إسلام ويب

تفسير سورة إبراهيم (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذا السياق القرآني العجيب تتجلّى معاني التوكل على الله في أروع صورها ابتداءً من مواجهة إبراهيم عليه السلام لصناديد الكفر من قومه وعلى رأسهم أبوه، مروراً بإلقائه في النار، وما تعرض له من ابتلاء في أهله وولده، وانتهاءً بأمر الله له ببناء الكعبة وحده، وكان عليه السلام في كل تلك الأحوال ساكن الجنان، راسخ الإيمان، مستيعناً بالله معرضاً عما سواه، وهذه هي قصة التوكل الحقيقي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس إن شاء الله كتاب الله، راجين أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة إبراهيم الخليل عليه السلام، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة الآيات مجودة مرتلة، ثم نتدارسها، والله نسأل أن يفتح علينا، وأن يعلمنا وينفعنا بما يعلمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:35-41].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ [إبراهيم:35] لولا أن رسولَ الله رسولُ الله حقاً وصدقاً فمن أين له أن يقول هذا الكلام؟ أليس هذا وحي الله؟ فكيف يكذبون برسالته؟ من أين له أن يقول هذا الكلام؟ والله يقول له: اذكر إذ قال إبراهيم ما جاء في هذا السياق الكريم.

    ذكر قصة إبراهيم عليه السلام في دعوته قومه إلى التوحيد وحجاجه النمرود

    والآن من هو إبراهيم؟ هذا هو الأب الرحيم، بالعبرية: إبراهام، وبالعربية: إبراهيم، إبراهيم قطعاً من أولاد سام بن نوح عليهم السلام، وكانت ديارهم بأرض بابل من العراق، وكانت ديارهم لا يوجد فيها موحد يوحد الله، بل كلهم وثنيون عبدة أصنام وتماثيل وأحجار، فأراد الله عز وجل أن ينقذ من شاء إنقاذه منهم فنبأ إبراهيم وأرسله إليهم في ديار بابل من أرض العراق، ولما بلغ أشده ونبأه الله وأرسله بدأ بوالده: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأنعام:74].

    فبدأ الصراع، إبراهيم وحده والله معه، وأما آزر والحاكم (رئيس الدولة) والكل فهم في موقف واحد ضد التوحيد، لا يريدون أن يعبد الله وحده.

    وتذكرون لما دعي إبراهيم للجدال مع ملك البلاد كما جاء في سورة البقرة: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة:258] ،كيف تكون هذه الأصنام والأحجار رباً لي، ربي الذي يحيي ويميت، قال ذلك الجبار الكافر: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:258]، وجاء برجلين فقتل أحدهما فقال: هذا أمته وهذا أحييته فلم أقتله، فوفق الله إبراهيم فرد عليه فأبهته، فقال الخليل إبراهيم: إن ربي يأتي بالشمس من المشرق فأت بها أنت من المغرب، إن فعلت تجلت قدرتك، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة:258] انهزم وانكسر ولم يدر ما يقول، وتبين أنه مخلوق مربوب لا قدرة له ولا سلطان.

    ذكر خبر إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار

    وواصل إبراهيم دعوته في قومه سنين، وأخيراً: صدر الحكم عليه بالإعدام، أصدر الحاكم أمره ووافقه رجال الحكم وأهل البلاد بقتل إبراهيم؛ لأنه أفسد عليهم في نظرهم معتقدهم ودينهم، أو أوجد اضطرابات وقلاقل في المجتمع، فحكموا عليه بأن يحرقوه بالنار، وبالفعل أوقدوا ناراً، أججوها أربعين يوماً حتى كانت المرأة تنذر نذراً لآلهتها أن تأتي بحزمة حطب لتعين على قتل إبراهيم وإحراقه.

    وهذه أخبار ينقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه بين يديهم، حتى إن الفويسقة (الوزغة) -والوزغة هذه معروفة عندنا أيام المباني الخشبية والطينية، الآن انتهت- هذه الوزغة جاءت تساعد على إحراق إبراهيم تنفخ النار بفمها لتتأجج، فمن ثَمَّ أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لـعائشة أم المؤمنين أن تقتلها، كلما رأت الوزغة في جريدة نخل تضربها وتقتلها.

