إسلام ويب

تفسير سورة آل عمران (8)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هذا الكون الفسيح بمخلوقاته وعوالمه ليس له إله إلا الله، وهذا ما شهد به الله عز وجل لنفسه، وما شهدت به ملائكته، وما شهد به أولوا العلم قاطبة، فهي أشرف شهادة على أشرف قضية، والمؤمن الحق لا يسعه إلا أن تواطئ شهادته شهادة الله وملائكته في هذه القضية، مدخراً لنفسه هذه الشهادة ليوم يلقى الله سبحانه وتعالى فيه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط ....)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، فالحمد لله الذي أهلنا لهذا الخير؛ إن ربنا لعلى كل شيء قدير.

    وقد انتهى بنا الدرس إلى هذه الآيات الثلاث، وهي من سورة آل عمران كما علمتم، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:18-20]. ‏

    فضل شهادة أن لا إله إلا الله

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! نقل القرطبي رواية عن الكلبي رحمهما الله: أن حبرين من أحبار اليهود جاءا من الشام لما بلغهم ظهور محمد والإسلام، فلما انتهيا إلى المدينة -طيبة ذات السبخة والنخيل- قالا: ما أشبه هذه بمدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان -حسب النعوت في التوراة والإنجيل- ودخلا المدينة ووقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، فعرفاه معرفة يقينية ( فقالا: أنت محمد؟ قال: نعم. أنت أحمد؟ قال: نعم. قالوا: نسألك؟ فقال: سلاني؟ قالوا: نسألك عن أعظم شهادة في كتاب الله، فأنزل الله تعالى هذه الشهادة: (( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ))[آل عمران:18] ) فدل هذا على فضل هذه الشهادة.

    ثانياً: ما ورد في فضل هذه الشهادة، ونحن والحمد لله نعمل به، حتى إن التابعي الذي روى هذا الفضل قال لأحد طلبة العلم: إن تقم عندنا سنة نطلعك على هذه الفضيلة، تبقى سنة كاملة تطلب العلم عندنا ثم نزودك بها، وأغلب الطلبة الصغار كـعدنان وجماعته لا يقبلون هذا، ونحن -والحمد لله- كم فرحنا وكم سررنا بها وما تركناها مرة من يوم أن سمعناها؛ لأننا طماعون، هذه الفضيلة: ( أن من تلا هذه السورة وانتهى بتلاوته إلى هذه الآية: (( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ))[آل عمران:18] قال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، فهي لي عند الله وديعة، يجاء به يوم القيامة، ويقول الله عز وجل: لقد عهد إلي عبدي وأنا أحق من يوفي بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة ).

    من قرأ هذه الآية أثناء قراءة السورة وانتهى إليها، قال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة - أي: أتركها عنده وديعة- فهي لي عند الله وديعة، يردها إلي يوم القيامة. قال: يجاء بهذا الشاهد يوم القيامة، ويقول الله عز وجل: لقد عهد إلي عبدي وأنا أحق بمن يوفي بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة.

    فإن شاء الله تقولونها، ومن قال لكم: الحديث ضعيف؛ ليثبطكم فقولوا له: نحن طماعون. ما الذي يضرني أن أقول هذا؟ هل هذا ينتقص من ديني وإيماني؟ لا. بل يزيد في إيماني وديني.

    إذاً: نقول: وأنا أشهد بما شهد الله، وأستودعك اللهم هذه الشهادة، فهي لي عندك وديعة ردها إلي عند الحاجة إليها. أي مانع يمنع من قول من هذا؟!

    معنى قوله تعالى: (شهد الله)

    إذاً: هيا نتدارس هذه الآية، يقول الله: شَهِدَ اللَّهُ [آل عمران:18] بمعنى: علم، إذ الشهادة لا تكون إلا على علم، فلا تشهد على كذا أو كذا حتى تكون قد رأيت أو سمعت أو علمت بوسائط العلم، فحينئذ تشهد.

    وهنا كثيرون من أهل العلم يقولون: الإيمان المقلد صاحبه لا ينفعه، يقول: سمعت الناس يقولون فقلت. هذا ما يجدي ولا ينفع!

    كيف تشهد أن لا إله إلا الله؟ كيف عرفت أنه لا إله إلا الله؟ ما هي وسائل معرفتك؟

    تقول: نظرت إلى الكون كله فوجدته مخلوقاً مربوباً مدبراً، وعلمت أن خالقه ومدبره اسمه الله، فعلمت أنه لا إله إلا الله!

    ما عثرنا على خالق ولا مدبر في هذا الكون يحيي ويميت.. يعطي ويمنع.. يضر وينفع.. يضع ويرفع.. يبسط ويقبض، بحثنا فما وجدنا فعلمنا أن الذي يدير هذا الكون هو الرب الحق، هو الإله الذي لا إله غيره، فأنا أشهد أنه لا إله إلا هو.

    إذاً: لا تقل: سمعت الناس يقولون لا إله إلا الله فقلت لا إله إلا الله. حقاً هذه لا تجدي ولا تنفع؛ لأنه بالإمكان أن تشكك وترجع عما تقول، لكن إذا شهدت شهادة علم ومعرفة وأيقنت أن الإله هو المعبود -من أله بمعنى عبد، والمألوه هو المعبود- وهو من يستحق العبادة فيعبد لا تتزحزح، فتشهد بأنه الذي وهبني حياتي، وأعطاني رزقي وكلأني وحفظني من العوائق ومن العاهات والآفات، ذاك إلهي ومعبودي، بحثتُ عن غير الله فما وجدت، كل الكائنات مربوبة مخلوقة تمضي وتموت، وتتعرض للمحن والفتن، فليس فيها من هو الله يعبد أبداً، فقلت: إذاً: أشهد أنه لا إله إلا الله، فهذه شهادة علم.

