إسلام ويب

تفسير سورة آل عمران (10)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعث الله رسله ليبلغوا دينه، ويقيموا الحجة على عباده، وأيدهم بالآيات والمعجزات، فكان من الناس من آمن بالله وصدق برسالاته، ومنهم من كفر بآيات الله وكذب رسله وآذاهم، حتى بلغ ببعضهم أن قتلوا رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، وقتلوا أتباعهم ممن يأمرون بالقسط من الناس، فتوعدهم الله عز وجل بالعذاب الأليم والخزي يوم القيامة.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده )، فالحمد لله الذي أهلنا لهذا الخير، وربنا على كل شيء قدير.

    أذكركم معشر المستمعين والمستمعات بالآيات الثلاث السابقة، إذ لها نتائج وعبر نريد أن نمر بها إن شاء الله لنجتني عبرها ونعود بنورها في قلوبنا وأبصارنا، اللهم حقق لنا ذلك.

    الثلاث الآيات التي سبقت دراستها قبل اليوم تلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:18-20].

    هداية الآيات

    هذه الآيات الثلاث نتائجها كما قال المصنف: [ هداية الآيات: من هداية الآيات: أولاً: اعتبار الشهادة والأخذ بها إن كانت قائمة على العلم وكان الشاهد أهلاً لذلك بأن كان مسلماً عدلاً ]. الشهادة تعتبر شهادة ويحتفل بها وتقبل إذا كانت قائمة على العلم، وكل شهادة لم تقم على مبدأ العلم وكون الشاهد عدلاً مسلماً فإنها لا تقبل شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ [آل عمران:18]، شهادة الله لأنه العليم بكل الكائنات وهو خالقها، فلم ير من هو أهل لأن يعبد معه فأعلن عن شهادته، شهد الله أنه لا معبود إلا هو، والملائكة يشهدون؛ لأنهم يطوفون بالعوالم كلها، فلو كان هناك من يستحق أن يؤله فيعبد مع الله لعرفوا، فشهدوا والله أنه لا إله إلا الله، وأولوا العلم وعلى رأسهم الرسل والأنبياء والعلماء شهدوا أيضاً، ومن فضيلة شهادتهم أن عطفها الله على شهادته وشهادة ملائكته.

    قال: (أولوا العلم) والذي لا علم لا قيمة لشهادته، تشهد بأن فلان قال أو فعل وأنت لا تعلم شهادتك باطلة، تشهد وأنت غير عدل ولا مستقيم منحرف معوج لا يوثق في شهادتك.

    هل تذكرون تلك اللطيفة؟ وهي: أن العلماء اختلفوا هل تقبل شهادة المقلد أو لا تقبل؟

    قال: سمعت الناس يقولون: لا إله إلا الله فقلت: لا إله إلا الله، ما عندي علم، قد يوجد إله آخر، فهل هذه الشهادة شهادة المقلد تنفع؟ ما تنفع، لا بد وأن يكون بنى شهادته على علم يقيني، وأقل ما يكون: أن نظر إلى الخليقة فوجدها كلها كانت في عدم وأصبحت موجودة، كيف يوجد فيها إله مع الله؟

    ينظر فقط إلى المخلوقات العلوية والسفلية هل هناك من خلق سوى الله؟ لا أحد، لا خالق إلا الله، فلا بد إذاً من أن نخرج بشهادتنا من دائرة التقليد الأعمى.

    ثم ماذا أعطانا الله؟ أن تقول يا عبد الله: أنا لا أقرأ ولا أكتب ولا أستطيع أن أفكر أو أستنتج وأعتبر، أنا حسبي أن ربي شهد فأنا أشهد بشهادة الله، وأن الملائكة شهدوا فأنا أشهد بشهادتهم إذ يستحيل أن يكذبوا، وأن أولوا العلم شهدوا فأنا أشهد بشهادتهم، فهذه في صورة تقليد وفي الواقع والله على علم، فأيما مؤمن يقول: ما دام الله قد شهد أنه لا إله إلا هو والملائكة كذلك وأولوا العلم ومنهم الأنبياء والرسل الكل شهدوا فأنا أشهد بشهادة الله وملائكته وأولي العلم. هذه تنهي التقليد.

