين والمستمعات- مشيئة الله التكوينية القدرية، لو أراد أن يخلق الإنس والجن كالملائكة لفعل وهو على ذلك قدير، فما نسبة عالم الإنس والجن إلى عالم الملائكة؟ وقد خلقهم وفطرهم على الإيمان والعبادة.

    لكن هذين الجنسين -البشر والجن- خلقهما على هيئة خاصة، وهي: إن هم أطاعوه بحريتهم وإراداتهم، فعبدوه وحده فزكت بذلك نفوسهم، وطابت أرواحهم أنزلهم بجواره في الملكوت الأعلى، وإن هم تمردوا وفسقوا وأعرضوا عن عبادته، فخبثت نفوسهم وتلوثت كرههم وأبغضهم وأنزلهم في أسفل سافلين، في عالم الشقاء: النار والعياذ بالله.

    فلا حجة أبداً لعبد أن يزني ويقول: شاء الله، ولو ما شاء الله ما زنيت، أو يسرق مالاً ويقول: لو شاء الله ما سرقت، أو يقتل نفساً ويقول: لو شاء الله ما قتلت.

    معنى قوله تعالى: (كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا)

    هذا الاحتجاج باطل، رده الله عز وجل في هذه الآية إذ قال تعالى: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:148]، هذا القول قول الكاذبين والمكذبين، سبقهم إليه أمم مضت أهلكهم الله بذنوبهم كعاد وثمود وما إلى ذلك.

    كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام:148]، استمر تكذيبهم وعنادهم وشركهم وباطلهم وردهم بعنف وقوة على أنبياء الله ورسله، حتى دقت الساعة وأذاقهم الله مر العذاب، قطع نسلهم، دمرهم وأهلكهم، عقوبة لهم على إصرارهم على الشرك والتكذيب.

    فمن هنا بطلت حجة المشركين، هم قالوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:148] أبداً، لكن الله شاء هذا فنحن مع مشيئته! فهل هم صادقون في إيمانهم بمشيئة الله؟ لو آمنوا بها لأطاعوه، وأسلموا وأذعنوا وامتثلوا أمره، لكنه فقط الهروب من الجدال والخصومة.

    فقال تعالى: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:148] قوم عاد وقوم نوح وثمود وصالح وأمم، والله عز وجل أرسل رسله إليهم وذكروهم ووعظوهم وخوفوهم، واستمروا على شركهم وباطلهم حتى آن أوان عذابهم وعذبهم الله، لو كان شركهم محبوباً لله مرغباً فيه لما عذبهم، فتعذيب الله لقوم صالح وإبادتهم، لقوم هود وإبادتهم، لفرعون وإبادته، لقوم لوط وإبادتهم، هذا أكبر دليل على أنه غير راض بالشرك والمعاصي والذنوب، وإنما هي فترة الإمهال والإنذار.

    فالله عز وجل يمهل الجماعة أو الأمة وينذرهم حتى يتم وعد الله، وبعد ذلك ينزل العذاب بهم، فلا يحتجن محتج بأنني ما عذبت، إذاً: فربي راض عني في عملي، وهو فاسق أو فاجر.

    مشيئة الله تعالى المقتضية اختبار عباده بالطاعات والمعاصي

    هكذا يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [الأنعام:148] بربهم لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام:148].

    قلت في أول ما قلت: كلمة حق أريد بها باطل، وهي لو شاء الله ألا يشركوا والله ما أشركوا، ولفطرهم على الإيمان كالملائكة، ولكن شاء الله أن يبتليهم ويمتحنهم لأنه أعد لهم دارين: دار بوار وشقاء ودار نعيم وسعادة، وربط ذلك بطاعتهم ومعصيتهم، إن هم أطاعوني فيما آمرهم به وأنهاهم فزكت نفوسهم وطابت وطهرت رفعناهم إلينا، وإن هم تمردوا وعصوا وأعرضوا أنزلناهم إلى أسفل العذاب، هذه هي إرادة الله ومشيئته، ففرق بين المشيئة التكوينة القدرية وبين المشيئة الشرعية.