    من شهد أن لا إله إلا الله فقد وافقت شهادته شهادة الله وملائكته وأولي العلم

    وهناك لطيفة في الإمكان أن تعوها، وهي:

    أولاً: أنك عندما تشهد أن لا إله إلا الله فأنت تشهد بشهادة الله، فمادام الله عز وجل العليم الخبير الحكيم خالق كل شيء قد شهد بناء على علمه أنه لا يوجد إله إلا هو فقال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فأنت تشهد بشهادة الله.

    ثانياً: الملائكة الذين يحفون بنا، ويحوطون بالكون وهم يسكنون السموات والأرضين؛ هذه الملائكة كلها مجمعة على أنه (لا إله إلا الله)، فهل بعد شهادة هذا العالم النوراني الذي لا يعرف الكذب ولا يعرف المعصية أبداً شهادة؟ شهادتهم لا تثق فيها أنت ولا تشهد بها؟!

    نحن نشهد بشهادة الملائكة؛ لأنهم عرفوا الكون ظاهره وباطنه، وما وجدوا من يستحق أن يؤله ويعبد فآمنوا بأنه لا إله إلا الله، فنحن أيضاً نتابع الملائكة.

    ثالثاً: أولوا العلم.. أصحاب العلم، الرسل، الملائكة، العلماء -أي: العارفون بالله عز وجل- وهؤلاء -وهم بالبلايين- كلهم شهدوا أمام العالم أنه لا إله إلا الله، وأنت تشك مع هذا؟

    عهدنا بك إذا شهد أخوك على شيء تقلده، وهذا التقليد حسن؛ لأنه تقليد للعليم الحكيم، والله شهد فأنا أشهد، فأنا لست بأعلم من الله بالكون.

    إذاً: أنا أشهد بما شهد الله به، وأستودعك اللهم هذه الشهادة، وأشهد بما شهدت به الملائكة ومنهم حملة العرش والكروبيون والموكلون بالأرحام.. بالجنة.. بالنار.. بالسماء.. بالأمطار.. بالكون كله، لو كان إله غير الله مع الله فيعرفونه ويعثرون عليه، ولكنه لا إله إلا الله.

    رابعاً: الأنبياء مائة وأربعة وعشرين ألف نبي، والرسل ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، والعلماء من آدم والعارفون بربهم.. الكل يشهد أنه لا إله إلا الله وأنت تقول: أنا لا دري؟ أنا أشك؟ أهذا عقل؟!

    إن الذين ما استطاعوا أن يدركوا هذه الشهادة من النظر إلى الكون يقولون: مادام ربنا قد شهد أنه لا إله إلا هو فنحن بشهادة الله نشهد، وإنهم لفائزون!

    شهد الملائكة -وشهادة الملائكة فوق كل شهادة من الناس- وشهد الأنبياء والرسل، وشهد العلماء ولا نشهد بشهادتهم؟!

    إذاً: ما بقيت شهادة في الدنيا، القاضي لا يقضي بشيء أبداً، مع أن القاضي يقبل شهادة اثنين على أن فلان مات وقتلوه ويقتلهم!

    ويشهد اثنان على أن العمارة الفلانية لفلان فيقضي القاضي بشهادتهما وينقل العمارة للآخر، فكيف إذاً يشهد الله وملائكته والعلماء ولا تقبل شهادتهم وتبقى مرتاباً شاكاً؟!

    الحمد لله، إذا تلونا هذه الآية نقرر هذه الحقيقة، ونحن نشهد بما شهد الله به، ونستودع الله هذه الشهادة، فهي لنا عند الله وديعة يردها إلينا إن شاء عند الحاجة إليها!

    استحالة وجود إله حق مع الله

    يا معشر المستمعين والمستمعات! علمتم أنه يستحيل أن يوجد إله حق في العوالم العلوية والسفلية مع الله أبداً، مستحيل! وكل من عبد معبوداً وألهه فعبادته باطلة وهو كافر وكذاب ودجال، فلا يوجد إله أبداً إلا الله، ونحن نوقن بهذا ونقوله عن علم وبصيرة، فلا يخالجنا شك ولا يقع في نفوسنا ريب، ونقسم بالله ملايين الإقسامات أنه لا إله إلا الله.

    هنا تأملوا! هل الذي شهد أنه لا إله إلا الله يجب عليه أن يعبده أم لا؟

    الذي اعترف أن هذه السيارة لإبراهيم بن سلمان نقول له: أعطه سيارته إذاً. فإذا قال: لا أعطيه! وقد اعترف أمام القاضي أن هذه السيارة سيارة فلان فإنه يحتاج إلى الصفع والتأديب.

    والذي يعلن في وضوح وصراحة ويشهد أنه لا معبود بحق إلا الله ولا يعبده موقفه هذا أسوأ من الذي قال: ما أعترف به أنه الله! فإذا قلت له: لا تجاهر. قال: أنا ما عرفت أنه لا إله إلا هو، فأنا أعبد معه عيسى أو عبد القادر ، والذي يقول: أنا أعرف أنه لا إله إلا هو

    ولكن لا أعبده هذا أسوأ وأقبح.