    هل تذكرون تلك اللطيفة؟ أن من أخذ يقرأ سورة آل عمران وانتهى إلى هذه الآيات الثلاث، وقال: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودعك اللهم هذه الشهادة فهي لي عندك وديعة ردها إلي يا ربي يوم القيامة، هذا يجاء يوم القيامة به ويقول: إن عبدي كذا وأنا أحق من يفي أدخلوه الجنة.

    إذاً: إذا كنت تقرأ سورة آل عمران وانتهيت بالتلاوة إلى قول الله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18] فقل: وأنا أيضاً وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودعك اللهم هذه الشهادة فهي لي عندك يا ربي وديعة؛ يردها الله تعالى إليك يوم القيامة وتدخل الجنة.

    وقد ذكرت لكم ما روي: أن أحد الطلبة نزل على عالم وسمعه يتلوا هذه الآية ويقول ذلك، فقال: علمني وأطلعني على سرك. فقال: لا أطلعك حتى تمضي عليك سنة وأنت معنا تتعلم، وحبس نفسه عاماً كاملاً، ونحن نعطاها هكذا ولا نبالي؛ لأننا هبطنا، كانوا في علياء السماء ونزلنا إلى الأرض.

    [ ثانياً: شهادة الله ] تعالى [ أعظم شهادة تثبت بها الشرائع والأحكام وتليها شهادة الملائكة وأولي العلم.

    ثالثاً: بطلان كل دين بعد الإسلام وكل ملة غير ملته ] وذلك [ لشهادة الله تعالى بذلك في قوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85] ] أي: ومن يطلب غير الإسلام ديناً يدين به يجزيه به ويثيبه على عبادته فهو باطل.

    وإن قلت: كيف كان الأولون يدينون به لله ويكرمهم وينعم عليهم ويدخلهم الجنة؟

    الجواب: أولاً: تلك الأديان وهي اليهودية والنصرانية.. وما إلى ذلك داخلها الفساد بالزيد والنقصان والتقديم والتأخير فبطل مفعولها فلا تنفع.

    ثانياً: الذي نسخها بهذه الشريعة وأبطل مفعولها وتأثيرها هو الله عز وجل، أوجد في المادة الفلانية فائدة كذا ثم بعد قرون سلبها فأصبحت لا تنفع.

    وأوضح من هذا: أن الحكومة تسن قانوناً للمواطنين فيلتزمونه ويعملون به، ومن يخطئ يعاقب عليه، ثم تمضي سنوات وتنسخه، ويبقى من يعمل به سوى مجنون أو أحمق.

    مادة كانت تعمل بها الدولة وبعد عشرين سنة رأت عدم صلاحيتها فنسختها وأبطلتها، فلا يحتج المواطن ويقول: هذا كان دين، كان شرع في الماضي إلا أن يكون مجنوناً إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85].

    [ رابعاً: الخلاف بين أهل العلم والدين يتم عندما يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة فيتورطون في المطاعم والمشارب، ويتشوقون إلى الكراسي والمناصب، ويرغبون في الشرف، يومئذ يختلفون بغياً بينهم وحسداً لبعضهم بعضاً ].

    سنة الله: الخلاف يقع بين أهل العلم وسببه: البغي والحسد، الطمع في الدنيا، التكالب عليها، يختلفون، هذا يحلل وهذا يحرم، هذه سنة الله عز وجل في خلقه وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [آل عمران:19]، ففي اليهود من آمن أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومنهم من كفر فاختلفوا، فالذين كفروا كفروا حفاظاً على مناصبهم ومكانتهم بين مواطنيهم وإخوانهم.

    والنصارى دخل في الإسلام مئات الآلاف من علمائهم واستمر آخرون على النصرانية لأجل المناصب والدنيا.

    [ خامساً: من أسلم قلبه لله وجوارحه وأصبح وقفاً في حياته على الله فقد اهتدى إلى سبيل النجاة والسلام ].

    من أسلم وجهه وجوارحه لله، الكل لله، (وأصبح وقفاً في حياته على الله) كلامه لله.. سكوته لله.. أكله لله.. بناءه لله.. هدمه لله، كل حياته لله وقف، من وقف هذا الموقف نجا وسلك سبيل السلام.

