إسلام ويب

تفسير سورة العنكبوت (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ها هم ملائكة الله يحملون البشرى بأمر ربهم إلى خليل الله إبراهيم ويخبرونه أنهم ذاهبون إلى قوم لوط لإهلاكهم بسبب ظلمهم وفجورهم، وهنا تتجلى رحمة إبراهيم فيسأل عن حال لوط عليه السلام، إلا أنهم طمأنوه بنجاته ومن معه من أهل الإيمان، واتجهوا بعد ذلك إلى لوط ونزلوا ضيوفاً عنده، فخاف عليهم من سطوة قومه وفجورهم، فسكّنوا خوفه وأزالوا حزنه، وبشروه بالنجاة مع أتباعه المؤمنين، إلا امرأته فإنها من الهالكين، لأن العذاب إذا نزل فلا تنفع إلا خلة الدين، وما هي إلا ساعات حتى حقت كلمة العذاب على الكافرين، وأنزل الله عليهم الرجز الأليم، ليكونوا عبرة للمعتبرين وآية للناظرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وما زلنا مع آيات سورة العنكبوت المكية المدنية، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    قال تعالى: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [العنكبوت:31-35].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! عرفنا بالأمس وقبل الأمس من هو إبراهيم ومن هو لوط عليهما السلام.

    إبراهيم هو أبو الأنبياء خليل الرحمن، ولوط ابن أخيه رسول الله أرسله الله إلى المؤتفكات.

    تبشير الملائكة لإبراهيم عليه السلام بالولد

    وقول ربنا: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى [العنكبوت:31] أية بشرى هذه؟

    هذه البشرى هي أن الله بشره بأن تلد عجوزه سارة ولداً اسمه إسحاق ويلد إسحاق ولداً آخر اسمه يعقوب ، واقرءوا قول الله تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ [الذاريات:24-29] أي: كيف تلد؟

    وعمرها تسعين سنة، وهي عقيم لا تلد فتعجبت.

    وهذا الوفد الذي نزل بإبراهيم ضيفاً هم ملائكة الرحمن: جبريل وميكائيل وإسرافيل، نزلوا عند إبراهيم بديار فلسطين لأنهم في طريقهم إلى المؤتفكات، إلى ديار قوم لوط لإهلاكهم وتدميرهم.

    قال تعالى: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى [العنكبوت:31] بأن يرزق ولداً، والولد يولد له ولد، إسحاق ويعقوب، وقد كان يدعو الله ويسأل الله أن يرزقه الولد فرزقه فاستبشر بذلك وانتشر النور في وجهه واستبشر خيراً بالبشرى.

    معنى قوله تعالى: (إنا مهلكوا أهل هذه القرية...)

    لما بشروه بالولد قالوا له: إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ [العنكبوت:31].

    قطعاً سألهم: لم أتيتم؟ ماذا تريدون أيها الضيوف؟ قالوا: جئنا لمهمة نريد تنفيذها؟ فسألهم: أين هي؟ فقالوا: في المؤتفكات تحت فلسطين أو مع فلسطين.

    إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ [العنكبوت:31] عرفتم اسم هذه القرية وأنها سدوم، فلا تنسوها.

    ومعنى قرية ليس في الاصطلاح الجغرافي الغربي الهابط بل في اصطلاح القرآن واللغة العربية: القرية المدينة الجامعة لكل الأشياء، أما قرية في الاصطلاح الجغرافي فهي بلد صغير، والله يقول وقوله الحق: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [الشورى:7].

    إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ [العنكبوت:31] سدوم، لم؟ عللوا لم تهلكون أهلها؟

    قالوا كما أخبر الله: إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ [العنكبوت:31] فظلمهم هو الذي سبب هلاكهم ودمارهم وخزيهم وعارهم في الدنيا والآخرة، وما زال الظلم والله إلى الآن يمهل الله أصحابه وينظرهم ثم ينزل نقمته وسخطه عليهم؛ لأنها سنن لا تتبدل، فمن أكل السم قتله، ومن دخل في النار أحرقته، ومن ظلم وطغى واعتدى يمهل فترة من الزمن تطول أو تقصر حسب تدبير الله ثم تنزل به نقمة الله عز وجل وقد شاهدنا هذا بأعيننا، فاحذروا الظلم يا بني الإنسان!

