إسلام ويب

تفسير سورة آل عمران (39)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن القرآن الكريم ما ترك شيئاً تتوقف عليه سعادة العالمين في الحياتين الأولى والآخرة إلا بيّنه، وجاءت السنة النبوية مفصلة لما أجمل، وما من شيء ينفع العباد ويهمهم في أمر معاشهم ومعادهم إلا بيّنه لهم عليه الصلاة والسلام، فاجتمع للناس النبراسان الأكملان، باتباعهما والأخذ بهما ينال العباد السعادة والغفران، وبالإعراض عنهما وتنكب طريقهما يتحقق للناس الشقاوة والخسران.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات، إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل.

    وبالأمس كنا مع هذا النداء الإلهي الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:100-101].

    عظمة تأثير القرآن والسنة في أتباعهما

    ما زلنا مع هذا النداء معاشر الإخوان والأبناء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فالمنادي هو الله، وسبحان الله! هل الله هو الذي نادانا؟ إيه وعزته وجلاله.

    كيف بلغنا هذا النداء؟

    الجواب: بلغنا من طريق وحيه إلى رسوله، فقد نبه رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بغراء حراء، ثم أرسله رسولاً للعالمين، بعد أن بلغ من العمر أربعين من السنين، وأنزل عليه كتابه القرآن العظيم، وهذا الكتاب ما قدرته البشرية حق قدره.

    وهذا الكتاب الحاوي لمائة وأربعة عشر سورة، وهذا القرآن العظيم ما ترك شيئاً تتوقف عليه سعادة العالمين في الحياتين الأولى هذه والآخرة الآتية إلا بينه، واقرءوا: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89]، وهذا أبو هريرة صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم يقول اسمعوا: ( علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء )، أي: ما ترك شيئاً يكفل شهادتنا ويبعدنا عن شقائنا وخسراننا إلا علمه، ( حتى علمنا الخراءة ) أي: علمنا كيف نخرأ.

    والبشرية اليوم تعيش بعيدة كل البعد عن هذه التعاليم الإلهية، ففقدوا هذا النور وعاشوا في الظلام.

    نعم ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك شيئاً تحتاج إليه أمته المؤمنة به إلا بينه، حتى كيف تجلس لقضاء حاجتك بينه والله العظيم، فكيف إذن بالسياسة في الداخل والخارج، وكيف بالاقتصاد.

    وكلمة واحدة ما أخذ بها عبد وافتقر قط، وقد تكلم صلى الله عليه وسلم بمئات الآلاف، وكلامه صلى الله عليه وسلم من يوم أن أوحي إليه كل كلامه حكم وعلوم ومعارف.

    وائتني بكلمة من كلامه لا تحمل هدى أو حكماً؛ ومن ذلك قوله: ( ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد )، فالذي يقتصد في طعامه وشرابه وكسائه ومركوبه ومسكنه لا يفتقر أبداً، والفقر يصيب الذين لا يقتصدون، والشاهد عندنا في كلمة واحدة من ملايين الكلام: ( ما عال من اقتصد ).

    وقد جربت هذا، وهدانا الله إليه، والآن نيفنا على ثلاث وسبعين سنة وما سألت أحداً ديناراً ولا درهماً قط، ولا مددت يدي لأتناول ما لا يحل لي، وسر هذا الاقتصاد، فإن رزقت ريالاً أنفق بحسب الريال، وإن رزقت عشرة أنفق بحسب العشرة، والشاهد عندنا فقط في كلمة واحدة لم يستطع أحد أن يلفظها غير رسول الله: ( ما عال من اقتصد ).

    إذاً: هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم اختاره الله .. اصطفاه .. اجتباه .. انتقاه من أصلاب الآباء والأمهات؛ من إسماعيل بن إبراهيم إلى جده عبد المطلب إلى والده عبد الله ، فما اختلط بشيء اسمه زنا، فنطفة حفظها الله عدة قرون؛ هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

    هذا الذي قال واصفه: إنه لأشد حياء من البكر في خدرها، فالبكر غير الثيب تكون في خدرها مخدرة فيه محجوبة تستحي أن تقول كلمة أو يسمع صوتها رجل، وقد كان الرسول أشد حياء من البكر في خدرها، وما واجه أحداً من أصحابه وقال: لم قلت أو لم فعلت؟ وما لطم امرأته بيده.

