إسلام ويب

تفسير سورة آل عمران (55)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن النصر وإن كانت له عوامله من كثرة العدد من المقاتلين، وقوة العدة والعتاد، إلا أنه بيد الله وحده، فقد ينصر الضعيف ويخذل القوي، لذا وجب تحقيق ولاية الله تعالى أولاً قبل إعداد العدة، وتحقيق هذه الولاية يكون بالإيمان والصبر والطاعة التامة لله ولرسوله، ثم التوكل على الله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليلة التي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال -فداه أبي وأمي- صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة ) وهي واضحة، فهل هناك ضوضاء ولغط وأصوات؟ السكينة واقعة، ( إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة )، فأين العذاب؟ والله إنها لرحمة، ( وحفتهم الملائكة )، ولو كنا نقوى على رؤيتهم والله لرأيناهم يطوفون بالحلقة، ( وذكرهم الله فيمن عنده )، وهذه التي تعدل الدنيا وما فيها، أي: أن يذكرنا ملك الملوك، رب السموات والأرض في الملكوت الأعلى، فمن نحن وما نحن حتى يذكرنا؟! ولكن منته علينا، وفضله وإحسانه إلينا، رزقنا الإيمان، وهدانا إلى كتابه وتلاوته ودراسته في أعظم بيت من بيوته، فاللهم له الحمد، وها نحن مع سورة آل عمران عليهم السلام، وها نحن مع قول ربنا جل ذكره بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ [آل عمران:124] منزَلين: اسم المفعول، بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ [آل عمران:125-127].

    خلاف المفسرين في وقت وسبب نزول هذه الآيات

    قول ربنا: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:124]، يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: اذكر يا رسولنا -إذ هو الذي ينزل عليه القرآن ويخاطبه- الوقت الذي تقول للمؤمنين: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ [آل عمران:124]، فهل وقع هذا في أحد أو في بدر؟

    أهل التفسير منهم من يقول: كان هذا في أحد، لما لم يصبروا ويتقوا حرمهم ذلك، أي: يريدون أن يقولوا: لما كان المؤمنون -أقلية- سبعمائة نفساً والمشركون كذا ألفاً، عند المواجهة طمأنهم الله عز وجل على لسان رسوله، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: لم تخافون أو ترتعدون؟ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا [آل عمران:124-125]، فلما لم يصبروا ولم يتقوا، ولم يطيعوا أمر رسول الله، ما نزلت الملائكة، وإنما نزلت المصيبة والهزيمة بهم.

    ولذلك كونها نزلت في بدر أولى؛ لأن المؤمنين كانوا ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، والمشركين كانوا ألفاً تقريباً، لكن في بداية المعركة أُعلن أن كرز بن جابر المحاربي قد أمد قريشاً بكذا ألفاً من المقاتلين، وهو في الطريق إليهم، فارتعدت نفوسُ المؤمنين، واحتاجوا إلى من يحملهم على الصبر والثبات، فأنزل الله تعالى على رسوله هذه الجمل، فقال لهم -أي: للمؤمنين- في بدر: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ [آل عمران:124] أيها المؤمنون! أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ [آل عمران:124-125]، أي: كرز بن جابر المحاربي ورجاله، مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ [آل عمران:125]، لكن كرز بن جابر فشل وانهزم قبل مجيئه إلى بدر، فمن ثم لم يمدد الله إلا الألف المقاتل من الملائكة كما جاء في سورة الأنفال؛ إذ قال تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9]، فهذه الألف نزلت على الخيول مسومة، أي: على رؤوسها ريش أو عمائم صفر كما يفعل المقاتلون؛ ليظهروا وليفزعوا عدوهم، فقاتلت الملائكة، وكان جبريل عليه السلام يقودهم على فرس، وتمت هزيمة المشركين في بدر.

    واسمع السياق: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:124] لما اضطربوا وقالوا: إن كرز بن جابر المحاربي جاء بآلاف المقاتلين إمداداً لقريش، فقال لهم: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ [آل عمران:124]، أي: ربكم بهذا العدد الذي جاء أو يجيء، أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى [آل عمران:124-125] يمدكم، إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا [آل عمران:125]، والفور من فار القدر، يعني: على الفور بدون تراخي، يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران:125] أي: معلِّمين أنفسهم، فلما عاد كرز ورجع بجيشه ولم يسعف قريشاً في جيشها، ما أنزل الله تعالى الثلاثة ولا الخمسة؛ لأنها بشرط: إن يأتوكم من فورهم هذا، فلما لم يأتوا ما أنزل الله الملائكة.

