إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 76للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاءت الشريعة الإسلامية لتربية المؤمنين، وتهذيب أخلاقهم، وتزكية نفوسهم، والسمو بآدابهم، فقد حرمت عليهم السخرية من الآخرين والاستهزاء بهم؛ لأن المؤمن إذا سخر من أخيه فقد يكون أحب إلى الله منه وأقرب، كما حرمت على المؤمنين التنابز فيما بينهم، ولمز بعضهم بعضاً؛ لما في ذلك من إثارة الضغائن والأحقاد، والتباغض الذي قد يفضي إلى سفك الدماء أحياناً.

    1.   

    تابع حرمة السخرية بالمؤمن وحرمة التنابز بالألقاب السيئة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. جعلنا الله تعالى منهم، واحشرنا في زمرتهم، ورضي عنا كما رضي عنهم. اللهم آمين.

    هذا هو [ النداء الثاني والسبعين: في حرمة السخرية بالمؤمن، وحرمة التنابز بالألقاب السيئة ] وأعيد إلى أذهان المستمعين أن هذه النداءات الإلهية موجودة في كتاب الله القرآن الكريم، فهذه النداءات التسعون قد اشتملت على كل متطلبات الحياة، من العقائد والعبادات، والآداب والأخلاق، والمال والاقتصاد، والحرب والسلم، والسياسة، فهي لم تترك شيئاً تحتاجه هذه الأمة إلا واشتملت عليه، ولكن مع الأسف أكثر المسلمين يجهلونها، ولم تكن قد جمعت لهم في كتاب واحد، وشاء الله أن تجمع في هذا الكتاب المسمى: نداءات الرحمن لأهل الإيمان.

    وها نحن نواصل دراسة تلك النداءات نداء بعد نداء، وقد انتهينا إلى النداء الثاني والسبعين، ومحتوى هذا النداء والهدى الذي يحمله هو: في حرمة السخرية بالمؤمن، فحرام على مؤمن أن يسخر من مؤمن، وحرام على مؤمنة أن تسخر من مؤمنة، فلا يحل لمؤمن أن يسخر من أخيه المؤمن؛ لأن المؤمن ولي الله، والله يقول: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )؛ لأن أذية المؤمن تورث العداء والبغضاء بين المؤمنين، فإذا تباغضوا وتدابروا تقاطعوا لم يقدروا على حمل راية الحق ونشرها في العالمين، بل لم يقدروا على الثبات أمام جحافل العداء من الجن والإنس، ولا أن يثبتوا في تلك الميادين، بل مآلهم إلى التمزق والتفرق والانهزام. فحرام على مؤمن أن يسخر من مؤمن، وحرام على مؤمنة أن تسخر من أختها المؤمنة.

    كما احتوى هذا النداء على حرمة التنابز، وهو الطعن والسخرية باللقب السيئ، فبعضهم يقول: يا كلب! وآخر يقول: يا خنزير! وآخر يقول: يا أنف الناقة! وآخر يقول: يا ضبع! فهذا لا يحل أبداً، وحرام على مؤمن أن يلمز أخاه بلقب سوء، ويهشم كرامته، ويحطم شرفه، ويذله بين الناس، فهذا لا يبيحه ولا يجيزه إلا الشيطان وأولياؤه.

    وهيا نتغنى دقائق بهذا النداء؛ علنا نحاول أن نفهم معناه قبل أن نشرحه.

    قال: [ الآية (11) من سورة الحجرات

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11] ] وليس هناك مانع أن يجتمع أهل القرية في مسجدهم الجامع بنسائهم وأطفالهم من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء كاجتماعنا هذا، وفي كل ليلة يدرسون نداء، وبعد أن يحفظوه ويعلموا بما فيه يطبقونه على أنفسهم، وليس هناك أي شيء يمنع من هذا، إلا أننا هبطنا، ولا نريد أن نرتفع مرة ثانية.

    وهذه النداءات التسعون من كتاب الله ليس فيها رأي لراءٍ، ولا قول لقائل؛ لأنها كلام الله ونداءات الله لعباده المؤمنين، فقد ناداهم ليأمرهم أو ينهاهم، أو يبشرهم أو ينذرهم، أو يعلمهم أو يحذرهم، فلنجتمع عليها وندرسها، ولا نبتعد عن العلم ونبقى على الجهل. فبلغوا يرحمكم الله. ولعله يأتي يوم وإذا المسلمون من العرب والعجم في بيوت ربهم من صلاة المغرب إلى العشاء، ولا يبقى من القرية ولا من الحي أحد في هذا الوقت خارج المسجد، بل الكل في بيت الله، يتعلمون الكتاب والحكمة، وحينئذ يصبح العالم الإسلامي كالشمس في السماء نوراً وهداية، وحرارة وطاقة نافذة.