    وهذا تلميذه أنس بن مالك الأنصاري لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة جاءت به أمه وقالت: هذا ابني يخدمك يا رسول الله في البيت، وقد كان ابن سبع سنين أو ثمان، فخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، يقول رضي الله عنه: ( خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال لي يوماً في شيء فعلته: لم فعلت هذا؟ أو في شيء تركته: لم تركت هذا أبداً ).

    وأنتم ماذا تفعلون بنسائكم وأولادكم؟

    للأسف يوجد الضرب والشتم والطلاق!

    كيف هذا؟! ولا يحل لمؤمن أن يروع مؤمنة، ولا يحل لمؤمن أن ينظر نظرة شزراً إلى مؤمن؟!

    أين نحن؟

    الحمد لله نتبجح، لعلكم تقتدون: لقد أقمت مع أم أولادي تغمدها الله برحمته ستين سنة تقريباً، والله ما لطمتها بيدي، ولا قلت لها يوماً: أنت طالق أو إن فعلت كذا فأنت طالق، ولا قلت لها كلمة تغضبها أبداً.

    وتبلغنا الأخبار عنكم معاشر المستمعين! السب والشتم والطلاق.. فلا إله إلا الله، أين يذهب بنا؟

    إلى مسارح الباطل والظلام، والعلة الجهل، فما ربينا في حجور الصالحين، فكيف إذاً نستقيم؟! كيف نهتدي؟! كيف نتهيأ لرضا الله تعالى وحبه؟!

    الطريق القويم هو طريق تلقي الكتاب والحكمة

    الطريق كما ذكرنا في قوله تعالى: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [آل عمران:101] أي: من أين يأتيكم الكفر وكيف يصل إلى قلوبكم والمناعة كاملة والحصانة تامة، وهما أنكم تتلقون الكتاب والحكمة كل يوم وليلة، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101]؟

    فمن هنا لا حل لمشكلتنا ولا مخرج لنا من ظلمتنا، ولا طمع في أن نسود ونقود كما ساد أسلافنا وقادوا البشرية إلا إذا عدنا لتلقي الكتاب والحكمة فقط، فلا مذهبية ولا طائفية ولا وطنية ولا حزبية ولا جمعية، مسلمون فقط.

    وهل كان على عهد رسول الله مذهب حنفي .. مالكي .. أباضي .. زيدي .. إمامي .. شافعي ..؟

    لا والله لا يوجد إلا أمة الإسلام.

    وهل كان على عهد أصحاب رسول الله مذهب وطائفة؟

    والله لا يوجد.

    وهل كان على عهد أحفاد رسول الله وأبناء أصحابه طائفية؟

    الجواب: لا، مسلمون فقط.

    فعرف هذا العدو كما علمتم وأبعدنا عن الكتاب والحكمة، وأبعدنا عن القرآن والسنة بمكر من أشد أنواع المكر، حيث حول القرآن إلى الموتى والمقابر، وهجروا السنة.

    وأعطيكم مثالاً في الديار الجزائرية فأيام كنا بها كان بعض الجزائريين يجلسون في محراب الجامع الكبير، ويقرءون صحيح البخاري للبركة لا ليتعلموا حكماً شرعياً أبداً، فقط يقرءون صحيح البخاري للبركة، وجئنا المدينة مهاجرين، فوجدناهم في تلك الروضة كل رمضان كان أعيان البلاد ورجالات المدينة يجتمعون حلقة عظيمة ليقرءوا صحيح البخاري للبركة إلى هذا العام، وليس فيهم من يرد يقول: لا.