    لو شاء الله عز وجل لفطر الناس على الإيمان، فلا يعرفون الكفر والعصيان أبداً، فهو على كل شيء قدير، والصورة الواضحة: عالم الملائكة، فما نسبة عالمنا إلى عالم الملائكة؟ لا شيء؛ إذ: ( ما من موضع قدم في السماء إلا وعليه ملك راكع أو ساجد )، ذاك العالم الطاهر من فطره على الطهر وخلقه على عبادة الله، لا يعرفون معصية الله، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20]؟

    عالم الإنس والجن أراد أن يختبرهم ويمتحنهم فأعطاهم مشيآت وإرادات، والدليل أنه لو أن شخصاً لا إرادة له لم يعذب ولم يسأل، لو أن شخصاً لا عقل له لا يسأل ولا يعذب أبداً، لكن ما دام قد وهبه الله عقله وإرادته الحرة، إن شاء صام وإن شاء أفطر، إن شاء قال الباطل وإن شاء قال الحق فهو مكلف، أعطاهم هذا من أجل أن يختبرهم ويبتليهم، فمن أطاعه أسكنه في جواره في دار السلام، ومن تمرد عليه وعصى وفسق عن أمره أنزله الدركات السفلى من النار.

    فاحتجاجهم باطل لأنهم ما عندهم علم، ما عرفوا الله ولا أوحى إليهم، فكيف يقولون: شاء الله هذا؟

    ثم احتجاجهم على شركهم بفعل آبائهم رده تعالى بأنه سبق آباءكم قوم عاد وقوم صالح وأهلكهم الله.

    اختصاص الله تعالى بالتحليل والتحريم والتشريع

    سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:148] أيضاَ، وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:148]، وهنا لطيفة: التحريم حق الله، فهو خالق هذا الطعام وهذا الشراب، وهو واهبه، إن شاء حرمه ومنعه وإن شاء أذن فيه وأباحه، هذا أولاً.

    ثانياً: الله يعلم مضار كل ما فيه ضرر، ومنافع كل ما فيه منفعة، ونحن -والله- ما ندري ولو جربنا عشرات المرات، فالذي يُحرم ويُحلل هو الذي يعلم عواقب ذاك الطعام وذاك الشراب، الذي يحرم ويحلل هو العليم الحكيم، أما شخص جاهل يحلل أو يحرم فلا حق له، فذلك اعتداء أولاً على الله لأن هذا ليس له، ثانياً: أنه يتخبط ويهلك ويفسد عقله وقلبه.

    وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:148]، حرموا في هذه السورة من الحرث والأنعام ما تقدم، وكذلك السوائب والوصائل، أنواع من الإبل.

    معنى قوله تعالى: (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون)

    ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148]، ما دمتم تجادلون وتحاجون، وتقولون: إن شاء الله كان كذا، إذا كان عندكم علم فأخرجوه لنا، ونستعرضه ونذكر ما عندنا وما عندكم، ويظهر الحق لأصحابه، ماذا سيقولون؟ هل سيقولون: قال موسى، قال إسماعيل، قال الله؟ من أين يأتيهم هذا وهم جهلة عميان وضلال.

    قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148]، وهذا توبيخ وتقريع لهم، من أين جاءهم العلم وهم أميون وصعاليك، وما عرفوا الله عز وجل، ولا عرفوا كيف يعبدونه، لكن من باب تعليم رسوله دحض باطلهم ورد ترهاتهم يحاجهم: قلم لهم: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148]، وننظر فيه ونعرف ما فيه، فإن كان يحق الحق ويبطل الباطل عملنا به.