    [ سادساً: من علق قلبه بالحياة الدنيا وأعرض عما يصرفه عنها من العبادات ] لأن العبادات من شأنها أن تصرف عن كثير من أمور الدنيا[ ضل في حياته وسعيه وحسابه على الله وسيلقى جزاءه ] دل على هذا قول الله عز وجل: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:20]، تولوا عن دعوة الحق وأعرضوا عنها يريدون الدنيا وما فيها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين...)

    معنا هاتان الآيتان الكريمتان تلاوتهما بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران:21-22].

    تأملوا هاتين الآيتين: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:21] وهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، فبشرهم يا رسولنا بعذاب أليم.

    والتعقيب: أُوْلَئِكَ [آل عمران:22] البعداء في الخسران والضلال حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [آل عمران:22] فلم ينتفعوا بها ولم يستفيدوا منها شيئاً وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران:22]، فمن أذله الله من ينصره؟ ومن هزمه الله من ينصره؟

    تأملوا آيات الله نتدارسها: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:21] هؤلاء فَبَشِّرْهُمْ [آل عمران:21] يا رسولنا، فَبَشِّرْهُمْ [آل عمران:21] أيها السامع، بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [آل عمران:21-22] لم ينتفعوا بها وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران:22] لا يوجد لهم من ينصرهم إذا كان الله قد هزمهم وخذلهم وأذلهم.

    رواية ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين...)

    لكي يتضح معنى الآيتين إليكم الرواية الآتية: أخرجها ابن جرير الطبري في تفسيره فتأملوها يتضح لكم هذا المعنى.

    قال: [ روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن أبي عبيدة رضي الله عنه ] أحد العشرة [ قال أبو عبيدة : قلت: ( يا رسول الله! أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ ) ] أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا رضي الله عنهم يسألونه، بل كان صلى الله عليه وسلم يفتح لهم المجال للسؤال، قال: قلت: ( يا رسول الله! أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ ) لأن العذاب فهم وهو أنه بحسب الجرائم، وهو كذلك، فيعظم ويسهل بحسب الإثم، قال: قلت: ( يا رسول الله! أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ ) نستمع إلى جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتلقاه غضاً طرياً وحياً من الملكوت الأعلى، ماذا أجابه [ قال صلى الله عليه وسلم: ( رجل قتل نبياً ) ] رجل قتل نبياً من الأنبياء، والنبي ذكر من بني آدم أوحي إليه من الله عز وجل، فمن قتل نبياً فهو أشد الناس عذاباً يوم القيامة [ ( أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر وقتل ) ] سواء بين من يقتل نبياً وبين من يقتل غير نبي ولكنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر [ ( ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية وهي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران:21] ) ] والقسط هو العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو الخير، ثم قال: [ ( يا أبا عبيدة ) ] وجه هذا النداء رسول الله إلى أبي عبيدة [ ( يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً أول النهار في ساعة واحدة ) ] بنو إسرائيل في عهد من عهودهم لما هبطوا وآثروا الدنيا عن الآخرة قتلوا ثلاثة وأربعين نبياً في أول النهار في ساعة واحدة، قطعوا رقابهم [ ( فقام مائة وسبعون رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله تعالى ) ].

    في هذه الآية، أن المائة والسبعون قاموا وقالوا للذين قتلوا الأنبياء: لم تقتلوهم؟ أمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم عن آخرهم، فتجاوز القتل في ذلك اليوم مائتي نبي وولي من أولياء الله، فلهذا فالآية منطبقة عليهم تمام الانطباق: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران:21].

    رواية القرطبي في تفسير قوله تعالى: (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين...)

    قال: [ وذكر القرطبي في تفسيره الرواية التالية: كل بلدة ] أو إقليم [ يكون فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء ] أيما مدينة أو قرية أو بلد يوجد فيه أربعة رجال فأهله معصومون من البلاء، محفوظون بحفظ الله، لا يصيبهم بلاء في دنياهم فضلاً عن أخراهم، أربعة، فمن هم يا ترى؟

    قال: [إمام عادل لا يظلم ] أولاً: حاكم.. أمير.. شيخ، المهم في ذلك البلد حاكم عادل لا يظلم أحداً. هذا أول الأربعة: إمام عادل.

