إسلام ويب

تفسير سورة آل عمران (7)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وعد الله عباده المتقين بجنات النعيم، خالدين فيها أبداً، وأعد لهم فيها أزواجاً مطهرة، وقد بين الله صفات هؤلاء المتقين الذين استحقوا هذا الجزاء العظيم والنعيم المقيم، فذكر أنهم لا يفترون عن دعاء ربهم والتضرع إليه بصالح أعمالهم، ويلزمون الصبر والصدق، وينفقون في سبيل الله، ويلازمون الاستغفار بالأسحار.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل القرآن الكريم؛ رجاء أن نظفر بذلك الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، فالحمد لله الذي أهلنا لهذا الخير؛ إنه على كل شيء قدير.

    ما زلنا مع صفات الوارثين لدار السلام، وهنا أسأل الأبناء والإخوان والمؤمنات: هل للجنة ورثة؟

    سبحان الله! إي والله للجنة ورثة.

    من هم ورثة الجنة؟ بنو هاشم؟! بنو تميم؟! بنو قينقاع؟! بنو من؟! البيض؟! السود؟! لا والله، فورثة الجنة هم المتقون.

    من مات حتى يرثوه؟ كل من دخل النار من الإنس والجن ترك مكانه في الجنة.

    الوارثون لدار السلام

    إن المتقين هم الوارثون؛ لأن الجبار العزيز الغفار جل جلاله وعظم سلطانه أعد منازل الجنة ومنازل النار على قدر من يخلق من الإنس والجن، كل شيء عنده بمقدار، فأهل النار يرثون أهل الجنة في منازلهم في النار، وأهل الجنة يرثون أهل النار في منازلهم في الجنة دار الأبرار.

    ومن قال: من أين لك هذا يا شيخ، ما سمعنا بهذا الكلام، أقول له: هيا نقرأ جميعاً ونسمع إبراهيم وهو رافع كفيه ضارعاً بين يدي ربه يسأله قائلاً: وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ [الشعراء:85]، والله تعالى يقول في سورة مريم: تِلْكَ الْجَنَّةُ [مريم:63] بعدما وصفها الوصف اللائق بها قال: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [مريم:63]، تلك الجنة التي وصفت لكم، هذه نورثها من عبادنا مَنْ كَانَ تَقِيًّا لا شريفاً ثرياً ولا أبيض نقياً ولا ولا، بل من كان تقياً فقط وإن كان حبشياً أسوداً.

    سر كون المتقين هم وحدهم ورثة دار السلام

    ما السر؟ لم فقط التقي هو الوارث وغيره محروم؟ من يجيب يا معشر المؤمنين والمؤمنات؟

    الجواب: وهو عند الأبناء على ظهر قلب؛ لأنهم أهل كتاب الله، وأما المحرومون من هذه المجالس فأنى لهم أن يعلموا ؟

    المتقون هم أطهار النفوس، وأزكياء الأرواح؛ لأن التقي هو ذاك الذي يعمل بأوامر الله فتزكو نفسه وتطيب وتطهر، ويتقي مساخط الله ومحارم الله فيبتعد عما يدسي نفسه ويخبثها، فإذا مات على تلك الحال كان والله من الوارثين؛ لأن روحه زكية طاهرة شبيهة بأرواح الملائكة في صفائها وطهرها!

    هؤلاء الأطهار هم الذين ينزلهم الجبار بجواره في دار السلام، واسمعوا خبره: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14]. لم يا رب؟ الأبرار لبرورهم والفجار لفجورهم.

    ما البرور؟ إنها طاعة الله ورسوله التي أنتجت زكاة الروح وطهارة النفس.

    وما الفجور؟ إنه فجور الفاجرين وخروجهم عن منهج الحق؛ فنفوسهم خبثت وتعفنت أصبحت أهلاً لأن تنزل الدركات السفلى! سبحان الله هذا في القرآن؟!

    إي نعم، كنا نعرف هذا أيام كنا نقرأ ونعمل به، أما عندما أصبح القرآن على الموتى أصبحنا لا نعرف هذا أبداً!

