إسلام ويب

تفسير سورة العنكبوت (7)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • دائماً ما يلجأ أعداء الرسل إلى أحط الأساليب وأحقرها، خصوصاً إذا عجزوا عن مقارعة الحجج ورد البينات، وهذا هو الذي حصل مع نبي الله إبراهيم عليه السلام، فها هم قومه يحاولون التخلص منه بقتله متغافلين أن الله لا يضيع أولياءه، فأنجاه الله في أعجب صورة، لكنهم كابروا وأصروا على الاستمرار في الكفر بالله؛ لأنهم لا يقدرون على مفارقة شهواتهم وهجر معاصيهم، فكان جزاؤهم أن جعل الله النار مأواهم والخزي والعار نزلهم، وبالمقابل فأهل النفوس الطاهرة يقبلون على الخير، ويصبرون على مفارقة الأوطان كل ذلك طمعاً في رضا الرحمن، والفوز بنعيم الدارين، كما هو شأن لوط عليه السلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وما زلنا مع آيات سورة العنكبوت المكية المدنية، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    قال تعالى: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنِ الصَّالِحِينَ [العنكبوت:24-27].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ [العنكبوت:24] من هو هذا؟

    هذا إبراهيم الخليل، هذا الأب الرحيم، هذا أبو الأنبياء أجمعين، هذا خليل الرحمن، واجه قومه البابليين سنين يدعوهم إلى الله.. إلى أن يعرفوا الله ويعبدوه؛ فيكملوا ويسعدوا، فرفضوا وبعد ذلك لما أعجزهم وحيرهم وأدهشهم لاذوا بما يلوذ إليه الظلمة والطغاة في الدنيا.. رجعوا إلى محاولة قتله.

    لما أعجزهم.. أفحمهم.. قطع الطريق عنهم بالحجج.. بالبراهين العقلية والنقلية وبدل أن يؤمنوا ويسلموا قالوا: اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ [العنكبوت:24] لنستريح منه.

    فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ [العنكبوت:24] وقد علمنا أنهم أججوا ناراً أربعين يوماً واجتمعوا عليها ووضعوا إبراهيم في منجنيق ودفعوا به إلى النار، ولكن قبل أن يصل إليها صدر أمر الله تعالى إلى النار: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] فكانت والله برداً غير قاتل ولا ضار بل برداً وسلاماً.

    حسن توكل إبراهيم عليه السلام وإنجاؤه من النار

    وأذكركم باللطيفة التي ما ننساها: وهي أن الخليل عرض له جبريل عليه السلام وهو في المسافة بين الجماعة الذين رموه والنار وقال له: هل لك يا إبراهيم حاجة؟ قال: أما إليك فلا، حسبي الله ونعم الوكيل.

    فاحفظوا هذه الجملة فقد قالها رسولكم صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما تحزب الأحزاب عليهم، قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، يكفينا الله ونعم الوكيل يتولانا الله لا وكيل أعظم منه ولا أقدر على إنجاحنا وإسعادنا، حسبنا الله ونعم الوكيل.

    وخرج إبراهيم من ذلك الأتون الناري ولم تأت النار إلا على كتافه الذي في يديه وفي رجليه أحرقته فقط وخرج، وما إن رآه لوط عليه السلام -وهو ابن أخته أو ابن أخيه- حتى آمن ووحد وأصبح ثاني المؤمنين أو ثالثهم في عهد إبراهيم، فآمن له لوط.

    هكذا يقول تعالى: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ [العنكبوت:24] أي: قوم إبراهيم إلا أن قالوا: اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ [العنكبوت:24] فأنجاه الله من النار، لم تحرقه، ما أحرقت إلا كتافه فقط، وثاقه الذي وثق بيديه ورجليه.

    فقال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت:24] نعم والله في هذا الذي ذكر تعالى من كون البابليين بدولتهم ورجالهم يوقدون ناراً أربعين يوماً ويلقون بإبراهيم إليها بمنجنيق فلا تحرقه ويخرج سالماً، في هذا والله لأعظم الآيات الدالة على وجود الله.. على علم الله.. على قدرة الله.. على حكمة الله.. على أنه لا إله إلا الله، إذ سنة الله في النار أنها تحرق والحديد أنه يقطع، والطعام أنه يشبع، والماء أنه يروي.. سنن لا تتبدل أبداً، وإذا أراد الله أن يبدلها فعل فتكون آية وعلامة دالة على وجود الله وعلمه وقدرته وحكمته.