    فلهذا بمجرد ما يقول المرء: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله نقول له: اغتسل فوراً، اغتسل بالماء الطاهر أو الطهور، وصل إذا حضرت الصلاة، وبعد شهرين أو ثلاثة يأتي رمضان فتصوم رمضان، وبعد أربعة أشهر سوف تحج حجة إن استطعت، وإن كان لديك مال وحال عليه فأخرج زكاته، فإن قال: لا. لا أزكي، أو لا أصوم أو لا أحج فكلامه باطل وشهادته مردودة عليه.

    إذاً: من قال: (أشهد أن لا إله إلا الله) وجب عليه -أولاً- أن يعبد الله، إذ شهد أنه لا معبود إلا هو، فيقول بلسانه ما اعتقد بقلبه.

    إذاً: لا بد وأن يركع بين يديه سبحانه ويسجد.

    صرف نوع من العبادة لغير الله ناقض لشهادة أن لا إله إلا الله

    ثانياً: من شهد أن لا معبود إلا الله وعبده ثم عبد معه غيره بنوع من أنواع العبادة قل أو كثر فقد تناقض، فهو قال: أنا أشهد على علم أن لا معبود إلا الله، وها أنا أعبده، وهو في الوقت ذاته يعبد معه غيره بأي نوع من أنواع العبادة، فهذا تناقض، فكيف تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وتعبد سيدك فلان معه، فقد تناقضت.

    كان المفروض أن تقول: لا إله إلا الله وسيدي فلان! فنفهم عنك أنك تعتقد أن إبراهيم أو فلان يعبد، وأنت تعبده، وهذه العبادة باطلة وهو كفر، لكن فقط من حيث القضاء الشرعي إذا اعترف بأن لا معبود إلا الله، ثم عبد معه غيره فقد تناقض، نقض قوله الأول وأبطل كونه لا إله إلا الله، كان يقول: لا إله إلا الله وفلان معه! فإذا كان صادقاً في القول فلا يقول: لا معبود إلا الله ويعبده ويعبد معه غيره. والغالب أن من عرف أن لا إله إلا الله لا يعبد إلا الله، وإن وقع غير ذلك من بعض الناس فبسبب جهلهم بالعبادة التي فعلوها، والجهل بأنواع العبادات هو الذي يوقع الجاهلين في صرفها وعبادة غير الله بها.

    ضابط العذر بالجهل في صرف نوع من العبادة لغير الله

    هل يعذرون بجهلهم؟ يعذرون إذا وجدوا في بلد لا يوجد فيه من يعرف الله، وحيل بينهم وبين طلب العلم، أما أن يعيش الرجل سنوات عديدة ولا يعرف لم يعبد الله، ولا ما هي عبادة الله فلن ينجو من غضب الله وعذابه.

    ونمثل بالعبادة التي هي مخ العبادة وروح العبادة وهو الدعاء، السؤال والطلب، الدعاء هو السؤال والطلب: أعطني واكشف ضري، افعل كذا، هذا هو الدعاء، يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الدعاء هو العبادة ) حصر العبادة كلها فيه، فما خرج منها شيء، كقوله: ( الحج عرفة )، فكل أعمال الحج اندرجت ودخلت في عرفة فإذا لم يقف الحاج بعرفة ما حج ولو طاف سبعين مرة، وكذلك الدعاء هو العبادة، وورد: (الدعاء مخ العبادة) وإن لم يقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالها صحابي أو تابعي فمرحباً بها!

    الدعاء مخ العبادة، فهل يعيش الإنسان بدون مخ؟ لا، إذاً: العبادة لا تنفع بدون دعاء، فالعبادة مخها الدعاء: أعطني، اكشف ضري، فرج عني، سبب كذا، هذا هو الدعاء، والذين يدعون مع الله غيره قد تناقضوا في شهادتهم.

    ولعل الأحداث ما شاهدوا هذا، لكن كبار السن يعرفون هذا، فقد عاشت أمتنا من آخر الشرق إلى آخر الغرب قبل ظهور هذه الدعوة الوهابية -كما يسمونها- والناس يعبدون الأولياء بعبادة فيها الرغبة والصدق أكثر من عبادة الله، إلا من نجى الله وسلم، فتجد واحداً في القرية، أو خمسة في المدينة، والباقون كلهم: يا رسول الله! يا فاطمة ! يا حسين ! يا عبد القادر ! يا عيدروس ! يا مولاي إدريس ! يا سيدي فلان! وأما الله فنسوه أبداً.

    تجد الرجل في يده المسبحة يسبح: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله! لا إله إلا الله، فيأخذه النعاس وتسقط المسبحة من يده فيقول: يا رسول الله! فهذا ما يعرف الله!

    قد يقول قائل: يا سيدي فلان! لعل الشيخ واهم؟ فهنا أقول لكم: إياكم أن يخطر ببالكم أن من يجلس هذا المجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يكذب على الناس، أو يقول بدون علم، انزعوا هذا من أذهانكم.

    وقد قلت لكم: ركبنا مرة إلى جنب أخينا وهو يقود السيارة فما إن خرجت عن الطريق قال: يا رسول الله! يا رسول الله!

    فقلت له: أين الله يا فلان؟! تعود على هذا، شب وشاب عليه.

    وأكثر من هذا نحلف بغير الله!

