إسلام ويب

تفسير سورة الأنعام (45)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس أن الله أحل لهم سائر المطعومات، إلا ما كان ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير أو ما أهل به لغير الله، وحتى هذه المحرمات أباحها الله لمن اضطر إليها لدفع غائلة الموت عن نفسه، أما بنو إسرائيل فإن الله حرم عليهم بعض المطاعم عقوبة لهم بسبب ظلمهم وإجرامهم، وتعديهم حدود الله عز وجل وفسوقهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الأنعام المكية المباركة الميمونة، تلكم السورة التي زفت بسبعين ألف ملك ولهم زجل وتسبيح، تلكم السورة التي تقرر أعظم القواعد الشرعية: توحيد الله، إثبات النبوة لرسول الله، تقرير مبدأ البعث والجزاء الآخر، تقرير أن الشرع ما شرع الله عز وجل.

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فإليكموها مرتلة مجودة، وبعد ذلك نتدارسها جميعاً إن شاء الله تعالى:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:145-147].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام:145].

    تضمن الآية الكريمة الرد على المشركين في تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما

    أولاً: قوله: قُلْ [الأنعام:143]، من الآمر ومن المأمور؟ الله الآمر ورسوله صلى الله عليه وسلم هو المأمور.

    قُلْ لا أَجِدُ [الأنعام:145] يقول لأولئك الذين حرموا ما لم يحرم الله، وشرعوا ما لم يشرع الله، وتقدم الحديث عنهم في الآيات السابقة من هذه السورة، وفي قوله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ [المائدة:103]، وحرموا على الإناث دون الذكور، وتصرفوا كأنهم أرباب، ولا حق لهم في التحليل والتحريم، التحليل والتحريم حق الله، لأنه هو الذي يعلم الضار والنافع، يعلم ما يضر وما ينفع، إذ هو خالق الإنسان، وخالق كل مقومات حياته، أما غير الله فكيف يحلل أو يحرم؟ بأي حق؟ هل أحاط علمه بكل شيء، هل عرف ما يأتي به الغد؟ الجواب: لا علم للإنسان إلا ما علمه الله.

    خلاصة القول: أن الذين يحرمون ويحللون اعتدوا على منصب الربوبية، وأصبحوا آلهة يشرعون ويقننون، فلهذا نقول: يا ويلهم من غضب الله تعالى عليهم.

    يقول تعالى لرسوله: قل لهم: لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ [الأنعام:145]، أنا لا أحرم ولا أحلل، ولكن إذا أحل الله لي شيئاً أوحى بحليته إلي، وإذا حرم علي أو على غيري شيئاً أوحى إلي بأن هذا حرام.

    تحريم الميتة

    لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ [الأنعام:145]، أي: من القرآن والكتاب، مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ [الأنعام:145]، والطاعم: الآكل، والطعام معروف، لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ [الأنعام:145] من القرآن، والآية نزلت في مكة والسورة مكية، مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ [الأنعام:145]، ذكراً كان أو أنثى، غنياً أو فقيراً، اللهم إلا أن يكون ميتة، فالميتة حرمها الله على عباده، لما فيها من الأذى والضرر على آكلها، فهي نجس من جهة وقذر، وفيها أيضاً آلام تترتب على أكلها، والميتة هي التي ماتت حتف أنفها بدون تذكية، هذه حرمها الله على عباده، فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يأكل لحم ميتة قل أو كثر.

    تحريم الدم المسفوح

    ثانياً: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام:145]، فالدم المسفوح أي: المصبوب صباً، بأن يذبح الشاة في إناء أو يجعل تحت رقبتها آنية ليسيل الدم ويجمع، ثم يأكله بالطبخ أو غيره، هذا الدم المصبوب المسفوح حرام حرمه الله على عباده المؤمنين.

    أما الدم المختلط باللحم والعظم فلا شيء فيه، لأن القيد أن يكون مصبوباً مسفوحاً، واللحم فيه دم، العظم قد يكون به دم، لكن الممنوع هو الدم السائل الذي يصب في إناء ويطبخ ويؤكل، سواء كان دم بعير أو بقرة أو شاة، لا فرق بين ذلك.