    حقيقة الظلم

    ما الظلم هذا يرحمكم الله؟

    الظلم في الاصطلاح اللغوي: وضع الشيء في غير موضعه.

    لو تتزحزح وتنام بيننا فقد ظلمت؛ لأن هذا المكان ما هو مكان نوم، وقد وضعت الشيء في غير موضعه.

    ولو تدخل أصبعيك وتقف وتأخذ تؤذن فقد وضعت الأذان في غير وقته فأنت ظالم، لأنك وضعت الشيء في غير موضعه.

    وهكذا فوضع الشيء في غير موضعه هو الظلم ويطلق على الشرك؛ لأنها عبادة استحقها الله بأنه الخالق الرازق، فصرفها إلى مخلوق من مخلوقات الله ظلم، ووضع للشيء في غير موضعه.

    الظلم ظلمات في الدنيا والآخرة أفظعه أن يعبد غير الرحمن، أيخلقك ويرزقك ويربيك ويحفظك ويخلق الحياة لك والجنة من أجلك والنار وو.. ثم تعرض عنه وتعبد صنماً أو شجراً أو حجراً أي ظلم أفظع من هذا الظلم، ولذا قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] إن الشرك والله لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] أنت مخلوق لله فلتعش لله لا لشهوة ولا لدنيا ولا لباطل ولا.. أنت مخلوق لعبادة الله فاعبد الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها...)

    فبم أجاب الخليل إبراهيم عليه السلام قال: قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا [العنكبوت:32] أي: إن مدينة سدوم التي تريدون تدميرها يوجد فيها لوط رسول الله، نبي الله ابن هاران ابن أخي إبراهيم من بلاد البابليين.

    قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا [العنكبوت:32] بم أجابه الملائكة؟ قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ [العنكبوت:32] منك بمن فيها لا تعلمنا أنت نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ [العنكبوت:32] والله لَنُنَجِّيَنَّهُ [العنكبوت:32] أي: لوطاً وأهله معه.

    والمراد من أهله: زوجة صالحة وابنتان طاهرتان فقط.

    وأما زوجته الأخرى فهي عجوز منتنة عفنة تجاوز المائة والمائتين، مشركة كافرة تساعد على الفحش وتدعو إلى الباطل، لذا فهي مع الهالكين، ومن هنا لا بد أن يعلم أنه لا قيمة للنسب، فما نفع هذه انتسابها وأنها تزوجت لوطاً، ووالله إنها لفي جهنم، ( من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه ). أبداً.

    قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [العنكبوت:32] الماضين الهالكين وهي كبيرة في السن والعياذ بالله، عجوز منتنة كانت إذا جاءها الضيف تأتي تبشر اللوطيين بأن في البيت كذا وكذا والعياذ بالله، قوادة أو جرارة بلغة أهل المدينة والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما أن جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم...)

    قال تعالى: وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا [العنكبوت:33] وصل الموكب الذي بشر إبراهيم -جبريل وميكائيل وإسرافيل- إلى لوط، وصلوا إليه وهم في حالة من الجمال والكمال لا تتصورها، في أزياء بشرية من خيرة البشر ما هم في أزياء الملائكة.

    وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ [العنكبوت:33] أي: تأسف وتألم بهم، ماذا يفعل؟ الآن يأتي اللوطيون ويفعلون بهم الفاحشة، ماذا يصنع؟ ما عنده قدرة على أن يدفعهم فهو خائف؛ لأنهم ضيوف وإكرام الضيف واجب، نعم حق له أن يفزع ويخاف ويرتعد سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا [العنكبوت:33] أين يهرب؟ ماذا يصنع؟ أين يدسهم؟ كيف ينجيهم؟ ما استطاع.

    وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ [العنكبوت:33] قال الملائكة، قال الوفد المبارك على رأسه جبريل: لا تخف يا لوط ولا تحزن، لا تخف علينا ولا تحزن بنا أبداً، لماذا؟ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [العنكبوت:33] عرفتم من هذه المرأة العجوز أم لا؟ أما امرأته الصالحة وبنتاه -أسرة كلها كالملائكة- فقد نجاهم الله أجمعين حين أمرهم أن يسيروا آخر الليل فمشوا ولم تطلع الشمس أو الفجر حتى دمر الله سدوم من أعلاها إلى أسفلها.