    ثانياً: [ وعالم على سبيل الهدى ] عالم يعلم الناس الخير ويدعوهم إليه ويساعدهم عليه، متى وجد هذا الشخص أيضاً فأهل القرية مع الإمام العادل ناجون من البلاء سالمون من المحن.

    ثالثاً: [ ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويحرسون على طلب العلم والقرآن ].

    أولاً: إمام عادل. ثانياً: عالم على سبيل الهدى يوضح الطريق وينصر أعلام الهداية. ثالثاً: مشايخ من أهل العلم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويحرسون على العلم والقرآن الكريم.

    رابعاً: [ ونساؤهم مستورات لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ] متى وجدت هذه الأربع فبشر أهل بلادهم بأنهم آمنون من البلاء.

    هل في بلاد العالم الإسلامي هؤلاء الأربعة؟ موجودون عندنا، والله موجودون عندنا في المملكة:

    أولاً: إمام عادل، فهل هناك من يرفع يده ويقول: عبد العزيز أو ابنه فيصل أو خالد أو فهد أخذوا مالي، سلبوني، ظلموني؟ ما بلغنا، وما كان، وهذا هو العدل.

    ثانياً: عالم على سبيل الهدى، فما خلت هذه البلاد من علماء كـمحمد بن إبراهيم وكـابن حميد وكـالباز يدعون على سبيل الهدى.

    ثالثاً: مشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وها هي هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل قرية وكل بلد مشايخ بعمائمهم ولحاهم.

    رابعاً: نساؤهم مستورات لم يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، أنتم ما عرفتم هذا والعدو والله لقد عرف هذا من سنين، وهو يعمل جاهداً على أن ينتهي العدل من هذه البلاد، ويعمل جاهداً والله العظيم على أن لا يبقى علماء من هذا النوع جاهدين على أن ينتهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله يكتبون ويتقززون من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما الحجاب الذي تنعم به هذه الأمة وفقد في العالم إلا من رحم الله فيعملون بكل الوسائل على أن تكشف المرأة السعودية وجهها، ومظاهرات تمت حتى بجدة.

    هذا القرطبي في القرن الرابع يقول: أربع إذا وجدوا في بلد أمن أهله من الفتن والمحن والبلايا:

    الأولى: إمام عادل، سواء كان حاكماً أو شيخاً أو أميراً في القرية، إذا كان عادلاً فهذا أول الخير.

    الثانية: عالم يبين للناس الطريق ويزيل عن أعينهم الغشاوة والعمى؛ ليعرفوا الطريق إلى الله، فبدون علم كيف ننجو ونسلك؟ هذا ضروري.

    الثالثة: مشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويحرصون على العلم والقرآن العظيم؛ حتى ما يفقد ويضيع.

    رابعاً: نساء مستورات لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى.

    لعلكم ما اطمأنت نفوسكم إلى ما قلت لكم، والله لكما أقول، انزع من ذهنك معنى الجهل وعدم البصيرة، يعملون ليل نهار أن لا يبقى هذا الحجاب في نسائنا، بالوسائل المتعددة، من الأفلام إلى الأقلام، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يوجد في العالم إلا في هذا البلد، وهم يجرون بالوسائل ولولا الله لكانوا أسقطوا الهيئة، ما يريدونها، فالحمد لله، نقول هذا ليبلغ عنا الخبراء أن على هذه الحكومة أن تحافظ على هؤلاء الأربعة ليستمر أمنها وطهارتها وصفاؤها.

    أولاً: العدل في كل من يلي أمر البلاد، حتى شيخ القرية يجب أن يكون عادلاً.

    ثانياً: أن لا يخلو بلد من عالم رباني يعلم الناس الهدى ويرشدهم إلى ما فيه رضا الله عز وجل.

    ثالثاً: لا بد من رجال يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في كل قرية وفي كل مدينة، مهمتهم إذا رأوا منكراً غيروه، وجدوا معروفاً متروكاً أمروا به حتى يفعل.