    تحريم لحم الخنزير

    ثالثاً: أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ [الأنعام:145]، والخنزير حيوان معروف، وقد قلنا كلمة سبق أن سمعها الأبناء والإخوان: أنه لا يغار على أنثاه، والذين يأكلون لحمه يصابون بالدياثة، ويصبحون لا يغارون على إناثهم، مع ما فيه، وإن كان لحمه في الظاهر إذا غسل ونظف لا بأس بلونه وصورته، لكن فيه مضار الله أعلم بها من عباده، والله ما حرمه إلا للضرر الذي فيه.

    وإنما اللطيفة التي ذكرناها بالمشاهدة: أن الذين يأكلون لحم خنزير يفقدون الغيرة على نسائهم وبناتهم، لأنه الحيوان الوحيد الذي لا يغار على أنثاه، أما الجمال والحيوانات فكلها تغضب على من اعتدى على إناثها، إلا هذا الحيوان المسمى بالخنزير.

    أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ [الأنعام:145] وأجمعوا على أن عظمه كجلده كدمه كله محرم، وإنما عبر باللحم لأنه الغالب والمقصود لذاته. فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام:145]، من القائل: إن لحم الخنزير رجس؟ الله. فالذي يرد على الله يكفر، ويلعن ويمقت، لأنه ادعى العلم أكثر من علم الله، الله الذي خلق الخنزير وخلق مواده وعرفه يحرمه، وأنت تقول: لا شيء فيه! فالذي يستبيحه يخرج من الإسلام.

    تحريم ما أهل به لغير الله تعالى

    رابعاً: أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام:145]، أي: ما ذبح وذكر عليه اسم غير اسم الله، فهو أيضاً مما أوحى الله تحريمه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه فسق وخروج عن طاعة الله.

    فالذي يذبح الدجاج أو الطير أو البقر باسم فلان، يذكر عليه اسماً غير اسم الله فهذه لا تحل، وآكلها فاسق خارج من طاعة الله عز وجل، وهي محرمة بالإجماع.

    وفي آية المائدة المدنية: وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة:3]، ما ينصب من التماثيل والتذكارات، وما إلى ذلك، وما يذبح على الأضرحة والقبور كما عند الجاهلين من المسلمين، كل ما يذبح لغير الله ذكر عليه اسم الله أو لم يذكر فهو محرم، لا يحل لك يا ولي الله أن تأكل لحم شاة ذبحت لغير ربك عز وجل، أو ذكر عليها اسم غير اسم الله عز وجل.

    أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام:145]، والإهلال معناه رفع الصوت، ومنه الهلال وهو القمر.

    إذاً: فمن قال: هذه لفلان، أو باسم فلان؛ فهذه أهل بها لغير الله، فلا يحل أكلها أبداً، لأنها ما أريد بها وجه الله عز وجل، وثانياً: لأنه ذكر عليها اسم غير اسم الله عز وجل.

    والله عز وجل أذن لعباده أن يأكلوا لحوم الإبل والبقر والغنم والدجاج والطير، لكن بشرط وهو أن يذكروا اسم الله عليها، لو أن عالماً ربانياً يذبح ولا يذكر اسم الله لا يؤكل لحم ذبيحته، لا بد أن تقول: (باسم الله)، ومعنى: (باسم الله) هذا الجار والمجرور متعلق بمحذوف: أحلت لنا هذه الشاة باسم الله عز وجل، أحل لنا ذبح هذا الثور أو هذا التيس باسم الله عز وجل، أي: لولا أن الله خالق تلك البهائم أذن لنا بذبحها لما جاز ذلك، حيوان له كبد كيف تذبحه؟ هل تستطيع أن تذبح إنساناً؟ ما تستطيع، لكن لما أذن الخالق فنحن باسم الله نذبح.

    فالذي يذبح دجاجة أو طيراً أو شاة بغير اسم الله لا تؤكل: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:121].