    الفلاح والخسران مناط بتزكية النفس أو تدسيتها

    هناك حكم إلهي صدر على البشرية (95%) من العالم الإسلامي ما عرف هذا الحكم و(1%) فقط هم الذين يعرفونه، إي ورب الكعبة، صدر حكم الله على البشرية جمعاء أن من زكى نفسه وطيبها وطهرها أفلح وفاز، ومن خبثها ودساها وعفنها خاب وخسر.

    وهذا الحكم ما رأينا الله عز وجل حلف أيمان متكررة بهذه السورة كما حلف على هذا الحكم، فلماذا يحلف الله؟ من أجلك يا ابن آدم؛ لتتلقى الخبر ونفسك مطمئنة، ومشاعرك وأحاسيسك هادئة، خبر عظيم يحتاج إلى أيمان عظيمة، يحلف من أجلنا؟ اسمعوا اليمين وتعلموا: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1] هذه واحدة وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس:2] الثانية وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس:3] الثالثة وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:4-10]، انتهى الكلام.

    عرفتم أن الله يحلف أو لا؟ لم يحلف؟ من أجلنا؛ لأن طبعنا.. غرائزنا.. فطرنا إذا سمعنا الخبر وكان فوق قدرتنا لا نصدق، فيضطر من يخبرنا بأن يحلف ويؤكد الحلف حتى تهدأ النفوس.

    هل عرفتم هذه؟ والله إنها خير من خمسين ألف ريال، أقسم بالله لمن عرفها موقناً وفهمها خير له من أن يوضع في جيبه خمسون ألف ريال، ونحن ظفرنا بها مجاناً والحمد لله.

    وإن قلت: أفلح، ما معنى أفلح؟ صار فلاحاً أم كيف؟

    الفلاح سمي فلاحاً لأنه يفلح الأرض، ويشقها ويدفن فيها البذور، هذا الفلاح، ومن أفلح هو ذاك الذي شق طريقه في صفوف أهل الموقف إلى دار السلام، فما عاقه عائق ولا وقف في وجهه واقف، وعلم حينئذ أنه فاز.

    هل فاز فلان ابن فلان بجائزة نوبل؟ لا لا. فاز بأن نجا من عالم الشقاء.. النار، وفاز وظفر بالجنة دار السلام.

    حقيقة الفوز في الحياة الدنيا والآخرة

    إليكم هذا البيان الإلهي من سورة آل عمران، قال تعالى واسمع: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185]، حكم علينا بالموت وحكم الله لا يتخلف أبداً، كقوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] لا يتخلف، لم؟ لكمال قدرته.

    كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185]، ما معنى وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟

    أيتها الشغيلة يا معشر العاملين! واصلوا العمل ولا تطالبوا بالجزاء هنا، إذ هذه الدار دار عمل، وليست دار جزاء: وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ كاملة يَوْمَ الْقِيَامَةِ .

    يا فاسق يا فاجر يا كافر! واصل، وقد تعيش سعيداً آمناً شبع البطن مستور الجسم فلا تفهم أن هذا جزاء كفرك وفسقك وفجورك، فالجزاء ليس هنا، الجزاء يوم القيامة، وكم من بر تقي صالح رباني مريض طول عمره، فقير طول حياته، مكروب حزين دائماً وأبداً، فيقول القائل: أين آثار صيامه وصلاته ورباطه وجهاده؟

    فنقول: الجزاء ليس هنا، الجزاء هناك، اسمع الحكم: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أجورنا مقابل أعمالنا.

    لطيفة أخرى يفوز بها المتأهلون: قد يوجد كافر فاجر شقي من تعاسة إلى تعاسة، السجون، الآلام، الكروب.. وهو كافر رقم واحد، أو فاسق ممتاز، فهل هذا العذاب الدنيوي.. عذاب المرض والسجن والجوع والخوف هو جزاؤه؟ لا والله، وإنما هذا من شؤم المعصية، يظهر هذا البلاء من شؤم المعصية، كما أنك تجد البر التقي شبعان ريان آمناً، سعيداً طاهراً، فهل هذا جزاء جهاده وصيامه؟ لا، بل هذا من يمن وبركة العمل الصالح، للحسنات بركتها ويمنها، وللسيئات شؤمها ونحاستها، أما الجزاء هنا والله ما كان.

