إسلام ويب

تفسير سورة العنكبوت (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حري بكل مسلم أن يقف على سيرة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، ليرى فيها البطولة في أروع صورها وينظر العزيمة في أجل معانيها، فإبراهيم عليه السلام هو الموحد الحنيف، والداعية الناجح، والمبتلى الصابر، والعابد الزاهد، والمربي العاقل، والأب الرحيم، فتأمل كيف اعتصم بالله في مواجهة الشرك وأهله، حتى تعرض للأخطار ورمي في النار، وانظر كيف تعامل مع ملك مصر في فتنة زوجته سارة بحكمة ورباطة جأش وتوكل على الله، وانظر أيضاً إلى صبره ورضاه بقضاء ربه حين ترك أهله وطفله بوادٍ غير ذي زرع، بل بادر إلى ذبح فلذة كبده طاعة لأمر ربه، فكان بحق أمة وحده وفرداً حتى دخل لحده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن اليوم مع سورة العنكبوت المكية المدنية، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    قال تعالى: وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [العنكبوت:16-18].

    إبراهيم أبو الأنبياء عليهم السلام

    بالأمس كانت الآيات تحمل قصة نوح عليه السلام.

    من أجل ماذا قص الله هذه القصص؟

    من أجل الرسول والمؤمنين، ليثبتوا على دعوة الحق؛ لأنهم يواجهون من المشركين ما لا يطاق ولا يتحمل، فيسليهم ويحملهم على الصبر بما يقص عليهم من أحداث وقصص ماضية.

    والآن قصة إبراهيم، وبالفصيح من اللغة العبرية: أب رحيم. إبراهيم: أب رحيم والله العظيم ، وقد وصفه ربه وخالقه بالرحمة.

    إبراهيم أين كان يعيش؟ في أي الديار؟ كان يعيش في بابل بأرض العراق.

    إبراهيم قطعاً من ذرية الرسول الكريم نوح عليه السلام، نبأه الله وأرسله واختاره لحمل رسالة الدعوة إلى الله، فكان نبياً رسولاً عليه السلام، وهو أحد الخمسة الذين هم أولوا العزم، إذ قال تعالى من سورة الأحزاب: وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب:7] منك أي: يا محمد صلى الله عليه وسلم، وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى [الأحزاب:7] هؤلاء خمسة رسل هم أولوا العزم والصبر والثبات، وإبراهيم منهم، أولهم نوح، ثانيهم إبراهيم، ثالثهم موسى، رابعهم عيسى، خامسهم محمد صلى الله عليه وسلم، وابتدأ الله به لأنه أفضلهم وأكملهم فقال: وَمِنْكَ [الأحزاب:7].

    إبراهيم عليه السلام له مواقف عجيبة، لو يعيها العبد لاستنار قلبه، وأصبح حقاً ولي الله، فهيا بنا نستعرض بعض تلك المواقف:

    موقف إبراهيم عليه السلام من أبيه وقومه عبدة الأصنام وقصة إلقائه في النار

    أول موقف: أنه واجه أباه وعمه وأهل بلده مواجهة حقيقية وهي قوله: لا إله إلا الله، وأبوه وقومه كلهم يعبدون الأصنام، كلهم يعبدون الأحجار والأصنام.

    والأصنام: جمع صنم، وهو ما كان مصنوعاً من ذهب أو فضة أو نحاس.

    والأوثان: جمع وثن، وهو ما كان مصنوعاً من حصباء أو حجارة.

    واجه قومه وكانوا يعبدون الأصنام، ومن مواجهته العظيمة: أنه في يوم من الأيام أراد أن يمكر بهم ويكيد لآلهتهم، فجاء يوم من أيام الأعياد التي تعرفها البشرية، فخرج أهل البلاد ليقضوا يوم العيد خارج بلادهم، ومن عاداتهم الفاسدة: أن يضعوا ألوان الحلوى والطعام الجيد بين يدي آلهتهم ليباركوها، ثم يعودوا فيأخذونها مباركة لهم، وهذا هو الجهل.

    فسألوه: تخرج معنا يا إبراهيم؟ فنظر نظرة في النجوم فقال: إني سقيم. أي: مريض.