    فالإهلال ورفع الصوت: هذه لفلان أو فلان، أو باسم فلان أو فلان، لا تحل معه أبداً ولا تؤكل، والذي لا يذكر عبد القادر ولا البدوي ولكن لا يسمي الله تعالى عليها لا تؤكل.

    الخلاف فقط فيمن نسي، أراد أن يذبح فنسي أن يسمي الله عز وجل، فإذا كان مسلماً حقاً صادقاً معلوماً يعفى عنه وتؤكل ذبيحته، لأن الله عز جل رفع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان، بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )، أما أن تقول له: سم الله، فيقول: لا أسمي الله؛ فلا تحل ذبيحته أبداً، وإن كان يصوم ويصلي.

    ذكر جملة المحرمات من اللحوم

    فالآن اسمعوا رد الله على أولئك المحلين والمحرمين من مشركي قريش، حيث قال لرسوله: قل لهم: لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام:145] هذه أربع.

    وآية المائدة فيها تسع أو عشر، وهي كلها عائدة إلى الميتة، اسمعوا الآية: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [المائدة:3]، هذه أربع الآن، وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ [المائدة:3]، كلها داخلة في الميتة، وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة:3] وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [المائدة:3]، إذاً: فهذه المحرمات بنص كتاب الله عز وجل.

    هذه السورة مكية، وشاء الله تعالى أن يحرم على لسان رسوله الحمر الأهلية، في غزوة خيبر أذن مؤذن باسم رسول الله: ( إن الله ورسوله ينهيانكم عن أكل لحوم الحمر الأهلية )، فالحمار المعروف لا يحل أكله، ومثله البغل، لأنه شبيه به، والفرس أو الخيل يجوز أكلها ولكن تنزهوا عنها لأنها هي عمادهم في سلاحهم وعتادهم، فكيف يذبح فرسه ويأكلها! والله يقول: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8]، فمن حرم الخيل حرمها بهذه الآية، لأنها ذكرت ضمن المحرمات: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [النحل:8]، والجمهور على أن الخيل تؤكل، ولكن لم تذبح على عهد الرسول إلا مرة أو مرتين، لأنهم في حاجة إليها.

    ثم أيضاًحرم الرسول صلى الله عليه وسلم أكل كل ذي ناب من السباع، الذي له ناب: كالذئب، كالكلب، كالنمر، كالفهد، كل ما له ناب نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكله وحرم ذلك، ونهى عن أكل كل ذي مخلب من الطيور، كالباز والعقاب، وما عدا ذلك فليس هناك ما هو محرم.

    والضبع ليس له ناب، فلهذا لولا أنه يأكل الموتى والنجاسات لصح أكله، لكنه يعيش على النجاسات فلهذا لا يصح، حتى الشاة الجلالة عندنا ما تؤكل إذا كانت تعيش على العذرة حتى تطهر وتطيب.

    والشاهد عندنا في قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام:145]، لو قيل لك: ما المراد بالمسفوح، فالجواب: أنه المصبوب، أما المختلط باللحم والعظم فهو حلال، الكبد كلها دم وهي حلال، الطحال كذلك، فالدم الحرام هو الذي توضع الشاة أو الناقة على إناء وتذبح ويجمع ذلك الدم ويطبخ، هذا الدم المسفوح، أي: المصبوب.

    معنى قوله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم)

    ثم قال تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:145]، أي: الذي اضطر اضطراراً إلى أن يأكل ميتة، فما سبب اضطراره؟ الجوع الشديد، الخوف على موته، يخاف أن يموت، جاع ولم يجد ما يسد جوعته، لا فاكهة ولا خضر ولا طعام، وبين يديه شاة ميتة، أو خنزير، أو قارورة فيها دم مثلاً، هذا الذي اضطر اضطراراًقاهراً خشية أن يموت أذن الله تعالى له أن يأكل مما حرم الله في هذه الآية.

    فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ [الأنعام:145]، هذا استثناء، (غير باغ) يدخل فيه الذي يخرج لصاً إلى الطرقات يمنع الناس ويأخذ أموالهم، هذا لو جاع يموت ولا يصح له أن يأكل الميتة، لأن موته خير له.