    كيف وقد أخبر تعالى بنفسه فقال: وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ متى؟ يَوْمَ الْقِيَامَة واسمع بيان الفلاح فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185] فالفوز ليس ربحك شاة أو بعيراً، ولا امرأة جميلة وولداً صالحاً ولا وظيفة شريفة، ولا.. ولا ولا، ما هذا بالفوز؟ الفوز أن تبعد عن عالم الشقاء وتعلم عالم السعادة لتخلد أبداً، وهو كائن لا محالة، فهيا مع الوارثين لدار السلام الجنة.

    نعيم أهل الجنة

    قال تعالى: قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ [آل عمران:15]، خير من ذلكم الذي سمعتموه في الآيات قبل وهي: الأنعام والحرث والذهب والفضة والنساء والأولاد.. مظاهر الحياة الدنيا: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ [آل عمران:14] هل يوجد ما هو خير من هذا؟ نهم، الجنة دار السلام؛ لأنها خالدة باقية، وليس فيها منغصات، لا حزن ولا موت ولا مرض ولا كبر ولا هم ولا.. ولا ولا، بل سعادة دائمة، أما سعادتك في الدنيا فيعقبها الكرب والحزن، وآخرها الموت.

    إذاً: قال تعالى: قُل يا رسولنا والمبلغ عنا صلى الله عليه وسلم: أَؤُنَبِّئُكُمْ أؤنبئكم بنبأ عظيم بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ الذي سمعتم، وهو أن لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ [آل عمران:15]، هل بعد هذا النعيم من نعيم؟ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا . لماذا قال: خَالِدِينَ فِيهَا ؟ لأنهم إذا كانوا يعرفون أنهم سيرحلون ما يسعدون، أما هذه الحال فتساوي الدنيا وما فيها: جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ، مطهرة من دماء الحيض والنفاس والبول والنخامة والنخاعة تمام الطهارة. هكذا خلقهم.

    قد عرفنا بالأمس أن أهل الجنة لا يبولون، أين يذهب الشراب ذو الألوان.. الخمر والعسل واللبن والماء العذب؟ يتحول إلى عرق فقط.

    قد يقول قائل: يا شيخ كيف يتحول إلى عرق؟ فأقول له: وأنت قل لي: كيف تعرق؟ عرقتك أمك؟ كيف يخرج العرق منك؟ أنت دلكته بيديك؟

    يتحول الشراب كله إلى عرق، ورائحته أطيب من المسك الأذفر مليون مرة.

    وإذا كان الماء والشراب يتحول إلى عرق أمر معقول لأنه سائل، فما بال الزبدة واللحم ولحم الطير المشوي والفواكه، كيف تتحول هذه؟ هذه تتحول إلى جشاء يتجشاها - والعامة يقولون: يتقرع- كل الطعام يتحول إلى جشاء أبد الآبدين. هذه هي الجنة دار السلام، هذه دار الأبرار، هذه دار الأتقياء بنص هذا الحكم الإلهي: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ ماذا؟ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ .

    رضوان الله عن العبد نعيم لا يعدله نعيم

    قال الله: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّه بالأمس.. أبا جميل قلنا له: لو أنك تنزل قصراً من قصور الملوك والرؤساء والحكام ويخدمك النساء والرجال، وأنت في القصر، وكلما دخل صاحب القصر تراه غضبان، لا يكلمك، ولا ينظر إليك، دائماً بل كل ساعة تقول: الآن يقتلني أو يخرجني، فلا تسعد أبداً، فتجد رضاه خير من ذلك الطعام والشراب، لما يرضى عنك أنت آمن، لكنه إذا كان غاضباً فأنت خائف، وهذا هو معنى قول الله تعالى: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:72] في آية التوبة، وهنا قال: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ على الحقيقة، يعرف التقي البر والفاجر الفاسق، سواء كنا مجتمعين مع وفد نصارى نجران أو مع اليهود معنا والمشركين والمؤمنين فالله بصير بالعباد، وإذا كان بصيراً بالعباد فكيف يكون الحكم والجزاء؟ بحسب علمه، فلا تفهم أنك تدخل مع أهل الجنة وتختبئ وأنت مسيحي، والله لا تدخلها، أو تكون مشركاً فتقول: أنا أدخل مع الموحدين. هذا لا ينفع؛ لأن الله بصير بالعباد، كيف لا وهو يخلقهم ويرزقهم. إلى هنا انتهى بنا الدرس أمس، والآن مع بقية الصفات.