    أوهمهم أنه يؤمن بالنجوم، وأنها الإله، إني سقيم مريض، فتركوه وذهبوا، فما كان منه إلا أن دخل على ذلك البهو الذي فيه الأصنام وفي يده فأس، فأخذ يكسرها ويحطمها، حتى تركها جذاذاً قطعة قطعة، وأخذ الفأس فعلقه في عنق الصنم الأكبر.. الإله الأكبر، وراح، فجاء أهل العيد في المساء يهرعون ويجرون ليأخذوا الحلويات والبقلاوة والأطعمة التي وضعوها بين يدي آلهتهم لتباركها، فوجدوها منثورة: قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ [الأنبياء:59-61] وجاءوا به، وقالوا: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:62-63] يشير إليه بيده وأصبعه فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ [الأنبياء:63] التوعية.

    قال: فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ [الأنبياء:63-65] ماذا قالوا؟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ [الأنبياء:65].

    والشاهد عندنا: أنهم حاكموه وصدر الأمر بالقضاء عليه، بإماتته ويكون ذلك بإحراقه في النار.

    لا يضربونه بالسيف ولا بالعصا، بل يحرقونه بالنار.

    من قص هذه القصص؟ الله رب السموات والأرض، منزل القرآن العظيم.

    وكانوا يتنافسون من هو الذي يأتي بحزمة كبيرة من الحطب يتبرك بها لإحراق إبراهيم عدو الأصنام والأوثان.

    ويخبرنا الحبيب صلى الله عليه وسلم فيقول: الوزغة الموجودة في المنازل عندنا بالمدينة كانت تنفخ النار بفمها لتتأجج حتى تحرق إبراهيم. قولوا: آمنا بالله.

    هذا الوزغة، من عثر عليها فليقتلها، فهي تكره التوحيد ولا تحبه، كانت تنفخ لتؤجج النار، وقد أوقدوا النار أربعين يوماً.

    وكيف يلقونه فيها وهي ملتهبة من أبعاد أكثر من عشرة أمتار، كيف يستطيعون ذلك؟

    فكروا، فاهتدوا إلى صنع ما يسمى بالمنجنيق فيضعونه فيه ويرمونه؛ لأنهم لا يستطيعون أن يصلوا به إلى النار، فوضعوه في المنجنيق، ودفعوا به على مسافة، وهنا قبل وصوله إلى النار عرض له جبريل عليه السلام: ( ألك يا إبراهيم حاجة؟ قال: أما إليك فلا، حسبي الله ونعم الوكيل ). احفظوها حسبي الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام.

    ( أما إليك فلا ) لا حاجة لي عندك، ولكن حسبي الله يكفيني الله ونعم الوكيل، فقالها إبراهيم وقالها رسول الله والمؤمنون لما تألب عليهم المشركون في الأحزاب، قالوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173].

    الدعاء هو مخ العبادة

    هنا لطيفة علمية:

    غلاة المتصوفة الهابطون يقولون لما قال جبريل لإبراهيم ألك حاجة يا إبراهيم؟ قال: حالي يغني عن سؤالي.

    وهذه معناه أنه لا يدعو الله عز وجل. كيف؟ أليس الله عليماً بفقري، بمرضي، بعجزي، بضعفي؟ فكيف أقول: يا رب إني ضعيف فقوني، رب إني مريض فاشفني، رب إني فقير فاغنني، يقولون: لا تقل هذا، بل قل: حالي تغني عن سؤالي.

    وهذا لا يجوز، وهي من أعظم أنواع الكفر؛ لأن الله تعالى تعبدنا بالدعاء، فلا عبادة أعظم من الدعاء أبداً، لا جهاد ولا رباط.

    انظر كيف صرفوا المؤمنين الغافلين عن دعاء الله، قالوا: حالي تغني عن سؤالي، فلا تدع.

    كيف تدع الله وتقول: أعطني وهو يعلم ويعرف حالك.

    ونسوا أن الدعاء مخ العبادة، بل الدعاء هو العبادة، وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، فدعا إبراهيم.