    لكن من يستفيد من هذه الآيات؟ المؤمنون، لأنهم أحياء والحي يبصر ويسمع ويأخذ ويعطي!

    المؤمنون إذا شاهدوا الخوارق والمعجزات آمنوا؛ وذلك لكمال حياتهم، أما الكفرة فهم والله أموات لا يؤمنون بما يشاهدون أبداً.

    وقد شاهد هذا الموقف مئات الآلاف فهل آمنوا؟ ما آمن إلا لوط وسارة فقط، والباقون كلهم أصروا على الكفر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم...)

    وقال أي: إبراهيم عليه السلام لقومه: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ [العنكبوت:25] (مودةً بينكم) (مودةٌ بينكم) قراءات سبعية مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [العنكبوت:25].

    ما معنى هذا الكلام؟ قال لهم: إن إصراركم على الشرك وعبادة الأصنام والأحجار هذا سره وحقيقته والله من أجل أن تتحابوا وتتعاونوا على الباطل، أما من أجل أية نتيجة أو فائدة أو ثمرة فوالله لا شيء.

    ماذا يستفيدون من عبادة الأحجار؟ ماذا يستفيدون من نصرتها والدفاع عنها؟! ماذا تغنيهم؟! ماذا تعطيهم؟!

    لا تملك شيئاً ولا تعطيهم آخر، فلماذا -إذاً- تحاموا وتدافعوا لرد الحق بهذا الباطل؟

    قال إبراهيم: جعلتم هذا لتتأصل المودة والمحبة بينكم وتعيشوا متعاونين.

    وقال: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا [العنكبوت:25] أي: تعبدونهم، وهي أصنام من حجارة يصنعونها مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [العنكبوت:25] فقط لتتحابوا وتتعاونوا وتتناصروا لأنكم على دين واحد وهو الكفر.

    قال: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [العنكبوت:25] يوم يقوم الناس من قبورهم لرب العالمين.. في ساحة فصل القضاء كيف تكون حالكم مع آلهتكم المزعومة، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [العنكبوت:25] والله العظيم.

    ويوم القيامة يكفر بعضكم ببعض فالذين كانوا يدعون إلى الكفر يتبرءون ممن دعوهم ولا يقولون هؤلاء دعوناهم، والمدعوون يقولون هؤلاء الذين كانوا يدعوننا فيتبرأ بعضهم من بعض.

    إذ ما يستطيع من عبد مع الله أن يقول: أنا عبدني فلان وفلان، والعابد لا يقول أنا عبد لأجل فلان وفلان أو من فلان وفلان، فيتبرأ العابد من المعبود.

    يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [العنكبوت:25] التابع والمتبوع.. هؤلاء دعاة الباطل.. أغنياء وأشراف أهل بلاد ومعهم عوام وفقراء، أمة كاملة اتبعتهم، وعبدوا معهم الأوثان، كيف يكون حالهم يوم القيامة؟ يكفر بعضهم ببعض، ما يسلم واحد لآخر أنه كان يعبده أو أذن له في عبادة غير الله أبداً.

    وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [العنكبوت:25] ويطلب بعضكم لبعض النار والخزي والعذاب الأليم والعياذ بالله.

    وَمَأْوَاكُمُ [العنكبوت:25] أي: مصيركم الذي تأوون إليه أخيراً النار.

    وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [العنكبوت:25] من أين يأتيهم الناصر؟ ومن ينصر أهل الباطل يوم القيامة؟

    والله لا وجود لناصر يومها وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [العنكبوت:25].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي...)

    هنا آمن لوط عليه السلام فقال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت:26] أمة كاملة شاهدت هذه الآيات، ولما كانت أمة كافرة وثنية تعبد الأصنام وتكفر بالرحمن وتشرك به ما آمنت وقد شاهدت المعجزة الخارقة للعادة وهي أن يلقى إنسان في نار ويخرج يعرق -يتفصد العرق من جبينه- ولا تأتي النار على ثوبه ولا قميصه ولا ولا.. أية آية أعظم من هذه الآية؟!

    ولكنهم لما كانوا كافرين ميتين ما آمنوا، فآمن له لوط.

    ولوط قيل: إنه ابن أخيه أو ابن أخته ولا حرج.