    فهل السنة والحكمة النبوية تقرأ للبركة؟ أيعقل هذا الكلام؟ إيه لقد عقلوه، يقرءون حدثنا .. حدثنا .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يسأل عن حكم لا في الآداب والأخلاق ولا السياسة المالية، ولا الاقتصاد والحرب ولا السلم.. أبداً.

    إذاً: ذبحنا رسول الله وأقبرنا القرآن.

    وهذا مكر الثالوث الأسود: المجوس واليهود والنصارى، ومازال هذا العدو متعاوناً مع بعضه بعضاً، لا يريدون أن تلوح أنوار الإسلام كما لاح الصليب، وعرفوا كيف يتحكمون بنا تحكماً كاملاً.

    فإن قلنا: هيا نعصهم.

    قالوا: لا نستطيع يا شيخ.

    قلنا: لم؟ هل وضعوا الرشاشات على أبوابنا؟ لا لا، كيف لا نستطيع؟ أنعجز أن نبرهن وندلل على أننا مسلمون، ثم في حينا نحن آل المدينة من مدننا الإسلامية يتصل بعضنا ببعض، نقول: هيا نعود.

    اسمعوا يا أبنائي ويا إخوتي! من غدٍ لا يتخلف رجل ولا امرأة، والكل إذا دقت الساعة السادسة مساء يتطهر ويتوضأ ويحمل امرأته وأولاده إلى بيت ربه .. إلى المسجد الجامع، فإذا أتيت متأخراً تمر بالحي لا تجد دكاناً مفتوحاً، لا حلاقاً ولا تاجراً، ولا مطعماً ولا مقهى أبداً، فإذا سألت: أين أهل المدينة؟ يقولون لك: في بيت الرب، سبحان الله! في بيت الرب؟ إي والله، وهذه الكلمة ترعب الشياطين، وتصيبهم بالخذلان: أهل القرية كلهم في بيت الرب!

    ويصلون المغرب كما صلينا، ويجلسون جلوسنا هذا، إلا أن النساء وراء الستار محتجبات، والأولاد الصغار صفوف بيننا وبين أمهاتهم كالملائكة لا يلتفتون، ونتلقى الكتاب والحكمة، والكتابُ موجود محفوظ بحفظ الله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، ألف وأربعمائة سنة وخمسة عشر عاماً، ولم يستطع العدو مهما تلون أن يحذف حرفاً واحداً فضلاً عن كلمة أو جملة من كلام الله، والله لولا الله ما بقي إلى اليوم.

    أين التوراة؟ (75%) كذب.

    أين الإنجيل؟ الإنجيل الواحد حولوه إلى خمسة أناجيل، فبعد أن فضحوا اجتمعوا في روما وجعلوا الأناجيل خمسة وثلاثين إنجيلاً، ثم لما تفطن لهم الأذكياء وعابوهم وعيروهم اجتمعوا اجتماعاً آخر وجمعوها في خمسة أناجيل، بمعنى: أن كلمة الله خمسة من أربعة، والأربعة كذب وتضليل، فلهذا ضل النصارى ضلالاً بعيداً.

    والمسلمون على ما أصابهم وحل بهم كتاب الله بين أيديهم ما نقص منه حرف واحد ولا تغير له معنى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قيض لها أيضاً رجالاً؛ فحموها وحفظوها وصانوها، وما يمر بهم حديث إلا وعرفوه هل هذا من النبوة المحمدية أو من كذب الكاذبين.

    إذاً: أهل القرية في مسجدهم الجامع أو أهل الحي في حي مدينتهم، إذا اجتمعوا على الكتاب ليلة والسنة أخرى، لا يكفرون أو يرتدون أو يفسقون أو يفجرون؛ لأن الله خالق القلوب ومصرفها قال: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101]، فمن أين يأتي الكفر، ونقول: من أين يأتي الفجور والفسق والظلم والشر والخبث والفساد؟! ويصبح أهل القرية كأسرة واحدة، لا فرق بين أبيض وأسود ولا أحمر وأصفر، ولا عربي ولا عجمي، ولا صغير ولا كبير ولا غني ولا فقير، يتلقون الكتاب والحكمة.