    وأزيدكم وضوحاً لتعرفوا أن الدعاء هو العبادة:

    أولاً: هذا الذي رفع يديه إلى الله مؤمن موقن بأن الله فوقه، فوق سماواته، فوق عرشه، هذا الذي رفع يديه هكذا وهو يقول: يا رب يا رب موقن بأن الله يسمعه ويرى كفيه موضوعتين بين يديه.

    ثانياً: لو علم هذا الذي قال هكذا إلهاً آخر يعطيه ويقضي حاجته لقال هكذا أو قال هكذا، لكن هكذا، لا يوجد من يعطي ويقضي الحاجة إلا الله.

    ( الدعاء هو العبادة )، فتأتي هذه الطائفة الملوثة التي هبطت بهذه الأمة ومزقتها فيقولون: إبراهيم قال: حالي تغني عن سؤالي، فلا نسأل. بمعنى لا تدع الله.

    ويقولون: إذا دعوتموه شككتم في أنه لا يعلم ولا يقدر ولا يعرف. وهذا كفر عظيم، لكن بأسلوب علمي لا يشعر به إلا العقلاء.

    عرفتم هذه اللطيفة؟!

    أما الخليل.. أما إبراهيم فقال: حسبي الله ونعم الوكيل. أي: يكفيني ربي.

    وقبل أن يصل إلى النار من المسافة البعيدة التي ألقي منها في المنجنيق صدر أمر الله تعالى إلى النار وهي مخلوقة: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، والله لهذه الكلمة التي قالها الله قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، ما أتت النار بعدها على شيء إلا على الكتاف الذي في يديه ورجليه، وخرج والعرق يتفصد من وجهه.

    ألقي في أتون الجحيم وخرج منه ولم يحرق منه شيء سوى الكتاف في اليدين والرجلين، وخرج وجبينه تتفصد عرقاً.

    آية هذه أو لا؟

    آية تدل على وجود الله.. على علم الله.. على قدرة الله.. على رأفة الله.. على رحمة الله.. على لطف الله بأوليائه.

    آية تدل على أنه لا إله إلا الله.

    هجرة إبراهيم عليه السلام إلى الشام

    ثم الموقف الثاني: ملهم وسئم منهم وجادل فآثر الهجرة على البقاء بينهم؛ لأنهم لا يستجيبون.

    فما بعد هذا الموقف موقف، فهاجر بلا طيارة ولا سيارة ولا بعير ولا ولا، خرج مع امرأته سارة بنت عمه وخرج مع ابن أخيه لوط.. ثلاثة أنفار، لا دينار ولا درهم، خرجوا متجهين غرباً نحو ديار الشام في فلسطين.

    أول من عرف الهجرة: إبراهيم، بشر المهاجرين أن أول من هاجر لله وفي سبيل الله: إبراهيم عليه السلام، ترك أهله وماله وبلاده وفر بدينه، وآمن معه نفران: لوط عليه السلام رسول الله إذ أرسله الله بعد ذلك، وسارة امرأته وهي بنت عمه، واتجه نحو الشام.

    ومشى حتى انتهى إلى الديار المصرية بلاد الأقباط، ومعه سارة ، وما إن نظر أهل البلاد إليه وإلى زوجته حتى تعجبوا من هذا الرجل ومن جمال امرأته، كيف أتى هذا؟ ومن أين أتى؟

    ومن لطائف العلم: أن إبراهيم تفطن وعرف أن هؤلاء الذين رأوا امرأته سينقلون الخبر إلى الملك والسلطان، وسوف يطالبون بهذه الزوجة.

    ومن لطائف أهل المغرب الإسلامي أن هذا الذي يشي من أجل الفاحشة يسمونه القواد.. يقود، وعندنا في المملكة في المدينة يسمى الجرار، يجره حتى يوصله إلى مكانه، والقواد يقوده حتى يصل به إلى مكانه.. عجائب اللغة العربية.

    فالجرارون والقوادون ذهبوا إلى السلطان وقالوا: إن هنا امرأة ليس لها نظير أبداً، ولا تصلح إلا لك.