    والمؤمنة يهزها الطلق والوجع وهي تلد وقد وضعوا لها حبلاً في خشبة أيام لم يكن هناك طبيبات ولا أطباء، ويا أسعد تلك الأيام! يهزها الطلق: يا رب! يا رسول الله! يا ألله! يا سيدي فلان! يا سيدي فلان! فتذكر مرة الله ومرة الأولياء، ولو ماتت على تلك الحال ما شمت رائحة الجنة.

    هذه هي عبادة غير الله، دعاء وسؤال غير الله شرك وكفر وإبطال لشهادة لا إله إلا الله، فكيف تشهد أن لا إله إلا الله ثم تؤله معه فلاناً؟

    سيقول: يا شيخ! أنا ما ألهته. فأقول له: دعاؤك، طلبك، سؤالك منه والله لهو التأليه إذا ما تعرف! لولا رغبتك وطمعك واعتقادك أنه يعطيك والله ما سألته!

    فليبلغ السامعون والسامعات الغافلين والغافلات أن من قال: يا فلان! يدعوه ويسأله فقد أشرك في عبادة الله، ونقض شهادة لا إله إلا الله!

    نعم. يجوز أن تقول: يا إبراهيم! يا عثمان! يا أخي يا أبتاه! يا خادم! إذا كان يراك وتراه ويسمع كلامك وتسمع كلامه، ويقدر على أن يعطيك ما تطلب، لو تقول: يا أعمى قدني! يضحك عليك الناس أم لا؟ تسأل أعمى أن يقودك في الشارع وهو أعمى!

    تقول لفقير مسلوخ: أعطنا ألف ريال. يضحك عليك الناس أم لا يضحكون؟ يضحكون إذ كيف تسأل من لا يملك؟!

    فلهذا إن دعوت حياً يراك ويسمع ويقدر على أن يعطيك ما تطلب جاز ذلك بإجماع المسلمين، وأذن الله فيه، يا فلان! من فضلك كأس ماء، هذا لا بأس، ولا نقول: هذا دعاء غير الله، فهذا أذن الله فيه، وهذا من التعاون: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2] لكن شخص لا تراه ولا يراك وبينك وبين بلاده عشرة آلاف كيلو متر ومات منذ ألف سنة وتناديه فلا، فهذا شرك.

    أسألكم بالله! كم ألف كيلو متر بين المغرب والعراق؟ عشرة آلاف كيلو، وبينك وبين عبد القادر ألف سنة، وتقول: يا سيدي عبد القادر ! يا راعي الحمراء، يا مولى بغداد ! المدد، تضحك على نفسك أم ماذا؟! أهو يسمع؟! والله يخبرك أن الميت لا يسمع وإن سمع فلا يستطيع أن يعطيك سؤلك، وقد بين تعالى هذا بياناً شافياً فقال: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:14] والله ما يقف عبد القادر ولا سيدي إبراهيم ولا فاطمة ويقول: يا رب! سامحه، هذا كان يدعوني! والله ما من أحد إلا يتبرأ ممن كانوا يدعونه ويعبدونه. وضحت قضية السؤال والدعاء أم لا؟

    الدعاء هو العبادة، فارفع يديك إلى الله في السوق بين الناس أو في أي مكان ولا يلومك إلا أحمق أو مجنون! رفعت كفيك إلى ذي العرش الذي يملك كل شيء، ويقدر على إعطاء كل شيء، فاسأله ولا تخف، أما أن تسأل من لا يراك ولا يسمعك وإن سمعك لا يقدر على أن يعطيك شيئاً فأنت بهلول تلعب وتعبث!

    وقد قلت لكم: شخص ليس عنده شيء فكيف تقول له: أعطني؟ أنت تضحك على نفسك! كالذي يقف على خربة دار مهدمة سقوفها طائحة، أبوابها منزوعة، فيقف أمام البيت فينادي: يا أهل الدار! إني فقير! يا أهل البيت إني محتاج. ليس في البيت أحد، فامش إلى بيت فيه أهله والطعام بين أيديهم واسألهم!

    من شهد أن لا إله إلا الله وجب عليه أن يعبده

    ثالثاً: الذي يشهد أن لا إله إلا الله بشهادة الله والملائكة وأولي العلم يجب أن يعبد الله، وإلا لا تغني عنه شهادته، بل يعتبر منافقاً.

    من شهد أن لا إله إلا الله لا يسمح لنفسه أن يعبد مع الله غيره

    رابعاً: أن لا يسمح لنفسه أن يعبد مع الله غيره أبداًً، لا من الملائكة ولا من الإنس ولا من الجن، لا من الأفاضل ولا من الأسافل، فلا يعترف بالعبادة إلا الله، والدعاء من أبرزها وأظهرها.

    من شهد أن لا إله إلا الله لا يقر عبادة غير الله

    خامساً: أن لا يقر عبادة غير الله، فإن كان يشهد أن لا إله إلا الله وعبد الله بتلك الشهادة وتبرأ من الشرك ولم يعبد غير الله ثم يسمح للآخرين أن يعبدوا غير الله فقد تناقض.

    لم إذاً تقول: لا إله إلا الله وأنت تراهم يعبدون غير الله وتبارك وتسكت؟! علمهم بأن هذا باطل، وأن هذا شرك، ولا يصح أبداً، فإن سكت وضحكت وقلت: لا بأس؛ فمعناه: أنك اعترفت بعبادة غير الله، وحينئذ تناقضت، وكان المفروض أن تقول: اللهم إلا فلاناً الذي يعبده الفلانيون.