    وليس لهم من العلم شيء، والله ما لهم من العلم شيء، فلهذا قال لهم: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [الأنعام:148]، أي: والله ما تتبعون إلا الأوهام والتخرصات والظنون، أما يقين العلم وظاهره فما تملكونه، وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [الأنعام:148]، والخرص: الحزر والتخمين بدون علم ولا معرفة، فأسكتهم، قطع ألسنتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين)

    قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ [الأنعام:149] قل يا رسولنا: فبناءً على ما علمتم من عجزكم وانقطاعكم إذ لا حجة لكم ولا علم؛ فالحجة البالغة -إذاً- لله، الحجة القاطعة للأوهام والتخرص والظنون والأكاذيب التي تبلغ بأصحابها سبيل الهدى لله وحده، وقد حرم ما أحللتم، وقد حرم ما عبدتم، فلم يبق لكم أبداً من عذر تعتذرون به أو قول ترجعون إليه.

    قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149] إيه والله، لو شاء هدايتهم والله لهداهم، لكن ما شاء هدايتهم لأنهم في دار الامتحان، لو شاء لخلقهم مؤمنين صالحين، لكن أين الحكمة التي خلق من أجلها الكون؟ ما خلق الكون إلا لحكمة: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ [الأنبياء:16]، ما خلقهما إلا بالحق.

    عرفنا أن الله قبل أن يوجد آدم وقبل أن يوجد ذريته أوجد هذه الدار بكل ما فيها، ثم أنزل آدم وذريته وأحل وحرم وأمر ونهى، فإن هم أطاعوا رفعهم إليه، وإن عصوا أنزلهم إلى أسفل سافلين، هذه هي العلة والحكمة.

    فالذي يحتج بالقدر على معاصيه فهو مخطئ، هل الله حرم الزنا أم لا؟ فكيف -إذاً- تقول: لو شاء الله ما زنيت، وحرم الكذب ولعن الكاذبين، فكيف تقول: لو شاء الله ما كذبت؟

    وهكذا قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149] قدرته أوسع من ذلك، ولكن ما شاء هدايتكم لأنه يريد امتحانكم، إما أن تطيعوا بحريتكم وإرادتكم وإما أن تعصوه لتتلقوا الجزاء على الطاعة والجزاء على العصيان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ...)

    ثم قال تعالى: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا [الأنعام:150] الذي حرمتموه من السوائب والوصائل وغيرها، هاتوا شهداءكم! هذا تحد للتعجيز: هلموا هاتوا شهداءكم يشهدون لكم بأنكم على حق وأن ما حرمتموه كان برضا الله عز وجل وتشريعه.

    قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ [الأنعام:150]، وإن فرضنا أنهم وجدوا الدجالين والكذابين فقالوا: نشهد أن ما قاله فلان وفلان هو حق، فلا تقبل هذه الشهادة يا رسولنا ولا تشهد معهم، وفي هذا لا يحل لمؤمن أن يقر الباطل، فلا يقر حراماً حرمه الله بأنه حلال ولا حلالاً أحله الله بأنه حرام.

    لا يحل لمؤمن أن يقر الباطل فيعترف به ويسكت، ها هو تعالى يقول للرسول: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ [الأنعام:150] ، فمن الجائز أن يأتي ضلال ويقولوا: نحن نشهد هذا وسمعناه عن فلان وفلان. فما موقف الرسول؟ لا يحضر حتى جدالهم ويرفض؛ لأنهم مبطلون لا حق لهم في هذا: فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأنعام:150] الحاوية لشرعنا وشرائعنا الداعية إلى توحيدنا وعبادتنا الداعية إلى الحب فينا والبغض فينا، فهؤلاء لا تتبع أهواءهم، واتباع الهوى يضل، ما من امرئ يتبع هواه إلا ضل؛ لأن الهوى يهوي بصاحبه إلى الشهوات والأباطيل، أن يتبع العقل لا بأس، أما الهوى فقد جاءت الآيات كثيرة في أن متبعي الهى كعابدي أهوائهم: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [الجاثية:18-19]، أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية:23] الهوى لا يتبع أبداً لأنه تزيين من الشيطان وتدني النفس لما تهواه وتحبه، ولكن يحتج بالعقل السليم الصحيح.