    سلوني: كيف تصبح تلك القرية؟

    قلنا مرات: لو ظهرت في الآفاق لحججناها وزرناها كما تزار مكة؛ لنشاهد آثار الكتاب والحكمة كيف حولت الإنسان إلى شبه ملك، ونعم إي والله، لا يقوى على أن يقول كذبة، بل يجوع ثلاثة أيام ولا يمد يده لمال غيره.

    فالكتاب والحكمة هو الطريق، وأهل القرية عندما اجتمعوا سنة وهم يدرسون قال الله وقال رسوله، هل بقي فيهم من يقول: أنا مذهبي كذا؟ هل بقي فيهم من يقول: أنا حزبي كذا؟ هل بقي فيهم من يقول: أنا من جماعة كذا؟ هل بقي فيهم من يقول: أنا من وطن كذا؟ والله لم يبق لهذا وجود، وعدنا كما بدأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الطريق.

    والبلاد التي فيها فتن دائرة اليوم بسبب الجهل وسوء التصرف والتدبير، فنقول لهم: اصبروا عاماً .. عامين حتى تنطفئ نار فتنتكم، وعودوا إلى بيوت الله عز وجل بنسائكم وأطفالكم ورجالكم، أغنيائكم وفقرائكم، علمائكم وجهالكم، أمة واحدة لا مذهبية ولا طائفية ولا حزبية.

    والبلاد التي هي الآن آمنة ولا تمنع من دخول المسجد ولا الاجتماع فيه، ولا تعلم الكتاب والحكمة في بيوت الله لم ما تأخذ هذا الطريق وما المانع؟

    الجواب: لا مانع إلا الأهواء والشهوات والأغراض، وقدر الله نافذ.

    وهذا الحديث يا معاشر المؤمنين والمؤمنات هو معنى قوله تعالى: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101]، فنقول: كيف تفسقون أو تفجرون أو تظلمون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله؟ والرسول وإن مات فسنته .. تعاليمه .. هدايته .. هداه موجود مع القرآن، وما من آية إلا ويفسرها لك حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    سر مناداة الله لأهل الإيمان

    هكذا نادنا مولانا جل جلاله وعظم سلطانه بعنوان الإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران:102]، وهنا سر يخفى على الكثيرين: لماذا ما قال: (يا أيها الناس)، ولم ما قال: أيها المسلمون، إنما قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران:102]، أي: يا من آمنت بالله رباً وإلهاً وبالقرآن هداية ونوراً وبمحمدٍ نبياً ورسولاً، وبالإسلام ديناً؟

    السر هو أن المؤمنين أحياء، والكافرين أموات.

    اسمعوا معاشر الحجاج والزوار، وإن شئتم حلفت لكم بالله: المؤمن بحق يسمع إذا ناديته .. يعقل إذا خاطبته .. يعطي إذا طلبته .. يمنع إذا نهيته؛ لكمال حياته، والكافر ميت.

    تريدون دليلاً أو لا؟

    أيام كنا سائدين وحاكمين، وتحتنا أهل الكتاب من يهود ونصارى أو من يسمون بالذميين، هل كنا نأمر الذمي بأن يصلي؟ والله ما نأمره، هل كنا نأمر الذمي بأن لا يشرب خمراً؟ لا لا. هل كنا نأمر الذمي بأن يصوم؟ هل كنا نقول له: اخرج وجاهد معنا؟ والله ما كان، لماذا؟ لأنهم أموات وليسوا بأحياء، وإن قلت: يأكلون ويشربون وينكحون فالحمير والخيول والبغال والدجاج كذلك، فالحياة التي صاحبها إذا ناديته سمع النداء .. إذا علمته علم .. إذا قلت: افعل، فعل، وإذا قلت: اترك ترك، هذا هو الحي، فهذه حقيقة تأملوها وعودوا بها إلى دياركم، فالإيمان هو الحياة، وإن ضعف ضعفت الطاقات البشرية، وبقدر ما يضعف إيمانك يا عبد الله تضعف طاعتك لله ورسوله، وبقدر ما يزيد إيمانك ويرتفع منسوبه بقدر ما تقوى وتقدر على الطاعة، وإن كانت الطاعة تدعوك إلى الخروج من مالك كله، أو تقديم نفسك فداءً لله، ولهذا يجب أن نحقق إيماناً وأن نرعاه رعاية كاملة حتى لا ينقص ولا يضعف أبداً، ويزيد الإيمان ويقوى على الطاعة.

