إسلام ويب

تفسير سورة آل عمران (75)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما حدث يوم أحد من إصابة المؤمنين كشف عن أمور خطيرة، حيث ظهر النفاق مكشوفاً لا ستار له، فحصل من ذلك ألم شديد للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه، فخاطبهم الله عز وجل بألا يحزنوا لمسارعة هؤلاء المنافقين في الكفر؛ لأنهم بهذا لا يضرون الله عز وجل ولا رسوله ولا المؤمنين شيئاً، وإنما يضرون أنفسهم بانكشاف حالهم في الدنيا، وما ينتظرهم من العذاب الأليم في الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئاً ...)

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر جميعاً بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال -فداه أبي وأمي- صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) فالحمد لله على إفضاله وإنعامه.

    ها نحن مع سورة آل عمران عليهم السلام، ومع هذه الآيات الثلاث المباركات، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران:176-178].

    معاشر المستمعين والمستمعات! هذه أخبار الله عز وجل وأخباره لا تحتمل إلا الصدق.

    قال تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:176] فالمخبر هو الله، والمخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    (وَلا يَحْزُنْكَ) قراءة سبعية، وقرأ ورش عن نافع : (يُحزنك) بضم الياء من أحزنه يحزنه، وفي كل القرآن اللهم إلا في آية واحدة قرأها كقراءة الجمهور: (يَحزنك) وهي قوله تعالى: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنبياء:103]، وقرأ في كل القرآن: (يُحزِنك) بدل (يَحزُنك) وهما فعلان أحزنه وحزنه يحزنه، والحزن ألم نفسي، وغم يصيب النفس البشرية؛ لرؤية أو سماع المرء ما يسوءه ويكرهه. فإذا رأى الإنسان ما يكره وما يسوء أصابه الحزن، هم وغم باطن، سمع خبراً فيه إساءة حزن له وأحزنه.

    وهنا الرحمن جل جلاله وعظم سلطانه يسلي نبيه صلى الله عليه وسلم ويخفف عنه آلامه، وأصحاب الرسول هم أتباع له في ذلك، ونحن أيضاً وكل مؤمن نستفيد من هذا.

    وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [آل عمران:176] وهم من المشركين كـأبي سفيان وجيشه، ومن المنافقين كـابن أبي ابن سلول وجماعته، وكاليهود المتواجدون في المدينة، الكل يسارعون في الكفر. أي: يا رسولنا! لا يحزنك هذا ولا تكرب ولا تغتم ولا تحزن؛ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا [آل عمران:176] أي: لا يضروا الله لا في ذاته، ولا في علمه، ولا في حكمته، ولا في ملكوته، ولا في خلقه، أنى لهم أن يضروا الله؟ فلو يكفرون في كل يوم سبعين مرة ما يضر الله ذلك شيئاً، فمن هنا لا تحزن يا رسولنا ولا تكرب، وأنتم أيها المؤمنون لا يضركم كفر الكافرين ولا مسارعتهم إلى الكفر ولا دعواهم إليه؛ لأنهم لن يضروا الله شيئاً، ولو كفرت البشرية كلها فلن يتأذى الله بذلك. فقد كان ولم يكن شيء معه.

    وهذا يتسلى به من يكرب ويحزن لما يشاهد الكفر وأهله، ويشاهد الناس يسارعون إلى الكفر، ويجرون وراء الكافرين، ويدعون إلى الكفر، ويهيئون الناس لذلك؛ أهل الإيمان كرسول الله وأصحابه نعم يحزنون، فالله عز وجل يسري عنهم ويخفف وينفس، فيخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم ويقول: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [آل عمران:176] ويعلل لذلك بقوله: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا [آل عمران:176] أي: من الضر، ومع هذا: يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ [آل عمران:176] أي: عرف الله إصرارهم على الكفر، وعرف أزلاً وقديماً أنهم لا يريدون إلا الكفر.