    هذه طبيعة البشر عندما يكونون عمياناً صماً بكماً كفاراً، فقال الخليل إبراهيم: يا سارة ! إذا سألك هذا الطاغية عني فلا تقولي: زوجي، بل قولي: أخي، فإنه لا يوجد على هذه الأرض مؤمن إلا أنا وأنت، وهو كذلك، أخوة الإيمان والإسلام.

    إذا سألك عني لا تقولي زوجي، إذا قالت: زوجي قالوا: اقتلوه، ولكن قولي أخي، فإنه لا يوجد على أرض هذه البلاد مؤمن إلا أنا وأنت فقط، يعني: أخوة الإيمان والإسلام.

    وبالفعل أخذوها، وأجلسوها إلى سرير إلى جنب السلطان وأخذ يراودها ويتكلم معها، وكان كلما هم أن يضع يده عليها يلمسها يصاب بالشلل الفوري والله العظيم، تتيبس يده، في المرة الأولى: يا فلانة.. والمرة الثانية والثالثة حتى قال: أخرجوها عني، ما أتيتموني بآدمية، ما هي إنسية هذه.

    وهذه كرامة الله لأوليائه؟ وما زال الله يفعل هذا الآن مع أوليائه!

    قال: أخرجوها، وقال: أصلحوها، فألبسوها الحرير وأعطوها المال، وأعطاها جارية تخدمها، وهي هاجر أم إسماعيل عليه السلام خادمة تخدمها.

    إبراهيم عليه السلام يترك ابنه إسماعيل وأمه هاجر في مكة

    ويحمد الله إبراهيم وزوجه ويشكران الله على آلائه وإنعامه وإفضاله، ويمشيان في تلك الديار ديار الشام.. فلسطين.

    ثم تبرعت سارة بـهاجر لإبراهيم عليه السلام، إذ هي التي أعطيت الجارية، فوهبتها لزوجها، خذ يا إبراهيم هذه الجارية لك، يطأها كما هي سنة البشر.

    تبرعت سارة بالجارية التي هي ملك لها وأعطتها لإبراهيم ليتسرى بها، وشاء الله وتسرى بها، وأنجبت إسماعيل.

    من إسماعيل هذا؟ هذا جد سيد المرسلين.

    ولكن الغريزة والفطرة في الإنسان قد لا يتحكم فيها المرء، فـسارة كبيرة في السن وما أنجبت، وبلغت ربما الثمانين سنة، وهاجر أنجبت وولدت إسماعيل.

    فنصحت هاجر لزوجها ولسيدها أن يذهب بها بعيداً مع طفلها، فلا تتأذى ولا تتألم سارة؛ لأنها ستشاهد طفلاً حرمته دهراً من الزمن.

    وشاء الله أن يهدي إبراهيم إلى الوادي المبارك.. إلى مكة فينقل هذا الطفل مع أمه، وجد نفسه في مكة، في الوادي الأمين، وليس بها نخل ولا شجر ولا أحد أبداً، فذهب بطفله إسماعيل ووالدته هاجر إلى الديار المكية.. إلى جبال فاران.. إلى الوادي الأمين.

    وماذا عند إبراهيم؟ عنده طعام وعنده سقاء فيها ماء، وتركهما في ذلك الوادي عند زمزم الآن، والله العظيم.

    وأراد أن يرجع؛ لأنه مأمور بهذا، موحى إليه، فهذا تدبير ذي العرش جل جلاله وعظم سلطانه، فلما ترك هاجر والطفل وذاك الزاد القليل والماء القليل وانصرف عائداً إلى بلاد الشام نظرت إليه هاجر وقالت: يا إبراهيم! آلله أمرك بهذا؟

    عجب هذه المرأة المصرية، آلله أمرك بهذا؟ تتركني وطفلي في هذا الوادي؟ قال: نعم. قالت: فاذهب فإنه لن يضيعنا.

    هذه الجملة تساوي الدنيا وما فيها، أمر الله إبراهيم أن يترك هاجر وطفلها في واد ما به أحد، ثم تستفهمه: آلله أمرك؟ فيقول: نعم. فتقول: إذاً فاذهب فإنه لن يضيعنا.

    من منا يأخذ هذه الجملة؟ مادام الله أمرك أن تعمل فيجب أن تعمل!