    وهيا نستمع إلى ما احتوى عليه هذا النداء، قال الشارح لهذا النداء: [ اعلم أيها القارئ الكريم! والمستمع المستفيد! ] فإذا كان المؤمن يعرف القراءة فيقرأ نداء الله، وإذا لا يعرف فيقول لمن يعرف: يا أخي! من فضلك اقرأ علي نداء ربي لأسمع ما يريد مني.

    فعلى هذا القارئ والمستمع أن يعلما [ أن هذا النداء والثلاثة قبله والآتي بعده - هذه النداءات الخمسة- من سورة الحجرات المباركة ] وهي بين القتال والفتح والحجرات [ كلها في تربية المؤمنين، وتهذيب أخلاقهم وتزكية نفوسهم، والسمو بآدابهم، وهم لذلك أهل بإيمانهم بالله ولقائه، والقرآن وأحكامه، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهديه وسننه، لذا يتعين على المؤمنين قراءة هذه النداءات بعناية، والتدبر فيها، وفهم معانيها، والعمل بها؛ رجاء كمالهم وسعادتهم، حقق الله تعالى لنا ذلك ولهم. آمين ].

    حرمة تقديم الرأي على الكتاب والسنة ووجوب تقوى الله عز وجل

    النداء الأول في هذه السورة هو: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1]. وهذا معناه: أنه لا يحل لك يا مؤمن! أن يقول الله قولاً أو يقول رسوله ثم تقول أنت غير ذلك، فلا يحل لمؤمن أن يقضي الله قضاء ويكون له هو فيه رأي، أو يسن الرسول سنته ويقرر حكمه ويأتي آخر برأيه، فلا يحل لمؤمن أن يقول في شيء وقد قال الله فيه، أو أن يقول في قضية من قضايا الحياة قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل علينا دائماً أن نسمع قول الله وقول الرسول، فإذا لم يقل الله أو لم يقل الرسول ففي هذه الحال ابحث واجتهد، وأما إذا قال الله شيئاً فليس لك أنت المخلوق الضعيف أن تقول بعد ذلك، وكذلك إذا قال الرسول، فهو الذي لا ينطق عن الهوى، فلا تقل أنت برأيك، فهذا لا يحل أبداً.

    وقد علمنا أنه لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، فلا نتكلم مادام الله عز وجل قد أخبر وبين، وكذلك لا نقول ولا نبدي رأياً إذا كان الرسول قد قال وحكم، ولا ننس حديث ذاك الشاب المؤمن، وهو معاذ بن جبل الأنصاري عندما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضياً ووالياً عاماً إلى اليمن، فقد امتحنه قائلاً: ( بم تحكم يا معاذ ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله فبم تحكم؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ). فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن ضرب في صدر الفتى، وقال: ( الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يحب رسول الله ). ولو أخذ المسلمون بهذا الحديث ما بقي فيهم رجل ولا امرأة جاهل؛ لأنه لن يعتقد ولن يقول ولن يعمل حتى يعلم، ومادام لم يعلم فلن يقول أو يعمل أو يعتقد، ثم تلقائياً وإذا بنا كلنا علماء. ولكن مادمنا نعمل بدون علم ونقول بدون علم ونفتي بدون علم فلسنا في حاجة إلى العلم، ولن يطلب العلم أحد.

    وجوب الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

    النداء الثاني من نداءات سورة الحجرات: في الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أساء الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمداً فهو كافر قد خرج من الإسلام، ومن أساء إليه الأدب جهلاً وبعدم علم فليتب إلى الله، وليبك وليستغفر الله؛ ليغفر له، إذ حرم الله علينا أن نرفع أصواتنا فوق صوته، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]. فالأدب مع رسول الله أيام حياته وبعد موته هو فريضة الله على كل مؤمن ومؤمنة، فإذا وقفت عند حجرته بل في مسجده فلا ترفع صوتك إلا لضرورة، بل وإذا ذكرته فاذكره بأدب وإجلال واحترام، لا بسخرية أو ضحك أو عدم مبالاة.