    قال: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:16].

    صفات أهل التقوى

    لو قلت يا سيد: من هم هؤلاء المتقون؟ نريد وصفاً لازماً لهم، أو صفات تكشف عن حقيقتهم؟ هل نحن منهم أم لا؟

    فالله تعالى يجيبنا ولا يتركنا حيارى نتطلع للمعرفة، فلابد من وصف شافٍ وعرض سليم، فعدد صفاتهم في هذه الآية والتي بعدها فقال تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ [آل عمران:16-17].

    الصفة الأولى: أنهم يدعون ربهم ويتضرعون إليه بإيمانهم وصالح أعمالهم

    قوله: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:16] هذا وصف لازم لهم طول حياتهم. إذاً: أول صفة: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أي: يا ربنا إِنَّنَا آمَنَّا بك وبرسولك وبكتابك ولقائك وبما أمرتنا أن نؤمن به فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا مقابل هذا الإيمان.

    وهنا عرفتم الوسيلة الشرعية التي تتوصلون بها إلى قضاء حوائجكم عند ربكم، وهي أن تكون إيماناً أو عملاً صالحاً، أما وسيلة بسيدي فلان وحق فلان وجاه فلان فوالله ما تصل بك إلى قضاء حاجتك لا بمغفرة ذنوبك ولا بوقايتك من عذاب ربك.

    ألا يوجد بين المستمعين -وهم وافدون على مسجد رسول الله- من يرد علينا هذه القضية؟

    لا وسيلة تتوسل بها لتصل إلى غرضك وحاجتك عند الله إلا الإيمان الحق والعمل الصالح والتنزه عن الشرك والباطل من المعاصي والذنوب، أما قولك: اللهم إني أسألك بحق فلان.. بجاه فلان.. بـفاطمة الزهراء .. بـالحسن والحسين .. برسول الله.. كل هذا هراء وكلام باطل ودخان قاتل!

    فإن قلتم: بين لنا يا شيخ كيف هذا فكلنا لا نعرف إلا: (اللهم إني أسألك بحق فلان.. وجاه فلان)؟

    الجواب وتأمل: لك على أخيك دين هو حقك، وتقول له: أعطني من حق فلان عليك؟ هل يرضى بهذا الكلام؟ إن لم تعطني فأعطني بحق فلان عليك!

    يقول الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان وهو ممن أدرك بعض الصحابة، يقول: هذا السؤال صاحبه يكفر؛ لأنه في موقف كأنما يقول: إن لم تعطني من فضلك يا رب فأعطني بحق فلان عليك. فمن هو هذا الذي له حق على الله بالقوة؟!

    هل يوجد عاقل يقول هذا الكلام؟

    مخلوق مربوب بين يدي الله يصبح له حق يأخذه على الله بدون رضا الله؟!

    وهنا قد يقول قائل: الحقيقة أن هذا الكلام كفر يا شيخ، ولكن ما علمونا وما بينوا لنا، بل رموا بنا في ظلام هذه الحياة الدنيا، فلم تلومنا؟

    فأقول له: الآن عرفنا، والله ما نسأل الله بحق فلان لو متنا جوعاً وعذبنا حتى الموت، فلا نكفر ونحن مؤمنون، أما أسألك بجاه نبيك.. بجاه فلان بجاه فلان، فهذه حيلة من حيل الشيطان إبليس! هذه الحيلة أرادها لنا أعداؤنا حتى لا يستجيب الله لنا فيعذبوننا ويستعمروننا ويفرقوننا ويعملون العجب ونحن ندعو وندعو فلا إجابة.

    قالوا: لنحرمهم من إجابة دعائهم بتقرير هذه الفكرة بينهم، فنحرمهم من أن يتوسلوا إلى الله بصيام أو صلاة أو صدقة أو جهاد أو رباط أو صلة رحم أو فعل خير، أو عكوف في مسجد، أو ذكر الله، أو تلاوة كتاب الله، كل هذا نحرمهم منه فلا يتوسلون به؛ لأنهم إذا توسلوا به نفع، واستجاب الله لهم.