    وعندما علموا أن النار قد تأججت ما استطاعوا أن يقربوا إبراهيم منها أو يدنونه منها، لأن لهبها يؤذي من بعيد، فجعلوا منجنيقاً ووضعوه فيه وقذفوه به على مسافة بعيدة، وأثناء سيره إلى النار في ذلك المنجنيق عرض له جبريل عليه السلام فقال: ألك يا إبراهيم حاجة؟ قال: أما إليك فلا، حسبي الله ونعم الوكيل، هذه الجملة الذهبية أول من قالها إبراهيم، وبهذا أخبر ولده محمد صلى الله عليه وسلم، ومعنى حسبي الله أي: يكفيني الله، ونعم الوكيل أي: هو يتولى أمري والدفاع عني.

    فصدر أمر الله عز وجل من الملكوت الأعلى من فوق العرش، صدر أمر الله إلى النار وهي مخلوقة من المخلوقات تسمع وتعي وتبصر، ناداها خالقها: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، فذاك اللهب وتلك الحرارة انتهت وتحولت إلى برد، ولولا قول الله تعالى لها: وَسَلامًا [الأنبياء:69] لكان يموت من شدة البرد، فما هو إلا أن احترق الكتاف الذي في يديه ورجليه وخرج وجبينه يتفصد عرقاً فقط، بهت العالم من ذلك واندهشوا.

    هجرة إبراهيم عليه السلام إلى مصر وخبره وزوجه سارة مع ملكها

    ثم تركهم وقال: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات:99]، فأذن الله تعالى له في الهجرة فكانت أول هجرة عرفت في التاريخ، أول هجرة هي هجرة إبراهيم من دياره إلى ديار الشام والقدس، وأكرم هجرة وأعظمها هجرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.

    إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات:99-100] ومشى متجهاً غرباً فدخل ديار الشام، ثم تجاوزها إلى ديار القدس، ثم إلى سيناء، ثم دخل الديار المصرية، ليس يوماً واحداً ولا عاماً، يتنقل، يدعو إلى الله من يجيب دعوته، فانتهى به المطاف إلى الديار المصرية، والذي أخبر بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تظن أنها مجرد أقاويل وأحاديث، فانتهى إلى مصر ومعه سارة، وقد أصبح المؤمنون يسمون بهذا الاسم، ولعل بينكم من بنته سارة من السرور، أو امرأته أو بنت عمه، وخرج معهم أيضاً ابن أخيه لوط عليه السلام في ثلاثة، فلما انتهى إلى مصر ومعه سارة رآها العملاء الذين يسميهم أهل المدينة بالجرارين، وفي المغرب يسمونهم بالقوادين، فلان قواد، جرار، يقود إلى الباطل، يجر إلى الجريمة، قواد وجرار.

    فقالوا للملك: إن امرأة حسناء لا أجمل منها، ولا تليق إلا بك أنت، وهي غريبة في الديار تمشي مع رجل، فمرنا نأتيك بها، فلما بلغ إبراهيم الخبر وعرف أنهم جاءوا لأجلها قال لها: يا سارة! إذا سألكِ الملك: ما نسبتكِ إلى هذا الرجل، فلا تقولي: زوجي، قولي: أخي، فإنه لا يوجد على هذه الأرض مؤمن إلا أنا وأنتِ، فأنتِ أختي وأنا أخوكِ، وليس في ذلك كذب، لأنها لو قالت: زوجي لقال: اقتلوه، فمن هنا كانت تلك سياسة رشيدة يتلقاها من رب العالمين أن قال لها: قولي: إنك أختي ولست بزوجتي، واعلمي أنه لا يوجد مؤمن ولا مؤمنة إلا أنا وأنتِ في هذه الديار.

    وحسنوها وجملوها وطيبوها وقدموها إلى السرير، فجاءت في أحسن حال، فمد يده كما هي سنة البشر في الاتصال بالنساء، لا بد من مجالسة، مطايبة، محادثة، ملامسة، لما يمد يده أصيبت بالشلل على الفور، والله الذي لا إله غيره! ما إن يمد يده إليها حتى تيبس يده، فيصرخ ويقول لها: ادعي لي ربكِ يرد إلي قدرتي ويدي، فتدعو فتعود، ثم يمد يده فتيبس على الفور، في الثالثة قال: أخرجوها عني، ما أتيتموني بآدمية، ولكن أكرموها