    والأخيرة: الحجاب، يتغنون يكيدون يمكرون فلا نسمع، فالمرأة لا تخرج كاشفة عن وجهها ولا محاسنها، وإن غضب العالم بأسره.

    وهناك ما رواه غير واحد: [ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قيل: ( يا رسول الله! متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ) ] صاحب سأل كما سأل أبو عبيدة : ( من أشد الناس عذاباً يوم القيامة؟ )، هذا قال: ( متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يا رسول الله؟ )، الجواب [ ( قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم من قبلكم ) ].

    إذا ظهر فيكم أيها المسلمون ما ظهر في الأمم من قبلكم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصدق رسول الله فمن إندونيسيا إلى بريطانيا انتهى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأننا استغربنا وأصبحنا غربيين، ما نسمح لرجل يقف أمامي يقل لي: صل، أو: يا فلانة غط وجهك، ما نسمح بهذا؛ لأن الغرب ما يفعل هذا، وكأن رسول الله شاشة أمامه يشاهد أحداث العالم فيها، عجب.

    [ قال: ( يا رسول الله! متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم من قبلكم. قلنا: يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا؟ ) ] يتابعونه سؤال وجواب [ ( قلنا: يا رسول الله! وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: الملك في صغاركم ) ] الحكم في أيدي صغاركم؛ لأن الحاكم يصدق أن يكون تجاوز الخمسين على الأقل، المفروض ستين وسبعين، أما حدث ما زال يلعب ويسند إليه الأمر لا يفلح [ ( قال: الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم ) ] الكبار يزنون ويفجرون [ ( الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالتكم ) الرذالة: كحثالة ] العلم يوجد في حثالة الناس.

    إذا حصلت هذه انتهى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووقع هذا فعلاً، وهو غيب يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وتمضي القرون متتالية ولا بد وأن يتحقق، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    معنى قوله تعالى: (يكفرون بآيات الله)

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران:21] هذا خبر إلهي جاء بالمضارع في (يكفرون، ويقتلون، ويؤمرون)، فلم ما قال: (إن الذين كفروا بآيات الله وقتلوا)؟

    الجواب: لنتصور الواقع كأنه حاضر بين أيدينا، ولعلم الله تعالى أن هذا سيتكرر على مدى الحياة، (إن الذين يكفرون) اليوم أو غداً أو بعد ألف سنة.

    فما معنى: (يكفرون بآيات الله)؟ وما هي آيات الله؟

    علمنا أولاً: أن هذا اللفظ يشمل المعجزات التي يظهرها الله على أيدي نبيه، إذ كل معجزة آية، أي: علامة بارزة على أن من ظهرت على يده فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جحد الآيات اليهود والنصارى بالمدينة وأبوا أن يؤمنوا بالمعجزات المحمدية.

    ثانياً: الآيات التنزيلية القرآنية سواء في التوراة أو الإنجيل أو القرآن، تلك الآيات علامات على الحق والعدل وعلى وجود الله عز وجل وألوهيته الحاملة لشرائعه وأحكامه.

    إذاً: الكفران به معناه جحودها والتكذيب بها وبما تحمله من هدى، فالذي يكذب بآية واحدة من كتاب الله كفر ومأواه جهنم وبئس المصير، والذي يكفر بحكم واحد يقول: لا أعترف بالزكاة. والله كفر، أو يقول: لا أعترف بهذا الصيام. كفر، أو يقول: لا أعترف بقطع يد السارق ولا أقره. كفر.

    إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ [آل عمران:21] هذه الجريمة الأولى.

    والثانية: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران:21].

    وهل هناك نبي قتل بحق؟ مستحيل، فهو معصوم فكيف يرتكب ذنباً يقتل به، ولكن من باب تقبيح قتل الأنبياء.

    الجريمة الثالثة: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:21]. من هم الذين يأمرون بالقسط من الناس؟

    الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، العلماء العارفون بآيات الله وشرائعه، إذا أمروا بالعدل والحق والخير والمعروف قتلوهم كما فعل بنو عمنا اليهود، وفعله المسلمون في شتى العصور.