    ثم قال تعالى لهم: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ [آل عمران:126]، وإلا لو شاء الله لنصركم بكلمة: انتصروا، ولهزم المشركين بكلمة: انهزموا، لكنها سننه في الخلق، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الذي لا يمانع فيما يريد، الغالب الذي لا يقهر بحال من الأحوال، الْحَكِيمِ [آل عمران:126] الذي يضع كل شيء في موضعه، فالنصر من عنده، ويفعل ذلك، لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، أي: يبيدهم ويهلكهم، أَوْ يَكْبِتَهُمْ ، أي: يذلهم ويهينهم ويعودوا خاسئين أذلا، وقد فعل؛ إذ قتل سبعون وأسر سبعون، وأذل الله المشركين أعظم ذل عرفوه، فرجالاتهم وصناديدهم قتلوا وأسروا.

    مرة أخرى أعيد الآيات فاسمعوا: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:124]، وكلمة: (للمؤمنين) تعرفون مغزاها؟ أي: الصحيحي الإيمان الصادقين في إيمانهم، وهم الثلاثمائة وعلى رأسهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.

    إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ [آل عمران:124]، وقال لهم هذا -الرسول- لما ارتعدوا وقالوا: كرز بن جابر جاء بجيش عرمرم يؤيد به أبا سفيان، وهو في الطريق إليهم، فلما رأى الرسول هذه الحال في المعسكر قال لهم: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ [آل عمران:124]، أي: ينزلهم الله من الملكوت الأعلى، بَلَى أي: يمددكم، إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ [آل عمران:125]، أما إذا ما صبرتم ولا اتقيتم وهربتم من الآن قبل وصول الإمداد ما يعطيكم شيئاً، إن تصبروا على ملاقاة العدو مواجهته، وتتقوا الله فلا تخرجوا عن نظام الجهاد وما يتطلب من الصبر وعدم الهزيمة.

    وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران:125] معلِّمين أنفسهم بعلامات يُعرفون بها، ثم قال لهم لما لم يأت كرز: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [آل عمران:126]، لمَ يفعل هذا؟ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران:127]، أو يذلهم ويهينهم ويردهم خائبين، فمن قتل قتل، ومن رجع رجع ذليلاً منهزماً.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    الآن نسمعكم شرح معاني الكلمات أو المفردات كما هي في الكتاب.

    شرح الكلمات

    قال: [ شرح الكلمات:

    قوله: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ : الاستفهام إنكاري، أي: ينكر عدم الكفاية -كيف لا يكفي ثلاثة آلاف؟- ومعنى يكفيكم: يسد حاجتكم ] ولا بأس أيضاً أن يكون الاستفهام تقريري؛ لأن (بلى) تدل على هذا، وهو صالح للوجهتين.

    قال: [قوله: أَنْ يُمِدَّكُمْ أي: بالملائكة عوناً لكم على قتال أعدائكم المتفوقين عليكم بالعدد والعتاد ]، إذ ما مع الرسول إلا فرس واحد.

    قال: [قوله: الْمَلائِكَةِ: واحدهم ملأك، وهم عباد الله مكرمون مخلوقون من النور، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون ]، وهذا اعتقاد المؤمنين في الملائكة، فهم عباد الله مكرمون، أكرمهم خالقهم، فخلقهم من مادة النور، ولا يعصون الله ما أمرهم، فإذا أمرهم بشيء فعلوا، ولا يعرفون المعصية؛ لأنهم مطبوعون على طاعة الله، فيفعلون ما يؤمرون بفعله.

    قال: [قوله: بَلَى: حرف إجابة، أي: يكفيكم.

    مُسَوِّمِينَ: معلمين بعلامات تعرفونهم بها ]، ومعلوم أن الأبطال فيما مضى كانوا يعملون ريشاً على عمائمهم، على رؤوس خيلهم؛ ليظهروا القوة بهذا التسويم والتعليم.

    قال: [ وقوله: إِلا بُشْرَى لَكُمْ: البشرى: الخبر السار الذي يتهلل له الوجه بالبشر والطلاقة ]، يقال: بشرني فلان بكذا، أي: أخبرني بخبر مفرح وسار فتهلل له وجهي وانطلق، وضده الكآبة والحزن.