    ولوط أرسله الله إلى المؤتفكات، وسيأتي الحديث عنه في الآيات الآتية!

    وآمنت به زوجته سارة وهي بنت عمه.

    فكم آمن؟ ثلاثة، ومن ثم هاجروا، وتركوا القرية، هاجروا من الكوفة والتحقوا بحران ودخلوا الشام، وهم ثلاثة أنفار.

    هكذا يقول تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ [العنكبوت:26] أي: إبراهيم عليه السلام إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [العنكبوت:26].

    وقد علمتم زادكم الله علماً: أن أول من هاجر في سبيل الله: إبراهيم عليه السلام.

    وعرفتم معنى الهجرة: وأنه ترك المكان الذي كان فيه وهجره والتخلي عنه والابتعاد عنه؛ لأنه مكان لا يستطيع أن يعبد الله فيه.

    ولهذا يجب على كل مؤمن ومؤمنة إذا وجد نفسه في بلد.. في قرية.. في إقليم.. لا يستطيع أن يعبد الله فيه أن يهاجر من ذلك المكان؛ لأنه خلق للعبادة؛ فإذا تعطلت فما قيمة وجوده؟ يجب أن يهاجر.

    إذاً: لا يوجد مؤمن أو مؤمنة -في دار.. في عمارة.. في فلة.. في قرية.. في واد.. في جبل- لا يستطيع أن يعبد الله ما دام في ذلك المكان إلا والله وجبت عليه الهجرة.

    لماذا تجب عليه الهجرة؟ لأنه خلق لهذه العبادة. فإذا تعطلت لم يبق سر لوجوده؟

    أليس خلق ليعبد الله؟ ليسعد ويكمل؟ فإذا تعطلت العبادة فكيف يسعد ويكمل؟ إذاً: يهاجر.

    وأول من هاجر في الدنيا: إبراهيم وابن أخيه أو أخته لوط وسارة زوجة إبراهيم عليه السلام.

    وأول من هاجر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم: عثمان بن عفان الصاحب الثالث للنبي صلى الله عليه وسلم، هاجر مع زوجته رقية بنت رسول الله، هاجروا من مكة إلى الحبشة. لا ننسى هذه.

    من أول من هاجر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان مع زوجته بنت رسول الله رقية .

    إلى أين هاجروا؟ ما تمكنوا من العبادة في مكة وقد فرضت العبادة فالتحقوا بالأحباش حيث يوجد ملك صالح هو أصحمة النجاشي وأظنه كان في السنة الخامسة للبعثة، وبعد ذلك هاجر الأصحاب وهاجر الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

    الهجرة إلى الله والرباط في سبيله

    وهنا لطيفة بلغوها!

    أقول للمهاجرين من المسلمين في بلاد الكفر أوروبا وأمريكا وكندا واليابان والصين: هؤلاء الذين هاجروا من بلاد الإسلام وتركوها والتحقوا ببلاد الكفر هل تجوز لهم هذا الهجرة؟

    الجواب: لا، اللهم إلا إن كان أحدهم لا يستطيع أن يعبد الله في هذا البلد فحينئذ يهاجر، وتصحيح هذا الموقف هو أن على المهاجرين في تلك البلاد أن يصححوا نية هجرتهم، فيقولون: نحن مهاجرون هنا من أجل أن ننشر دعوة الله.

    نحن تركنا ديارنا الإسلامية وجئنا هنا فهدانا الله عز وجل، فهيا بنا ننوي بإقامتنا نشر دعوة الله.

    أي: الإسلام، بألسنتنا الطيبة.. بسلوكنا الحسن.. بأبنائنا وبناتنا الذين تربوا في حجورنا وأصبحوا مسلمين.

    وفي هذه الحال يجب أن تكون عقائدهم عقائد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيها ضلالة ولا خرافة ولا باطل!

    وأن تكون أخلاقهم وآدابهم كأخلاق نبيهم وآدابه فلا غش ولا خداع ولا كبر ولا حسد ولا باطل ولا منكر!

    وأن تكون عبادتهم كالتي عبد بها رسول الله ربه كما هي في الكتاب والسنة.

    إذا كانوا هكذا ونووا البقاء لنشر دعوة الله أصبحوا مرابطين.

    وتعرفون قيمة المرابطين في سبيل الله، فلا أفضل منهم، يصبحون أفضل من أهل الحرمين سواء كانوا في أمريكا أو أوروبا أو في غيرها.