    معنى قوله تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم)

    قوله: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ من الذي يبشرهم؟ وهل العذاب بشرى تزف إليهم؟

    هذا فيه معنى التهكم وهو أشد لذاعة وآلم في النفس من ضرب الجسد؛ لأن هؤلاء موجودون على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فبشرهم يا رسولنا بخبر من شأنه أن يغير بشرة وجوههم فتسود وتكلح فَبَشِّرْهُمْ [آل عمران:21] بماذا نبشرهم يا رب؟ قال: بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران:21].

    أتدرون ما العذاب؟

    العذاب: كل شيء يزيل عذوبة حياتك فهو عذاب، موت أبيه عذاب يزيل عذوبة طعامه وشرابه في تلك الأيام، وكل ما يزيل عذوبة الحياة فهو العذاب، الذي يزيل ويبعد عذوبة الماء الحلو هو العذاب أو الطعام الشهي هو العذاب.

    والأليم الموصوف بشدة الإيلام والإيجاع، أي: شديد الإيلام والإيجاع، هذا صالح أن يكون في الدنيا وفي الآخرة، وقد تم لهم في الدنيا أيضاً، فالذين كفروا بآيات الله وقتلوا النبيين وقتلوا الآمرين بالمعروف نزلت بهم البلايا، أما في اليهود فلا تسأل، وفي النصارى أشد أيضاً.

    فبشرهم بعذاب موجع أولاً في الدنيا وأخيراً وثانياً في الآخرة، ولو أراد الآخرة لقال: فبشرهم بعذاب أليم يوم القيامة، لكن أطلق؛ لأن هذا يناله الناس في دنياهم وأخراهم.

    قد تقولون: بين لنا وأعطنا صورة يا شيخ؟

    فأقول: لما حكمتنا بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وأسبانيا والبرتغال وفعلوا بنا الأعاجيب كان ذلك عذاباً بسبب ذنوبنا، فهو عذاب في الدنيا، وينتظرنا آخر غداً إن لم نرجع إلى الطريق السوي ونسلك سبيل الله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين)

    قال تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران:22].

    قوله تعالى: أُوْلَئِكَ [آل عمران:22] أشار إليهم بلام البعد (أولئك) أي: البعداء في الشقاوة والخسران.. في الضلال والكفران أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ [آل عمران:22].

    معنى قوله تعالى: (حبطت أعمالهم)

    ما معنى: حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ [آل عمران:22]؟ بطلت، ما نفعتهم أعمالهم في الدنيا من البناء والتعمير والأموال، كل ذلك ما أفادهم شيئاً في الآخرة، كفرهم وشركهم وعباداتهم كلها بطلت ولم تنفعهم شيئاً.

    حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [آل عمران:22] معاً، ولذا كان العذاب أيضاً في الدنيا والآخرة.

    إحباط الشرك للعمل في الدنيا والآخرة

    هل تدرون ما الذي يحبط العمل في الآخرة؟

    بلا شك هو الشرك بالله عز وجل، فالشرك مبطل للعمل محبط له، لو يعبد صاحبه ربه ألف سنة وهو راكع ساجد صائم قائم ثم يفعل شركاً اعتقده أو قاله أو عمله يبطل ذلك العمل كله ويتبخر ويتلاشى.

    ما الدليل؟

    أولاً: قول الله عز وجل على لسان عيسى بن مريم، عيسى ابن البتول عليه السلام يخطب الناس من بني إسرائيل في حفل عظيم كما حكاه الله عنه في سورة المائدة فقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72].

