إسلام ويب

تفسير سورة الأنعام (36)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الهداية إلى طريق الرشاد حياة ونجاة، والبعد والإعراض عنها موت وهلاك، وقد امتن الله عز وجل على عباده المؤمنين هدايته سبحانه لهم، وإنقاذهم من ظلام الكفر إلى نور الإيمان، وتفضله عليهم بأن لم يجعلهم كالمجرمين الذين ينشرون الباطل، وينفثون الشر والفساد، فيعرضون أنفسهم ومجتمعهم لسخط الله عز وجل، ويستحقون عقابه الذي توعد به أمثالهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله، فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله -يعني: المساجد- يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الأنعام المكية المباركة الميمونة، تلكم السورة التي زفت بسبعين ألف ملك ولهم زجل وتسبيح، تلكم السورة التي تقرر المبادئ العظمى:

    أولاً: توحيد الله عز وجل، فلا رب غيره ولا إله سواه.

    ثانياً: تقرير النبوة المحمدية وإثبات الرسالة له صلى الله عليه وسلم.

    ثالثاً: تقرير مبدأ البعث والنشور والجزاء على الكسب في هذه الدنيا، إما بجنات النعيم، وإما بالنار ذات العذاب الأليم.

    هذه القواعد التي تقررها سورة الأنعام؛ فلهذا قلت منذ حوالي أربعين سنة: لو أن هذه السورة فرضت فرضاً حفظاً وفهماً ودراسة على طلاب العلم، سواء كانوا في مدارس صناعة، أو مدارس تقنية، أو مدارس سياسية، فضلاً عن مدارس العلم والكتاب والسنة؛ لأنها تؤكد هذا المعتقد العظيم الذي ما خلا منه قلب إلا ومات صاحبه، وما أصبح له معنى في الوجود، ولكن:

    لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي.

    هكذا قال الحكماء، ها نحن مع هذه الآيات الثلاث، هيا نسمع تلاوتها مجودة مرتلة من أحد الأبناء، ثم نأخذ إن شاء الله في شرحها وبيان ما فيها من هدى الله عز وجل، فتفضل أبا بكر .

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ [الأنعام:122-124].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122]، من يسوي بينهما؟

    المراد بالموت في الآية الكريمة

    والمراد بالموت هنا أمران: الأول: موت الكفر. والثاني: موت الجهل. فالكافر ميت، والجاهل مثله، إلا أن من آمن حق الإيمان لم يصبح يسمي جاهلاً، وإن شئتم حلفت لكم من الآن أن من آمن الإيمان المطلوب لن يعيش جاهلاً أبداً، بل يتعلم في أسبوعه الذي دخل فيه في الإيمان أو في أكثر أو أقل وتزول موتة الجهل عنه، وإن رأيت مؤمناً جاهلاً فما هو بالمؤمن الحقيقي الكامل الإيمان، لو آمن حق الإيمان بالله وبعظمته وجلاله، وبقدرته التي بها كل شيء؛ والله لطلب محبته ولطلب معرفته، ولمشى شرقاً وغرباً يسأل: من يعرفني به حتى أعرفه؟ ما الذي يحبه ربي مني؟ ما الذي يكره مني؟ ليفعل المحبوب ويترك المكروه، وبذلك والله لا يبقى جاهلاً، هذه حقيقة يعيها أهل الوعي، فالميت هو الكافر والجاهل، الكافر ميت لا يسمع ولا يبصر ولا يعي ولا يفهم، والبرهنة التي نكررها لينقلها أهل البصائر: هل إذا كان تحت رايتنا ذميون من أهل الكتاب يعيشون معنا، هل نأمرهم بأن يصلوا؟ هل نأمرهم بأن يدفعوا الزكاة؟ هل نأمرهم بأن يصوموا معنا؟ بأن يحجوا معنا؟ بأن يجاهدوا معنا؟ الجواب: لا والله.. لا والله.. لا والله. لماذا؟ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل:21]، هذه برهنة كالشمس في وضوحها، والمؤمن بالتقليد والنسبة القبلية والوطنية وهو جاهل ويعيش السنين الطويلة ما هو بالمؤمن الحق، والله لو آمن حق الإيمان لطلب العلم وعرف الله عز وجل، وعرف ما يحب وما يكره من الاعتقادات، من الأقوال والأعمال، والصفات والذوات؛ ليعيش على محاب الله لا يفارقها أبداً، ويبتعد كل البعد عن مكاره الله ويجتنبها، ولا تلمه؛ لأنه عرف، آمن وأيقن، وهذا قول ربنا عز وجل: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا [الأنعام:122]، وفرق بين الميّت والميت عند أهل العلم: الميّت: فيه الروح، والميْت مقطوع الروح نهائياً.

    أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ [الأنعام:122]، كـعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبلال وياسر وعمار ، أما كانوا كفاراً مشركين ميتين؟ من أحياهم؟ الله جل جلاله، وانظر إلى ياسر وهو يعذب بأيدي الماكرين المجرمين، يعذب بأنواع العذاب في مكة، والرسول صلى الله عليه وسلم يمر به وهو لا يقدر على أن يزيل ذلك المنكر أو يغيره، فيقول: ( صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة ).

    وبلال بن رباح ذاكم العبد الصالح ولي الله، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المدينة، يضرب بالسياط ويسحب على وجهه على الأرض الحارة أيام القيظ كهذه الأيام، ويقال له فقط: اذكر آلهتنا بخير نرفع العذاب عنك، اذكر محمداً بسوء. فلا يبرح أن يقول: أحد.. أحد.. أحد! هذا هو الإيمان، فهل أحياهم بعد ما كانوا أمواتاً؟ لا.

    فعرفنا الآن يقيناً أن الكافر ميت، أن المجرم ميت، أن الفاسق ميت.

    أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ [الأنعام:122]، ومن أحياه سوى الله؟ لا يقدر مخلوق على إحياء ميت أبداً، لو اجتعت البشرية كلها بكل أطبائهم على إيحاء ميت فهل سيحيونه؟

    كذلك الجاهل، الكافر، المشرك، الهالك، لو تجتمع البشرية كلها على إحيائه بالإيمان ما قدرت ولن يحيا، كم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجه صوب الوليد بن المغيرة وأبي جهل وفلان وفلان يدعوهم ويقول الكلم الطيب، والتوجيه السليم الرشيد، ولا يعونه ولا يفهمونه، ويقولون: لو كان هذا الدين حقاً لكان نزل علينا، لماذا ينزل على هذا الأمي الذي نحن أكبر منه سناً وأكثر منه مالاً؟ هكذا كان الوليد يقول.

    نور العلم والمعرفة بالله تعالى وأثره في حياة المرء

    أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام:122]، ما هذا النور؟ هل هو كهرباء؟ أو مصابيح وفوانيس؟ هذا النور نور العلم والإيمان، صاحب هذا النور يعيش خمسين سنة أو ستين سنة وقلما يقع في زلة ثم يمحوها الله عنه بإلهامه التوبة النصوح الصادقة ويبقى له نوره، أما الذي يتخبط كل يوم في المعاصي والذنوب فأين نوره؟ أو أن النور أصبح ليس له مفعول، ما يضيء الطريق، وما تعطلت سنن الله أبداً، ما زال النور هو النور.

    إذاً: فذو النور يمشي -كما قلت لكم- ويعيش في القرية، في المدينة، في رأس الجبل، في السوق ولا تزل قدمه ولا يخرج عن طاعة ربه لا بأذية مؤمن ولا بتضليله ولا بغشه أو خداعه، ولا بارتكاب جريمة مما حرم الله على عباده، ما سبب ذلك؟ إنه النور.

    وكثيراً ما أكرر القول وأقول: يا أهل قرية بني فلان! نسألكم بالله: من أتقاكم في القرية؟ والله لا يقولون إلا فلان الذي هو أعلمهم، من أفجركم في القرية؟ والله إنه لأجهلهم، أبعد هذا نشك في أن العلم نور؟ ولكن ما المراد من العلم؟ هل هو علم الأكل والشرب وغسل الثياب؟ العلم الذي يدور على معرفة الله عز وجل معرفة حقيقية يقينية تثمر له حبه في قلبه لمحابه كلها، وكرهه في قلبه لما يكرهه الله كله، هذا أولاً.

    ثم تثمر له في قلبه أن يبحث عن تلك المحاب ويستقصي في السؤال، ويشرق ويغرب ليعرف ما يحب الله وما يكره، ولهذا مثل حي: من ذاك الفارسي الذي خرج من إيران وكان والده من عبدة النار وهو موقدها ومشعلها؟ من هذا الفارسي؟ إنه سلمان عليه الرضا والسلام، تنقل من بلد إلى بلد، وينظر في الأديان: في المسيحية، واليهودية، والمجوسية.. إلى أن انتهى إلى طيبة بهداية الله وتوفيقه وأسلم، إذاً: لما وقع في نفسه الإيمان أخذ يطلبه وسجن وعذب في طريقه مرات.