    وجوب التثبت في الحكم قولاً أو فعلاً

    النداء الثالث: وفيه طلب الله تعالى منا أن لا نصدق قولاً من أي قائل حتى نتأكد ونتثبت ونتبين صحته، وإلا لا يحل لنا أن نقول، وبهذا لا تبق فتنة، وإذا كانت أحاديثنا في مجالسنا: قال فلان، وقالت فلانة، وفلان فعل كذا فسد المجتمع وهبط إلى الحضيض، ومن خطأ واحد الله نادانا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6]. فليس كل من يقول قولاً تتلقاه أنت وتعيده وتحكيه، فهذا حرام، ولاسيما الأقوال المفسدة، التي تؤذي المؤمنين والمؤمنات في كراماتهم .. في رجولتهم .. في احترامهم .. في علمهم .. في بصيرتهم. ولكن المؤمنون لم يعرفوا هذا. فالله نهانا أن نتحدث بقال فلان، وقالت فلانة، فهذا لا يجوز، والله يقول: فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] مخافة أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6].

    حرمة السخرية من المؤمنين أو احتقارهم

    هذا هو النداء الرابع من نداءات سورة الحجرات، ونحن نواصل شرحه بإذن الله.

    قال: [ والآن ] أيها المستمع! [ مع شرح هذا النداء الرابع من تلك النداءات.

    قوله تعالى: لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ [الحجرات:11] ] وهذا معناه [ أي: لا يزدري أناس منكم أيها المؤمنون! أناساً آخرين منكم أيها المؤمنون ويحتقرونهم ] وسواء كانوا فقراء أو أغنياء، أو أشراف أو ضعفة، فكلهم عباد الله وأولياؤه [ فإن ذلك محرم عليكم، مغضب الرب تعالى عليكم، وكيف ترضون بغضب ربكم؟ وهو ليكم، وأنتم أولياؤه بإيمانكم وتقواكم ] فلا تغضب ربك عليك، والذي يزدري مؤمناً ويحتقره قد ازدرى ولي الله، واحتقر عبد الله، ومن فعل هذا فإنه يغضب الله؛ لأنه ازدرى وسخر من عبده ووليه؛ ولذلك يغضب عليه، وإذا غضب بطش وانتقم. فلا تسخر وتزدري بالمؤمنين والمؤمنات.

    والمجتمع القرآني تعيش فيه أربعين سنة ولا يقول لك مؤمن كلمة تشعر بألم في نفسك منها، ولا تسمع كلمة تحط من قدرك، أو تنزل من علوك؛ لأنك في مجتمع طاهر، تربى على هذه النداءات الكريمة.

    ولكن لما غفلنا ونسينا وأعرضنا أصبحنا نقرأ القرآن على الموتى، وهبطنا إلى الحضيض، ولا يرفعنا إلا الله، والرافع ليس إلا هذا الكتاب الكريم. ولا يوجد رافعة سوى القرآن والله. وهذه الشيوعية لم ترفع من حوتهم وضمتهم تحت رايتها ثمانين سنة، وإنما نزلت بهم إلى الحضيض، وكذلك الصليبية النصرانية لم ترفع أتباعها، بل هبطت بهم حتى جعلتهم كالبهائم، ينزو بعضهم على بعض، وكذلك لم ترفع البوذية والهندوسية أتباعها، وكذلك الشرك لم يرفع أتباعه، ووالله لا رافع إلا هذا القرآن، واسمع الله يقول: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا [الأعراف:175-176]. وهذه الرافعة هي آيات الله. وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:176]. وقد قلنا مئات المرات: والله لن يزال المسلمون يلهثون ويجرون وراء الشرق والغرب حتى يراجعوا كتاب الله. ولا يمكن لأحد أن يرد علينا؛ لأنه من المستحيل أن ينقض سنن الله عز وجل.

    سبب تحريم السخرية من المؤمنين أو احتقارهم

    قال: [ وقوله تعالى: عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ [الحجرات:11]، أي: عند الله تعالى، والعبرة بما عند الله لا بما عند الناس ] فإذا سخرت من مؤمن ولي لله وهو محبوب لله فلا قيمة لسخريتك واستهزائك مادام محبوباً عند الله، ومرضياً عنه. وهذه محنة أخرى، وهي: أنك إذا سخرت من مؤمن هو ولي الله ويحبه الله فمعنى هذا: أنك قد تعرضت لنقمة الله والله؛ لأن الله يثأر لأوليائه كما يثأر الأسد الجريح. فانتبه أن تؤذي مؤمناً أو مؤمنة.