    فنحن لا نقر النصارى على عبادتهم أبداً، ما أمرنا بقتلهم ولا قتالهم، ولكننا لا نعترف بأنهم على حق، وأنهم يعبدون غير الله، بل هم كفار من أهل النار.

    معنى قوله تعالى: (قائماً بالقسط)

    قال الله: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ [آل عمران:18] القسط: العدل. إي والله! فعلى العدل قام أمر السماء والأرض، وإذا حل الجور أو الانحراف أو الميل فسدت الحياة.

    من القائم بالقسط؟ إنه الله، ولو تلاحظ -فقط- عدل الله في الكواكب كيف تستمر آلاف السنين فلا تسقط!

    عدله في عباده.. في رزقهم.. في تصحيحهم.. في تمريضهم.. في إعطائهم.. في منعهم.. في كل مظاهر الحياة، فهي تدل على عدالة الله عز وجل.

    معنى قوله تعالى: (لا إله إلا هو)

    شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران:18]، فلا نثبت إلهاً آخر غير الله.

    كثيراً ما نقول: هيا نحقق هذا القضية، فندخل مجمع روسيا العلمي أو جامعتهم أو وزارتهم وهم فلاسفة لا يؤمنون بالله، وهم جالسون بأقلامهم وآلاتهم،علماء، وكما كانوا يتباهون ويتفاخرون الآن ذلت أنوفهم وانكسرت وانتهت الشيوعية، ونقول: اسمعوا، لا إله إلا الله، انقضوها يا علماء!

    هذه جملة خبرية كأن تقول: فلان غائب، أو فلان موجود، فتثبت وجوده أو غيابه، فلما نقول: لا إله إلا الله انقضوها، فإنها تنقض بشيئين إن توفر أحدهما انتقضت وبطلت لا إله إلا الله.

    الشيء الأول: تنقض بوجود إله مع الله. ابحثوا عن إله مع الله! قالوا: عيسى. فقلنا: هذا عيسى بن مريم ولدته امرأة، ومضت آلاف السنين وهو غير موجود فكيف يوجد غيره؟

    الشيء الثاني: انقضوها بأن تثبتوا أنه لا إله بالمرة. وهذه أضحوكة وسخرية ولا يقولها إلا معتوه مسحور مجنون.

    قف في المجتمع، واسأل من يعاند وينكر وجود الله: أنت موجود أو غير موجود؟ فإن قال: أنا غير موجود. فهذا مجنون هذا! هذا الذي يقول: أنا غير موجود مجنون لا عقل له، فأبعدوه.

    ثم اسأل الآخر: أنت موجود أو غير موجود؟ فإن قال: كيف غير موجود؟ أنا موجود، أسمع وأبصر وأعي. تقول له: من أوجدك؟! فيقول: ها! فقل له: إذاً: الله هو الذي أوجدك!

    تحطمت الشيوعية وانتهت نهائياً، فمن ذا الذي يكون من العقلاء ويقول: أنا غير مخلوق؟!

    من يقول: أنا غير موجود؟ إن قال: مخلوق، فنقول له: ابحث عن خالقك من هو!

    وإن قال: موجود. نقول له: من أوجدك؟ اسأل، فيقول: اذهب إلى اليابان وأسأل العلماء: من أوجدني؟

    فنقول: تعال عندنا نعلمك من أوجدك إن كنت لا تعلم، ولكنهم بالفطر والغرائز الإلهية المغروزة سوف يقولون: الله حسب بلغته أحب أم كره.

    وحدثني أحد الإخوان وقد مات رحمة الله عليه، قال: كان يعيش في فرنسا وبدأت البلشفية الحمراء، وبدءوا يتمزقون ويدينون بـ(لا إله والحياة مادة)، دعونا من الكنيسة، وقد كانت له صديقة أو صاحبة مسيحية تدرس في الجامعة، وتقرر في نفسها أنه لا إله، لا عيسى ولا الروح، وتبلشفت، وهي تجادل على ذلك. قال: لما حملت وجاء الطلق وأرادت أن تلد ذهبت إليها في المستشفى -مستشفى الولادة- فوجدتها تصرخ: يا ألله، يا رب! فأخرج لها ألف فرانك وقال لها: هذا إلهك الأول، فلم لا تقولي: يا فرانك! يا فرانك! بل تقولي: يا ألله؟! قالت: اذهب عني. وهي كانت إذا جادلت تقول: الإله هو في جيبي.. الفرانك، دعونا من كلمة الله والدين هذه، فلما وقعت في محنة الولادة وهي إلى الموت أقرب من الحياة خرج لها هذا، فقالت: اذهب عني، الله هو الذي ينجيني ويخلصني.

    إذاً: الآن أقمنا شهادتنا على العلم، فنشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    إذاً: شهدنا الله بالوحدانية، فمحمد كيف عرفنا أنه الرسول؟! خصومه قالوا: ساحر. قالوا: كاهن. قالوا: مجنون. قالوا: عميل. قالوا: كذا. فكيف تقيم البرهنة على شهادتك أنه رسول الله؟ ماذا تصنع يا عبد الله؟!

    أقرب طريق وأيسره وأسهله أن تقول: هذا القرآن نزل عليه، فكيف ينزل عليه كتابه ويوحيه إليه بطريق الوحي ولا يكون رسولاً؟

    مستحيل هذا! فحسبنا في شهادتنا أن محمداً رسول الله: أن الله عز وجل اصطفاه وانتخبه واختاره من بين بلايين البشر وأنزل عليه كتابه.