    قال أعداؤنا: إذاً: نعطيهم فقط وسيلة لا تنفع: أسألك بجاه سيدي فلان، أعطني بجاه فلان. من فعل بنا هذا؟ إنه العدو، الثالوث الأسود المكون من ثلاث طوام: المجوس، اليهود، النصارى. لم تكون هذا الثالوث من هؤلاء؟ ما السبب؟ سلوا رجال السياسة عندكم، والله ما يعرفون كيف تكون هذا؟

    والجواب: أما المجوس فما إن دخلت خيل الله ديارهم وسقط عرش كسرى وأخذ التاج ووضع على رأس سراقة بن جعشم وسراقة عفريت من عفاريت قريش قبل إسلامه، لما أعلنت قريش عن جائزة عظيمة لمن يرد لها محمداً حياً أو ميتاً بعد ما صدر الحكم عليه بالإعدام وفشلوا في تطبيقه وهاجر صلى الله عليه وسلم مع الصديق ، أعلنت قريش عن جائزة مائة بعير لمن يأتي برأس محمد أو يأتي به حي، فهذا البطل رضوان الله عليه قال: الآن أصبح أهل البلاد، فحمل سلاحه وركب فرسه وأخذ يركض ويتتبع الآثار حتى صار على بعد يومين أو ثلاثة -لأن المسافة عشرة أيام- فرأى رسول الله وأبا بكر والخريت -الدليل- الذي يقودهم في الطريق، فقال: الآن وصلت، فدفع بالفرس، فلما بقيت مسافة قريبة ساخت رجلا الفرس في الأرض وسقط، فقام وأخرج فرسه ومشى في الرمل أو في الحجارة فوقع -ثلاث مرات- فقال: الآن أتوب إلى الله، فقال له الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( فكيف بك يا سراقة إذا وضع على رأسك تاج كسرى؟ ) الله أكبر! الرسول هذا مطارد من قومه ويعلن عن هذا الإعلان! أعظم دولة يومئذ هي فارس والروم الدولتان العظميان، وسراقة يبشر بأنه سيلبس تاج كسرى! أحلام هذه أم ماذا؟ وأسلم سراقة ومات رسول الله ومات الصديق وتولى عمر وقاد جحافل الجيش، فدخل بلاد كسرى وجيء بتاج كسرى إلى عمر فدعا سراقة وألبسه التاج وفاء بوعد رسول الله له، ودخلت كسرى في الإسلام وعمها النور الإلهي وانطفأت نور المجوس؛ لأن المجوس يعبدون النار، لا يعبدونها لذاتها وإنما لتشفع لهم عند خالقها.. عند الله وكذلك الخرافيون عندنا يعبدون سيدي عبد القادر لا لذاته وإنما ليشفع لهم.. وهكذا، وأصحاب قريش كانوا يعبدون الأصنام ويقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3].

    إذاً: يوم ما سقط عرش كسرى ولاحت أنوار الإسلام تكون حزب يعمل في الظلام، حزب وطني كأيام الاستعمار، حزب وطني لضرب هذا الإسلام والقضاء عليه، وعودة الدولة الساسانية، وتمضي ألف وثلاثمائة وحوالي خمسة وتسعين سنة والمجوس يحتفلون بذكرى مرور ألفين وخمسمائة عام على الدولة الساسانية، آمنا بالله!

    بعيني هاتين قرأت في جريدة المغرب أيام كنا ندعو هناك في الصيف، وإذا إعلان: أن الشاه سلطان إيران، يعلن عن قيام ذكرى مرور ألفين وخمسمائة عام على الدولة الساسانية في القناصل والسفارات في العالم، وحضر رجالكم أيها المسلمون للاحتفالات.

    الاحتفال بماذا؟ بذكر أبي جهل ؟! أعوذ بالله! لو يحتفل المؤمنون بذكرى أبي جهل كفروا، يحتفلون بذكرى مرور ألفين وخمسمائة عام على الدولة الساسانية!

