إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 70للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينادي الله سبحانه وتعالى عباده ليخبرهم بأنهم إن نصروه تعالى ونصروا رسوله ودينه فإنه ينصرهم في كل معركة يخوضونها مع أعدائه وأعدائهم من الكفار والمشركين الذين فرض قتالهم، وذلك بتأييدهم وخذلان عدوهم، وجمع كلمتهم، وتشتيت شمل أعدائهم، وتثبيتهم وزلزلة قلوب خصومهم.

    1.   

    نصرة الله وما تثمره من نصرة لعباده المؤمنين وفي بيان خسران الكافرين وتعاستهم وضلالهم

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم. آمين.

    هذا هو [ النداء السابع والستون ] من هذه النداءات البالغ عددها تسعون نداءً، وهي موجهة إلى المؤمنين والمؤمنات، والذي يناديهم هو سيدهم ومولاهم، وربهم وإلههم، وهو الله الذي لا إله إلا هو ولا رب سواه، وقد ناداهم بهذه النداءات في كتابه العزيز القرآن الكريم. وقد ناداهم بعنوان الإيمان؛ لأن المؤمنين أحياء، يسمعون النداء، وهو لم ينادهم لغير غرض، وإنما ناداهم إما ليأمرهم بفعل ما يكملهم ويسعدهم، أو لينهاهم عن فعل ما يشقيهم ويرديهم، أو يناديهم ليبشرهم بنتائج أعمالهم؛ فيزدادوا يقيناً وصلاحاً، أو من أجل أن يحذرهم وينذرهم مما هو وبال وخسارة لهم وعليهم، أو ليعلمهم ما هم في حاجة إلى معرفته. فمن أجل هذه الأغراض السامية يناديهم مولاهم. اللهم لك الحمد على ما أوليت وأنعمت.

    ولهذا من غير المعقول ولا المقبول أن يناديك سيدك من أجل هدايتك وإصلاحك فتعرض وتتصامم، ولا تصغي بأذنك وتسمع، فهذا غير معقول ولا مقبول، ولكن غفل المؤمنون والمؤمنات، ولم بعلموا أن الله ناداهم تسعين نداء.

    والحمد لله على أن جمعت هذه النداءات في هذه الورقات، وقد اشتملت على علوم، وكل مؤمن محتاج ومفتقر إليها، فهي لم تترك العقيدة ولا الأعمال الصالحة، ولا بيان الحلال والحرام، ولا الآداب ولا الأخلاق، ولا السياسية في الحرب وفي السلم، ولا المعاهدات والحروب، ولا غير ذلك، وكأن القرآن كله نزل فيها، سبحان الله العظيم! ولكن المسلمين عنها غافلون.

    وإذا طبع الكتاب وانتشر بين المسلمين فسوف يذكرون هذا إن أراد الله بهم خيراً.

    وهذا النداء مضمونه وفحواه ومحتواه والغرض منه هو [ في نصرة الله، وما تثمره ] وتنتجه [ من نصرة ] أو طاعة [ لعباده المؤمنين ] أي: إن نصروا الله نصرهم [ وفي بيان خسران الكافرين وتعاستهم وضلالهم ] في الدنيا والأخرة. هذا مضمون هذا النداء.

    وهذا النداء قد تضمن واشتمل على ثلاث آيات من سورة محمد صلى الله عليه وسلم، والمسماة أيضاً بسورة القتال، فلها اسمان صحيحان: القتال، ومحمد صلى الله عليه وسلم.

    وهيا نتغنى بهاتين الآيتين، ونفكر ونتأمل ما يقول الله لنا، وما نادانا من أجله، ثم ننتقل إلى الشرح والتفسير والبيان؛ لنعلم ونعمل؛ فنظفر ونفوز ونفلح إن كنا أحياء. ولولا حياتنا لما اجتمعنا في بيت ربنا، ولما أصغينا إلى نداء ربنا، فنحن أحياء، إلا أن حياتنا تتفاوت قوة وضعفاً بحسب ما سبق لنا.

    قال: [ الآيات (7 - 9) من سورة محمد صلى الله عليه وسلم

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:7-9] ] ومعنى: فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9]: أبطلها، فلم تنتج لهم حسنة.

    وهيا نستمع إلى شرح هذه الآيات التي تضمنهما النداء السابع والستين من نداءات رب العالمين لعباده المؤمنين.