    هل هناك دليل أعظم من هذا؟ كيف يكون غير رسول الله والله أنزل عليه كتابه وأرسله وناداه: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67]، وطالب البشرية بالإيمان به؟!

    إن الذي ينكر رسالة محمد مجنون أحمق معتوه، أو نصاب محتال يريد أن يعيش على حساب جهل الناس وتضليلهم، فنبوته صلى الله عليه وسلم ثابتة أوضح من ثبوت الشمس! فهو صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب، عاش أربعين سنة ما عرف كلمة وقال: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [يونس:16]، بعد ما عاش أربعين سنة ما قال كلمة ولا ادعى كلمة، وبعد ذلك ينزل عليه الوحي الذي يحمل الهداية الإلهية للخلق أجمعين أبيضهم وأسودهم، وتقولون: ما هو رسول! كيف ما هو برسول؟ والله ما أنكر رسالته إلا الطماعون والماديون أحباء البغي والعدوان والتسلط من اليهود والنصارى.

    إذاً: شهد الله أنه لا إله إلا هو، ونحن نشهد بما شهد الله به، ونعلنها على المآذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا إله إلا هو. أي: لا معبود في السماء ولا في الأرض بحق إلا هو فقط.

    ولو قيل لك: ما الدليل؟ فتقول: الدليل: أنه لا يوجد من خالق لذرة أبداً سوى الله، كم من مرة نقول: لو اجتمعت البشرية على أن تخلق ريشة فقط ما استطاعوا!

    لو اجتمعت البشرية على أن تخلق خفاشاً أو بقرة أو إنساناً والله ما فعلت!

    هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر:3] لا أبداً، إذاً: لا إله إلا الله.

    معنى قوله تعالى: (وهو العزيز الحكيم)

    قوله: الْعَزِيزُ [آل عمران:18] معناه: الغالب القاهر الذي لا يمانع في شيء أراده، فإذا أراد شيئاً لو تجتمع الخليقة كلها على أن تحول الله عن مراده والله ما استطاعت ولا تقدر إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] فهو على الفور يكون!

    إذاً: العزيز معناه: الغالب القاهر الذي لا يمانع فيما يريد، والذليل من أمثالنا يريد الشيء ولا يقدر عليه، يأخذ الشيء ويؤخذ منه بالقوة؛ لعدم عزته، أما الله العزيز الكامل العزة الحكيم فلا غالب له، ولا يمانع فيما أراد.

    الله حكيم أم لا؟ هو الحكيم سبحانه، وعندكم تسمون الطبيب بالحكيم، زمان كان الطبيب لا يعرف إلا بالحكيم؛ لأنه يعرف أين يضع الدواء في الداء!

    لو يعطيك الطبيب كأساً من الليمون ويقول: ضعه عند قدمك، فكيف يكون حكيماً؟ ليس بحكيم!

    لو أعطاك عسلاً وقال: العسل هذا غسل به وجهك، فهذا ينفع من داء البطن فهل يكون حكيماً؟

    الحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه، ولا يخالفه أبداً، فالطبيب سمي حكيماً في لسان البشرية كلها لأنه يعرف الداء، ويضع الدواء على الداء؛ فيبرأ العبد بإذن الله. والله عز وجل هو الحكيم العليم، فكر في كل شيء تجد حكمة الله ظاهرة!

    من خالقنا؟ إنه الله! نحن أهل الحلقة ألف نسمة، هل يوجد أحدنا لا يميز عن أخيه إلى جنبه مع أن العينين والأنف والشفتين والفم والعنق والرأس والصدر والجسم هو هو لا نختلف عن بعضنا؟ أبداً!

    لكن انظر إلى أي واحد لا تستطيع أن توجد واحداً مثله لا يفرق بينهما.

    لا قدر الله! لو شاء الله لقال: كونوا كـعدنان، ونخرج كل واحد يذهب إلى بيت فلان أنا هو، كيف يعرفونه؟ البشرية كلها على صعيد واحد الآن لو تجتمع لا يلتبس اثنان ويختلطان أبداً!

    قولوا: آمنا بالله، فهذه نظائر الحكمة العجب، إذ لو اختلطنا وأصبحنا كالسيارات من تكون له مرأة خاصة به؟ من يكون له ولد؟ من يكون له بلد؟ من يكون له.. كل الناس سواء! لكن العليم الحكيم خلقنا على كثرة ما خلق فينا وكل له ميزاته وخواصه يتميز بها!

    من يقدر على هذا غير الله؟! حكيم أم لا؟

    وانتقل من هذا إلى غيره والله ما وجدت فقيراً إلا لحكمة الله، ولا غنياً إلا لذاك، ولا صحيحاً ولا مريضاً ولا عالماً ولا جاهلاً إلا لحكمة ربانية اقتضت ذلك. إذاً: يسلم الأمر للحكيم ولا ينازع؟

    بعض مظاهر منازعة الخلق لله في أمره

    ولكنكم أنتم نازعتموه عز وجل وذلك بأمور:

    أولاً: الحكام المسلمون أبعدوا شرع الله وقدموا شرع غيره. ما هو موقفهم؟ أبعدوا الله أم لا؟ اتهموه بالنقص، ما عنده علم.