    وأول رصاصة أطلقها ذلك الحزب المظلم كانت في محراب رسول الله، كانت في جسم عمر رضي الله عنه، عندما قتله أبو لؤلؤة المجوسي وقد أوعز إليه ودفعه وبعثه إليه هذا الحزب المظلم. هذا الحزب يعمل في خفاء؛ لأن النور غشي تلك البلاد وظهر فيها الصلاح والصالحون والصالحات، لكنه يعمل على إحياء هذه الدولة، وإلى الآن يعملون.

    واليهود ما إن صدر أمر الله بإجلائهم من الجزيرة: ( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ) وصية من أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، حتى بدءوا يكيدون لهذا الدين، بنو قريظة ماتوا هنا في آخر المسجد ودفنوا في بئر وحفرة؛ لأنهم نقضوا العهد وتعاونوا مع الأحزاب، وبنو النير أجلوا وطردوا، بنو قينقاع من قبلهم التحقوا بأذرعان بالشام، ومن ثم بحث اليهود عمن يتعاونون معهم على ذبح الإسلام فوجدوا الحزب المجوسي، فتعانقوا مع بعضهم البعض، وكان همزة الوصل بينهم -وهم الآن ينفون هذا- كما قال أهل العلم: عبد الله بن سبأ الصنعاني اليماني اليهودي ، هو الذي ربط بين المجوس واليهود.

    وأما النصارى فما إن لاحت الأنوار ودخل الإسلام في الشام وتحول نحو الغرب واتجه نحو مصر وأفريقيا قالوا: هذه هي الطامة ولن نفلح بعد، ماذا نصنع؟ فبحثوا عمن يتعاونون معه فوجدوا المجوس واليهود، فكونوا شركة لضرب الإسلام، ومن ثم هم يعملون متعاونين إلى الآن في الخفاء.

    إذاً: فلما فشلوا في حروبهم وما استطاعوا وانهزموا، قالوا: لابد إذاً من العمل النافذ والمجدي، وهو أن نبحث عن سر صفاء أرواح هذه الأمة وطهارتها وقوتها وسلطانها وعدلها، ما هو؟ فقالوا: إنه القرآن، إي والله أصابوا القرآن؛ لأن القرآن بمثابة الروح للحياة، والله قرر ذلك في ثلاث آيات من كتابه؛ في التوبة وفي غافر، وفي الشورى فقال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52].

    ما هذا الروح الذي أوحاه؟ القرآن والله، فبه تصفو الحياة مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52]، قالوا: العرب حيوا بالقرآن واهتدوا بالقرآن، فهيا نبعدهم، وحينئذ نركب على ظهورهم كالبغال والحمير، ونجحوا، فالقرآن حولوه إلى المقابر والمآتم وليالي الموت قروناً، وقد كانت أمي رحمة الله عليها تقول: يا رب اجعل ولدي -وأنا يتيم- إما حافظاً للقرآن وإما جزاراً، فالجزار يجيب لها اللحم؛ لأن اللحم كان عندنا من العام إلى العام، من الموسم إلى الموسم، وإذا كان يحفظ القرآن يقرأ على الميت ويجيب اللحمة ملفوفة في المنديل ويعطيها له؛ لأن اللحم يقسمونه قطعة قطعة، فالذي عنده زوجته وأمه تحب اللحم يجعلها في منديل ويأتي بها إلى أمه، ولكنها والحمد لله ماتت على التوحيد الخالص.

    والشاهد عندنا في هذا: أن القرآن روح لا حياة بدونه، ونور والله لا هداية بدونه، فالماشي في الظلام لا يهتدي إلى أغراضه وحاجاته، فكذلك الذي فقد الروح لا يحيا ولا يكمل ولا يسعد.

    وما زالت آثار هؤلاء الأعداء إلى الآن، ولكن خف الضغط، لكنهم الآن يحتالون ويبحثون من أين يدخلون، وهذا الدرس لو سمعه اليهود لو أمكنهم أن يشتروا بمليار دولار لاشتروه، ولا يسمع العرب والمسلمين هذا، لكن الله أبعدهم، اسمعوا ولا تبيعوه لليهود هاه، ولا تغركم الريالات!

    إذاً: قال تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا [آل عمران:16]، متوسلين إلى الله بإيمانهم، فالإيمان ليس برخيص ولا هين، يدلك لذلك ملايين العلماء في أوروبا ما آمنوا، حللوا الذرة وعرفوا الكونيات كاملة وما آمنوا؛ لأن الإيمان هبة الله وعطيته.