    فهذه العجيبة تستحق الإكرام، فأكرموها وأعطوها خادماً تخدمها، وهبوها هاجر أم إسماعيل عليه السلام منحة من الملك، أكرمها لما شاهد من أنوار الحق والإيمان، وفرح إبراهيم وسُرَّ بذلك وحمد الله عز وجل وأثنى عليه، ومشوا، وكانوا يتنقلون الشهر، والشهرين، والثلاثة، فما كان من سارة عليها السلام إلا أن وهبت هاجر لإبراهيم، هذه هبة لك يا خليل الله، هدية الكافر إليها، فوهبتها لإبراهيم ليتسراها، فتسراها فأنجبت إسماعيل، تدبير ذي العرش، انظر إلى الملكوت الأعلى، أنجبت إسماعيل، فأخذت سارة تتألم: هذه جارية تلد وأنا حرة ما ألد! هذه تجلس مع إبراهيم شهرين أو ثلاثة فتحمل وأنا كذا سنة ما أحمل! فأخذتها الغيرة التي يعرفها النساء، وأصبحت غير سعيدة، فماذا يصنع إبراهيم؟

    هجرة إبراهيم عليه السلام بهاجر وإسماعيل إلى مكة

    أوحي إليه أن يهاجر بـهاجر ويبعدها عن سارة المؤمنة الربانية حتى لا تتألم وهي أمة الله، فما كان من إبراهيم إلا أن اتفق مع هاجر، وربطت بطنها بنطاق وأرسلت رداءها إلى الأرض حتى يعفي أثر قدميها، وإسماعيل في يدها رضيع، وخرجوا من ديار القدس أو الشام على أرجلهم، وكانت هاجر تعفي الأثر حتى لا تفهم سارة إلى أين ذهبوا، فبقيت في مكانها، ما عرفت كيف اتجهوا، ما هناك أثر، لأن الأثر عفي بذلك اللباس تسحبه على الأرض، وانتهى بها إلى مكة، من أرض القدس إلى أرض الطهر (الحرم المكي)، ما هي مكة يومئذ؟ لا شيء، جبال سود، حجارة، واد من كل جانب، وكومة من التراب في وسط الوادي، وضعها هناك وترك لها جراباً فيه طعام وسقاءً فيه ماء فقط، وتركها عند زمزم قبل أن يكون زمزم، وقفل راجعاً، لما قفل راجعاً صاحت: يا إبراهيم! إلى من تكلنا؟ إلى من تتركنا؟ آلله أمرك بهذا؟ فقال: نعم، أمرني ربي أن أترككما هنا، فقالت: إذاً فاذهب فإنه لا يضيعنا، من أراد أن يعرف التوكل على حقيقته فلينظر هذا المنظر، بمجرد أن علمت أن الله أذن في هذا فوضت أمرها إليه وعلمت أنه لن يضيعها.

    لو عرف هذا أرباب البنوك الربوية والمتعاطون بالربا، لو عرفوا هذا -والله- لأغلقوا بنوكهم غداً، ولو عرف المؤمنون في الشرق والغرب هذا والله ما وقفوا أمام بنك يأكلون الربا، ولكن ما عرفوا.

    هاجر القبطية المصرية جارية عرفت الطريق إلى الله، قالت: آلله أمرك؟ قال: نعم. قالت: إذاً فاذهب فإنه لا يضيعنا! وعاد إبراهيم إلى أرض القدس وترك لله هاجر جاريته وإسماعيل ولده أيضاً، ومعهما جراب به خبز وسقاء فيه ماء، ونفذ الطعام والماء، وإذا بإسماعيل يتلوى من شدة العطش، يتلوى ويصرخ، ماذا تصنع هاجر؟ فما كان منها إلا أن نظرت شمالاً وشرقاً وغرباً فرأت جبل الصفا أقرب إليها، فجرت وصعدت عليه وهي تنظر شمالاً وشرقاً وغرباً لعل قافلة ماشية، لعل لعل.. فما رأت شيئاً، ونظرت إلى جبل المروة أمامها على مسافة معروفة وبينهما واد، وهذا الوادي الآن يدل عليه عمودان عليهما علمان أخضران هذا كان وادياً، فكانت حين تصل الوادي تسرع حتى تخرج منه، لأن إسماعيل يتلوى من شدة العطش.

    فوصلت إلى المروة فارتقت على جبلها فنظرت فلم تر أحداً، فهبطت، فوصلت إلى الوادي وأسرعت وعلت جبل الصفا، وفعلت هذا سبع مرات، وها نحن نطوف بالبيت ونسعى بين الصفا والمروة سبع مرات إحياءً لذكرى هاجر أم إسماعيل جد نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وإن قالت مؤمنة: إذا كانت هاجر أسرعت فلم قلت لنا نحن النساء: لا نسرع؟ قلنا: هذا بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة بكن ولطفاً بكن وإحساناً إليكن، ما هناك حاجة للمرأة إلى أن تجري في هذا المقام، هاجر جرت لأنها تطلب الماء، تسرع من المكان المنخفض حتى ترتفع، أما أنتِ فلا، وأما الرجال فسنة لهم أن يسرعوا المشي بالهرولة في بطن الوادي، تخليداً لذكرى هاجر أم إسماعيل عليه السلام، وقد انقلب هذا الفعل إلى عبادة تزكي أرواح المؤمنين وتطهر نفوسهم إن صدقوا في نياتهم وإخلاصهم.