    والحجة العظمى بوحي الله وتشريعه، بما قال الله وقال رسله، قال تعالى: فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأنعام:150] فالذين كذبوا بآيات الله تعالى هل يقبل قولهم؟ أيما شخص كذب بآية الله والله ما صح أن تتبعه أو تقول برأيه أبداً أو تقف إلى جنبه؛ لأنه ضال يتخبط في حيرته، ولو آمن بآيات الله لحيي وأصبح ذا نور وهداية تتبعه وتفهم عنه، لكن كذب بالنور وجحده وأقبل على الظلام وتخبط فيه فكيف يقبل منه؟ كيف تتبعه؟ لو أشار إليك بأدنى إشارة ما تقبل منه.

    صفات المشركين في الآية الكريمة

    وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:150]، وهؤلاء المشركون هم أصحاب هذه الصفات: أولاً: كذبوا بآيات الله عز وجل، ثانياً: لا يؤمنون بعالم الآخرة، ثالثاً: يعدلون بالله غيره من الآلهة.

    فهم أولاً: كذبوا بآيات الله الحاوية لشرعه والمقررة لنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ثانياً: لا يؤمنون بالدار الآخرة وبما فيها من نعيم، مع أن الدار الآخرة هي الاستقرار التام، نحن الآن مسافرون فقط، الدار أمامنا، أنكروا الدار التي نحن سائرون إليها، فالذي كذب بالبعث والدار الآخرة لا يوثق به في أي شيء، وهذه قاعدة عامة، الذي لا يؤمن بأن هناك حساباً وجزاء لا يوثق به أبداً.

    ولهذا كما علمتم أركان الإيمان الستة أعظمها لا إله إلا الله وتقرير نبوة رسول الله والدار الآخرة، فالذي يضعف إيمانه بالبعث والجزاء والحساب والدار الآخرة لا يعول عليه في شيء، كالميت أو شر من الميت، والذي ينكر توحيد الله ويشرك به غيره هل هو ذو عقل أو كرامة؟ يغتصب حق الله الرب عز وجل ويعطيه لمن لا حق له! وكذلك الذي يكذب برسالة نبي أمي عاش أربعين سنة ما قرأ ولا كتب فيتكلم عن العوالم كلها كأنه شهد أو حضر، فكيف يكذب هذا في رسالته ولا يؤمن به! فمن كذب رسول الله أيضاً هابط لا قيمة له بين الناس.

    وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:150] يعدلون به غيره من الآلهة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    الآن مع هداية هذه الآيات فتأملوها يرحمكم الله.

    [ أولاً: بطلان الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي والاستمرار فيها ]، من أين لنا هذا؟ من قوله تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:148]، إذاً: من هذا استنبط بطلان الاحتجاج بالقدر، يا عبد الله! اترك هذا الحرام. فيقول: لو شاء الله لتركته، يا عبد الله! لم لا تشهد الصلاة؟ قال: قضاء الله وقدره، أيقبل هذا الكلام؟! يا عبد الله! لم تسب أمك أو أباك ونحن نسمع؟ يقول: شاء الله هذا، لو ما شاء ما فعلت! فالاحتجاج بالقدر على المعاصي لا يصح أبداً، وإنما يحتج بالقدر على المصائب، شخص تحت سطح سقط عليه، قال: شاء الله، قدر الله. شخص على سيارته انقلبت وهو ما أسرع بها ولم يكن جاهلاً بالسياقة، لكن لما أصابه الحادث يقول: قضاء الله وقدره. فلان توفي بقضاء الله وقدره.

    أما فلان ما يشهد صلاة الجماعة ونقول: قضاء الله وقدره؟ أعوذ بالله، هل قضى الله بهذا وحكم وأمر وأوجب.

    فالاحتجاج بالقدر يكون في المصائب التي لا يد لك فيها، وأما المعايب والذنوب والآثام فلا يحتج فيها بقضاء وقدر؛ لأن الله حرم الباطل وأحل الحلال.

    [ثانياً: لا حجة إلا فيما قام على أساس العلم الصحيح ]، لا حجة في كلام متكلم ولا كتابة كاتب ولا رأي ذي رأي إلا إذا اعتمد على العلم الصحيح، أما قال تعالى: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية:18]، هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148]؟

    فلا حجة إلا في العلم الصحيح، وهو ما كان قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، أو ما أخذ من قول الله وقول رسوله بالاستنباط والاجتهاد، فالعلم الصحيح أولاً مصدره: قال الله قال رسوله، ثانياً: العقل الصحيح السليم.