    الله نهاك أن تعمل فيجب أن لا تعمل.

    يا سيدي لم تبيع الخمر في دكانك؟ آلله أمرك بهذا؟ لا. إذاً: لا تبع الخمر.

    يا فلان لم لا تبع الخمر في دكانك؟ لأن الله نهاني. آلله نهاك؟ نعم نهاني، فوالله لن يضيعك.

    كيف نعبر بهذه الجملة، قالت: آلله أمرك بأن تتركني وطفلي هنا؟ قال: نعم. قالت: لن يضيعنا.

    فإذا حرم الله علينا الكذب، الخنا، الدعارة، التلصص، الإجرام، الغيبة، النميمة، الخبث، الشر والفساد وامتثلنا نهيه فوالله لن يضيعنا أبداً، سنعيش سبعين سنة والله ما نكذب مرة ولن يضيعنا، وانظر كيف ما ضيعهما.

    مشى إبراهيم ونفذ الماء في يوم وليلة أو ثلاثة أيام وإسماعيل يتلوى في الأرض من العطش يسأل عن الماء، وأمه تلتفت يميناً وشمالاً فلا تجد أحداً، فرأت جبل الصفا قريباً منها، فمشت إليه وارتقت فوقه، ونظرت يميناً وشمالاً علها أن ترى ماء، علها أن ترى من يحمل الماء، علها أن ترى إنساناً، فما رأت فهبطت ذاهبة إلى المروة جبل أمامها، فلما وصلت إلى الوادي شمرت وخبت خباً كما يخب الحجاج إحياء لذكرى أم إسماعيل، فلما تجاوزت الوادي مشت ورقت المروة، ونظرت يميناً وشمالاً فما رأت شيئاً، سبعة أشواط، وفي السابعة سمعت -وهي تقول: هل من غياث؟- صوتاً يقول: أسمعت أسمعت، وإذا بجبريل عليه السلام واقف على رأس الطفل.

    عرفتم السعي بين الصفا والمروة ما هو سره؟ إحياء لذكرى أم إسماعيل، فعلى الرجل القادر أن يخب في بطن الوادي، الآن بين علامتين خضراوين.

    إذاً: فلما دنت منه ضرب بجناحه الأرض فصارت زمزم، والله العظيم، فأخذت هاجر تزمها.

    تعرفون الزمام أو لا؟ زمام البعير والفرس، تزمها حتى لا يفيض الماء خشية أن يضيع.. خافت، فقال حفيدها الطيب الطاهر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ( رحم الله أم إسماعيل لو تركته لكان عيناً معيناً إلى يوم القيامة )، لو ما زمته لكان عيناً تسيل إلى يوم القيامة والله العظيم، والآن أكثر من ستة آلاف سنة وما نفد ماء زمزم.

    إذاً: هذا الموقف لـهاجر ، هاجر غريبة الدار، توكلت على الله وقالت: اذهب فإنه لن يضيعنا فهل ضيعهما؟

    ما هي إلا أيام أو ليالي وإذا بقافلة من جرهم تشاهد الطير يحوم وينزل فوق مكان، فقالوا: هنا ماء لا محالة، فجاءوا فوجدوا الماء والبئر.

    ساسة العالم هل يستطيعون أن يقفوا هذا الموقف؟

    اسمعوا! لما نزلت جرهم قريباً من الماء سألوا هاجر ، أمة برجالها تسأل امرأة مع طفلها: أتسمحين لنا بالبقاء عند مائك؟ أيفعل هذا البشر اليوم؟ لا. إلا الصالحون الربانيون.

    امرأة مع طفلها في صحراء يستأذنون منها يطلبون الإذن: تسمحين لنا أن ننزل عندك حول الماء؟ فتقول: نعم، على شرط أن لا حق لكم في الماء. فيقولون: نعم.

    هل هذا فعلته الديمقراطية الآن؟ هل عرفته البشرية؟

    امرأة في صحراء.. في واد فتجيء قبيلة بكاملها تستأذن في النزول حولها، فتأذن وتشترط أن لا يكون لهم حق في الماء، بل الماء لها ولولدها فيقبلون ويوافقون، وإلى الآن يوجد من أولياء الله -والله- من يستأذن ولا يزعج امرأة عندها شيء أبداً.