    لما انتهت إلى الشوط السابع إذا بصوت، فقالت: هل من غياث؟ أسْمَعتَ أسْمَعتَ، ونظرت فإذا بجبريل واقف على رأس إسماعيل، أين مكانه؟ عند زمزم الآن، فلما دنت منه وقربت ضرب الأرض بعقبه ففارت زمزم -والله العظيم- كما يفور الماء، فلما فاض الماء هنا وهناك خافت أن هذا الماء ينفد، فأخذت تحوطه وتزمه حتى لا يفيض هنا وهناك ويبقى في مكان واحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( رحم الله أم إسماعيل، لو تركته لكان عيناً معيناً ) يعني: يسيل دائماً في مكة إلى يوم القيامة، لكن هي التي حزمته، ربطته، زمزمته بالزمام، فلذا سمي بزمزم، وها هو زمزم إلى اليوم وإلى يوم القيامة، زمزم كان بركضة جبريل، وفيه يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( زمزم لما شرب له )، من شربه ليذهب الظمأ ذهب ظمؤه، ومن شربه ليذهب جوعه ذهب جوعه، ومن شربه ليقوى إيمانه قوي إيمانه.

    ( زمزم لما شرب له )، هذا أبو ذر الغفاري مكث كذا شهراً لا يأكل ولا يشرب إلا زمزم، ما هو بيوم ولا أسبوع ولا شهر، حتى سمن، والسنة النبوية فيه بعد الطواف ونهاية سبعة أشواط وصلاة الركعتين خلف المقام أن تأتي إلى زمزم، وتشرب حتى يمتلئ بطنك، هذا زمزم بقي إلى اليوم والحمد لله، مضت عليه فترة من الزمان بين إسماعيل وقريش فخربته السيول، لكن أعاد حفره عبد المطلب ، وما زال إلى اليوم زمزم، فهل يوجد بئر ما نفد في التاريخ إلى الآن إلا زمزم؟ لا يوجد.

    خبر هاجر عليها السلام مع قبيلة جرهم

    والشاهد عندنا: أن هاجر كانت ترضع إسماعيل، وهي تعيش على ذلك الماء فقط، أما الجراب فما فيه من الخبز انتهى، وكان تدبير العزيز الحكيم العليم الرحيم، وإذا بقبيلة يقال لهم -جرهم، جماعة منهم يتاجرون على إبلهم ورواحلهم- يمرون بتلك الديار إما إلى الشام وإما إلى غيرها، وعطشوا ونفد ماؤهم، فأرسلوا رائداً منهم أو رائدين يبحثون عن الماء، فشاهد الرائد الطيور تحوم حول مكان وترتفع منه، الطيور وجدت الماء، فقالوا: إذاً لن يكون هناك إلا ماء وإلا فكيف ترتفع هذه الطيور وتنزل؟ فزحفوا حتى انتهوا إلى مكة، إلى زمزم.

    وهنا لطيفة كررناها: قالوا: أتأذنين لنا يا أم إسماعيل أن ننزل عندكِ ونقيم حولكِ؟ قالت: على شرط ألا حق لكم في الماء، قالوا: قبلنا شرطكِ! هل يوجد في العالم اليوم المتحضر المتمدن من يقف هذا الموقف؟ والله لو كانت اليوم لركلوها بأرجلهم وأبعدوها، امرأة في خلا، في صحراء تشترط ويذعنون للشرط!

    أعطيكم لطيفة: البشرية في وقتها الأول كانت طاهرة، وأخذت تهبط وتهبط، كلما تمضي القرون تتغير، حتى انتهت إلى ما هي عليه الآن أسوأ ما تكون أخلاقاً وآداباً.