    قال: [ قوله: لِيَقْطَعَ طَرَفاً: الطرف: الطائفة ] من الجيش، قال: [ يريد ليهلك من جيش العدو طائفة ] وقد فعل.

    قال: [ قوله: أَوْ يَكْبِتَهُمْ: أي: يخزيهم ويذلهم ] يقال:كبته، إذا أذله وأخزاه.

    قال: [ قوله تعالى: فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ: يرجعوا إلى ديارهم خائبين لم يحرزوا النصر الذي أملوه ] وقد خابوا فعلاً.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات ] وهي أربع آيات، قال: [ ما زال السياق -أي: سياق الكلام- في تذكير الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بما تم لهم من النصر في موقف الصبر والتقوى في بدر ]؛ لأن السياق يحمل المؤمنين على ألا يوالوا الكافرين ولا يودونهم ولا يرهبونهم ولا يخافونهم، إذ إنهم متى صبروا واتقوا فلن يضروهم شيئاً وإلى يوم القيامة.

    قال: [ فقال: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ عندما بلغهم وهم حول المعركة أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين برجاله يقاتلون معهم، فشق ذلك على أصحابك يا رسولنا، فقلت لهم: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى أي: يكفيكم، إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا أي: من وجههم ووقتهم هذا ]، فلما لم يأتوا ما أنزل الله الملائكة، ما أعطاهم الخمسة ولا الثلاثة؛ إذ قيد هذا بقيد: يأتوكم من فورهم هذا [ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ بعلامات وإشارات خاصة بهم، ولما انهزم كرز قبل تحركه وقعد عن إمداد قريش بالمقاتلين، لم يمد الله تعالى رسوله والمؤمنين بما ذكر من الملائكة، فلم يزدهم على الألف الأولى التي أمدهم بها لما استغاثوه في أول المعركة؛ إذ جاء ذلك في سورة الأنفال في قول الله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ] أي: تطلبون الغوث والغياث، ونحن نسمع دائماً العوام يقولون: فلان يستغيث بسيدي فلان، وهذه استغاثة الضلال والهابطين، فيقولون: يا سيدي يا فلان أنا في كذا، جئتك من كذا، أنا في حماك، أغثني، اسأل الله لي، مع أن الاستغاثة لا تكون لغير الله؛ لأنه لا يقدر عليها إلا الله، فالضائع الذي يأتي إلى ضريح، أو إلى قبر، أو إلى شجرة، أو إلى مقام ويصرخ: يا سيدي فلان، أنا في كذا، أنا في حماك! لو وقف ألف سنة والله ما أُغيث، ولا يسمعه من يستغيث به، لا فاطمة ولا رسول الله ولا فلاناً ولا علاناً، والرسول صلى الله عليه وسلم ما أعلمنا إلا بشيء واحد، وهو أن من سلم عليه في قبره رد الله عليه روحه ليرد السلام عليه، أما أن تقول: يا رسول الله امرأتي مريضة! يا رسول الله ولدي فصلوه من العمل! كل هذا هراء وباطل.

    وللأسف نجد الضلال والجهال يقفون أمام الأضرحة: أعطني، افعل لي كذا.. وهذا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام المحنة في الروضة، والمشركون يناوئونهم، والمنافقون يكيدون لهم، واليهود ينابذونهم العداء، فتململوا وقالوا: هيا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم -الاستغاثة جائزة- أي نقول له: يا رسول الله، خلصنا من هذه الفتنة، فسمعهم صلى الله عليه وسلم وهم يقولون ذلك، فأعلن صوته من وراء الستار فقال: إنه لا يستغاث إلا بالله، إنه لا يستغاث إلا بالله، استغيثوا بربكم، أي: اطلبوا منه تعالى الغوث يغثكم، فهل استغاث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بربهم أم بنبيهم؟ بربهم.

    إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ [الأنفال:9] أي: خالقكم ورازقكم، وهاديكم إلى هذا النور، ومعطيكم هذا الكمال.