    فمن هنا يريد الله ألا يجعل لهم نصيباً -وإن قل- في الآخرة، أي: يريد الله أن يحرمهم من نعيم دار السلام، فلهذا تركهم على كفرهم يسارعون فيه، ويدعون إليه في الليل والنهار ويقاتلون من أجله، فيريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الدار الآخرة، وحظ الآخرة هو الجنة دار النعيم، والآخرة يوم تنطوي هذه السماوات والأرضون ويتجلى عالمان آخران علوي وهو الجنة دار السلام، وسفلي وهو النار دار البوار، فإذا الله تعالى لم يرد أن يجعل لهم حظاً في الآخرة، أي: من نعيمها أصبحوا من أهل الجحيم والبوار في النار، وبعد: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:176]؛ لأنهم كفروا ويسارعون بين الناس إلى إشاعة الكفر والدعوة إليه، كـابن أبي واليهود والمشركين.

    فالله تبارك وتعالى يخفف عن نفس رسول الله، وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:176]، فلا يقادر قدره.

    صور من عذاب الجحيم

    ومن صور العذاب العظيم ما يلحق أبا جهل يوم القيامة، فقد كان يجلس في بيته ويوضع بين يديه الزبدة البيضاء وهي زبدة الغنم، وعجوة المدينة وهي من أغلى أنواع التمور، فيأخذ يأكل ويقول لأولاده وفيهم عكرمة رضي الله عنه: تعالوا نتزقم، فهذا الزقوم الذي يهددنا به محمد ويخوفنا، فنزل فيه قوله تعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ [الدخان:40-44] أي: المغموس في الآثام من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، لم يقل: آثم، وإنما قال: أثيم. كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان:45-46]، المهل: وهو الزيت العكر الذي يغلي في آخر القدر.

    خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ [الدخان:47]، أي: الزبانية. وفي قراءة نافع (خذوه فاعتُلوه) بالضم. والعتل هو الدفع بقوة.

    إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الدخان:47] أي: إلى وسط الجحيم.

    ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:48-49] أي: زيدوه عذاباً معنوياً ونفسياً، والعذاب المعنوي أشد ألماً على الكفار من العذاب المادي البدني. إِنَّ هَذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ [الدخان:50]، أي: تشكون وتضطربون.

    وهذه صورة من صور العذاب العظيم، فقد كان عرض أبي جهل في النار مائة وخمسة وثلاثين كيلو؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( ما بين كتفي الكافر في النار كما بين مكة وقديد )، والمسافة ما بين مكة وقديد مائة وخمسة وثلاثين كيلو، فهذا العرض، وأما طوله، فإن ضرس أبي جهل في النار كجبل أحد؛ ( إن ضرس الكافر في النار كجبل أحد )، وهذا يتلاءم مع عرضه المائة والخمسة والثلاثين كيلو.

    وأما العذاب المعنوي، فقد كان أبو جهل يتبجح في مكة ويقول: أنا العزيز الكريم، فقالوها له -أي: الزبانية-: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:49]؛ ليحرقوا قلبه، فقد كان يتطاول ويتكبر في الدنيا.

    إذاً: عذاب عظيم يصبون فوق رءوس الكفار الحميم فيصهر به ما في بطونهم.

    قال تعالى: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56]، أي: كلما نضجت الجلود تأتي بعدها جلود أخرى، لا فناء ولا موت -نعوذ بالله من عذاب النار-، فالرسول صلى الله عليه وسلم يخطب في أمته ويقول لهم: ( تعوذوا من عذاب القبر وعذاب النار ).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئاً ...)

    ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ [آل عمران:177]، أي: اشتروا الكفر: أخذوه وأعطوا الثمن وهو الإيمان، فهؤلاء ارتدوا بعد إيمانهم، كالذين هربوا من المدينة والتحقوا بالكافرين.

    إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ [آل عمران:177]، أي: أعطوا الإيمان وأخذوا الكفر، وهذا بيع وشراء ويفهمه العرب أكثر من غيرهم، كالذي أعطاه الدار وأخذ الدينار، يعني: باعوا إيمانهم بالكفر، واشتروا الكفر بالإيمان والمعنى واحد، وهؤلاء يتواجدون في كل زمان ومكان، فكم وكم ممن ينتسبون إلى الإسلام والإيمان وهم يخرجون أفراداً وجماعات! لا صلاة ولا صيام ولا ذكر الله، فهؤلاء يقول تعالى عنهم: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا [آل عمران:177]، فلن يؤلمون الله بكونهم ارتدوا بعد إيمانهم، أو فسقوا بعد طاعتهم، أو فجروا بعد استقامتهم.

    وأخيراً: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران:177] الأليم: المؤلم شديد الألم، والألم أيضاً يشعر به صاحبه ولا يطيقه ولا يقوى حتى على أن يصفه من شدته!

    وقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:176]؛ لأنهم سارعوا إلى الكفر وعجلوا، فعذابهم عظيم ما يقادر قدره، وهؤلاء اشتروا الكفر بعد أن عرفوا الإيمان ودخلوا فيه، ثم وارتدوا، فعذابهم أليم شديد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ...)

    قال الله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران:178] سواء اليوم أو غداً أو إلى يوم القيامة، وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران:178] أي: كفروا بالله ولقائه، بالله ورسوله، بالله وكتابه، بالله وشرعه، بالله وصفاته، بالله وحقوقه الواجبة على عبيده، فهؤلاء: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ [آل عمران:178] ونرخي الزمام، ونطيل العمر، ونوسع العيش، فإذا هم في عيش رغد وحياة سعيدة ينبغي ألا يحسبوا ولا يظنوا أنما هذا الإملاء خير لأنفسهم، فهذا ليس بخير لهم مطلقاً، بل هو شر لهم، وهؤلاء أيضاً علم الله في كتاب المقادير أنهم لا يتوبون ولا يرجعون، فزادهم في الرخاء والنعمة وطول العمر.

    قال تعالى: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ [آل عمران:178]، أملى يملي: إذا أرخى الزمام وزاد في الأجل والعمر، إنما نملي لهم؛ لحكمة وهي: لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران:178]، والإثم: هو المهلك والموبق في أتون الجحيم. أملي لهم من أجل أن يزدادوا إثماً.

    قال تعالى: وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران:178]، مهين: أشد من الأليم والعظيم، فتكسر أنوفهم ويذلون.

    أثر ابن مسعود: (ما من أحد بر ولا فاجر إلا والموت خير له)

    وهنا لطيفة قال: شاهده قول ابن مسعود رضي الله عنه - وهو عبد الله بن مسعود الهذلي ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجلاه رقيقتان، ضعيف البنية، ولكن يزن الدنيا وما فيها، فوالله! لو وضع في كفة ميزان، ووضعت الصين واليابان وأمريكا والمشركون كلهم لرجحت كفة عبد الله بن مسعود !

    يقول: (ما من أحد -صيغة العموم- بر ولا فاجر..) البر: صاحب الصالحات، المغموس في الخيرات، المسابق والمنافس في الصالحات.

    والفاجر: الخارج عن حدود الله عز وجل، يقال: تفجر الأنبوب إذا خرج الماء منه، فالطريق المستقيم الموصل إلى دار السلام الذي سألنا الله، بل علمنا الله أن ندعوه في كل ركعة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، الذي يصل بنا إلى الجنة، فالصراط المستقيم: هذا واجب افعله، وهذا حرام اتركه، ثم امش فيه فقط.

    فهذه كلمة طيبة قلها تملقاً إلى الله، وهذه كلمة خبيثة اتركها واهجرها تملقاً إلى الله كذلك، فأنت ما بين الأمر والنهي ماش، فإن فجرت -والعياذ بالله- وخرجت، فتركت الواجب وفعلت الحرام فهذا هو الفجور!