    أو يبغي بأن يخرج على إمام المسلمين، ويلتحق بالجبال أو يتعصب لإسقاط الإمامة، هذا كذلك باغ، لو وجد ميتة لا يأكل فموته أولى.

    كذلك من يكون معه آخر، وظفر الأول بهذا اللحم من الميتة الجيفة، فلا يبغي عليه ويأكل منه ليحيا هو ويموت الثاني.

    جماعة كلهم جياع يخافون الموت، عثر واحد منهم على قطعة لحم - مثلاً - فلا يجوز للآخر أن يقاتله عليها ليأكلها، يموت ولا يقتل الآخر.

    غَيْرَ بَاغٍ [الأنعام:145]، فلفظ البغي -وهو الظلم- يتناول ما سمعتم: الذي يتربص ويقطع الطرقات على المسلمين، الذي يخرج على إمام المسلمين، الذي يأخذ من يد ذاك الذي يدفع عن نفسه الموت ويأكله حتى لا يموت هو.

    أما العادي والمعتدي فهو الذي يأكل أكثر مما ينبغي أن يأكل، الذي يجوع ويريد أن يدفع خطر الجوع، لا يشبع مما يأكل، وإلا فقد اعتدى، يأكل القدر الذي يسد حاجته، أما أن يأكل متلذذاً ويشبع بالأكل فقد حرم ذلك عليه.

    فلا بد أن يأكل قدر ما يدفع به خطر الموت، فإن تلذذ باللحم وأخذ يأكل فوق ما ينبغي فهو معتد وحرام عليه ذلك، لأن الله استثنى فقال: غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ [الأنعام:145].

    قالت العلماء: العادي المعتدي: الذي يأخذ أكثر مما أذن له فيه، ومن هنا لا يحل له أن يحمل الشاة الميتة وهو مسافر، أكل منها فدفع عن نفسه خطر الموت لا يحمل هذا اللحم يقول: إذا جعت غداً. هذا معنى قوله جل وعز: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ [الأنعام:145] يا رسول الله غَفُورٌ [الأنعام:145] لأوليائه رَحِيمٌ [الأنعام:145] بهم، ومن مظاهر رحمته أنه أذن لهم أن يدفعوا خطر الجوع خشية أن يموتوا، هذا من رحمته، ومن مغفرته أنهم يأكلون ذلك الحرام ويغفر لهم أيضاً.

    صفتان عظيمتان من صفات الله عز وجل: المغفرة لمن أذنب، والرحمة بمن استحق الرحمة.

    هذه الآية - كما سمعتم - علمنا الله فيها ما حرَّم علينا أكله وهو أربعة: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، هل هناك استثناء في هذه الأربعة؟ نعم. المضطر الذي يخاف الموت على نفسه يجوز أن يأكل من هذه، أي واحدة من هذه وجدها يأكل منها، سواء لحم الخنزير، أو الميتة، أو ما أهل لغير الله.

    ولكن بشرط كونه غير باغ ولا عاد، والعادي الذي يأكل أكثر مما ينبغي أن يأكل، أذن له أن يدفع خطر الموت عنه فلا يأكل حتى يشبع ويتلذذ بما حرم الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ...)

    في الآية الثانية يقول تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام:146]، من المراد بالذين هادوا؟ اليهود. لماذا قيل لهم: يهود؟ لأنهم قالوا: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف:156]، أي: تبنا ورجعنا إليك، لما حصلت تلك الجريمة منهم وطلب إليهم أن يتوبوا فقالوا: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف:156]، فقيل فيهم: اليهود، أي: العائدون التائبون، لكن ما صدقوا.

    وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام:146] وهذا مجرد علم فقط، فنحن لسنا منهم، ولا نأكل ذبائحهم، وكل ذي ظفر معناه الإبل، هل خفاف الإبل فيها أصابع؟ لا. كتلة واحدة.

    وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام:146]، أي: صاحب ظفر، وهو الحيوان الذي ليس له أصابع مفرقة كالإبل والنعام، هل الجمل أو الناقة لهما أظافر؟ إذاً: كلها كتلة واحدة، والنعام كذلك.