    قال: [ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ فهذه الألف هي التي نزلت فعلاً وقاتلت مع المؤمنين، وشوهد ذلك وعلم به يقيناً، أما الوعد بالإمداد الأخير فلم يتم ] لم؟ قال: [ لأنه كان مشروطاً بإمداد كرز لقريش، فلما لم يمدهم لم يمد الله تعالى المؤمنين، فقال تعالى: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ أي: الإمداد المذكور، إلا بشرى للمؤمنؤن تطمئن به قلوبهم، وتسكن له نفوسهم، فيزول القلق والاضطراب الناتج عن الخوف من إمداد كرز المشركين بالمقاتلين، ولذا قال تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ العزيز، أي: الغالب ] الذي لا يمانع في شيء أراده، قال: [ الحكيم: الذي يضع النصر في موضعه، فيعطيه مستحقه من أهل الصبر والتقوى، لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وقد فعل، فأهلك من المشركين سبعين ] صنديداً، قال: [ أو يكبتهم، أي: يخزيهم ويذلهم، إذ أسر منهم سبعون ] منهم: عقبة بن أبي معيط، فقد أُسر هذا الخبيث وقتل في الطريق، وهو الذي جاء بسلا الجزور -مذبوحة عند الصفا- بقيوحها ودمائها فوضعه على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد يصلي حول الكعبة، والمشركون والله يضحكون حتى وقعوا على الأرض، وإذا بجويرية كلؤلؤة تمشي، وهي فاطمة بنت خديجة بنت محمد صلى الله عليه وسلم الهاشمية، فأزالت السلا عن أبيها ونظرت إلى المشركين فسبتهم ولعنتهم، إذ إنهم لا خير فيهم ولا مروءة، أيرضون هذا بنبيهم صلى الله عليه وسلم؟! فما استطاعوا أن يتكلموا بكلمة واحدة؛ لأنها طفلة صغيرة، فهبطوا وخابوا وخسروا.

    قال: [ وقد فعل -جل جلاله وعظم سلطانه- فأهلك من المشركين سبعين، أو يكبتهم، أي: يخزيهم ويذلهم؛ إذ أُسر منهم سبعون، وانقلبوا خائبين لم يحققوا النصر الذي أرادوه ].

    وإليكم الآيات مرة أخرى، فاسمع يا عبد الله: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أي: في بدر، والذي يخاطبهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ إنه يقول لهم: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران:124-125]، فلم يمددهم ربهم بِخمسة آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَة؛ لأنه ما تحقق الشرط، وهو أن يأتوكم من فورهم هذا، أي: ما جاء كرز ولا رجاله، إذاً فلا داعي إلى إنزال الملائكة، أما الألف الأولى التي سألوا الله وأعطاهم فهي موجودة معهم يقودها جبريل عليه السلام.

    بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ، ليس معناها: أنه قد يمدنا بخمسة آلاف، وبالتالي فلنفرح ولنستبشر، بل لا بد من الصبر على طاعة الله ورسوله، والتقوى الملازمة لذلك، إذ لو ما صبروا واتقوا وجاء كرز برجاله والله ينهزمون؛ لأنه لا يمدهم الله إلا بهذا الشرط: إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [آل عمران:125-126]، العزيز يقدر على النصر، وهو الغالب الذي لا يغلب، الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه.

    لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ [آل عمران:127] أي: ذليلين خاسرين.

    هداية الآيات

    بعد معرفة معنى الآيات، هيا نستنبط ونستخرج منها درراً نتزين ونتحلى بها، نستخرج منها مبادئ سياسية وعسكرية؛ لأننا عرضة للحرب من الإنس والجن، فنحن في حاجة إلى الهداية الإلهية، فلا توجد آية خالية من الهداية، إذ ما أنزلها الحكيم إلا لحكمة.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم: [ من هداية الآيات:

    أولاً: بيان سبب هزيمة المسلمين في أحد، وهو عدم صبرهم، وإخلالهم بمبدأ التقوى، إذ عصى الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلوا من الجبل يجرون وراء الغنيمة، هذا على تفسير أن الوعد بالثلاثة آلاف وبالخمسة كان بأحد -كما قدمت لكم- وكان الوعد مشروطاً بالصبر والتقوى، فلما لم يصبروا ولم يتقوا لم يمدهم بالملائكة الذين ذكر لهم ]، واذكروا كلمة علي بن أبي طالب : القرآن حمال الوجوه، فالآية في أحد وفي بدر، أي: أنها نزلت في أحد ثم نزلت في بدر تذكرهم بها، وذلك لما خافوا من كرز ورجاله، فالقرآن حمال الوجوه؛ لأنه موجز مختصر، إذ لو كان القرآن كالتفسير لم يحفظه أحد ولم يحمله أحد.