    أعيد القول: آدم وحواء وذريتهما جيلاً بعد جيل، كلما يمضي جيل يتغير بعض الشيء متأثراً بالحياة وأوضارها، فكفار قريش -كما قلت وما زلت أقول- والله أشرف من كفار اليوم وأطهر منهم، عهود ينفذونها، وعود لا يخلفونها، كرامة، شهامة، مروءة لا توجد الآن، وبعد مائة سنة سيكون الحال أسوأ، البشرية تهبط، فهمتم هذه الحقيقة أم لا؟ وحسبكم أن قبيلة جرهم تطلب الإذن من امرأة جارية مع طفلها ترضعه أن ينزلوا حولها من أجل الماء، وتشترط عليهم شرطاً ويسلمون قلوبهم لها: نحن على الشرط، الماء ماؤكِ.

    ذكر قصة إبراهيم في إجابة أمر الله تعالى بذبح إسماعيل عليهما السلام

    ونعود إلى الخليل إلى إبراهيم، وها هو ذا يقول: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا [إبراهيم:35] ذهب إلى الشام وبيت المقدس وعاد لعيادة وتفقد تركته: إسماعيل وأمه، فدخل البلاد فوجد جرهماً ووجد إسماعيل قد كبر، عمره سبع سنوات، وأوحى الله تعالى إليه أن يذبحه، أن يذبح ولده قرباناً لله كما تذبح شاة العيد والأضحى، وما كان من إبراهيم إلا أن قال: آمنت بالله، وأخذ إسماعيل من حجر أمه وقال: إسماعيل! إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات:102]، ورؤيا الأنبياء وحي، منام الأنبياء وحي ما هو كرؤانا ومنامنا.

    إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات:102]، ماذا قال إسماعيل؟ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ [الصافات:102] أي: ما يأمرك به ربك، خالقك وخالقي، وسيدك وسيدي، افعل ما تؤمر. فما كان منه إلا أن قال لـهاجر: طيبيه وطهريه، وقاده إلى منى شرق مكة، في الجنوب الشرقي، فلما انتهى إلى ما يعرف الآن بجمرة العقبة اعترضه (أبو مرة) لعنة الله عليه، من هو؟ إبليس الذي جاء بالدشوش، الصحون الهوائية والله إنها جاءت بوحي إبليس وبتعاليمه وبدفعه البشرية إليها حتى تهبط وتصبح كالبهائم، حتى لا يدخل أحد الجنة وإبليس يدخل النار، وأصدقاء إبليس وعملاؤه -بنو عمنا اليهود- يعملون كما يعمل إبليس، إبليس يريد ألا يدخل أحد الجنة أبداً، يعمل ليل نهار على التكفير والفسق حتى لا يدخل أحد الجنة، لماذا؟ يقول: كيف أشقى في عالم النار بسببهم ويدخلون الجنة؟! إذاً: والله لأغوينهم أجمعين، هذا قاله لله وبين يديه: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:82-83].

    اليهود بنو عمنا، نحن أولاد إسماعيل وهم أولاد إسحاق، قالوا: لن نستطيع أن نعيد مملكة بني إسرائيل على عهد سليمان حيث ملكنا الشرق والغرب ودانت الدنيا كلها لنا إلا إذا أفسدنا القلوب والعقول، فإذا أصبحت البشرية كالبهائم ينزو بعضهم على بعض أمكننا أن نسود ونحكم.

    يا شيخ! كيف تقول هذا؟ والله إنه لكما تسمعون، من هبط بالعالم الإسلامي ذاك الهبوط الذي مزقهم وشتت حكوماتهم وشوه عقولهم وقلوبهم حتى أمكن اليهود أن ينشئوا دولة في قلب العالم الإسلامي؟ لو كان المسلمون كما كانوا في القرون الذهبية، والخلافة قائمة، فهل يمكن هذا؟ مستحيل، لكن لما مزقوا العالم الإسلامي، واستعمره الشرق والغرب، وذهبوا ذهاباً لا رجوع له إلا أن يشاء الله، وهبوطاً لا حد له، أمكنهم أن يعلنوا عن دولتهم، إلى الآن يعلنون أم لا؟ إذاً: ماذا أقول؟