    إذاً: (ما من أحد بر وفاجر إلا والموت خير له)، هذه الصعبة! فمن الآن ما بقي حزن ولا كرب، فإذا جاء ملك الموت زغردنا!

    قال: إن كان براً -أي: بار-، فقد قال الله تعالى: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ [آل عمران:198] من هذه الدنيا وأوساخها وأموالها وكل ما فيها، فهذا إخبار من الله، وما عند الله من ذلك النعيم المقيم في جواره خير لكل بار، فمن هنا لا ينبغي الخوف من الموت.

    قال: وإن كان فاجراً، فقد قال الله تعالى: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران:178] نرخي الزمام ونطيل العمر؛ لأجل أن يزدادوا إثماً فيعظم عذابهم وشقاؤهم الأبدي؛ لأنه لو أخذهم في أول مرة عذابه يكون أهون، فأهل الجنة يتفاوتون في نعيمها، وأهل النار يتفاوتون في عذابها وشقائها، فليسوا في مستوى واحد، وهاهو تعالى يعلل يقول: (إنما نملي لهم) في رغد العيش وطول العمر؛ ليزدادوا إثماً.

    فاستنبط من هذا البحر العلامة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (ما من أحد -يعني: من الناس- براً أو فاجر إلا والموت خير له)، فمن هنا المسلمون لا يحزنون ولا يكربون أبداً ولا يخافون من الموت، فقد كان إذا نودي: الله أكبر! حي على الجهاد يفرحون ويستبشرون، فـأبو دجانة كان أشد فرحاً.

    وعلل فقال: (إن كان براً فالله يقول: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ [آل عمران:198]، وإن كان فاجراً، فالله يقول: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران:178]) لا يموت الآن أفضل؛ حتى يزيد قنطاراً من المعاصي والذنوب.

    فإذا طابت النفس وطهرت تاقت إلى الملكوت الأعلى، مع أن فتناً كقطع الليل المظلم زاحفة زحفاً!

    فقد سمعت خبراً أن مجموعة من اللصوص أوقفوا سيارة بها نسوة ومعهن سائق لا سلاح معه، فأوقفوهن وقالوا: اخلعن الحلي التي معكن وإلا الموت، فنزعن الحلي، وقال لهن اللصوص: قولوا للشرطة: هؤلاء سعوديون ما وجدوا عملاً بطالون، فهم يفعلون هذا.

    فهل هؤلاء مؤمنون دخل الإيمان في قلوبهم؟ وهل عرفوا الله عز وجل، وعرفوا رسوله صلى الله عليه وسلم؟ وهل عرفوا أن رسول الله كان يشد الحجر على بطنه حتى يتماثل ويمشي من شدة الجوع! ولم يقل لأحد: جعت يا فلان؟! فالذي يفعل هذا الفعل ليس بمؤمن.

    فلا نلومهم؛ لأنهم ما عرفوا الطريق إلى الله، وما عرفوا الله عز وجل معرفة أثمرت لهم حبه ولا الخوف منه، فيجب علينا أن نعالج الموقف قبل أن يعظم، وندعوهم إلى بيوت الرب لنزكي أنفسهم، ولنعلمهم علماً يزيد في طاقة نورهم، فيعرفون الخير والشر والحق والباطل والفضيلة والرذيلة، أما تركهم كالبهائم فسيسطون علينا ويفعلون العجب.

    فكل الذي تشكوه أمة الإسلام في الشرق والغرب لمن الجهل، فإن كان ظلماً أو فسقاً أو فجوراً أو مكابرة أو شركاً أو باطلاً فمرده إلى الجهل؛ لقول الله تعالى في محكم كتابه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، أي: إنما يخاف الله من عباده العلماء.