    الإيمان روح لا حياة بدونها، فمن أراد أن يحيي أهل مدينة أو أهل قرية فليعلمهم الإيمان وليعلمهم محاب الله ومكارهه، فإذا تضلعوا في ذلك وتفقهوا فليبشر بأنهم أسلموا وآمنوا، وتهيئوا لسعادة الدنيا والآخرة، أما مع الجهل وضعف الإيمان فهيهات هيهات أن توجد أمة، حتى في القرية يصبحون كالأسرة الواحدة لا يكره بعضهم بعضاً ولا يؤذي بعضهم بعضاً، ويتقاسمون الخير، وذلك لجامعة الإيمان والعلم بالله عز وجل.

    والضائعون يصيحون ويكتبون ويقولون، مع أن الطريق هذا هو، فادخل في قرية وعرفهم بالله، حببهم إليه حتى يهديهم ويصلحهم، وانظر إلى الكمال والنور الذي يتجلى لك في تلك القرية.

    أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ [الأنعام:122]، أسألكم بالله: حين تنطفي المصابيح في الليل فتخرج فتجد الشوارع في ظلام دامس هل تكون كالذي يمشي قبل هذه الساعة في الأنوار؟ مستحيل، فأنت حينئذ قد تقع على حية، تقع في شوكة، تقع في كذا، وهو يمشي أمامه، فذو النور ذو العلم يعرف محاب الله ومكارهه، يعرف ما أحل الله وما حرم على بصيرة، فيأتي المحبوب ويترك المكروه فيسعد وينجو ويكمل، والآخر يتخبط.

    معنى قوله تعالى: (كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون)

    قال تعالى: كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:122]، كهذا الذي سمعتم من الفرق بين العالم والجاهل، والحي والميت، فالعالم المؤمن في طريق الهداية والكمال والسعادة، والكافر والجاهل في طريق الضلال، يقول تعالى: هكذا زينا للكافرين ما كانوا يعملون، فالكفار الآن يشربون الخمور، يزنون، يكذبون، يفعلون الأعاجيب، هل يتألمون؟ يبكون؟ يتحسرون؟ يقع شيء من هذا؟ يتلذذون بالجريمة، يسخرون ويضحكون من المؤمنين، يستهزئون ويسخرون منهم، لم؟ لأنهم يمشون في الظلام، فمن جهة لا علم لهم، وهم من جهة أموات غير أحياء لكفرهم وظلمة جهلهم، هكذا زين للكافرين ما كانوا يعملون، فالكافر مزين له بوسائل سنن الله عز وجل، من أعرض عن الله تركه الله، وستهوته الشياطين، زينت له أفحش الفواحش وأقبح الأعمال وأسوأ السلوك، وهو يراه حسناً ويرفع رأسه إلى السماء، ومن أراد مثلاً قريباً فلينظر كيف كان الاشتراكيون بينكم -أيها العرب- يتبجحون! كيف كانت روسيا ترفع رأسها إلى السماء وتتحدى الله!

    لكن ما أقبلنا على دراسة كتاب الله ولا اجتمعنا عليه في بيت الله ولا في بيوت عباد الله، فكيف نعلم، كيف نعرف، كيف نهتدي إذاً ونحن دائماً متأخرون إلى الوراء؟

    كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:122]، لا تظن أن الكافر لما يسب أو يشتم أنه يتألم، إن المؤمن العالم لو وقع في زلة يبكي الدهر كاملاً، ويتأثر طول حياته؛ ولذلك لحياته ولنوره، أما الكافر فيغني بالكفر، ويتبجح به، هذه سنن الله عز وجل، فالحياة بيد من؟ بيد الله. والعلم بيد من؟ بيد الله. فمن أين نطلب الحياة والعلم؟ من الله، من صدق وطلب فاز وظفر، ومن كذب أو نافق وأعرض والله لا يؤمن ولا يعلم، ما هناك إلا باب الله عز وجل فقط.

    كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:122]، زين للكافرين ما كانوا يعملونه من أقبح الأعمال وأسوئها، ماذا فعلوا بـعمار ؟ ماذا فعلوا بالمؤمنين؟ لو كانوا مؤمنين هل سيفعلون هكذا؟ والآن الجرائم التي ترتكب في الديار الجزائرية بالذبح والسلخ والقتل هل هذا يصدر عن إيمان أو عن علم؟ لا والذي لا إله غيره، لا يصدر إلا من أموات، هذه سنة الله، من تركها وأعرض عنها لن تخطئه، ولا بد أن يحل البلاء به، وتنزل المصائب بساحته، وييأس ويقنط ويصاب بالعذاب في الدنيا والآخرة، سنة الله لا تتبدل أبداً، الطعام يشبع، الماء يروي، النار تحرق، الحديد يقطع.. هل بطلت هذه السنن؟ وهل تعطلت فما أصبحت تعمل؟

    كذلك الإعراض عن الله وعن معرفته ومحابه والطاعة له ولرسوله لن ينتج هذا الإعراض إلا الخسران الدائم في الدنيا والآخرة، ولن تملك قوة على الأرض أن تحفظ لك دينك وعقلك وكمالك بهذه الأباطيل والترهات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها...)