    [ الشرح: اذكر أيها القارئ الكريم! والمتسمع المستفيد! ] لأن هذه النداءات من كان يعرف القراءة يقرأها، ومن كان أمياً لا يقرأ فينبغي -إن كان يؤمن بالله واليوم الآخر- أن يقول لأخيه: يا أخي! أسمعني نداءاً من نداءات ربي، فيقرأ عليه القارئ، وهو يستمع ويستفيد أعظم فائدة، فيستفيد أن يعرف ما أمر الله به، فيفعله؛ فيكمل ويسعد، ويستفيد معرفة ما نهى الله عنه، فيتركه ويبتعد عنه؛ وبذلك تتم ولاية الله له؛ لأن ولاية الله تتم بتقوى الله، وتقواه هي: فعل ما يأمر الله به وترك ما ينهى الله عنه. وقد علمنا هذا، وعرفنا أن أولياء الله هم كل مؤمن تقي.

    فعلى هذا القارئ الكريم والمتسمع المستفيد أن يذكرا [ إن نداء الله تعالى لعباده المؤمنين الذين آمنوا بالله رباً وإلهاً، لا إله غيره ولا رب سواه ] أي: لا معبود بحق سوى الله [ وبالإسلام ديناً، لا دين يقبل غيره، وبمحمد نبياً، ولا نبي يأتي بعده، ورسولاً إلى الناس كافة أبيضهم وأصفرهم، ومن عاصروه، ومن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة ] هذا معنى محمد رسول الله [ كان ] أي: هذا النداء [ لأجل أن يأمرهم أو ينهاهم، أو يبشرهم أو ينذرهم، وكل ذلك ] والله العظيم [ من أجل إكمالهم في إيمانهم وإسلامهم وإحسانهم، وفي آدابهم وأخلاقهم، و] في [ معارفهم وعلومهم، ولأجل إسعادهم أبداناً وأرواحاً، وحاشاه تعالى أن يناديهم لغير إكمالهم وإسعادهم؛ لأنه ربهم ووليهم، العليم الحكيم، والبر الرحيم ].

    نصر الله عز وجل لمن نصره ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم

    قال: [ فها هو ذا ] تعالى [ ناداهم ليخبرهم بأنهم إن نصروه تعالى في رسوله و] في [ دينه و] في [ أوليائه وهم المؤمنون المتقون من عباده نصرهم على أعدائه وأعدائهم، وهم الكافرون بتوحيده وبرسوله وبكتابه وشرعه ولقائه، وجزاء أوليائه بالنعيم المقيم، و] جزاء [ أعدائه بالعذاب الأليم؛ إذ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، أي: في كل معركة ] ينصركم ويثبت أقدامكم فلا تنهزموا، ولا تقهقروا، ذلك في كل ميدان وفي كل معركة [ تخوضونها ضد أعدائكم الكافرين والمشركين الذين فُرض عليكم قتالهم حتى يسلموا لله ربهم قلوبهم ووجوههم ] فإن تنصروه في رسوله وفي دينه وشرعه وفي أوليائه المؤمنين فالجزاء: أنه ينصركم على عدوكم، ويثبت أقدامكم فلا تنهزموا في يوم ما أمام أعدائكم وأعداء ربكم، وهو قادر على ذلك، فثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً واجهوا تسعمائة من صناديد قريش، وهزموهم شر هزيمة، والذي فعل هذا هو الله.

    وكيفية نصره تعالى: أن ننصره في رسوله بأن ندفع عن رسوله قتال المقاتلين وعذاب المعذبين، وننصره في دينه بأن نقوم به وننشره، وننصره في أوليائه المؤمنين والمؤمنات، وليس في ذاته عز وجل، ولكن ننصره في الميادين التي أمرنا أن ننصره فيها، فننصر رسوله وكتابه وعباده المؤمنين. فإن نصرناه نصرنا [ إذ قال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [الأنفال:39]، أي: شرك أو من يدعو إلى الشرك. وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39] ] وذلك لأن البشرية أبوها آدم وأمها حواء. فمن أهلهم الله لولايته إذا عرفوه وعرفوا الطريق الموصل إليه فهؤلاء عليهم أن يحملوا البشرية على الدخول في رحمة الله؛ ليسعدوا في الدنيا والآخرة، وذلك ابتلاء واختبار لنا ولهم، فنحن مأمورون بأن نعلن الحرب عليهم؛ حتى يكملوا ويسعدوا، وحتى يطيبوا ويطهروا. وقد تم هذا بالفعل، وانطلق أول سهم من هذا المسجد، ولم يمض إلا خمسة وعشرون عاماً وإذا العالم من الأندلس إلى ما وراء نهر السند يقول: لا إله إلا الله، ولا يعبد فيه إلا الله، ودخلت أمم في رحمة الله، وهذا في خمسة وعشرين سنة.