    سبحان الله، طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ينتجها الإيمان، وتلك الطاعة تزيد في طاقة الإيمان والله العظيم، وقم في ليلتك وتوضأ وصل ركعتين وابك يرتفع منسوب إيمانك إلى ما فوق المائة وتسعين، يزيد على طول، ولولا إيمانك ما قمت في آخر الليل ولا صليت، فالإيمان يأخذ ويعطي، لا إله إلا الله!

    وهذا هو السر في نداء الله لنا بعنوان الإيمان؛ نادانا تسعة وثمانين نداء: (يا أيها الذين آمنوا).

    ولِمَ ينادينا؟

    ينادينا ليأمرنا بفعل أو اعتقاد أو قول، وما من شأنه يزيد في طاقة إيماننا، ويؤهلنا لكرامة الدنيا وسعادة الآخرة، أو ينادينا لينهانا عما من شأنه أن يثبطنا أو يقعد بنا عن الكمال، أو يحرمنا السعادة في الدنيا والآخرة، أو ينادينا ليبشرنا فتنطلق أعضاؤنا تعمل بسرعة وتتزود من صالح الأعمال، أو ليحذرنا من عواقب سوء حتى نتجنب تلك العواقب ونبتعد عنها؛ لأننا أولياؤه، والله لا يرضى أن يؤذى وليه أو يخسر أو يتحطم أو يشقى، وحاشى لله، أو ينادينا ليعلمنا علوماً ومعارف من شأنها تزيد في طاقات إيماننا، وتزيد في أعمالنا وتزيد في سعادتنا.

    إذاً الله عز وجل ينادينا ليأمرنا وينهانا ويبشرنا وينذرنا ويعلمنا؛ لأننا أولياؤه، واسمعوا أبو هريرة في صحيح البخاري يروي لنا عن أبي القاسم فداه أبي وأمي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل، يقول: ( قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )، أي: أعلنت الحرب عليه، فيا ويلك يا عبد الله، ويا ويلكِ يا أمة الله أن تؤذي ولياً من أولياء الله، فمن آذى ولياً في عرضه .. في دمه .. في ماله، فقد تعرض لأن يعلن الله الحرب عليه، ومن يعلن الله الحرب عليه مستحيل أن يحارب الله وينتصر.

    دور الثالوث الأسود في تغيير مفهوم الولاية لله

    عرفتم الثالوث الأسود: اليهود والنصارى والمجوس، فلما عرفوا ما عرف المؤمنون: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ) فأصبح أهل القرية أو أهل المدينة أو المسافرون في سفرهم لا يؤذي أحدهم أخاه، ولو بكلمة نابية، فلم يبق ظلم ولا زنا ولا فجور ولا خيانة، ولا ولا، لأنهم أولياء الله، فكيف إذاً: يؤذي ولي الله ولي الله؟ مستحيل، فقالوا: نستطيع أن نقلب حالهم فيصبح بعضهم يأكل بعضاً ويذبح بعضهم بعضاً، ويزني رجالهم بنسائهم، كيف؟

    قالوا: نحصر الولاية في الموتى! فلا ولي بيننا، لكن الولي من مات وبنينا على قبره قبة خضراء أو بيضاء، ووضعنا على قبره تابوتاً من أغلى أنواع الخشب، ووضعنا على الخشب أزر من الحرير، فهذا ولي الله .. هذا الذي يحلف به .. هذا الذي ينذر له النذور .. هذا الذي ترتعد فرائصنا إذا تعرضنا لأذاه، أما الأحياء فاسرقهم واكذب عليهم، وسبهم، واشتمهم، وازن بنسائهم، ولا شيء عليك.