    يقولون: هذه الشرائع التي جاءت من أوروبا هي التي تحقق العدل والمساواة وتحقق كذا وكذا، أما شريعة الله هذه فقد أكل عليها الدهر وشرب. والله لهذا هو موقف من يحكم شرع غير الله، وهو يقول بلسان حاله: الله لا حكم عنده، وليس هو لها بأهل، ولذا شرعه ما يسعد ولا يكرم ولا يحقق هناء ولا سعادة.

    واضحة هذه أم لا؟ فيا ويلهم! ويا ويحهم يوم يسألون، لو عرف حاكم ما عرفتم هذه الليلة فسيدعي أنه جن وسيقول: انقلوني إلى المستشفى، أنا مجنون! هرباً بنفسه، لكن ما علموا، ما بلغهم، وما اتضح الأمر لهم، فقلد بعضهم بعضاً.

    ثانياً: المبتدعة الذين يبتدعون البدع ويقدمونها على أنها عبادات يعبد بها الله عز وجل، هؤلاء اتهموا الله بعدم الحكمة وبعدم العلم.

    التعريف بالطريقة التيجانية وتحذير المسلمين منها

    هذا يوحي إلي ويقول: هناك شخص بيننا متعصب للطريقة التجانية فبين لنا بعض الشيء عنها يا شيخ؟

    اسمعوا! إخواننا من الجن كانوا مورطين مثلنا اليوم، وقالوا: كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن:11] وها نحن ما زلنا طرائق قدداً، هذا تجاني، هذا عثماني، هذا قرظي، هذا رحماني، هذا علوي، فلا إله إلا الله! كيف هذا؟ والله القرية الواحدة تجد فيها هؤلاء من إخوان عبد الرحمن، وهؤلاء من إخوان عبد القادر ، هؤلاء من إخوان سيدي عبد الحفيظ وهكذا! أي ظلم أعظم من هذا الظلم؟

    الله يقنن ويشرع ما فيه السعادة والكمال والشياطين تنفخ في الصدور وعلى ألسنة أوليائها ويقننون ويشرعون للأمة ويمزقونها ويشتتونها!

    يا أخانا! يا تجاني! قل: أنا مسلم، وانزع كلمة تجاني أو تهلك وتحترق، فأنت تناهض محمداً في أمته، وإياك أن تقول: أنا تجاني. بل قل: أنا مسلم.

    أيام الهبوط كانوا يقولون: هذا سيدي فلان المالكي، المذهب التجاني، الطريقة، الـ: كذا، الـ كذا، نعم. الجهل وظلمته.

    من عرف التجانية؟

    قد بينا للصالحين وأنقذهم الله بالآلاف وعشراتها ومئاتها، أولاً: سيدي أحمد التجاني هذا جزائري، عاش في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر، فهو ليس من الصحابة، جاء بالطريقة التجانية، ورد يذكرون الله به في الصباح والمساء.

    لو أتى بهذا الورد من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من قال حين يصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير مائة مرة كتب الله له مائة حسنة، وحط عنه مائة سيئة، وكأنما أعتق عشر رقاب ) عدل عشر رقاب، فلا بأس، أما أن يقول: هذا ورد الشيخ، ولا ينسب هذا إلى الله.

    وما يعطي هذا الورد؟ أكثر الطرق يعطون ورداً لا ينفع، ومن ذلك الذكر بلفظ: الله الله الله الله الله ساعتين أو ثلاث ساعات!

    أحدهم كان في باريس وكان له جيران نصارى جاء إخوانه من الشرق والغرب وأحيوا تلك الليلة على طرقتهم: الله، الله، الله، يضربون الخشب تحت أرجلهم، فتاهت الفرنسيات: ما هذا الذي حصل؟ اتصلت الشرطة: ما الذي حصل؟ قالوا: نحن نتعبد.

    تتعبدون هكذا؟! أبهذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    وينتقلون من: (الله) إلى (هو هو هو هو)! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    ما هذه المحنة؟ إنه الجهل يا شيخ!

    من عيوب هذه الطريقة -وهي طريقة أحياناً تكون خيراً من كثير من الطرق، وفيها بعض الفضائل- من عيوبها: الصلاة الفاتحية، صلاة الفتح، وصيغتها: اللهم صل على محمد الفاتح لما أغلق، الخاتم لما سبق، ناصر الحق بحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.

    هذه الصلاة من حيث الصيغة هي معقولة مع ما فيها من المبالغة، لكن.. ما مصدرها؟

    مصدرها عندهم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج يقظة لا مناماً، وأعطاها الشيخ!وقال: إنها تعدل سبعين ختمة من القرآن! تقولها مرة كأنك ختمت القرآن سبعين مرة.

    هذه من وضع اليهود والنصارى؛ لصرفنا عن القرآن، فما دامت صلاة الفاتح مرة تعدل سبعين مرة من القرآن والله ما نقرأ القرآن! لم أقرأ عشرة أيام وأنا أقرأ حتى أختم ختمة؟ ومرة واحدة أصلي صلاة الفاتح بسبعين ختمة؟ ويعتقدون أنه الحق.

    هؤلاء كذبوا على الله، وكذبوا على رسول الله، وكذبوا على أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما مصير من يكذب على الله ورسوله والمؤمنين؟

    هل الرسول يخرج يقظة ويعطي للشيخ الصلاة؟

    هل يقول هذا ذو عقل ودين؟

    لو كان الرسول يخرج لخرج لـفاطمة لما غضبت وحزنت!