    زيارة إبراهيم عليه السلام لولده وأمره له بطلاق زوجته الأولى وإبقاء الأخرى

    ومن مواقف إبراهيم: أنه كان يجيء من الوقت إلى الوقت يزور تركته ولده وأمته، فغاب عنهم سنين ثم زارهم، فوجد زوجة ابنه فسأل: أين زوجك؟ تزوج إسماعيل بامرأة من جرهم، القبيلة التي كانت إلى جنبهم، وأوحى الله إليه وأصبح رسوله.

    إذاً: زوجوه، فخرج يطلب القوت بواسطة الصيد، إما أرانب، إما غزلان، إما طير، فلما جاء إبراهيم سلم على أهل البيت: السلام عليكم، قالوا: وعليكم السلام. كيف أنتم؟ فقالت: نحن في عناء، في تعب في كذا في كذا.

    أين زوجك؟ قالت: خرج يطلب لنا الرزق. قال لها: فإذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: يغير عتبة بابه.

    وجاء إسماعيل فتفرس فقال: هل من زارنا؟ هل من ضيف نزل عندنا؟ قالت: نعم. رجل كذا وكذا، قال: ذاك أبي.

    أوصاك بشيء؟ قالت: نعم. قال لي: قولي له يغير عتبة بابه. قال: ذاك أبي وأنت طالق، أمرني بطلاقك.

    هذه اللطيفة العلمية استفدناها ونقول: إذا كان الرجل غير صالح فلا أزوجه ابنتي أبداً ولا يجوز أبداً، وإذا كان الرجل صالحاً فلا نزوجه غير صالحة، فلا يغرك مال ولا سلطان ولا ولا، أعط ابنتك الرجل المؤمن الصالح، وزوج ابنك بالمرأة الطيبة الصالحة الطاهرة.

    والشاهد عندنا: أنه جاء إبراهيم مرة ثانية، ووجده قد تزوج، وسأل عن زوجها، قالت: ذهب يطلب لنا الرزق يصيد أو كذا. فقال لها: كيف حالكم؟ قالت: إنا في خير، إنا في عافية، إنا في نعمة. عكس ما قالت الأولى: نحن في شقاء، وفي بلاء وفي فقر وفي كذا، وبلغوا هذا للنساء.

    فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: يثبت عتبة بابه.. عتبة الباب يثبتها، حتى تصبح جدة للرسول صلى الله عليه وسلم.

    والشاهد عندنا في هذه المسألة الفقهية هو أنه: إذا كان والدك رجلاً صالحاً عالماً بصيراً ورأى الزوجة غير صالحة وقال لك: طلق زوجتك فيجب أن تطلقها.

    وإذا كان الوالد سفيهاً لا قيمة له ولا وزن عند الله، وقال لك: طلق هذه المرأة إني أكرهها، فانظر إذا كانت صالحة فلا تستجب لوالدك ولا تطلقها واعصه أخذاً بسنة إبراهيم مع إسماعيل.

    إذاً: إذا كان الوالد رجلاً صالحاً مؤمناً تقياً براً وقال لولده: طلق هذه المرأة لأنها فاسدة لا تصلح أبداً، فيجب على الولد أن يطيع أباه ويطلق زوجته.

    وإن كان الوالد هابطاً، صاحب حشيشة وأباطيل وكره هذه المرأة لأنها صالحة وقال له: طلقها ما نريدها، فيجب أن لا يطلق امرأته وأن يعصي والده، أخذاً بهدي إبراهيم مع إسماعيل عليهما السلام.

    بناء إبراهيم عليه السلام للبيت العتيق

    وتأتي تكاليف الله لإبراهيم وهو القائل: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124].

    ابْتَلَى [البقرة:124]، من؟ الله. ابتلى من؟ إبراهيم. بما ابتلاه؟ بأوامر.. بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124] بمعنى أوامر.

    من هذه الأوامر: الهجرة.

    ومن هذه الأوامر: أن ينزل امرأته وطفله في الوادي الأمين.