    جزاء الكافرين بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم

    قال: [ كما يخبرهم بأن الذين كفروا به وبرسوله وبكتابه القرآن العظيم وبلقائه ] أي: لقاء الله، وهذا يتم بعد الموت، فما أن تفيض الروح تلقى ربك، وكذلك يوم القيامة [ ووعده ووعيده، وبتوحيده في عباداته هؤلاء الكفرة المشركون تعساً لهم، أي: هلاكاً لهم وسقوطاً في أسفل حياة البهائم، وخسراناً كاملاً في الدنيا والآخرة ] فقد قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ [محمد:8]. والتعاسة هي: الشقاء والهلاك والدمار. فقد دعا الله تعالى عليهم [ أما خسران الدنيا فهو حرمانهم من الكمال الروحي؛ إذ لا أخلاق ولا آداب لهم، ولا زكاة نفس ولا راحة بال؛ إذ هم في ظلمات الكفر يتقلبون، وحرمانهم من سعادة الأبدان؛ إذ هم في خوف وشقاء وتعاسة دائمة؛ لحرمانهم من ولاية الله عز وجل.

    وأما خسران الآخرة: فإنه من ساعة تفيض أرواحهم بنهاية آجالهم وهم في العذاب الروحي، لا يفارقهم إلى أن تبعث أجسادهم، فيساقون إلى جهنم زمراً، ويصب عليهم العذاب الروحي بالتقريع والتوبيخ، صباً لا يعرفون معه طعم الحياة؛ إذ هم لا يموتون في النار ولا يحيون، وفوق العذاب الروحي العذاب الجسماني البدني؛ إذ يصب فوق رءوسهم الحميم، يصهر ما في بطونهم والجلود، ويضربون بمقامع من حديد، ويمزق أمعاءهم الجوع، فيقدم لهم الزقوم والضريع، ويعطشون فيسقون الحميم، فيمزق أمعاءهم، ويصابون بوحشة؛ إذ لا أب ولا أم، ولا زوجة ولا ولد ولا أنيس، ولكن وحشة وغربة وبلاء عظيم. ولنذكر قول الله تعالى فيهم: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15] ] ووالله إن أحدهم ليوضع في تابوت - أي: صندوق- من حديد ثم يلقى في جهنم مئات بل ملايين السنين، لا يأكل ولا يشرب، ولا يموت ولا يحيا، ولا يتكلم، وليس معه أحد، ولا يراه أحد، وليس إلا العذاب [ كان هذا بعض ما دل عليه قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ [محمد:8] ] فقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ [محمد:7-9]، أي: بسبب أنهم كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ [محمد:9]. فقد كرهوا القرآن الكريم؛ لأنه يأمر بالتوحيد، ويأمر بالطهر والصفاء، وينهى عن الخبث، والظلم والشر والفساد، فلما كرهوا ما أنزل الله فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9]. وأبطلها، فلا تبقِ لهم حسنة واحدة.

    ضلال أعمال الكفار

    قال: [ أما قوله تعالى: وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:8] ] والضلال مثل أن يخرج فلان إلى الصحراء فيضل بها ولا يعثر عليه، أو أن يعمل عملاً ولا يحصل على نتيجة، فهذا قد ضل عمله، أي: غاب وذهب، ولم يحصل على شيء [ فهو إخبار فيه معنى الدعاء عليهم بضلال أعمالهم، فلا ينتفعون بشيء منها؛ إذ كانت لبعضهم أعمال خيرية كإطعام جائع، أو سقي ظمآن، أو كسوة عارٍ ] كما تشاهدون جمعيات التنصير، فهي توزع الأدوية، وتوزع الأطعمة، وتوزع الملابس، وهذه أعمال خيرية، ولكنهم لا ينتفعون بها والله، بل قد أحبطها الله وأبطلها [ كما في قوله: فَتَعْسًا لَهُمْ [محمد:8] أيضاً ] وعبد الله بن جدعان وحده - وكان عربياً- كان في الموسم في الحج في كل عام ينحر ألف بعير للفقراء والمساكين المشركين والحجاج، ويوزع ألف بذلة، يعني: حلة، وهي ثوبين من نوع واحد، والآن دولة كاملة لا تقوى على هذا، فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أرأيت يا رسول الله! عبد الله بن جدعان كان كذا وكذا، فهل يدخل الجنة؟ قال: لا؛ لأنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ). فهو لم يكن مؤمناً بالجنة ونعيمها، ولا بالنار وعذابها، بل كان مشركاً.