    مرة أخرى: قال: [ بيان سبب هزيمة المسلمين في أحد ]، ما سبب هزيمتهم؟ [ وهو عدم صبرهم، وإخلالهم بمبدأ التقوى، إذ عصى الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ]، وكانوا خمسين رامياً [ ونزلوا من الجبل ] لما شاهدوا المشركين هاربين تاركين أموالهم وغنائمهم، فقالوا: نحن أيضاً ندخل مع إخواننا ونحصل على الغنائم، ونسوا قول الرسول: ( لا تبرحوا مكانكم هذا، لنا أو علينا )، ولولا أنه أدبهم وهزمهم لكانوا في أية معركة -وأمامهم معارك إلى يوم القيامة- يقولون: ما دام الله قد أمرنا فانفعل كذا.

    يذكر الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار -وهو يفسر هذه الآيات- أنه رأى في المنام أن النبي صلى الله عليه وسلم على بغلته وهو راجع من أحد، والمسلمون وراءه في كرب وهم وحزن، والرسول يقول: لو خيرني ربي بين النصر والهزيمة لاخترت الهزيمة؛ لأنهم لو انتصروا مع عصيانهم للرسول وخروجهم عن الطاعة والآداب لاتخذوا هذا سلماً، وفي كل معركة لا يبالون إذا عصوا القيادة وخرجوا عن طاعتها.

    قال: [ ثانياً: النصر وإن كانت له عوامله ]، ومن هذه العوامل: [ من كثرة العدد وقوة العدة، فإنه بيد الله تعالى ]، إذ إن الله تعالى قال: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:126].

    قال: [ فقد ينصر الضعيف ويخذل القوي ] كما فعل في بدر، فقد نصر الضعفاء وخذل الأقوياء.

    قال: [ فلذا وجب ]، ماذا وجب علينا؟ [ تحقيق ولاية الله تعالى أولاً ] قبل أن نقاتل اليهود أو البريطانيين أو الروس، قبل أن نقاتلهم يجب أن نحقق ولاية الله أولاً، فهل نحن أولياء أو لا؟ إن وجدنا أنفسنا أولياء الله حينئذ نقاتل، وإن لم نحقق ولاية الله، وملكنا الهيدروجين والذرة والصواريخ ما انتصرنا، ولا تقولوا: ماذا هناك؟! نحن أقوى منهم فلنقاتلهم، فأقول: هل قد انتصرنا على اليهود؟ هذه الشلة الهابطة التي هي من أذل الخلق، إذ لا أذل منهم إلى اليوم، إذا انتهر الجزائري يهودياً في بيت فإنه يهرب، وقد عرفنا هذا من العمال، ووجدتُ ذلك أيضاً في دولة فرنسا، فإذا اختلف اليهودي مع الجزائري، وانتهر الجزائري اليهودي والله يذل ويهرب، وصدق الله إذ يقول: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ [البقرة:61]، فمن يمح هذه الذلة، من يزيلها؟ لكن على شرط أن نكون أولياء الله، فهل العرب والمسلمون أولياء الله؟ فلنسأل، وهيا بنا نمشي إلى القاهرة المعزية، إلى دمشق، إلى بغداد، إلى كراتشي، إلى مراكش وغيرها من البلدان الإسلامية، ونسأل أهل البلاد ونقول لهم: من فضلكم دلونا على ولي من أولياء البلاد، والله ما يدلونكم إلا على ضريح أو قبر، ولا يفهمون ولياً حياً بين الناس، وإنما كلهم أعداء الله! فلا إله إلا الله!

    كذلك تدخل أي مدينة وتقول لمن تلقاه في أول الطريق: أنا جئت أريد أن أزور ولياً من أولياء الله، والله ما يعرف ولياً في تلك العاصمة إلا ميتاً، وعليه قبة خضراء أو بيضاء، والأزر التي يضعونها على قبره، والناس عنده عاكفون راكعون! فهذا هو الولي عندهم.

    إذاً: حققنا عملياً أننا لسنا بأولياء، والبرهنة على ذلك: كيف يذلنا اليهود ويقهروننا وهم لا يساوون واحداً إلى ألف، ولا أعني بهذا أنه لا يوجد بيننا ولي لله تعالى، بل يوجد أفراد، لكن الأمة التي قاتلت اليهود ما فيهم أولياء، ولذلك حقق الولاية ثم قاتل الأبيض والأصفر، أما وأنت لا ولاية لك مع الله فكيف ينصرك؟! حتى لو كنت أكثر منه عدداً وعدة؛ لأنه إذا نصرك معناه أنه قد خانك وغشك، والمؤمنون في أحد بعدما عصوا لو نصرهم الله لغشهم وخانهم.