    وهم الآن يزنون ويفجرون بنساء المؤمنين، ويسرقون أموالهم، ويأكلون لحومهم، وما تركوا أذى إلا صبوه على المؤمنين، ويزعمون أنهم مؤمنون، ولا يعلمون أن الكلمة النابية فقط حرام، إذاً: فلا تفسد على أخيك ابنته أو امرأته، ولا تمزق عرض أخيك، ولا تتعرض له بغير ذلك. ونحن لا نلومهم؛ لأنهم ما عرفوا الله، وهذا هو السبب، أنهم لم يعرفوا الله معرفة حقيقة يقينية.

    وعلامة معرفة الله معرفة حقيقية: أن يكون في القلب حباً لله فوق كل حب، وخوفاً من الله فوق كل خوف. وكذلك عبد الله المؤمن. وأما أن يقول: هو مؤمن وليس في قلبه حب لله ولا خشية، فهذا والله ما هو بمؤمن، ولا عرف الإيمان، وإنما هو يقول قولاً فقط إنه مؤمن. وإلا فالمؤمن لا يستطيع ولا يقدر أن يفجر أو يفسق عن أمر ربه، ولا أن يؤذي أولياءه بأفظع أنواع الأذى كسفك دمائهم وأكل أموالهم وانتهاك أعراضهم.

    قال: [ فلذا من القبح والسوء سخرية مؤمن بمؤمن بازدرائه واحتقاره، وهو لا يدري، قد يكون من ازدراه وسخر منه خيراً عند الله، وأحب إلى الله منه. ألا فلنذكر هذا، فإنه في غاية الأهمية، حتى لا يرانا الله جل جلاله يسخر بعضنا من بعض، ونحن أولياؤه المؤمنون به، المتقون له.

    وقوله تعالى: وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ [الحجرات:11]، أي: ولا يحل لمؤمنة من نساء المؤمنين أن تزدري مؤمنه أخرى، عسى أن تكون خيراً منها عند الله. وفي قوله: عسى إشارة إلى أن من ازدرى به من مؤمن أو مؤمنة هو خير عند الله تعالى ممن ازدراه وسخر منه ] كما علمتم. فالغالب أن التي تزدري مؤمنة أن تلك المؤمنة خير عند الله منها؛ لأن عسى تفيد التحقيق من الله، وإن شئت قل: ما من أحد يسخر من مؤمن إلا وذلك المسخر منه أحب، والساخر هو المبغوض لله.

    قال: [ وكما حرم الله تعالى السخرية بين المؤمنين والمؤمنات لما يفضي إليه من العداوات والمشاحنات والبغضاء، وقد يئول الأمر إلى التقاتل وسفك الدماء، وكيف يرضى المؤمن والمؤمنة بعداوة أخيه وبغضه وسفك دمه، والعياذ بالله ]؟

    حرمة اللمز

    قال: [ حرم كذلك اللمز والتنابز بالألقاب؛ إذ قال تعالى في هذا النداء: وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ [الحجرات:11]. ومعنى اللمز: العيب ] فلمزمه يلمزه إذا عابه بأي عيب، كأن يقول له: يا بليد! .. يا فقير! .. يا أعمى! وغير ذلك. هذا اللمز بالعيب [ أي: لا تعيبوا بعضكم بعضاً؛ فإنكم كفرد واحد ] ولا يصح لأحد أن يلمز نفسه، كأن يقول: أنا أحمق، أو أنا مجنون، أو أنا بليد، أو أنا كذا، فهذا لا يجوز، وكذلك لا تلمز أخاك بما لا تلمز به نفسك [ فلا يحل لمؤمن أن يعيب أخاه المؤمن؛ لأن من عاب أخاه كأنما عاب نفسه، كما أن المعاب قد يرد العيب بعيب من عابه ] فإذا أنت عبت مؤمناً فقد يرد عليك بعيب آخر، وهذه بداية الفتنة، فلا يحل أبداً أن يعيب مؤمن أخاه المؤمن بأي عيب، والعيوب معروفة.