    فمثلاً نقول: ابحث في قريتكم عن أعلمكم بالله تجده أتقاكم لله، أو ابحث في جماعتك، أو في موكبك، أو في مركز عملك، والله! ستجد أعلمكم بالله أتقاكم له، وأفجركم أجهلكم.

    فلهذا يجب أن يتعلم المؤمنون والمؤمنات، وطريق التعليم الذي سلكناه منذ خمسين سنة ما نفع؛ لأننا أفسدناه بكلمة الوظيفة، فيأخذ الرجل طفله للمدرسة ولا يقول له: تعلم لتعرف الله، وتعبده فيعزك ويرفعك. ولكن يقول له: تعلم لتكون كذا وكذا. فهل رأيتم رجلاً أخذ طفله للمدرسة، وقال: تعلم لتعرف الله، لتحبه، لتكون من أوليائه؟!

    وزادوا الطين بلة مع البنات أيضاً، فالبنت أيضاً يقال لها: تعلمي للمستقبل. فهذه فتاة اشتكاها أبوها؛ لأنها عند أمها المطلقة، فدعاني لأتوسط في الخير لتذهب البنت مع أبيها إلى الطائف وهي في المدينة، وفجأة تقول البنت: مستقبلي يا بابا! مستقبلي يا بابا! أي: كيف تمنعني وأنا في المرحلة المتوسطة؟ في طريقي إلى الوظيفة، تمنعني أنت من التعلم؟! قلت لها بإلهام من الله: هذه أمك تسمع -أمها معها- من أمك هذه إلى فاطمة الزهراء أو إلى عائشة أم المؤمنين والله ما توظفت امرأة! وعشن ومتن سعيدات، وأنتِ فقط: مستقبلي يا بابا! إذا ما تعلمت للوظيفة وتوظفت ضاع مستقبلك!!

    فالذي نفخ هذه الروح الشيطانية المنتنة العفنة هو الثالوث الأسود: اليهود والمجوس والنصارى، فحولوا التعليم إلى مادي بحت، فقلنا: هيا نترك هذا التعليم ونترك طالبيه فليطلبوه للدنيا المحضة، لا يقولوا: الآخرة، بل للدنيا، حولوه إلى مصانع ومزارع و.. و.. وماديات، وحسبنا أن يجتمع أهل الحي في مسجدهم، أهل القرية في قريتهم بنسائهم ورجالهم وأطفالهم من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، وذلك كل ليلة وطول العام، بل وطول العمر يتعلمون الكتاب والحكمة، فإنها لا تمضي سنة إلا وتغيرت طباعهم، وتبدلت نفسياتهم، وأصبحوا ربانيين، فكيف إذا استمر أهل القرية والمدينة على هذا النمط من تلقي الكتاب والحكمة؟ سيصبحون كلهم كالشيخ ابن باز ، فهل سيبقى من يكذب، ويسرق، ويفجر، ويغش ويخدع؟ والله ما يبقى!

    فلا طريق غير هذا ولا وجود له، إما أن نسلك هذا المسلك، وإلا سوف نستقبل المستقبل بالويلات والمحن والمصائب، فلا طريق أيضاً للنجاة إلا هذا، أن يعرف الناس ربهم معرفة يقينية، توجد لهم حبه تعالى، وما يكره تعالى فيتملقونه بحب ما يحب، وكره ما يكره، فتأتي الولاية وحينئذ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

    قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، وكأن سائلاً يقول: من هم أولياؤك يا ربنا؟! فأجاب تعالى بقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:64].