    وأقول: هذه الكلمات تقال في هذا المسجد من أربعين سنة، ولو تدخل إلى القاهرة ذات الملايين من العلماء والمؤمنين، وتدخل وتقول لأول من تلقاه في الطريق من المطار أو من القطار: يا سيد! أنا جئت من بلاد أريد أن أزور ولياً، فوالله ما يأخذ بيدك إلا إلى قبر، ولا يفهم أن هناك الملايين في القاهرة من الأولياء الأحياء.

    وما نقوله في القاهرة نقوله في إسطنبول .. في كراتشي .. في مراكش .. في تونس .. في الجزائر .. في العراق .. في اليمن .. في المملكة قبل عبد العزيز فقط. وقبل عبد العزيز وأولاده، والله ما يفهم أن ولياً في السوق بين الناس، إلا من مات وضربت عليه القبة وعُبد من دون الله.

    من خط هذه الخطة؟ من وضع هذا المنهج؟

    إنه الثالوث، فقد شاهدونا إخوة لا يسرق مؤمن مؤمناً، ولا يكذب مؤمن على مؤمن، ولا يفجر مؤمن بنساء مؤمن، سبحان الله!

    فقالوا: كيف نفعل معهم؟

    قالوا: نحول الولاية منهم إلى موتاهم، وبعيني وأذني وأنا طفل حدث مثل هذا في القرية، كان هناك مشايخ يتحدثون قالوا: فلان كان إذا زنا لا يمر بضريح سيدي فلان! وإذا زنا في قرية لا يستطيع أن يمر على شارع أو زقاق فيه قبر سيدي فلان، فانظر، يحارب الله والمؤمنين ويفجر بنساء المؤمنين ولا يخاف الله ولا يبكي ولا ترتعد فرائصه، ويخاف من الولي الميت، فما يمر بالشارع الذي فيه قبره!!

    والقضاة عندنا كان إذا رفعت إلى القاضي قضية يقول: ( والبينة على المدعي واليمين على من أنكر )، هذه الكلمة وضعها أبو القاسم، وقضاة العالم كلهم لا يستطيعون أن يخطئوا هذه: ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر )، فبكلمة واحدة قام القضاء عليها؛ لتعرفوا من هو رسول الله، فيجيء الرجل إلى القاضي يقول: فلان سرقني، يقول: هات البينة، يقول: ما عندي، لكن أنا أعرف أنه سرق شاتي وذبحها، ما هناك بينة احلف، أنت تعترف أو لا؟ قال: أنا ما سرقت، احلف، قال: أنا أحلف، قال: احلف بالله، والله .. والله .. سبعين مرة ما سرقت، يقول الخصم: يا سيادة القاضي! هذا يحلف بالله مرة، لكن قل له يحلف بسيدي عبد الرحمن، أو بمولاي فلان، فلما يقال له: اسكت لا تحلف بالله فأنت متعود على الكذب، لكن احلف بسيدي فلان! فيخاف ولا يستطيع!

    قلنا للقضاة: لم؟ قالوا: ماذا نصنع؟ نحن نحافظ على أموال الناس وحقوقهم.

    قلنا لهم: لم تقبلون اليمين بغير الله، قالوا: اليمين بالله يحلفونها لأنهم جهال؛ لكن إذا قلت له: احلف بسيدي عبد القادر يقول: لا، ما يستطيع.

    فانظر إلى أين وصلنا، فأصبحنا نعبد الأولياء عبادة كعبادة الله.

    كذلك أمي رحمة الله عليها، وأنا كهذا الغلام قبل أن أعرف التوحيد، كان عندها خصومة أخوها مع امرأته؛ فمرت بقبة على جبل قالت: يا سيدي فلان! إذا كان انتصر أخي في الخصومة على زوجته أفعل لك كذا وكذا!