    قال: [ النصر وإن كانت له عوامله من كثرة العدد من المقاتلين، وقوة العتاد والعدة، فإنه بيد الله تعالى، فقد ينصر الضعيف ويخذل القوي، فلذا وجب تحقيق ولاية الله ]، لما كان النصر قطعاً بيد الله وجب تحقيق ولاية الله حتى ينصرنا، وإن لم نحقق ولاية الله، فنسبه ونكفر به ونشرب الخمر ونتعاطى المحرمات، ثم نقاتل اليهود واليونان! والله ما ننتصر، وهذا هو الواقع، فكم من معركة دارت بين العرب واليهود في سنوات متعددة ولم ينتصر فيها العرب، ولم يطردوا فيها اليهود، بل آخر ضربة احتلوا فيها مدينة القدس.

    قال: [ فلذا وجب تحقيق ولاية الله تعالى أولاً قبل إعداد العدة، وتحقيق الولاية يكون ] بماذا؟ هل لأنه مسلم؟ لا، وإنما تحقيق الولاية يكون بالإيمان الحق الذي دائماً نقول: اعرضه على القرآن، فإن وافقه وأمضاه فهو إيمان وإلا فهو ضلالة، أيضاً بالصبر، والصبر حبس النفس حتى لا تعصي الله ورسوله، لا بترك واجب ولا بفعل حرام، والصبر على الابتلاء والامتحان الإلهي، فإذا ابتلاك وامتحنك إنما ليرفعك، وليهيئك للكمال.

    قال: [ وتحقيق الولاية يكون بالإيمان والصبر والطاعة التامة لله ولرسوله، ثم التوكل على الله عز وجل ].

    قال: [ ثالثاً: ثبوت قتال الملائكة مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر قتالاً حقيقياً -والله العظيم-لأنهم -أي: الملائكة- نزلوا في صورة بشر يقاتلون على خيول، وعليهم شاراتهم وعلاماتهم، ولا يقولن قائل: الملك الواحد يقدر على أن يهزم ملايين البشر، فكيف يعقل اشتراك ألف ملك في قتال المشركين وهم لا يزيدون عن الألف رجل -إياك أن تقول- وذلك أن الله تعالى أنزلهم في صورة بشر، فأصبحت صورتهم وقوتهم قوة البشر، ويدلك على ذلك ويشهد له: أن ملك الموت -ملك الموت عما قريب سيزورنا- لما جاء موسى في صورة رجل يريد أن يقبض روحه ضربه موسى عليه السلام ففقأ عينه، وعاد إلى ربه ولم يقبض روح موسى عليهما معاً السلام. من رواية البخاري ].

    إذاً: لما ينزل الله الملائكة في صورة بشر، تصبح طاقاتهم وقدراتهم قدرة البشر، لكن لو أنزل الملائكة في صورتهم الحقيقية فإن الواحد منهم سيقلب مدناً على ظهرها، والدليل القاطع على ذلك: لما جاء ملك الموت عزرائيل عليه السلام في صورة إنسان إلى نبي الله موسى عليه السلام ليمتحنه، فقال له الملك: أنا ملك الموت جئت لقبض روحك -وموسى كما تعرفون طويل وقوي، فقد لَكَم مرة قبطياً حتى قتله، ثم تاب إلى الله واستغفره- ففقأ موسى عين الملك، وعاد الملك يبكي إلى الله، وقال: يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فقال له الله: ارجع إليه وقل له: إن ربك يقرؤك السلام، ويقول لك: إذا كنت لا تريد الموت فضع يدك على مسْك ثور -أي: جلد ثور- ولك بكل شعرة عاماً، ثم عرف موسى وقال: ثم ماذا؟ فقال ملك الموت: ثم الموت، فقال موسى: إذاً الآن، وسلَّم نفسه، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لو كنت بصحراء سيناء لأريتكم قبره عند كثيب الرمل في المكان الفلاني.

    وبالتالي كيف تردون على من قال: إن هذه خرافة؟! كيف ألفاً من الملائكة يقاتلون ألفاً من المشركين؟

    والجواب: أن الله أنزلهم في صورة بشر، وبالتالي فهم في طاقة بشر، وفي قدرة بشر، سواء بسواء، والدليل على ذلك مجيء ملك الموت -على جلالته- في صورة إنسان لقبض روح موسى عليه السلام، ففقأ موسى عين الملك.

    وصلى الله على نبينا محمد.