    حقق الإيمان وواصل التقوى وأنت ولي الله عز وجل، لا تخف إذا خاف الناس، ولا تحزن إذا حزن الناس، منفي عنك الخوف والحزن في الحياة الدنيا وفي البرزخ وفي يوم القيامة الدار الآخرة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله لنا وله ولكم، ورحمنا جميعاً: [معنى الآيات:

    ما زال السياق في أحداث غزوة أحد، ففي هذه الآيات الثلاث وقد كشفت الأحداث عن أمور خطيرة، حيث ظهر النفاق مكشوفاً لا ستار عليه، وحصل من ذلك ألم شديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. يخاطب الله تعالى رسوله قائلاً له: لا يحزنك مسارعة هؤلاء المنافقين في الكفر، وقال: في الكفر، ولم يقل: إلى الكفر، إشارة إلى أنهم ما خرجوا منه حتى يعودوا إليه -هذه لطيفة لغوية-، وقال: في الكفر، ولم يقل: إلى الكفر إشارة إلى أنهم ما خرجوا منه؛ لأن إسلامهم كان نفاقاً فقط.

    إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا [آل عمران:176]، والله يريد ألا يجعل لهم نصيباً من نعيم الآخرة، فلذا تركهم في كفرهم، كلما خرجوا منه عادوا إليه، وحكم عليهم بالعذاب العظيم، فقال: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:176]، وهذا ما تضمنته الآية الأولى.

    أما الآية الثانية فقد تضمنت حكم الله تعالى على الذين يرتدون بعد إيمانهم فيبيعون الإيمان بالكفر ويشترون الضلالة بالهدى؛ حكم عليهم بأنهم لن يضروا الله شيئاً من الضرر ولهم عذاب أليم، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران:177]، والعذاب الأليم هو عذاب النار، إذ لا آلم ولا أشد إيجاعاً منه أبداً.

    وأما الآية الثالثة فقد تضمنت بطلان حسبان الكافرين أن الله تعالى عندما يمهلهم ويمد في أعمارهم، ولن يعاجلهم بالعذاب أن ذلك خير لهم، لا! بل هو شر لهم، إذ كلما تأخروا يوماً اكتسبوا فيه إثماً، فبقدر ما تطول حياتهم يعظم ذنبهم وتكثر آثامهم، وحينئذ يوبقون ويهلكون هلاكاً لا نظير له، قال تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران:178]، أي: ذو إهانة؛ لأنهم كانوا ذوي كبرٍ وعلوٍ في الأرض وفسادا، فلذا ناسب أن يكون في عذابهم إهانات لهم].

    هداية الآيات

    قال: [من هداية الآيات:

    أولاً: لا ينبغي للمؤمن أن يحزنه كفر كافر ولا فسق فاسق]، فلنربي أنفسنا على أن لا يحزننا كفر من يكفر، ولا فسق من يفسق لِم؟

    قال: [لأن ذلك لا يضر الله شيئاً، وسيجزي الله الكافرين والفاسقين بعدله ورحمته].

    إذاً: ادع إلى الله، وإن أبى الناس إلا الفسق والكفر فشأنهم، لا تحزن أنت أبداً، فلن يضروا الله شيئاً، وهمك أنت مولاك جل جلاله.

    [ثانياً: لا ينبغي للعبد أن يغره إمهال الله له، وعليه أن يبادر بالتوبة من كل ذنب، إذ ليس هناك إهمال، وإنما هو إمهال].

    فيا من زال جاثماً على كثير من كبائر الذنوب عجل، ولا تغتر بهذا الإمهال، فإنه إمهال وليس إهمالاً: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران:178].

    [ثالثاً: الموت للعبد خير من الحياة..]، سبحان الله! قال ابن مسعود : (ما من أحد بر ولا فاجر إلا والموت خير له، إن كان براً فالله يقول: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ [آل عمران:198]، وإن كان فاجراً فالله يقول: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران:178]).

    إذاً: [الموت للعبد خير من الحياة براً كان أو فاجراًً؛ لأنه إذا كان صالحاً فالآخرة خير له من الدنيا قطعاً، وإن كان غير ذلك حتى لا يزداد إثماً فيوبق بكثرة ذنوبه ويهلك].

    هذا والله تعالى أسأل أن يجعلنا وإياكم ممن يحبون الدار الآخرة ويرغبون فيها، ويكرهون الدنيا ولا يحبونها.