    وهذا الأمر من وجود النذور للأولياء عام من إندونيسيا إلى موريتانيا، فيأتي بالكبش ويقدمه لسيدي فلان، ومعنى هذا أننا عدنا إلى الجاهلية والشرك الأول، إي والله، وسبب هذا أنهم أبعدونا عن الكتاب والسنة، فغشانا الجهل وغطانا، ووضعوا لنا هذه المحنة فحولنا إلى عبدة الأوثان.

    ومن قال: هذا ليس بصحيح، نقول له: استعمر العالم الإسلامي وحكمته بريطانيا وإيطاليا وأسبانيا وفرنسا وبلجيكا، فكيف الموحدون المسلمون يحكمهم الكافرون، وماذا تصنع بقول الله: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141]، أيكذب الله؟ أبعد هذا تقول: أعطني دليلاً على هذا، فأصبحنا وثنيين، وحسبك أنه يحلف بالله سبعين مرة كاذباً ولا يحلف بسيدي عبد القادر صادقاً أو كاذباً.

    مفهوم الولاية الحقيقية لله

    نعود إلى أولياء الله، تعرفون عنهم شيئاً؟

    جاء من سورة يونس عليه السلام ما بين هود والتوبة، جاء قول الله عز وجل: أَلا [يونس:62] أداة استفتاح للحديث وتنبيه للمحدث، بمعنى: أنت واعٍ تسمع؟ فهذه تركناها مع القرآن، فلا نفهم له معنى، إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، لا خوف عليهم لا في الدنيا، ولا في القبر ولا يوم القيامة، ولا حزن ينتابهم لا في دنياهم ولا في أخراهم.

    ولا تظن أن هذا الكلام ليس بصحيح، فقد رأينا ولي الله يدفن أولاده وهو يبتسم ولا يعرف الحزن، ويفقد كل شيء من جيبه ولا يحزن.

    يقول: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] هؤلاء أولياء الله، من هم أولياء الله؟ سيدي عبد القادر .. إدريس .. العيدروس .. البدوي ، وقد علمنا هذا الخبراء الفنيون أهل الكتاب الثالوث الأسود: اليهود والنصارى والمجوس.

    ما السر؟

    أبعدونا عن الكتاب والحكمة، فقالوا: نجهلهم أيضاً في قضية الولاية حتى يصبح المسلمون يشيع بينهم الزنا .. اللواط .. السرقة .. الكذب .. الغش .. الخداع .. الربا، والباطل بطريقة واحدة، ما هي هذه الطريقة؟

    قالوا: نعلمهم أنهم ليسوا أولياء الله، فأعداء الله يأكل بعضهم بعضاً، أما أولياء الله من يستطيع أن يسب واحداً منهم أو يشتمه أو يتعرض له، كيف لا وهم يتقربون إليهم في مدينة من مدننا العربية: سيدي فلان! إذا جاء الزوار كما بلغني لا يأتون إلى الضريح يمشون؛ إنما يأتونه حبواً، وقد بينت لكم أن الواحد منهم أمام القاضي يحلف بالله سبعين مرة ولا يبالي ولا يحلف بالولي.

    إذاً: سلبونا ولاية الله وأضفوا علينا ثوب أعداء الله، إذاً: فليأكل بعضنا بعضاً من خلال السرقة .. الخيانة .. الغش .. الكذب، حتى الرجل يضرب امرأته، ويضرب ولده، والله يقول: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ).

    معشر المستمعين والمستمعات! هل يجوز الآن يا من علمت أن تنظر إلى مؤمن وتقول له: اسكت يا كلب .. امش يا خنزير كما كنت تقول؟ والله لا تستطيع.

    هل تستطيع أن تمر بامرأة مؤمن وتأخذ تنظر في امرأته من رجليها إلى رأسها؟ والله لا تستطيع أن تؤذي هذا المؤمن.

    ولو سقط من جيبه دينار أو مليار هل تستطيع أن تأخذه وتسكت؟ والله ما كان.

    والسر أنهم أبعدونا عن الله، فأصبحوا أولياء للشياطين، وتركنا ولاية الرحمن جل جلاله وعظم سلطانه.