    سبحان الله! كيف بلغنا هذا؟ عيسى خطب في بني إسرائيل واعظاً معلماً فمن نقل إلينا هذا؟

    قولوا: الله! فالحمد لله، هذا كتابه المشتمل على كل المعارف في الدنيا والآخرة، كأننا حاضرون مع بني إسرائيل، بيان رسمي ألقاه عيسى، اسمعوا: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72]، فأي ظلم أعظم من الشرك؟

    ما وجه ذلك؟

    أنت تظلم أخاك فتأخذ دابته، تظلم أخاك فتفسد عليه زوجته لتتزوجها، تظلم أخاك فتسلب ثوبه، هذا ظلم والذي يأخذ حق الله بكامله ويصرفه لمخلوق من مخلوقاته فأي ظلم أبشع من هذا؟

    يعلم أن الله ما خلق الخلق إلا ليعبد، فهو سر وجود الحياة بكاملها، علة الوجود بكامله أنه أراد تعالى أن يذكر ويشكر، والعبادة ما خرجت عن الذكر والشكر، فخلق الجنة والنار والعوالم كلها، وخلق الإنس والجن من أجل أن يذكر ويشكر، فإذا ترك العبد ذكر الله وشكره خسر خسراناً أبدياً، لن يخرج من عالم الشقاء أبداً؛ لأن جريمته قومناها، جريمته كأنما نسف الكون كله.

    تعرفون جريمة من لم يعبد الله؟ القضاة بكم يقدرونها؟ جريمته كأنه نسف السماوات ومزق الأرض والخليقة والجنة والنار كل ذلك أبطله. هذه جريمته.

    كم يعذب من مليار سنة؟ فلهذا أهل الشرك خالدين فيها أبداً، فما هو قتل نفس ولا جماعة أو إحراق مدينة، هذا الخلق كله دمره؛ لأن الله ما خلق هذا الخلق إلا ليذكر هو ويشكر.

    إذاً: أعظم الظلم هو الشرك؛ لأنك تسلب حق الله وتعطيه للشيطان، فأعوذ بالله منك يا عبد الله! تأخذ حق الله الملك الحق وتعطيه لعدو الله؟!

    عرف هذا ذاكم العبد الحبشي النوبي لقمان الحكيم، عرف هذا ولم نعرفه يا أهل القرآن، أجلس طفله بين يديه يعظه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] هذه قالها لقمان من بلاد الحبشة.

    ولما نزلت آية الأنعام واحتار الصحابة وارتبكوا: ( من منا لم يظلم يا رسول الله؟ ) وهي قوله تعالى: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام:81] فأي الفريقين نحن أم أنتم أيها المشركون أحق بالأمن من عذاب الله فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام:81] أجاب الله بنفسه فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا [الأنعام:82] أي: لم يخلطوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]فهم أحق بالنجاة من النار، الذين آمنوا ثم لم يلبسوا إيمانهم بظلم.

    لما نزلت هذه الآية احتار الصحابة وجاء وفدهم إلى رسول الله وقال: ( أينا لم يظلم نفسه يا رسول الله؟ ) إذا كان لا نجاة إلا لمن لم يظلم نفسه فأينا ما يظلم؟ فقال: ( ليس الأمر كما علمتم، ألم تسمعوا إلى قول لقمان الحكيم: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] )، فالظلم المانع من دخول الجنة هو ظلم الله، أن تأخذ حق الله الذي أوجبه بخلقك ورزقك وحياتك وتعطيه لغيره.

    صور من الشرك

    معشر المستمعين! هل تعرفون عن الشرك شيئاً؟

    لا تعرفون، إذاً: أعلمكم؟

    تسأل أحدهم: هذه النخلة لمن؟ فيقول: هذه نخلة سيدي عبد القادر . لم؟ حتى يبارك البستان بما فيه.

    تسأل: هذا التيس لمن؟ فيقول: هذا التيس لسيدي عبد القادر .

    عبدوا عبد القادر والبدوي وإدريس .. وكل الأولياء، وفاطمة والحسين أيضاً، فكل من يعطي حق الله لمخلوق فقد عبد ذلك المخلوق وأشرك بعبادة الله هذا المخلوق.

    الذي يقف ويقول: يا سيدي عبد القادر .. يا رسول الله .. يا فاطمة .. يا رجال البلاد، أنقذوني، أنا أستشفع بكم، فقد جعلهم مثل الله يسمعون كلامه ويعرفون حاله ويقدرون على إلجائه أو إعطاء سؤاله، سواء بسواء.