    هل المستمعون فهموا هذه الحقيقة؟ كلامي ما هو بعيد أبداً، هاجروا من بلادهم ووقعوا في بلاد الكفر، هذا هو الواقع، ما نسأل لم؟

    نقول: علينا أن نصحح موقفنا. ماذا نصنع؟ ننوي بإقامتنا في فرنسا وإيطاليا نشر الإسلام.

    هذه النية هل تعجز عنها؟ هنا يجب عليك أولاً: أن تصحح عقيدتك لتدخل الناس فيها.

    ثانياً: أن تكون ذا آداب وأخلاق تعجب، فيعجب بك الكافرون ويقتدون بك لا أن تكون لصاً مجرماً فاسداً تطردهم عن الإسلام.

    ثالثاً: تدعوهم بالكلمة الطيبة والابتسامة في وجه الكافر الجار أو الملازم أو كذا، وتعرض عليهم الإسلام برفق: لو تدخل في الإسلام.

    رابعاً: أولادك -من بنين وبنات- تربيهم في حجرك على الإسلام وهم أطفال فيكبرون وهم مسلمون، وبدل ما كنتم ألفاً تصبحون ألفين وبذلك ينتشر الإسلام. هذه هي الهجرة الإسلامية التي فرضها الله على المسلمين.

    قال: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي [العنكبوت:26] كيف إلى ربي؟ أي: إلى حيث يوفقني، إلى ديار الإيمان.. إلى ديار الطهر والصفاء، أخرج من الوثنية.

    علل لذلك بقوله: إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [العنكبوت:26]. أي: ربي هو العزيز الغالب القاهر الحكيم، ألجأ إليه وألوذ بجنابه، وأفزع إلى ربي فيحميني وينصرني؛ لأنه قوي غالب قاهر عزيز. تعليل عظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة ...)

    قال تعالى: وكافأناه وجازيناه على هذه النية الصادقة والعمل الطيب الصالح والهجرة الحقيقية وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [العنكبوت:27] وهبه الله إسحاق، وإسحاق ولد ولداً اسمه يعقوب وكلاهما نبي ورسول.

    من وهبهما؟ الله.

    هاجر إبراهيم وهو في عمر خمسة وسبعين سنة، هاجر من أرض بابل وعمره خمسة وسبعون عاماً فأنجب إسحاق، وإسحاق أنجب يعقوب ورزقه الله إسماعيل من هاجر القبطية المصرية أيضاً، وإسماعيل ولد أولاً ثم إسحاق ويعقوب.

    وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [العنكبوت:27] تعرف ما معنى وهبنا؟ أعطينا الهبة والعطية بغير مقابل.

    وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ [العنكبوت:27] ما من نبي بعد إبراهيم إلا من أولاد إبراهيم.

    ما وجد نبي بعد إبراهيم إلا وهو من ذرية إبراهيم.. من أحفاده، والكتب كذلك، فالتوراة التي نزلت على موسى والزبور الذي نزل على داود، والإنجيل الذي نزل على عيسى، والقرآن الذي نزل على محمد هذه الكتب كلها في ذريته.

    هذه هبة عظيمة.. عطية عظيمة مقابل الصبر والثبات؛ لأنه قرابة سبعين سنة أو ثمانين وهو يجالد ويجادل ويدعو إلى الله، وأخيراً حكموا بإعدامه وألقوه في النار فكافأه الله هذه المكافأة وجزاه هذا الجزاء.

    وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا [العنكبوت:27] ما أجره في الدنيا؟ عمارات؟ مزارع؟ مصانع؟

    ما المراد من هذا الأجر في الدنيا؟ هذا الأجر في الدنيا أن اليهود والنصارى والمجوس والبشرية كلها تذكر إبراهيم بخير، ولا توجد ملة كافرة تسب إبراهيم أو تنتقصه، وما فاز بهذا أحد إلا إبراهيم.

    اليهود يقدسون إبراهيم، والنصارى يقدسونه والمجوس يقدسونه، أما المسلمون فلا تسأل فهم أهل لذلك.

    وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا [العنكبوت:27] هذا الجزاء الذي حصل هو إكرام البشرية له في حياتها، وفي الآخرة لَمِنِ الصَّالِحِينَ [العنكبوت:27] وهو الموكب الخامس أو الرابع من مواكب أهل الجنة إذ قال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء:69] من؟ أبيض أسود.. عرب عجم.. من؟ ذكر وأنثى؟ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ [النساء:69] أي: المطيعون مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء:69] وإبراهيم منهم، إبراهيم منهم بالنبوة والرسالة والهجرة والشهادة.

    اللهم اجعلنا منهم! اللهم اجعلنا منهم!

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [هداية الآيات] نسمع هداية الآيات إذ كل آية لها هداية. فكل آية لها علامة والعلامة هي الآية [من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير أن الظلمة سنتهم أنهم إذا أعيتهم الحجج يلجئون إلى استعمال القوة ]. هذه حقيقة باقية إلى يوم القيامة.

    الطغاة الظلمة المعتدون الجبابرة إذا أنت حاججتهم وجادلتهم وغلبتهم في الحق يفزعون إلى القتل، هو الذي يخلصهم منك إلى الآن، لا يخضعون للحجج والبراهين والمنطق أبداً، يقبلون منك! هات ما عندك! اذكر كذا وكذا فلما يندهشون وينغلبون يقولون: اقتلوه أو أدخلوه السجن. هذه سنة ماضية إلى يوم القيامة.

    [ ثانياً: في عدم الإحراق بالنار دليل على أن الله تعالى قادر على إبطال السنن إذا شاء ذلك، ومن هنا تكون الكرامات والمعجزات إذ هي خوارق للعادات ].

    في هذه الظاهرة -كون النار ما أحرقت إبراهيم وهو فيها- دليل على أن الله عز وجل له أن يوقف ما شاء أن يوقف من الأشياء، يجعل أحدهم الحديد ما يقطع، يضرب بالسيف ما يقطع.. معجزة، يجعل أحدهم يأكل السم وما يموت أبداً.

    ها هي النار يدخلها إبراهيم ويخرج منها سالماً معافى، فلهذا المعجزات والكرامات نؤمن بها، فالله يعطي لأوليائه كرامات خارقة للعادة.

    [ ثالثاً: بيان أن الخرافيين في اجتماعهم على البدع لم يكن ذلك على علم بنفع البدعة وإنما لعنصر التواجد والتعارف والتلاقي على الأكل والشرب كما قال إبراهيم لقومه: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [العنكبوت:25] ].

    إبراهيم عليه السلام قال لقومه: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [العنكبوت:25] هذه سنة بشرية، أيما جماعة يجتمعون على الباطل.. على الشر.. على الفساد.. على البدع.. على الخرافات.. على الضلالات إلا ويتعاونون ويتحابون على ذلك ويدافعون عنه إلى اليوم.

    [ رابعاً: بيان حصيلة دعوة إبراهيم كذا سنة وأنها كانت إيمان واحد بها وهو لوط عليه السلام، ففي هذا تسلية للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ].

    زوجته وابن أخته أو أخيه فقط.

    ومعنى هذا: اصبر يا رسولنا يا محمد صلى الله عليك وسلم، تجلس في مكة ثلاث عشرة سنة ما يؤمن إلا عدد الأصابع فلا تألم ولا تأسف، فهذا إبراهيم جدك قعد خمسة وسبعين سنة ولم يؤمن معه إلا اثنان.

    هذه تحمل الرسول على الصبر والثبات، وتحمل كل داعي إلى الله على الصبر والثبات، فلا يقول أنا في القرية فما استجاب لي أحد، عشر سنوات وأنا أدعو، لا تيأس أبداً ولو بعد خمسين سنة.

    [ خامساً: بيان إكرام الله تعالى لمن يهاجر إليه ويترك أهله وداره ].

    معلوم من هاجر في سبيل الله فلن يضيعه الله!

    المهاجرون منزلتهم يوم القيامة منزلة عالية، فمن هاجر في سبيل الله لن يضيعه الله.

    هاجر إبراهيم فآتاه الله ما آتاه وأعطاه ما أعطاه في الدنيا والآخرة.

    [ سادساًً: بيان ما أكرم الله تعالى به إبراهيم من خير الدنيا والآخرة جزاء صبره على دعوته في الله تعالى ].

    بيان جزاء الله لإبراهيم على صبره وثباته على دعوة الحق، على أن يعبد الله وحده، وكان ذكرى دائمة خالدة في الدنيا وكرامة عالية وعظيمة في الجنة يوم القيامة.