    قال: [ وهو معنى: وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ [الحجرات:11]. ومن آثار اللمز وهو العيب ما رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال: البلاء موكل بالقول ] ولنحفظ هذه الكلمة لـعبد الله بن مسعود خادم رسول الله صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن أم عبد ، وقد قرأ على الرسول صلى الله عليه وسلم فبكى رسول الله، فهو يقول: البلاء موكل ومنوط بالقول، فإذا صمت فلا بلاء، وقد نزل البلاء والله العظيم، وكل بلاء ينزل بالعبد أو بالجماعة فمبدأه القول، فالبلاء موكل بالقول [ لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلباً ] وهذا حبر عبد الله بن مسعود . ومن أبسط ما نقول: أن الذي يسخر من الكلب لا يلبث أن يسخر من المؤمنين والمؤمنات، فيصبح كلباً، فالبلاء موكل بالقول، ومن لازم الصمت لا تجد به بلاء. فكل فتنة ومحنة تبدأ من الكلام، وقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ). وقال: ( كف عنك هذا، فقال: أو إنا مؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟! قال: ثكلتك أمك! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟ ). ولا توجد فتنة دارت في قرية في بلاد بين المسلمين إلا كان القول هو السبب والله، ولو تأملتها لوجدت القول هو الباب الأول فيها. فعلينا أولياء الله ألا نتكلم إلا بعد أن نستأذن ربنا، فإن أذن لنا تكلمنا وإلا سكتنا، وكيفية استئذانه أن نفكر قبل أن نقول هل هذا القول يرضى الله به أو لا، فإن وجدناه مما يرضى الله به قلناه، وإن وجدناه لا يرضى الله به فلا نقوله.

    حرمة التنابز بالألقاب

    قال: [ وقوله تعالى: وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ [الحجرات:11]، أي: لا يحل لمؤمن أن يلقب أخاه المؤمن بلقب يكرهه؛ فإن ذلك يفضي إلى العداوة والبغضاء، وحتى المقاتلة.

    وقوله تعالى: بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ [الحجرات:11]، أي: قبح أشد القبح أن يلقب المسلم بلقب الفسق بعد أن أصبح مؤمناً عدلاً، كاملاً في أخلاقه وآدابه. لذا فلا يحل لمؤمن أن يقول لأخيه المؤمن: يا فاسق! أو يا كافر! أو يا فاجر! أو يا عاهر! أو يا فاسد! ] فهذا لا يحل أبداً [ إذ بئس الاسم الفسوق ] فلا يجوز بعد ما آمن، وحيي بإيمانه أن تقول له: يا كافر! أو يا فاسق! أو يا فاجر! فهذا لا يجوز. وقوله: بئس أي: قبح أشد القبح. وقوله: الاسم أي: اسم الفسوق بعد الإيمان. وأما الكافر فنعم نقول له: كافر، والفاسق فاسق، ولكن لا يجوز أن نقول للمؤمن: يا فاسق! أو يا فاجر! أو يا كافر! أو يا عاهر! [ إذ بئس الاسم اسم الفسوق، كما أن الملقب للمؤمن بألقاب السوء يعد فاسقاً ] أيضاً، فالذي يقول لأخيه المؤمن: فاسق فهو فاسق، والذي يقول لأخيه المؤمن: يا كافر! فهو الكافر، فيعود عليه. وسبحان الله! فالقرآن حمال للوجوه.

    قال: [ وبئس الاسم له ] هذا الاسم، وهو [ أن يكون فاسقاً بعد إيمانه بالله ولقائه، والرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحق والعدل والهداية والنور ] وأن تقول للمؤمن: يا فاسق! والقائل لأخيه: يا فاسق! قد أصبح هو فاسقاً بعد إيمانه.

    حكم من لم يتب من السخرية بالمؤمنين أو لمزهم أو نبزهم بالألقاب

    قال: [ وقوله تعالى في نهاية هذا النداء: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11]، أي: ومن لم يتب من جريمة احتقار المؤمنين وازدرائهم وتلقيبهم بألقاب السوء التي يكرهونها ] أي: من وصف المؤمنين بالفسق، ومن لم يتب من اللمز والطعن، ومن السخرية والازدراء، ومما حرم الله في هذا النداء، واسمع التهديد والوعيد لهذا، فقد قال: [ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11] ] والظلم يذر الديار بلاقع. فهم الظالمون [ المتعرضون لغضب الله تعالى وعقابه. والعياذ بالله من غضب الله وعقابه.