    أغلى شيء في الحياة هو الإيمان -ومرة ثانية- ويدلك على ذلك: أن علماء فطاحلة في الكون.. في الحياة.. في كذا.. محرومون كفرة، لا يؤمنون بالله ولا بلقائه، وبرابرة جهال عوام يشهدون أن لا إله إلا الله ويموتون عليها، فالإيمان عطية الرحمن، هبة الله، فمن آمن فله الحق أن يتوسل بإيمانه، رب لقد آمنت بك وبرسولك، فاقض حاجتي هذه الليلة، ويفرح الجبار بكلامك، ولا تفهم أنه يغضب.

    واسمع إليهم يحكي عنهم: قالوا رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا وغيرنا ما آمن يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ واستجاب لهم الرحمن فهم في دار السلام. هذه صفة.

    الصفة الثانية: ملازمة الصبر

    قال أيضاً في بيان صفات المتقين الذين ورثوا دار السلام: الصَّابِرِينَ [آل عمران:17]. أهل الجنة جزعون أو صابرون؟ صابرون، وصفهم ربهم فقال: الصَّابِرِينَ وهذه الصيغة كلمة (أل) تدل على مكانة الوصف وعراقته، ففرق كبير بين (مؤمن) و(المؤمن) وبين (كافر) و(الكافر) بين (سارق) و(السارق) فرق كبير في لغة العرب، فـ(أل) تدل على عراقة الوصف ومكانته، فهم الصابرين بحق. والصبر: حبس النفس وهي كارهة في ثلاثة مواطن، هي:

    الأول: حبسها على طاعة الله ورسوله، لا تتخلف أبداً متى دريت.

    الموطن الثاني: حبس النفس بعيداً عن كل ما يلوثها من الشرك وضروب الذنوب والآثام والمعاصي، يحبسها بعيداً حتى لا تتلوث أبداً ولا تتلطخ.

    الموطن الثالث: حبسها عن المكاره، عند الابتلاء والامتحان بموت الولد والزوجة، بالمرض، بالرحلة والفراق، بأي شيء مما يختبر الله به أوليائه، فلا جزع ولا سخط، ولكن حمد الله والثناء عليه، والصبر الكامل، وكأنه لم يصب.

    وقد رأينا أحد الصالحين ولقبناه بأيوب الثاني، يدفن أولاده ونحن على القبر نبكي وهو يضحك يبتسم! صبر عجيب! لا جزع ولا سخط أبداً، رضي بقضاء الله وحكمه.

    إذاً: هذه الثلاثة المواطن حاول يا عبد الله أن تنجح فيها:

    الأول: أن تلتزم عبادة الله فلا تتخلى حتى عن ركعة الوتر، ولا تفارق العبادة.

    الثاني: أن تبتعد عن الزنا والربا والقمار والخيانة والغش والخداع وبغض المسلمين والكذب والنفاق، فهذه الأوساخ تبتعد عنها فقط.

    الموطن الثالث: إذا ابتلاك الله لا بأس أن تبذل دموعك وتريقها على وجهك، والرسول يضرب المثل وقد قدم له ولده إبراهيم وهو يموت في سكرات الموت، وحيده صلى الله عليه وسلم، فسالت الدموع من عينيه وقال: ( العين تدمع، والقلب يخشع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب )، إذ ما ابتلاك الله به إما ليرفعك درجات ما كنت لتصل إليها بأعمالك الأخرى، أو ليكفر عنك ذنوباً ما كانت تكفر لك، أو ليرفعك أو يطهرك. اللهم ارزقنا الصبر، واجعلنا من الصابرين.

    الصفة الثالثة: ملازمة الصدق

    ثالثاً: الصادقين. من منا الصادق؟ هذا الصادق، كلنا صادق، لكن الصدق وصف لازم لهم لا ينفك عنهم في كافة الظروف والأحوال، وهو غني كما هو فقير، هو صحيح كما هو مريض، هو خائف كما هو آمن، دائماً يصدق لا يعرف الكذب أبداً، ولو يخرج ما في جيبه أو ما في بطنه لا يكذب.