    سبب تعذيب الله للكفار وإبطاله لأعمالهم

    قال: [ وقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9] ذلك ] اسم [ إشارة إلى تعاستهم وضلال أعمالهم ] السابقين [ أي: حصل لهم ذلك الشقاء والخسران الروحي والبدني بسبب كراهيتهم لما أنزل الله من القرآن؛ لما فيه من الأمر بالتوحيد، والتنديد بالشرك، وإنذار الكافرين بالخلود في نار جنهم، وتبشير الموحدين بالخلود في الجنة ونعيمها ] فقد كانوا لما يسمعون الآيات يكرهونها؛ لأنها تندد بسلوكهم، وتتوعدهم بالعذاب، وتبشر المؤمنين الموحدين بالجنة، فيكرهون ما ينزل الله من القرآن [ فلكراهيتهم لما أنزل الله تعالى في كتابه أحبط الله أعمالهم وأبطلها، فلم ينتفعوا منها بشيء، فلا دولة عز وطهر وسعادة يقيمون، ولا حياة فيها يخلدون، ولا جزاء حسناً في الآخرة به يتنعمون ويسعدون، وإنما خسران بعد خسران، وشقاء بعد شقاء، وهذا جزاء الكافرين. والعياذ بالله رب العالمين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ] والذي يكره من الناس ما ينزل الله من القرآن هو المصر على الربا، فهو لا يريد أن يسمع آية الربا، بل إنه والله يكرهها. وكذلك الذي يتعاطى الخنا والدعارة والفجور، فهو لا يرضى أن يسمع آية في تحريم الزنا، ولا يستطيع ذلك. وكذلك الذي تعود على الشرك والخرافة والباطل، لا يطيق أن يسمع آية فيها التوحيد.

    وأعطيكم مثالاً على هذا: أحد الأبناء ركب في سيارته، فمر على مؤمن يمشي على رجليه في الطريق، فأركبه معه، وكان عنده شريط لدعوة خيرية إصلاحية لأحد طلبة العلم، فلما سمع الصوت سأله: صوت من هذا؟ فقال: هذا صوت فلان، فقال: والله ما أستطيع أن اسمعه، وأغلقه، ولم يستطع أن يسمع هذا الشريط. وسبحان العليم الحكيم! فهؤلاء كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ [محمد:9]. لأنه ضد شهواتهم وأطماعهم وأغراضهم وضلالهم وباطلهم، فهم لا يريدون أن يسمعوا كلام الله.

    هذا هو معنى هذا النداء، فقد عرفتموه.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]. وهذا وعد. فلا يخوض مسلمون بحق معارك الجهاد لله في سبيله وكانوا قد نصروا الله في دينه وأوليائه إلا نصرهم الله على أعدائهم، ولو كان بنسبة واحد إلى مائة. والله يثبت أقدامهم، فلا ينهزمون أمام عدوهم أبداً. وإن لم ينصر الله فهذا يعني أنهم ليسوا أهلاً لذلك.

    ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا [محمد:8] بالله ولقائه ورسوله فَتَعْسًا لَهُمْ [محمد:8]. وشقاءً وخسراناً. وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:8]. والسبب هو: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ [محمد:9]. والذي ينزله الله أمر ونهي، وتعاليم وقضاء وأحكام، والكافرون يكرهون ذلك، ولا يريدون أن يسمعوا قال الله وقال رسوله، ولذلك أضلهم وأبطل أعمالهم، فيعملون بجهد عجيب وهم أشقياء، وفي تعاسة في الدنيا، ولا يجدون طمأنينة ولا راحة، ولا فرح ولا غير ذلك، وأما في الآخرة فلا تسأل، فهم في عذاب الخلد الدائم الباقي.

    وهذا النداء من حفظه يصلي به النافلة؛ حتى يستقر في ذهنه.

    وهذه النداءات نطالب المؤمنين أن يضعوها في يد كل مؤمن ومؤمنة، وأن يضعوها على أسرة الفنادق في العالم؛ بحيث لا ينام النزيل في الفندق حتى يسمع نداء ربه، ولتترجم إلى اللغتين العظيمتين الإنجليزية والفرنسية، فبلغوا دعوة الله.

    ولا تقولوا: لن يسمع أحد كلامك، فنحن علينا أن نقول.

    وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.