    وَقَالُوا [العنكبوت:33] أي: الملائكة لا تَخَفْ [العنكبوت:33] يا لوط ولا تحزن، لماذا؟ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ [العنكبوت:33] أي من العذاب إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [العنكبوت:33] اتركها في العذاب فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ [الحجر:65] إلا امرأتك العجوز لأنها إذا التفت أخذها العذاب.

    تدبير من هذا يرحمكم الله؟

    هذا هو الله، هذا رب العالمين، هذا ولي المؤمنين، هذا متولي الصالحين، هذا منزل الكتاب، هذا باعث الرسول، لم نجهله؟ لم نتنكر له؟ لم لا نذكره؟ لم نعصيه ونخرج عن طاعته؟ هذا هو الله إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [العنكبوت:33].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون)

    ثم قالوا له أي: قالت الملائكة للوط عليه السلام إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ [العنكبوت:34] والرجز أشد العذاب وأقبحه إِنَّا مُنزِلُونَ [العنكبوت:34] بأمر ربنا إلينا عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ [العنكبوت:34] أي: المدينة الحاضرة سدوم، رجزاً من السماء أي: عذاباً من السماء.

    لم؟ التعليل الحكيم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [العنكبوت:34] لم تنزلون عليهم رجزاً من السماء؟ لأنهم كانوا يفسقون، ما الفسق يا عباد الله؟ ثوب أبيض أو سيارة حمراء، الفسق: الخروج عن طاعة الله وطاعة رسوله.

    مشتق من فسقت الفأرة وتسمى الفويسقة إذا خرجت من جحرها، فكل من خرج عن الطريق فسق وهو فاسق، وإليكم هذا المثل: هذا طريق مستقيم من عتبتك إلى الجنة أو من مكانك الآن إلى بيتك، هذا الطريق عن يمينه أوامر وعن شماله نواهي وأنت مأمور بأن تمشي في هذا الطريق تفعل الأمر وتترك النهي.

    فإن فعلت ومشيت وصلت إلى الجنة وإن أنت تركت واجباً فسقت، فعلت محرماً فسقت، فمن توغل في الفسق وأصبح من الفاسقين هلك، ومن فسق ولم يتوغل في الفسق وتاب تاب الله عليه، لكن المصيبة إذا توغل في الفساد، عرفتم كيف علل الملائكة للوط إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ [العنكبوت:34] منزلون ماذا؟ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ [العنكبوت:34] أي: عذاباً شديداً وهو أن تقلب البلاد ظهراً على بطن وتنزل عليها الحجارة، والعجب أنها ما زالت بحيرة منتنة إلى الآن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون)

    ثم قال تعالى: وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا [العنكبوت:35] أي: من تلك المدينة، من تلك القرية العظيمة تركنا آية -علامة- أكبر من الشمس تدل على وجود الله، على علم الله، على قدرة الله، على رحمة الله، على سخط وغضب الله، على أن من فسق وفجر هلك فهي آية كالشمس، لو تقف على تلك المدينة تعرف أين أهلها، أين تلك المباني، أين القصور، أين كذا، أين البساتين، انقلبت إلى بحيرة منتنة حتى الحوت ما يعيش فيها إلى الآن. أية آية أعظم من هذه الآية؟

    وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً [العنكبوت:35] واضحة وضوح الشمس ولكن من يراها؟ العاقلون لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [العنكبوت:35] أما المجانين والهابطون والذين تسوقهم الشهوات والأهواء فلا تفكير ولا تدبير هؤلاء ما يشاهدون شيئاً، لكن العاقل ينظر لم هلكت هذه البلاد، ما سبب هلاكها، لعلنا الآن نفعل فعلهم فنهلك مثلهم، لذا لابد أن نبتعد ونجتنب، ومن ثم يعقله عقله عن فعل الذنوب والآثام فينجو ولا يهلك.

    وفي هذا تذكر بالعقل أم لا؟ الذي ما يستعمل عقله ما ينجو لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقد سمي العقل عقلاً لأنه يعقلك دون الباطل، دون الشر، دون الخبث، دون الفساد، والذي لا عقل له يشرب الخمر ويضحك بل يشرب ويأكل الطعام ويسب الرب، وقد شاهدناهم يفعلون هذا؛ لأنهم لا عقول لهم أبداً.