    [ ثالثاً: الحكمة في عدم هداية الخلق كلهم مع قدرة الله تعالى على ذلك هو التكليف ].

    [ الحكمة في عدم هداية الخلق كلهم ] بأن يجعلهم كالملائكة لا يعصونه، [ مع قدرة الله على ذلك ] الحكمة في ذلك [ هو التكليف ]، فما معنى التكليف؟ هو: صوموا وصلوا، لا تسرقوا ولا تزنوا، هذا التكليف، فما سر هذا التكليف؟

    هذا التكليف يا أبناء الإسلام لأنه يزكي النفس ويطيبها ويطهرها، وبذلك يصبح صاحب النفس الطاهرة أهلاً لدار السلام، والذي لا يأخذ بالتكليف فلا تزكو نفسه ولا تطيب ولا تطهر ينزل إلى أسفل سافلين.

    فسر التكليف أن الله تعالى أراد أن يسكن أناساً في الجنة وآخرين في النار فماذا فعل؟ أراد أن يختبرهم ويبتليهم فشرع لهم مزكيات النفوس ومطهراتها وبين مخبثاتها ومدسياتها، وأعطاهم الحرية الكاملة والعقل الكامل والإرادة التامة وبين لهم ذلك بياناً شافياً وتركهم بين ذلك وبين ما يريدون، فمن عمل بذلك التكليف فزكى نفسه رضيه وقبله ورفعه، ومن رفض ذلك واستهواه الشيطان ونفسه وأعرض عن طاعة الله مصيره الجحيم دار البوار.

    فلو قال قائل: لم لا يهدي الله الناس وهو قادر على ذلك؟ نقول: لأنه أراد أن يسكن قوماً في الجنة وآخرين في النار، فربط ذلك بهذه التكاليف التي تنتج زكاة النفوس، أو إذا أعرض عنها تنتج تدسية النفوس، وهذا حكم الله المقرر: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    [ رابعاً: مشروعية الشهادة وحضور الشهود ]، ونحن مأمورون بأن من دعي في شهادة يجب أن يحضر إذا كان له علم بذلك، ولا يشهد إلا بما علم، فشهادة الزور -والعياذ بالله- ترمي به في أتون الجحيم، لكن شهادة العدل والحق مشروعة، والله يقول: هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ [الأنعام:150].

    فمن هنا عرفنا أن الشهادة مشروعة وأن حضورها كذلك، وخاصة إذا كان إذا توقف الحق على حضورك فيجب أن تحضر.

    [ خامساً: عدم إقرار شهادة الباطل وحرمة السكوت عنها ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ [الأنعام:150]، فمن هنا أخذنا عدم إقرار شهادة الباطل وحرمة السكوت عنها، بل نقول: هذا باطل، نشهد أن هذا حرام أو باطل أو كذب.

    [ سادساً: حرمة اتباع أصحاب الأهواء الذين كذبوا بآيات الله ]، هذه سقطة كبيرة في أمة الإسلام، فيحرم اتباع أصحاب الأهواء الذين لهم أهواء تقودهم وتدفعهم إلى حيث أرادت، هؤلاء ضلال كيف يجوز اتباعهم والمشي وراءهم وقد كذبوا بآيات الله؟ فلهذا لا يصح لمؤمن أبداً ولا لمؤمنة أن يأخذ برأي كافر أو برأي فاسق أو ظالم؛ لأنهم ليس لهم نور من الله عز وجل، فهم كالعميان ضلال فكيف يؤخذ بهدايتهم ويؤخذ بآرائهم؟

    [ حرمة اتباع أصاحب الأهواء الذين كذبوا بآيات الله ]؛ إذ قال تعالى: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأنعام:150]، وفي آية أخرى: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [الجاثية:18-19].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966331876

    عدد مرات الحفظ

    711500290