    ومن قال: لم؟ نقول: كيف ينادي بقلبه ولسانه ويطلب وتقول: لا لا، هذا تناقض ، فالذي يقول: يا سيدي فلان المدد المدد، والعوام يقولون حتى لرسول الله، لو كان بينهم لأدبهم أو سلط عليهم عمر ، يقولون: يا رسول الله المدد! الغوث أغثنا.

    انصرفوا عن الله وأقبلوا على غيره، فكيف يرضى الله بهذا وهو ما خلقهم إلا لعبادته، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    اسمعوا! في تلك الحجرة الطاهرة كان النبي صلى الله عليه وسلم وجماعة من الصحابة بجواره في المسجد، وكان منافق يتسلط عليهم في بداية الإسلام في السنة الأولى أو الثانية، فقالوا: هيا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الكافر المنافق، فسمعهم صلى الله عليه وسلم وقال لهم: ( إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله )، واقرأ في القرآن: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ [الأنفال:9].

    وهذا رجل يتكلم فقط مع الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: ( ما شاء الله وشئت يا رسول الله، قال: لا، ما زدت أن جعلتني لله نداً قل: ما شاء الله وحده )، الرجل بنيته قال: ما شاء الله وشئت يا رسول الله، فغضب الرسول وقال: لا تقل هذا، قل: ما شاء الله وحده، فكيف تسوي مشيئة الله بمشيئة العبد؟

    سمعهم يحلفون بالسيد فلان وحقي ورأس كذا، فصعد صلى الله عليه وسلم على المنبر فخطب وقال: ( ألا إن الله ورسوله ينهيانكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ).

    ومرة أخرى قال: ( من حلف بغير الله فقد أشرك ). ومرة قال: ( فقد كفر ).

    كيف هذا يا رسول الله؟

    الجواب: نسيت ربك، نسيت من بيده أمرك، نسيت من رزقك بيده، نسيت العليم الحكيم، نسيت العليم الخبير.. نسيت نسيت، وتقول: على المخلوق، وتقول: أحلف به، أين ذهب بعقلك؟

    ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) أي: في تعظيم الله فعظم سواه، كفر لأنه غطى الله وجحده ولم يحلف به وحلف بمخلوق من مخلوقاته.

    ولما رآهم متورطين لحداثة إيمانهم وإسلامهم بين لهم أنه ما يشرع لأحد أن يقول: (واللات).

    آخر يقول: (والعزى)، عاش خمسين عاماً يحلف بهما والآن يتوب، ففي يوم واحد لا يستطيع يبقى يجري على لسانه.

    وآخر يقول: تعال أقامرك، جماعة مكة؛ لأنهم يعيشون على القمار، تعال أقامرك، فيجري على لسانه، فنظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحادثة كيف يعالجها؟ هم لا يقصدون ذلك ولكن تجري على ألسنتهم؛ لطول ما لازموها، فوضع قاعدة نفعنا الله بها وانتفع بها المؤمنون الذين يحضرون هذه الحلقة كثيراً وهي اسمع: ( من حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله تمحها ).

    أنت تعودت أن تحلف بسيدي عبد القادر ، جرى على لسانك ولا تقصد فقل: لا إله إلا الله تمحها.

    ( ومن قال لأخيه: تعال أقامرك فليتصدق )، بريال.. بحفنة تمر تمحو ذلك؛ لأنه لا يريد أن يقامر، لكن لطول ما لعب القمار يجري على لسانه: تعال أقامرك، فالعلاج صدقة، وما حددها لتكون نافعة من الكبير والصغير، ( ومن حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله ).

    إذاً: إخواننا المصريون ونحن معهم اعتادوا على قول: (والنبي)، يجيء الرجل يسألني وأنا على الكرسي فيقول لي: (والنبي) ما قلت كذا؟ يقول: والنبي ما نزيد، والنبي لا أزيد مرة ثانية.

    فلم ينفعنا شيء أكثر من هذه القاعدة، من قال: (والنبي) يقول: لا إله إلا الله؛ لأن الإنسان إذا اعتاد شيئاً لا يتركه بسهولة، بل يحتاج إلى زمن، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم هذه القاعدة: من حلف بغير الله فليقل: لا إله إلا الله تمحو تلك السيئة، ومن قال لأخيه: تعال نلعب القمار يتصدق بصدقة.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.