    لو كان يخرج لم ما خرج يوم السقيفة -سقيفة بني ساعدة- لما اختلف الأصحاب فيمن يولون؟!

    لماذا ما جاء الرسول لما طوقت المدينة بالاشتراكيين والماديين، جاءوا من مصر والعراق ومن كل بلد، الطماعون الماديون، والصحابة ما استطاعوا أن يفعلوا شيئاً، يريدون أن ينقذوا دماء المؤمنين ولا كلمة واحدة، وفوضوا أمرهم إلى الله، انطبقت عليهم الجماهير المتكالبة على الدنيا؟ لم ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومزق ذلك الجمع؟!

    لم تقحموا بيت عثمان وذبحوه والمصحف بين يديه ولم يخرج الرسول صلى الله عليه وسلم؟

    لو كان الرسول يخرج لم ما يخرج في وقعة صفين؟

    هذا من الكذب الفظيع، يكذبون على رسول الله، وتقبل الأمة وتمد أعناقها وتصدق، نعم كلام سيدي الشيخ، صلاة الفاتح.

    أنصح لأخي هذا أن يتبرأ من الآن من هذه الطريقة، فما عندنا إلا طريقة محمد صلى الله عليه وسلم: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام:153] أي: الطرق فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153] لا تجانية، لا قادرية، لا رحمانية، لا عيساوية، لا أباضية ولا زيدية، لا كذا أبداً، لا إسماعيلية، لا رافضية، ولا شيعية، ليس هناك إلا: (لا إله إلا الله، محمد رسول اللهـ، نعبد الله وحده من طريق رسوله بما بين وقنن من كلمة الله أكبر إلى أن نخرج الأموال من جيوبنا.

    ركض العدو ركضاً كبيراً وتمكن منا فمزقنا فكم من مذهب، وكم من طريقة، وكم من دولة ودويلات، وكم من حزب، حتى أهل الدين عندنا متحزبون! هذا كذا، وهذا كذا، وهذا كذا، أمراض ما شعرنا بعدها بالصحة أبداً!

    الاجتماع على الكتاب والسنة هو طريق الفوز والنجاح

    ما هو العلاج؟ تريدون العلاج والدواء الشافي؟ اسمعوا! ها هو إبراهيم وإسماعيل يبنيان الكعبة يناول إسماعيل إبراهيم الصخر والحجر وإبراهيم يضعها، وهما يتقاولان: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129].

    تعرفون التقاول؟ لما يشتغل العمال المؤمنين يأتون بقصائد وكلام للتخفيف عن أنفسهم، فإسماعيل وإبراهيم عليهما السلام كانا يقولان: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129] وهما يبنيان، واستجاب الله هذه الدعوة، وبعث في أولاد إسماعيل محمداً صلى الله عليه وسلم. وكان صلى الله عليه وسلم يعلم الناس الكتاب والحكمة، ويزكيهم، يهذب أرواحهم وآدابهم وأخلاقهم.

    إذاً: أيما أهل بلد أو قرية أو إقليم أو بيت يجتمعون على كتاب الله وسنة رسوله، فهذا هو التبيين، وهذا هو الطريق، فلا حزبية، ولا تجمعات، ولا تكتلات، ولا انتماءات، فإنها مظاهر المرض وأعراضه قطعاً، فأهل القرية كلهم مسلمون، إن كان فيهم نصراني أو يهودي فهو منزو في بيته لا علاقة له بهم، فإذا مالت الشمس إلى الغروب ودقت الساعة السادسة يتوضئون ويحملون نساءهم وأطفالهم إلى بيت ربهم، فإن كان المسجد ضيقاً وسعوه ولو بالخيام، ولو بالحطب والخشب؛ حتى يتسع لأهل القرية فيجلسون من المغرب إلى العشاء بين الصلاتين يتعلمون ليلة آية من كتاب الله يحفظونها ويفهمون معناها، ويعزمون ويعتزمون على القيام بما تدعو إليه.

    وليلة أخرى حديثاً -أي: سنة- وهكذا يوماً آية ويوماً حديثاً، وتمر الأربعين يوماً والأربعة أشهر والعام؛ فيجدون أنفسهم مذهبهم واحد، ليس هناك مالكي ولا حنبلي ولا شافعي ولا زيدي ولا أباضي، فهم مسلمون، مذهبهم واحد.

    ثانياً: لما تتحد الكلمة هل يستطيعون أن يعيشوا في قريتهم شباعاً وإخوان لهم جياع؟ والله ما يستطيعون.

    هل يستطيعون أن يأمنوا وإخوانهم يظلمون بينهم ويعتدى عليهم؟ والله ما يستطيعون.

    كل ما في الأمر من مظاهر العجز والضعف والفقر والشر والخبث والفساد كلها تنقضي بنور الله، ووالله ليتحقق ما قلت متى أقبل أهل القرية وأهل الحي على الله في كتابه وهدي رسوله.

    ومن شك في هذا فسيقول: ممكن الطعام لا يشبع، وحتى الماء ما يروي، وتتأخر هذه السنن.

    فنقول له: كيف تتأخر هذه السنة؟ هل هناك طريق سوى هذا؟ والله لا طريق إلا هذا، نرضى أو نسخط، إن أردنا أن نعيش وأن نكمل وأن نفوز وأن نقود البشرية فعلينا أن نعود إلى منهج الرسول صلى الله عليه وسلم، لا فرقة بيننا أبداً، بل قال الله وقال رسوله.

    وصل اللهم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.