    والماعز والدجاج هذه لها أصابع، فتحل لهم، وإلى الآن الملتزمون منهم لا يأكلون لحم الإبل ولا البقر، ويأكلون الغنم.

    وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام:146] مطلقاً كالنعام والإبل. ثم قال: وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ [الأنعام:146] ماذا؟ شُحُومَهُمَا [الأنعام:146]، يجوز أكل البقرة أو الشاة لكن المحرم هو الشحم، وعفي عن الشحم الذي يلتصق مع اللحم في الظهر ومع الأمعاء، لكن الشحم المتكتل في البطن هذا لا يحل لهم أكله، حرَّمه الله عليهم عقوبة لهم، إذ قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام:146] من الحيوانات، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ [الأنعام:146]، فهذا معفو عنه، أما الشحم المتكتل في البطن فلا يحل لهم أكله، والممتزج بالعظام واللحم معفو عنه كالملتصق بالكبد أو بالعين مثلاً.

    قال: أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ [الأنعام:146]، الحوايا هي الأمعاء والمصارين، ذَلِكَ [الأنعام:146]التحريم سببه: جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ [الأنعام:146]، بسبب ظلمهم واعتدائهم، لما اعتدوا وظلموا حرمنا عليهم هذه عقوبة لهم: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء:160]، هذه كانت حلالاً لهم، لما ظلموا وبغوا حرمها تعالى عليهم.

    قال تعالى: ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام:146]، جزيناهم بتحريمنا لهم هذه المأكولات الطيبة عقوبة لهم وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام:146] في تحريمنا وتحليلنا عليهم ولهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين)

    ثم قال تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ كَذَّبُوكَ [الأنعام:147] يا رسولنا، أي: اليهود أو المشركون، جائز أن اليهود يكذبون الرسول فيقولون: هذا الذي يقول لك ليس بصحيح، وجائز أن يكون المشركون بمكة يكذبونك، فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ [الأنعام:147] ولكن: وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:147]، إذا كذبوك فأعلمهم أنه لولا رحمة الله الواسعة لكان ينزل بلاؤه وعذابه عليهم.

    كيف تكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو كتاب الله؟ إن فرضنا هذا وكذبوك فماذا تقول؟ قل: رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ [الأنعام:147] ولولا رحمته الواسعة لأخذكم وأنتم تحاربون دينه، وتعاندون ملته التي جاء بها كتابه، ومع هذا: وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:147]، رحمة الله واسعة لهذا يمهل، وينتظر متى يتوبون، متى يثوبون، متى يعودون، فإذا أصروا أنزل بهم نقمته.

    وفي قراءة هداية الآيات، سوف نستنبط إن شاء الله هذه المعاني.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    يقول المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم:

    [ما زال السياق في الحجاج والمحاجة مع أولئك المحرمين ما لم يحرم الله، ففي أولى هذه الآيات يأمر الله تعالى رسوله أن يقول للذين يحرمون افتراءً على الله ما لم يحرم، يقول لهم: لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ [الأنعام:145] وأنا رسول الله مُحَرَّمًا [الأنعام:145]، أي: شيئاً محرماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ [الأنعام:145]، أي: آكل يأكله، اللهم إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً [الأنعام:145]، وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه، أي: لم يذك الذكاة الشرعية، أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام:145]، أي: مصبوباً صباً، لا الدم المختلط بالعظم واللحم كالكبد والطحال، أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ [الأنعام:145]، أي: لحم الخنزير رِجْسٌ [الأنعام:145]، أي: نجس قذر حرام، أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام:145]، أي: ما ذبح ولم يذكر اسم الله عليه، أو ذكر اسم الأصنام عليه فهو فسق، أي: خروج عن طاعة الرب تعالى الذي أمر من أراد ذبح بهيمة أن يذكر عليها اسمه ليحل له أكلها.

    هذا معنى قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام:145].

    وقوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ [الأنعام:145]، أي: غير ظالم بأكل الميتة وما ذكر معها -وذلك بأن يأكلها تلذذاً بها، لا دفعاً لغائلة الموت- وهو كاره لأكلها أيضاً، وَلا عَادٍ [الأنعام:145]، أي: غير متجاوز القدر الذي أبيح له، وهو ما يدفع به غائلة الموت عن نفسه، فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:145]، ومن مظاهر مغفرته ورحمته أنه أذن للمضطر بالأكل مما هو حرام في غير الضرورة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى.

    أما الآية الثانية فبعد أن بيَّن تعالى أنه لم يحرم على المؤمنين غير ما ذكر من الميتة وما ذكر بعدها، أخبر أنه حرم على اليهود أكل كل ذي ظفر، وهو ما ليس له أصابع مفرقة، مثل: الإبل والنعام والبط والإوز، ومن البقر والغنم حرم عليهم شحومهما وهو الشحم اللاصق بالكرش والكلى، وأباح لهم من الشحوم ما حملته البقرة أو الشاة على ظهرها، وما كان لاصقاً بالمباعر وهي الحوايا، جمع حاوية، وكذا الشحم المختلط بالعظام كشحم اللية، وشحم الجانب والأذن والعين وما إلى ذلك.

    هذا ما تضمنه قوله تعالى من الآية الثانية: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ [الأنعام:146].

    ثم أخبر تعالى بأن هذا التحريم عليهم كان عقوبة لهم بسبب ظلمهم وإجرامهم، فقال: ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ [الأنعام:146]، أي: ذلك التحريم منا عليهم كان جزاء ظلمهم، وقوله تعالى: وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام:146]، أي: فيما أخبرنا به عنهم، وهم الكاذبون إذ قالوا: إنما حرم هذا على إسرائيل -أي: يعقوب- ونحن أتباع له]، وحاشا لله، والله ما حرم على إسرائيل شيئاً، لكن هم كيف يسوغون؟ قالوا: هذا حرمه الله على يعقوب، ونحن نحرمه بتحريم الله له، فأخبر تعالى أنهم كاذبون.

    [ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام:146]، أي: فيما أخبرنا به عنهم، وهم الكاذبون إذ قالوا: إنما حرم هذا على إسرائيل ونحن أتباع له، أما نحن فلم يحرم علينا شيء، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28].

    وقوله تعالى: فَإِنْ كَذَّبُوكَ [الأنعام:147]، أي: اليهود فيما أخبرت به عنهم فَقُلْ [الأنعام:147] لهم: رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ [الأنعام:147]، ولذا لم يعاجلكم بالعقوبة، وقد كذبتموه وكذبتم رسوله، وافتريتم على رسله، ولكن ليس معنى ذلك أنكم نجوتم من العذاب، فإن بأس الله لا يرد عن القوم المجرمين من أمثالكم] معشر يهود.

    هداية الآيات

    قال: [هداية الآيات:

    أولاً: حرمة الميتة وأنواعها في سورة المائدة، وهي المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع]، هذه كلها ميتة، [وحرمة الدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وما ذبح على النصب.

    وحرم بالسنة: الحمر الأهلية والبغال، وكل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطيور]، هذا حرمه الرسول بإذن الله عز وجل.

    [ثانياً: قد يُحْرم العبد بالذنوب من كثير من الطيبات كما حصل لليهود]، قد يحرم العبد بذنوبه من كثير من الطيبات فما يحصل عليها ولا يظفر بها، عقوبة له كما عاقب الله اليهود]، قد يحرم العبد بذنوبه الكثير من الطيبات يتمتع بها غيره وهو لا يحصل عليها بذنوبه.

    [ثالثاً: إمهال الله تعالى المجرمين لا يدل على عدم عقوبتهم فإن بأس الله لا يرد عن القوم المجرمين]، الإمهال والإنذار إلى أمد لا يدل على أن الله لا يعاقبهم، بل يمهل الشعب والأمة إلى مائة سنة، ثم بعد ذلك يعاقب وينتقم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966331917

    عدد مرات الحفظ

    711505590