    ما يحرم وما لا يحرم من الألقاب

    قال: [ ومن الألقاب السيئة التي يجب أن يتحاشاها المؤمن، فلا يلقب بها أخاه المؤمن نحو: أنف الناقة ] وكان هذا عند العرب الأولين [ وقرقور، وبطة ] من الحيوانات، ونحن الآن عندنا كلب وحيوان، وغيرهما. وهذه الألقاب محرم أن يلقب مؤمن بها [ وكل لقب مكروه، وهو ما أشعر بخسة ] ونقص، فهذا حرام [ وأما ما لم يشعر بخسة فلا بأس به ] كقولك: هذا [ كـحاتم في كرمه ] فإذ قلت: يا حاتم الطائي ! فقد لقبته بالكرم، وهذا فيه رفعة [ وعنترة في بطولته ] فتقول: يا عنترة بن شداد ! أي: أنك تصفه بالبطولة، فلا بأس بهذا [ ومالك في فقهه ] وتقول: يا مالك بن أنس ! أي: أنك تصفه بالفقه والعلم البارع [ وأحمد في صبره وصدقه ] فتناديه: يا أحمد بن حنبل ! أي: أنك تصفه بالصبر والصدق، وما إلى ذلك [ فلا بأس بذلك ] فهناك فرق بين لقب يهين ويذل، وبين لقب يرفع ويعز.

    قال: [ ولنذكر دائماً: أن ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ) ] أي: مثل البنيان والجدار؛ إذ البنيان يشد بعضه بعضاً، فاللبنة تضغط على اللبنة وتشدها، وكذلك حال المؤمنين. والقائل لهذا هو أبو القاسم فداه أبي وأمي والعالم أجمع، فهو القائل: ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه ). والآن المؤمن يقتل المؤمن! ويزني بامرأة أخيه المؤمن أو ابنته! ونحن لا نقول عير الواقع. وهذا لا يطاق أبداً. وليس علة هذا الهبوط بريطانيا ولا أمريكا والله، وليس له علة له إلا الجهل بالله ومحابه ومساخطه، ومن لم يعرف الله انغمس في كل بؤرة وحفرة من الباطل. ولست واهماً في هذا أو غالطاً، بل سأعطيكم أمثلة: اذهبوا إلى قريتكم في الجبل أو في السهل فستجدون أن أعلمكم بالله أتقاكم لله والله العظيم، وأجهلكم بالله أسوأكم عملاً وسلوكاً والله العظيم، وهذا كما قال ربنا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]. والعلماء الذين يعنيهم الله ليسوا العلماء في الهيدروجين والذرة والفيزياء والصناعة، وإنما هم العلماء بربهم، الذين عرفوا الله بعد أن آمنوا به، وعرفوا محابه ومساخطه، وعرفوا وما أعد لأوليائه، وما أعد لأعدائه، فأنتج لهم ذلك حبه والخوف منه، فمشوا في الطريق إليه، لا يظلمون ولا يعتدون ولا يفجرون، ولا يخرجون عن طاعته وطاعة رسوله.

    وقد عرف العدو من اليهود والنصارى والمشركين والشياطين هذا، ولم يعرفه المسلمون فأبعدوا المسلمين عن كتاب الله وسنة رسوله، وتركوهم جهالاً، يتخبطون في أودية الضلال، وهذا هو الواقع.

    والآن في هذا المجلس أعلمنا بالله هو أخوفنا من الله وأتقانا لله.

    قال: [ فكيف يصح إذاً أن يلمز أخاه، ويتنابز معه، أو يلقبه بلقب سوء، وهذه مؤدية إلى العدوان والبغضاء؟ ألا فلنلزم أنفسنا قول الحق، والصدق مع إخواننا المؤمنين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].

    وأعطيكم أضحوكة: تجد أحدنا مع إخوانه في الشارع أو في المسجد لا يؤذي أحداً أبداً، ثم يؤذي امرأته، ويسخر منها، ويستهزئ بها، ويقول لها كذا وكذا، وهذه أخته وزوجته في بيته. وهو مع الناس في الشارع لا يؤذي أحداً؛ لأنهم مؤمنون، وهم إخوانه، مع أن هذه مؤمنة! وهي أيضاً مع المؤمنات متأدبة وذات أخلاق وعفة، ومع زوجها تسخر منه وتستهزئ به وتحتقره. فهذا من الهبوط، وسببه الجهل.

    وحتى نخلص من الجهل علينا أن نجتمع في بيوت ربنا بعد نهاية أعمالنا من المغرب إلى العشاء، وطول العمر ونحن نتعلم قال الله، وقال رسوله، ولا سبيل إلا هذا.

    وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.