    فلما وصل إلى ذلك المكان اعترضه إبليس وقال: يا إبراهيم! أتذبح هذا الولد؟ تعالى الله عن هذا الطلب، كيف بربك الحليم الكريم يأمرك بذبح ولدك؟ كيف تفعل هذا يا إبراهيم؟! فعرف إبراهيم أنه العدو فرماه بسبع حصيات وطرده، وتقدم، فمشى إلى مكان الجمرة الوسطى، فاعترضه: يا إبراهيم! يا خليل الرحمن! أيأمرك الله بذبح طفلك هذا؟! ألم يكن ربك رءوفاً رحيماً؟! هذه رؤيا وأحلام لا قيمة لها، ارجع إلى دارك ورد ولدك، فعرف إبراهيم فرماه بالحجارة كما ترمونه أنتم في الحج، أنتم ترمون المكان الذي فيه وهو يتألم ويحترق، وتقدم إبراهيم إلى الجمرة الصغرى، ثَمَّ أيس العدو، وجاء إبراهيم بإسماعيل وتله للجبين والمدية في يده، ما إن رفع يده وقبل أن يضعها حتى نودي: يا إبراهيم! خذ هذا واترك هذا، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:107]، جاء جبريل بكبش من الجنة، من عالم الملكوت الأعلى، أملح لا نظير له، وقال: اذبح هذا واترك هذا. وذبح إبراهيم الكبش الفداء وقام إسماعيل سليماً معافى.

    هذه بلوى ابتلى الله بها إبراهيم، وقد ابتلاه أول مرة بدخوله في النار، وابتلاه بالهجرة من دياره إلى أرض الغربة، وابتلاه بذبح ولده، وسيبتليه ببناء الكعبة، يبني لنا بيتاً.

    إذاً: قال تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124] أي: أوامر، ابتلى أي: امتحن واختبر إبراهيم ربه، بماذا؟ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124] منها: الهجرة من ديار آبائه وأجداده إلى أرض لا يعرف فيها أحداً، ومنها: أن يذبح إسماعيل، ومنها: أن يبني له البيت وحده، البيت العتيق.

    إذاً: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:107-110] تدبير الله عز وجل.

    سؤال إبراهيم عليه السلام ربه إبعاده وذريته عن عبادة الأصنام

    قال إبراهيم: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي [إبراهيم:35] أي: وباعدني وَبَنِيَّ [إبراهيم:35] أولادي، أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم:35] سأل الله تعالى أن يبعده ويجنبه عبادة الأصنام هو وأولاده وأحفاد أولاده إلى اليوم.

    وعبادة الأصنام كيف كانت؟ كانت كما يفعل الجهال بالقبور اليوم، ينذرون لها النذر، حتى نحن كنا إذا غرسنا شجر الزيتون نقول: هذه شجرة سيدي فلان، إذا غرسنا نخلة قلنا: هذه نخلة سيدي فلان، كفعل الجاهل الذي يقول: ما في بطن هذه العنز أو الشاة هو لسيدي فلان.

    أو بالعكوف حولها، رأيناهم عاكفين حول قبر بالعشرات نساءً ورجالاً، وزر ديار مصر وشاهد ضريح السيدة زينب وما إلى ذلك، العكوف، التمسح بها، الحلف بها، دعاؤها، التوسل بها إلى الله: يا سيدي فلان! يا مولاي فلان! يا كذا يا كذا! ادع الله لكذا، والله إنها مثل عبادة الأصنام، والحمد لله الذي أرانا الآن أمةً لا تعرف هذه الأصنام ولا تعبدها، وإلا فقبل ستين سنة لا تسأل، حيثما اتجهت في بلاد العرب والعجم تجدهم يعبدونها، بل ما زالوا إلى الآن، ولكن قلّ لأسباب من بينها: وجود هذه الدولة السعودية على يد عبد العزيز ، فأعلمتهم أنهم مشركون وأن هذا شرك، وضجت الدنيا، ثم شاهدوا الأنوار الإلهية في هذه الديار لا قبر يعبد ولا أحد يدعى وهم حجاج وعُمَّار فتغيرت نظرياتهم، ثم جاءت هذه الصحف والمجلات والكتب، ومن قبل ما كان إنسان عنده كتاب، يبقى عنده عشرين سنة حتى ينسخه، فانتشرت الدعوة والحمد لله، وخاصة الجامعة الإسلامية وجامعة الإمام كل عام تخرج ثلاثين أربعين داعية في الشرق والغرب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم)

    قال تعالى: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ [إبراهيم:36]، يا رب! إن هذه الأصنام أضلت كثيراً من الناس، أي: أبعدتهم وصرفتهم عن عبادتك وتعلق قلوبهم بك يا رب العالمين، هكذا يشكو إلى ربه: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [إبراهيم:36]، الذي مشى على طريقي ونهج نهجي فعبدك وحدك لا إله إلا أنت، ولم يلتفت إلى غيرك، ولم يعبد سواك فهو مني.

    وَمَنْ عَصَانِي [إبراهيم:36] وخرج عن طاعتي وعبد غيرك فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم:36].