    ثم يقول تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ [الأنعام:123] والمراد من القرية: المدينة، الحاضرة أو العاصمة، لا كما في اصطلاح الجغرافيين اليهود والنصارى، حيث يطلقون القرية على مجموعة من السكان على عكس القرآن والعربية، ونحن نتبجح أيضاً بكلامهم، من أعلمنا؟ من درس في باريس أو لندن أو موسكو وأصبح عالماً، وا مصيبتاه، آه! من يبلغ عنا هذا الكلام؟ إن الكلام الباطل ينتشر على الفور، يقولون: الشيخ الكلب الفلاني قال كذا وكذا، أما كلام الحق فيعجز حملته عن تبليغه.

    إلى متى نشاهد أطفالنا بالبرانيط في شوارع المدينة؟ أما تتمزق قلوبكم؟ أحداثنا الأطهار نربيهم على برانيط اليهود والنصارى؟ حتى البنات يفعلن هذا ونحن زائرو المسجد النبوي وجئنا من بلاد الطائف وغيرها؟ كيف يتم هذا؟ وانتقلت من الأطفال الصغار إلى الشبيبة، كبار والبرانيط على رءوسهم! أيجوز هذا في دين الله؟ أنتزيا بزي الكافرين ونقول: نحن مسلمون؟

    والله الذي لا إله غيره لو كنت مؤمناً فإنه لو قطع رأسك لا تقبل أن تضعها على رأسك، فإلى أين نذهب؟ إلى الهاوية، وصدق الله العظيم، ماذا يقول تعالى؟ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا [الأنعام:123]، سنة الله عز وجل، لا توجد مدينة إلا وفيها أكابر المجرمين، ينشرون الباطل وينفثون الشر بوسائط مكر وخداع، هذه سنة الله لا تتخلف أبداً، لكن كيف نمد أعناقنا ونمشي وراء أهل الباطل ونستجيب لهم ونحن ندعي الإيمان والإسلام؟

    وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا [الأنعام:123]، والله ليعملن بمكرهم، والمكر: هو تزيين الشيء الباطل وتقبيح الحسن بأساليب معينة معروفة؛ حتى يضللوا المجتمع ويبعدوه عما يريد من الخير والحق، يزينون لهم الباطل ويحسنون القبح والشر بأساليب مكر، وهم يعلمون أن هذه تهوي بهم في نار جهنم، ولكن تحقيقاً لمواقفهم، لأهدافهم، لما هم عليه، لقلوبهم الميتة لا يبالون، ولكن عاقبة المكر يخرجون منها وهم أول من يهلك.

    وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا [الأنعام:123]، ما المراد من المجرمين؟ السراق مجرمون، لكن المجرم ذاك الذي أجرم على نفسه فخبثها وأنتنها وعفنها بما صب عليها من أوضار الذنوب وكبائر الآثام، حتى اسودت وأنتنت وأصبحت كأرواح الشياطين، ذلك المجرم أجرم أولاً على نفسه بترك الواجبات التي أوجبها الله، وبغشيان محرمات حرمها الله، وبصفات حرمها الله واتصف بها، بمعان كرهها الله فأحبها وعمل بها، فأجرم على نفسه وعلى غيره فأصبح مجرماً.

    لِيَمْكُرُوا فِيهَا [الأنعام:123] أي: في تلك الأمة، في تلك المدينة؛ ليحولوا الناس إلى ما يحبون وما يشتهون من الباطل والشر والفسق والفجور ليكونوا مثلهم، والله يقول: وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [الأنعام:123]، مكرهم ذلك وتزيينهم للباطل وتحسينه وتقبيح الحق والخير والتنفير منه عوائده عليهم هم: وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [الأنعام:123]،كيف يشعرون وهم أموات؟ كيف يحسون أو يشعرون؟ وسوف ينالهم الجزاء كما أعلم الله عز وجل.

    ثم قال تعالى: وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ [الأنعام:124].

    نترك هذه الآية إلى غد إن شاء الله إن أحيانا الله عز وجل وأقدرنا على ذلك، ويكفي ما سمعنا.

    إن شاء الله لا نرى برنيطة بعد اليوم حول المسجد وفي المسجد، وفي المدينة.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.