    من يقوى على هذه الصفة؟ إنهم الصادقون. من يرغب فيكم أن يفوز بها؟ ألسنا في حاجة إليها؟! يا من يرغب أن يصبح من الصادقين اسمع رسول الله يقول: ( عليكم بالصدق -أي: الزموه- فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة -إي والله- ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ).

    أبشر بالجائزة العظمى، ستصبح مع أبي بكر الصديق بالطلب.. بجهاد النفس، فاصدق إذا قلت، وإذا علمت، وإذا فكرت، لا يفارقك الصدق أبداً، واطلبه وتحراه واقصده، ولا تزال كذلك حتى تكتب في ديوان الصالحين صديقاً، فما فوق الصديقية درجة إلا النبوة، قال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69] منهم؟ قال: مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [النساء:69]، بعد النبيين مباشرة، والشهداء بعدهم، والصالحين بعد الكل ثم الصادقين.

    إذاً: الصادقين أقل درجة من الصديقين، فتلك تحتاج إلى الليالي الطوال، أما كونك صادقاً إذا قلت.. إذا علمت.. إذا أعطيت.. إذا سئلت.. إذا علمت.

    الصدق من السهولة بمكان لكن لازمه حتى يكون لك وصفاً فيقال: فلان من الصادقين.

    الصفة الرابعة: القنوت والخضوع لله

    رابعاً: وَالْقَانِتِينَ [آل عمران:17]. من هم القانتون؟ حتى النساء قانتات، فالقانت عبد يدعو الله عز وجل. والقنوت هو الدعاء، فالعبد إذا قام بين يدي الله في الصلاة يدعو ولا يذكر كلمة خارجة عن الصلاة، وقد كانوا يتكلمون في الصلاة فنزل منع ذلك في هذه الآية: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، فالقنوت هو: الخضوع والخشوع لله عز وجل، والدعاء والضراعة بين يديه، أصحاب هذه الصفة هم أهل الجنة القانتين.

    الصفة الخامسة: الإنفاق في سبيل الله

    خامساً: وَالْمُنْفِقِينَ [آل عمران:17]. ينفقون ماذا؟ أوقاتهم في مشاهدة التلفاز والفيديو وألعاب الكرة والأضاحيك ومجالس الباطل وقصائد المشايخ.. هكذا؟

    لا والله، بل المنفقون لأموالهم في سبيل الله، فابدأ بنفسك ثم بزوجتك، ثم بولدك، ثم بمن تعول، وما فاض فاحمله إلى غير ذلك، فالمنفقون الإنفاق وصف لازم لهم لا يبرحون في حدود طاقتهم وما يقدرون عليه.

    الصفة السادسة: الاستغفار بالأسحار

    أخيراً: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ [آل عمران:17]، الأسحار جمع سحر، والسحور أكلة السحر تسمى السحور، والسحور ثلث الليل الآخر، في هذا الوقت بالذات هؤلاء يستغفرون الله عز وجل: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10]، رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون:118]، نستغفر الله ونتوب إليه.. نستغفر الله ونتوب إليه، رب اغفر لي وتب علينا إنك التواب الرحيم.. ثلث ليل وهم يستغفرون في الصلاة وخارجها، فهذا الوصف لا زم لهم، في هذا الوقت الذي ينام فيه أصحاب البطالة ويسهرون حتى الثانية عشر أمام التلفاز والحكايات وقراءة المجلات والصحف ثم يصرعون ولا يستيقظون إلا مع طلوع الشمس، في هذا الوقت هؤلاء يلهجون بالاستغفار.

    واسمعوا إلى هذه الجائزة العظيمة، يقول صلى الله عليه وسلم: ( إذا مضى ثلث الليل الأول نزل الرب جل جلاله وعظم سلطانه إلى سماء الدنيا ونادى: أنا الملك.. أنا الملك، هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ وذلك حتى يطلع الفجر )، فيا ويح النائمين يومئذ، أو ساعئذ.

    والاستغفار من ألفاظه: سبحانك اللهم لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

    ومن الاستغفار: رب ظلمتُ نفسي وإن لم تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين.

    ومن الاستغفار: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

    استغفروا الله يغفر لكم، وصلى الله على نبينا محمد.