    وإليكم بيان هذه الولاية، يا من يرغب في ولاية الله يرفع يده، الليلة تضفى عليك وتصبح من أولياء الله.

    قالوا: لا نستطيع يا شيخ، تريد أن تقول لنا: لا تكذبوا، لا تسرقوا.. لا.. لا، لا نستطيع.

    إذاً: ترضون بأنكم أعداء الله؟

    اسمع بيان الله للولاية والأولياء، لما أعلن ذلك الإعلان: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، كأن سائلاً يقول: من هم أولياؤك يا رب؟ فهذه الجملة مستأنفة استئنافاً بياناً واقعة في جواب سؤال، فلما أعلن هذا الإعلان العظيم: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، تتطلع النفوس: من هم أولياؤك يا رب؟ فأجاب تعالى بقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، فقط لا عربي ولا عجمي ولا شريف ولا وضيع، ولا في الأولين ولا في الآخرين، فقط آمن واتقى وواصل التقوى المتجددة.

    فهؤلاء آمنوا حق الإيمان، وكانوا طول حياتهم يتقون سخط الله وغضب الله، بحيث لا يتركون واجباً أوجبه، ولا يفعلون حراماً حرمه قط، فهؤلاء هم أولياء الله، ومن منكم يرغب أن يكون منهم؟ قولوا: كلنا، إننا والله لمنهم.

    فهؤلاء آمنوا الإيمان الحق، وعاشوا طوال حياتهم يتقون الله، فلا يقولون كلمة كفر، ولا ينظرون نظرة تسخطه، ولا يأخذون ريال لا يرضاه يعيشون على التقوى.

    وكيف تعرف نفسك أنك ولي الله؟

    قال تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64]، وإياك أن تشك: لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ [يونس:64]، وفسر النبي صلى الله عليه وسلم البشرى بقوله: ( الرؤيا الصالحة يراها أو ترى له )، فالبشرى في الحياة الدنيا رؤيا منامية صالحة يراها هو أو يراها عبد صالح ويبلغه ما رأى، أما عند سياق الموت فسوف يشاهد مواكب الملائكة تزف إليه البشرى ذاتها، واقرءوا: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30] آمنوا واستقاموا: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت:30] هذا تنزل الأفواج فوج بعد فوج، ماذا تقول لهم: أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30]، أما في عرصات القيامة وساحة فصل القضاء: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:103]، سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:73].

    إذاً: يا أولياء الله! إياكم أن تنقضوا هذه الولاية؛ بأن تشتم امرأتك الليلة أو تسبها، أو تنظر إلى مؤمنة مارة في الشاعر وتحملق بعينيك فيها، أو تقضي الساعات بعد الآن مع التلفاز وأنت تشاهد عواهر يغنين ويرقصن أعوذ بالله! أو تسمع صوت كافر في بيتك وهو يتكلم وأنت تنظر إليه، فهذه تتنافى مع ولاية الله أبداً، ولن تكون ولي الله، وإذا لم تتق ما يغضب الله فكيف تحقق الولاية، أليست إيمان وتقوى؟

    يا ابننا الحلاق كيف تحلق في وجوه الرجال أعوذ بالله، هذا ولي الله؟

    يحلق في وجوه المؤمنين من أجل خمسة ريالات وعشرة؟!

    اكتب على الصالون هذا محل تحسين الحلاقة وليس حلق الوجوه، لتكون ولي الله.

    يا من يبيع في دكانه التبغ والسجائر وأنواع الدخان، لمن تبيع هذه؟ لأولياء الله؟ كيف يصح هذا؟

    من الآن بع الحلويات والبطاطس، وأما الدخان فلا تبع.. وهكذا تترقى يا عبد الله حتى تصبح حقاً ولي الله.

    اللهم اجعلنا من أوليائك.. اللهم اجعلنا من أوليائك.. اللهم اجعلنا من أوليائك.. واضفِ علينا آلائك ونعمائك، إنك ولينا وولي المؤمنين.

    وصل اللهم على محمد.