    ومن هذه التكاليف: أن يبني البيت، صدر أمر الله إلى إبراهيم أن يبني له بيتاً في مكان الكعبة الآن، إذ البيت جرفته السيول والأودية من قرون، كان على عهد نوح وقبل نوح، فبقي مكانه تراباً هكذا في وسط الوادي، فأوحى الله تعالى إلى إبراهيم أن يبني البيت.. تكليف.

    تكلف رجل مع ولده أن يبني بيتاً!

    كيف يبني بيتاً؟ استجاب إبراهيم، وبنى البيت، وإسماعيل يأتي بالحجارة من جبل أبي قبيس، ويضعها بين يدي إبراهيم، وإبراهيم يضع الحجرة على الحجرة، ويبني البيت، فلما ارتفع البناء وأصبح يحتاج إبراهيم إلى خشبة أو حجرة يعلوا فوقها ليواصل البناء جيء بالحجر.. جيء بمقام إبراهيم، حجر جيء به من جبل أبي قبيس، ووضعه إبراهيم بين الركن الشامي والحجر الأسود في الوسط، وبنى عليه البيت، فلما انتهى البناء بقي الحجر في ذلك المكان والله العظيم، ثم جاءت السيول فجرفته إلى مكانه الذي هو فيه الآن.

    لطيفة

    وهنا لطيفة علمية: هذا الحجر مقام إبراهيم قدم خدمة جليلة لله تعالى، إذ كان السبب في بناء البيت، هذا الحجر بواسطته تم بناء البيت.

    إذاً: فليذكر الله تعالى له ذلك ولا ينساه، وحاشاه أن يضيع إحسان المحسنين، فشرع الله للمؤمنين أن يصلوا خلفه ركعتين.. يجازيه الله بهذه الخدمة، فيكرمه بأعظم شيء وذلك بأن شرع الصلاة التي هي عبادة لله وراءه.

    وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، يا من يفعلون الخير لا تيأسوا ولا تقنطوا فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، فهذا حجر ما أضاع الله خيره وأجره، فكيف بإنسان؟ من استطاع أن يفعل الخير فليفعل فإن الله لن يضيعه.

    ومن آيات الله: أن إبراهيم عليه السلام لما كان يعلو المقام كانت تسوخ رجله.. قدمه فيه كأنه من الطين، ووالله إلى الآن ما زال أثر قدميه ظاهر في الحجر.

    وَاتَّخِذُوا [البقرة:125] قراءتان، قدم إبراهيم ساخت في الحجر لتبقى آية من آيات الله إلى الآن.

    أذان إبراهيم عليه السلام في الناس بالحج

    وبنى إبراهيم البيت، وكان موقفاً عظيماً، بنى بيتاً لله عز وجل، وأمره أن يؤذن في جبل أبي قبيس، أن تشهد البشرية المسجد، وأن تحضر للصلاة في بيت الله، فقال تعالى له: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا [الحج:27]، ونادى وسمعت الأرواح في عالم الأرواح نداءه، فما من روح سمعت وأجابت إلا وحجت.

    الأرواح موجودة قبل إبراهيم أو لا؟ مخلوقة.. الأرواح قبل خلق هذه الأرض ومن فيها، والملك يأتي ينفخ هذه الروح في الرحم، فمن أجاب النداء حج، ومن لم يجب لم يحج.

    إذاً: إبراهيم عليه السلام، يقول تعالى فيه: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124]، مقابل أو لا؟ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124]، من يفهم هذه الكلمة؟ من يفهمها؟ قال: رب وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124]، لا نعطيك العهد أن ولدك الظالم يلي الحكم ويصبح السلطان وصاحب الدولة.

    من أراد أن يعهد إلى أحد في مهامه فليكن من أصلح الناس وأعدلهم، لا من أظلمهم وأقبحهم وشرهم.

    هذا توجيه الله.

    تنفيذ إبراهيم عليه السلام لأمر الله بذبح ولده إسماعيل عليه السلام

    وأخيراً: ابتلي إبراهيم بأعظم من هذا وذاك: وذلك لما أوحى الله إليه أن يذبح إسماعيل في بطن الوادي الأمين فاستجاب، ولكن الله أبى وفداه من السماء بذبح عظيم.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.