    ما يسأل لم خلقت أنا؟ لم فرضت علي الصلاة؟ لم بني هذا المسجد؟ لم كان الليل؟ لم كان النهار؟ ما يعقل شيئاً ولا يفكر في شيء، فهم كالبهائم التي تساق إلى المجزرة لتذبح لا يشعرون ولا يعلمون.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله لنا وله: [ من هداية الآيات:

    أولاً: حلم إبراهيم ورحمته تجليا في دفاعه عن لوط وأهله ]. إبراهيم حليم رحيم والله العظيم، وسمي إبراهيم بالأب الرحيم، وتجلى حلمه ورحمته في أنه دافع عن قوم لوط.

    [ ثانياً: تقرير مبدأ: من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه ]. هذه حقيقة لا ننساها.

    ( من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه ). ما معنى هذه الكلمة؟

    إذا كان عملك فاسداً ما تنجح وأنت عامله ولا تفلح، فكونك ابن نبي أو ابن ملك أو كذا إذا بطأ بك العمل ما ينفعك النسب أبداً، أين امرأة لوط؟ أليست في جهنم؟ أين والد إبراهيم آزر؟ أليس في جهنم؟ أين والد رسول الله محمد؟ أليس في جهنم؟ أين ابن نوح كنعان؟ أليس في جهنم؟

    من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، تكون ابن من شئت لا يضر؛ لأن العبرة بعملك، صالح أم فاسد؟

    [ ثالثاً: مشروعية الضيافة وتأكدها في الإسلام للحديث الصحيح ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) ].

    هذا الواجب فرطنا فيه وأضعناه، ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) إذا استضافك عبد وقال: أنا ضيفك يا فلان الليلة، أبيت عندك أو أطعمني أو اسقني وجب عليك أن تكرمه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه وهذا إبراهيم ماذا فعل بضيفه ذبح بقرة ثم شواها وقدمها بين يديهم وقال: أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات:27] من أبو الضيفان إذاً؟ والله إنه إبراهيم.

    ومن تدبير الله عز وجل أن وجدت المطاعم والمساكن في العالم، قبل هذه الحضارة كنت لما تدخل القرية لا تجد مسكناً تسكن فيه إلا عند واحد من أهل القرية، ما فيه طعام تجده إلا عند واحد من أهل القرية، ما فيه مطاعم تبيع الطعام ولا مساكن أليس كذلك؟ أدركنا هذا في القرى إلى الآن.

    فمن ثم إذا جاء الضيف إلى القرية يبيت جائعاً، يبيت عارياً في الأرض في البرد، لذا لابد على أهل القرية أن يؤوا الضيف وأن يطعموه ويسقوه، نعم لما انتشر هذا النوع من الحضارة خفت هذه لكن بقي إذا جاءك رجل وقال: أنا ضيفك ضيفني يجب أن تضيفه.

    [ رابعاً: التنديد بالفسق عن طاعة الله وهو سبب هلاك الأمم والشعوب ].

    من هداية الآيات التي تدارسناها أن التنديد بالفسق وتقبيحه وتنفير الناس منه واجب؛ لأن الفسق هو سبب الهلاك والخراب والدمار، ما أهلك الله قوم لوط إلا لفسقهم والعياذ بالله.

    [ خامساً وأخيراً: فضيلة العقل إذا استعمله صاحبه في التعرف إلى الحق والباطل والخير والشر ].

    أخيراً: فضيلة العقل، فسرت لكم العقل، تعرفون العقال أم لا؟ العقال على رأس الرجل يعقل له عمامته حتى لا يعبث بها الريح، يعقل به جمله أو فرسه حتى لا يذهب، فالعقل آلة باطنية في القلب تعقل صاحبها عن السوء، عن الشر والفساد، عن الخبث والفسق والبذاء، تعقله فهي آلة العقل وهي قوى باطنية في القلب على شرط أن يحافظ عليها صاحبها، فلا يصب عليها أطنان الذنوب والآثام فتفسد وتخرب وتصبح ترى القبيح حسناً والحسن قبيحاً والعياذ بالله.